من مكتبة مِداد الخطيب

أدبُ تِلاوَةِ القُرآنِ الكَريمِ وحُرمَةِ كَلامِ الله

مشاركة
🕌 أدبُ تِلاوَةِ القُرآنِ الكَريمِ وحُرمَةِ كَلامِ الله #خطبة_جمعة #تلاوة_القرآن #آداب_التلاوة #كلام_الله #ترتيل_القرآن #أهل_القرآن #إيمانيات #أخلاق الحمدُ للهِ الذي أنزَلَ على عَبدِهِ الكِتابَ ولم يَجعَل لهُ عِوَجاً، قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأساً شَديداً مِن لَدُنهُ ويُبَشِّرَ المُؤمِنينَ الذينَ يَعمَلونَ الصَّالِحاتِ أنَّ لَهُم أجراً حَسَناً، كلامُهُ أصدَقُ الحَديث، وحَبلُهُ المَتين، ونُورُهُ المُبين، وصِراطُهُ المُستَقيم، مَن قالَ بهِ صَدَق، ومَن عَمِلَ بهِ أُجِر، ومَن حَكَمَ بهِ عَدَل، ومَن دَعا إليهِ هُدِيَ إلى هُدَىً مُستَقيم. سُبحانَهُ وبِحمدِه؛ كَلَّمَ بهِ عِبادَهُ تَعَطُّفاً وإحساناً، وجَعَلَهُ لقُلوبِ الصَّادِقينَ رَوحاً ورَيحاناً، لا يَخلَقُ على كَثرَةِ الرَّدّ، ولا تَنقَضي عَجائِبُهُ على مَرِّ الأبَد. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، تَعالى في جَلالِهِ وكَمالِه، لا مَثيلَ لذاتِه، ولا نَظيرَ لصِفاتِه، كَلِماتُهُ تامَّاتٌ صِدقاً وعَدلاً، لا مُبَدِّلَ لكَلِماتِهِ وهوَ السَّميعُ العَليم. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وحَبيبَنا وقُدوَتَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، كانَ قُرآناً يَمشي بينَ الأنام، رَتَّلَ الآياتِ فأشرَقَت لترتيلِهِ الأيَّام، وبَكى مِن خَشيَةِ الرَّحمنِ حينَ سَمِعَ كَلامَ رَبِّه، وكانَ خُلُقُهُ القُرآنَ في سِرِّهِ ولُبِّه، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ البَرَرة، وصَحابَتِهِ الكِرامِ السَّفَرَة، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ ما تُلِيَتِ الآياتُ وتَشَنَّفَت بسَماعِها الآذان. أمَّا بعد: فيا عِبادَ الله، ألا تَأمَّلتُم يَوماً في مَعنى أنَّ بَينَ أيديكُم كَلامَ اللهِ جَلَّ جَلالُه؟ هل استَشعَرَت قُلوبُكم هَيبَةَ أن تَنطِقَ ألسِنَتُكم الحادِثَةُ الفانِيَةُ بكَلامِ مَن لهُ العِزَّةُ والبَقاء، ومَن يَملِكُ مَلَكوتَ الأرضِ والسَّماء؟! إنَّكَ حينَ تَفتَحُ المِصحَفَ الشَّريفَ لتَقرَأ، فلَستَ تَتَصَفَّحُ كِتابَ أدَبٍ لكاتِبٍ مَرموق، ولا دِيوانَ شِعرٍ لشاعِرٍ مَوهوب، ولا مُؤَلَّفاً بَشَرِيّاً يَعتريهِ النَّقصُ والخَلَل، والزَّيغُ والزَّلَل؛ إنَّكَ تَفتَحُ رَسائلَ مَلِكِ المُلوكِ إليك! تَقرَأُ كَلامَ الذي خَلَقَكَ فَرَزَقَك، وصَوَّرَكَ فأحسَنَ صُوَرَك، والذي إليهِ مَرجِعُكَ وحِسابُك! عَجَباً لقَلبٍ يَسمَعُ كَلامَ رَبِّهِ ثُمَّ لا يَقشَعِرُّ جِلدُه! عَجَباً لعَينٍ تَقرَأُ آياتِ المَوعِظَةِ ثُمَّ تَجفُو فلا تَفيضُ دَمعَتُها! أينَ نَحنُ — رَحِمَكُمُ الله — مِن حُرمَةِ هذا القُرآن؟ أينَ نَحنُ مِن حَقِّ تِلاوَتِه؟ هل صارَ القُرآنُ عِندَ كَثيرٍ مِنَّا حُروفاً تُهَذُّ هَذَّ الشِّعر، ونَثراً يُنثَرُ كَنَثرِ الدَّقَل، لا تُجاوِزُ الحَناجِر، ولا تَصِلُ إلى أعماقِ الضَّمائر؟ إنَّ التِّلاوَةَ الحَقَّةَ ليسَت تَحرِيكاً لشَفَتَينِ فارِغَتَينِ مِن حُضورِ الذِّهن، بل هيَ رِحلَةُ خُضوع، وهَيبَةُ وُقوف، واستِشعارٌ لِعَظَمَةِ المُتَكَلِّمِ سُبحانَه. استَمِعوا إلى ما وَصَفَ اللهُ بهِ أهلَ الإيمانِ الصَّادِقِ مَعَ كِتابِه، حيثُ يقولُ تبارَكَ وتَعالى في سُورَةِ البَقَرَة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: 121]. تَأمَّلوا في هذا القَيدِ الإلهيِّ الجَليل: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾! لم يَقُل سُبحانَهُ "يَقرَؤونَه" فحَسب، بل جَعَلَ للمَقامِ "حَقّاً"! فما هُوَ حَقُّ تِلاوَتِهِ يا مَعاشِرَ المُؤمِنين؟ فسَّرَها حَبرُ الأُمَّةِ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه بأجمَلِ بَيان، فقال: "والذي نَفسي بيَدِه، إنَّ حَقَّ تِلاوَتِهِ: أن يُحِلَّ حَلالَه، ويُحَرِّمَ حَرامَه، ويَقرَأَهُ كما أنزَلَهُ الله، ولا يُحَرِّفَ الكَلِمَ عن مَواضِعِه، ولا يَتَأوَّلَ مِنهُ شيئاً على غَيرِ تَأويلِه". وقالَ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله: "حَقُّ تِلاوَتِه: أن يَعمَلَ بمُحكَمِه، ويُؤمِنَ بمُتَشابِهِه، ويَكِلَ ما أشكَلَ عليهِ إلى عَالِمِه". وحَقُّ التِّلاوَةِ يَبدأُ مِن طَهارَةِ الظَّاهِرِ والباطِن، ويَمُرُّ بتَرتيلِ الحُروفِ وتَدَبُّرِ الحُدود، ويَنتَهي بالانقيادِ الكامِلِ لِما أَمَرَ بهِ أو زَجَر. ويَأمُرُنا رَبُّنا جلَّ في عُلاه بأدَبِ التَّرتيلِ والتَّأنِّي، فلا يَكونُ هَمُّ القارِئِ بُلوغَ آخِرِ السُّورَة، بل هَمُّهُ وُلوجَ الآيَةِ إلى سَويداءِ الفُؤاد، فيقولُ سُبحانَهُ لِنَبيِّهِ ﷺ ولأُمَّتِهِ مِن بَعدِه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. تَأمَّلوا كَيفَ أكَّدَ الفِعلَ بالمَصدَر: ﴿تَرْتِيلًا﴾! التَّرتيلُ: هوَ التَّمَهُّلُ والتَّبَيُّن، وإخراجُ الحُروفِ مِن مَخارِجِها، مَعَ الوُقوفِ عندَ مَقاطِعِها، وتَحسينِ الصَّوتِ بها بلا تَكَلُّفٍ ولا تَمطيط. وقد سُئِلَت أُمُّ المُؤمِنينَ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عن قِراءَةِ رسولِ اللهِ ﷺ، فنَعَتَت قِراءَةً مُفَسَّرَةً حَرفاً حَرفاً! هكذا كانَ يَقرَأُ سيِّدُ الخَلق؛ حَرفاً حَرفاً، يَقفُ عندَ رُؤوسِ الآي، يَحمَدُ عندَ آيَةِ الحَمد، ويَستَعيذُ عندَ آيَةِ العَذاب، ويَسألُ عندَ آيَةِ الرَّحمَة، ويُسَبِّحُ عندَ آيَةِ التَّسبيح. أينَ هذا مِن قِراءَةِ مَن يَسْرُدُ الآياتِ سَرْداً لا يَفهَمُ مَعناها، ولا يَعي وَعِيدَها، ولا يَستَشعِرُ حَلاوَتَها؟ ثمَّ انظُروا — يا عِبادَ الله — إلى هَيبَةِ هذا القُرآنِ لو عَقَلَهُ المَخلوق، وأدرَكَ كُنهَ عَظَمَتِه؛ يَضرِبُ اللهُ لنا مَثَلاً بالصَّخرِ الأصَمِّ والجِبالِ الرَّاسيات، فيقولُ سُبحانَهُ في خَواتيمِ سُورَةِ الحَشر: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]! سُبحانَك يا رَبّ! جَبَلٌ مِن صَخرٍ صَلْد، ضَخمُ الأركان، رَاسِي القَواعِد، لو أُنزِلَ عليهِ القُرآنُ ورُزِقَ فَهماً وتَمييزاً، لخَشَعَ وتَفَتَّتَ وتَشَقَّقَ وتَصَدَّعَ مِن هَيبَةِ كَلامِ رَبِّه! فكيفَ بقَلبِكَ أنتَ أيُّها الإنسان، الذي هُوَ لَحمٌ ودَم، يَسمَعُ القُرآنَ يُتلَى صَباحَ مَساء، ثُمَّ يَبقى قَاسِياً كالحِجارَةِ أو أشَدَّ قَسوَة؟! أهِيَ قَسوَةُ الذُّنوبِ التي رَانَت على القُلوب، أم هُوَ طُولُ الأَمَلِ الذي أنسَى المَصير، أم هُوَ فُقدانُ الأدَبِ مَعَ كَلامِ العَزيزِ القَدير؟! واسمَعوا إلى البِشارَةِ العُظمى التي يَسوقُها اللهُ لتالِي كِتابِهِ المُنقادِ لآدابِه، حيثُ يقولُ جَلَّ شأنُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ • لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 29-30]. تِجارَةٌ لَن تَبور! لَن تَكسَد، ولَن تَخسَر، ولَن تَفنى! رِبحُها في الدُّنيا نُورٌ في الصَّدر، وبَرَكَةٌ في الرِّزق، وسَكينَةٌ في الدَّار، ورِبحُها في القَبرِ أُنْسٌ وضِياء، ورِبحُها في الآخِرَةِ شَفاعَةٌ ورِفعَةٌ في أعلَى الجِنان. وقد تَواتَرَت عَن رَسولِ اللهِ ﷺ الأحاديثُ الصِّحاحُ في بَيانِ مَكانَةِ أهلِ القُرآنِ وتالِيه؛ ففي صَحيحِ الإمامِ مُسلِمٍ، عَن أبي أُمامَةَ الباهِليِّ رضي الله عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «اقرَؤوا القُرآن؛ فإنَّهُ يَأتي يَومَ القِيامَةِ شَفيعاً لأصحابِه». أصحابُه! تَأمَّلوا هذه الكَلِمَة: لم يَقُل "لمَن قَرَأَه مَرَّة"، بل قالَ: «لأصحابِه»! والصَّاحِبُ هُوَ المُلَازِمُ الذي لا يُفارِق، تَصحَبُ القُرآنَ في صَباحِكَ ومَسائِك، في صَلاتِكَ وخَلَواتِك، يَكونُ لَكَ فِي الدُّنيا وَنيساً، فيَكونُ لَكَ يَومَ الحَشرِ شَفيعاً ومُحامِياً ومُدافِعاً بينَ يَدَيِ الله! ورَوى الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه، عَن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه، عَن النبيِّ ﷺ قال: «خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَه». هذه هيَ الخَيرِيَّةُ المُطلَقَةُ في ميزانِ السَّماء؛ ليسَت خيرِيَّةَ مَن جَمَعَ الأموال، ولا مَن شَيَّدَ القُصور، ولا مَن حَازَ الرُّتَبَ والشَّارات، بل خيرِيَّةُ مَن عاشَ مَعَ كِتابِ اللهِ تَعَلُّماً وتَعليماً وعَمَلاً. بل انظُروا إلى رَحمَةِ الشَّريعَةِ ورِفعَةِ كَرَمِها حتَّى مَعَ مَن يَثقُلُ عليهِ اللِّسان؛ ففي الصَّحيحَينِ عَن أُمِّ المُؤمِنينَ عائشةَ رضي الله عنها، قالَت: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «الماهِرُ بالقُرآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَة، والذي يَقرَأُ القُرآنَ ويَتَتَعتَعُ فيهِ وهوَ عليهِ شَاقٌّ لهُ أجران». أجرٌ على التِّلاوَة، وأجرٌ على المُجاهَدَةِ والمَشَقَّة! فلا حُجَّةَ لأحَدٍ بَعدَ اليومِ في هَجرِ القُرآنِ بحُجَّةِ ثِقَلِ لِسانِهِ أو قِلَّةِ حِفظِه. ورَوى أبو داودَ والتِّرمذيُّ بصَحيحِ الإسناد، عَن عبدِ اللهِ بنِ عَمروٍ رضي الله عنهما، عَن النبيِّ ﷺ قال: «يُقالُ لِصاحِبِ القُرآنِ يَومَ القِيامَة: اقرَأْ وارتَقِ ورَتِّلْ كما كُنتَ تُرَتِّلُ في الدُّنيا؛ فإنَّ مَنزِلَتَكَ عِندَ آخِرِ آيَةٍ تَقرَأُ بها». كُلَّما رَتَّلتَ آيَةً صَعِدتَ دَرَجَةً في فَراديسِ الجِنان، حتَّى تَنتَهي إلى أعلَى عِلِّيِّين. وقد سَطَّرَ أئمَّةُ الهُدى وسَلَفُ الأُمَّةِ أروَعَ الصُّوَرِ في فِقهِ أدَبِ التِّلاوَة؛ صَنَّفَ الإمامُ النَّوَويُّ رحمه اللهُ تعالى كِتابَهُ الفَذَّ «التبيان في آداب حملة القرآن»، فبَيَّنَ أنَّ مِن أعظَمِ الآداب: أن يَكونَ القارِئُ على أكملِ الأحوال: طاهِراً مُتَطَهِّراً، يَستَاكُ لتَطييبِ فَمِهِ الذي هُوَ طَريقُ القُرآن، يَجلِسُ مُستَقبِلَ القِبلَةِ في سَكينَةٍ ووَقار، يَتَدَبَّرُ ما يَقرَأ، ويَبكي أو يَتَباكى خُشوعاً لله. وكانَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه يَقولُ كَلِمَتَهُ المَشهورة: "إذا سَمِعتَ اللهَ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِها سَمعَك؛ فإنَّهُ خَيرٌ تُؤمَرُ به، أو شَرٌّ تُنهَى عنه". وقالَ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رحمه الله: "حامِلُ القُرآنِ حامِلُ رايَةِ الإسلام، لا يَنبَغي لهُ أن يَلغُوَ مَعَ مَن يَلغو، ولا يَسهُوَ مَعَ مَن يَسهو، ولا يَلهُوَ مَعَ مَن يَلهو، تَعظيماً لحَقِّ القُرآنِ في صَدرِه". عِبادَ الله، هل سَمِعتُم بما وَقَعَ لِصَحابَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ كانت تِلاوَتُهُم تَهُزُّ مَلَكوتَ السَّماء؟ روى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما، عَن أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ رضي الله عنه، أنَّهُ كانَ يَقرَأُ لَيلَةً في مِربَدِهِ سُورَةَ البَقَرَة، وفَرَسُهُ مَربوطَةٌ قَريباً مِنه، وابنُهُ يَحيى نائمٌ قَريبٌ مِنه؛ فبَينَما هوَ يَقرَأُ إذ جالَتِ الفَرَسُ واضطَرَبَت، فسَكَتَ فسَكَنَت، ثمَّ قَرَأَ فجالَتِ الفَرَسُ اضطِراباً شَديداً، فسَكَتَ فسَكَنَت، ثمَّ قَرَأَ فجالَت ثالِثَةً، فأشفَقَ على ابنِهِ أن تَدوسَهُ الفَرَس، فقامَ إليها... فإذا بمِثلِ الظُّلَّةِ فَوقَ رَأسِهِ فيها أمثالُ المَصابيح، عَرَجَت في الجَوِّ حتَّى ما يَراها! فلمَّا أصبَحَ غَدا على رسولِ اللهِ ﷺ فأخبَرَهُ بما رأى، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ: «تِلكَ المَلائِكَةُ دَنَت لِصَوتِك، ولو قَرَأتَ لأصبَحَت يَنظُرُ النَّاسُ إليها لا تَتَوارى مِنهُم»! يا لله! مَلائِكَةُ السَّماء، الخَلقُ النُّورانيُّ الطَّاهِر، تَهبِطُ مِن أوجِ السَّماواتِ لتَقتَرِبَ مِن صَوتِ رَجُلٍ يَقرَأُ القُرآنَ في مِربَدِ تَمْرٍ خَلفَ بَيتِه! فأيُّ نُورٍ يُشِعُّ في بُيوتِنا حينَ يُرتَّلُ فيها كَلامُ الله، وأيُّ ظُلمَةٍ تَحِلُّ بها حينَ تُهجَرُ آياتُ الكِتاب؟! ثمَّ انظُروا إلى خُشوعِ النبيِّ ﷺ وتأثُّرِهِ وهوَ الذي أُنزِلَ عليهِ الوَحي؛ روى البُخاريُّ في صَحيحِه، عَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه، قال: قالَ لي رسولُ اللهِ ﷺ: «اقرَأْ عَلَيَّ القُرآن»، فقلتُ: يا رسولَ الله، أأقرَأُ عليكَ وعليكَ أُنزِل؟! فقالَ ﷺ بكَلِماتٍ تَفيضُ شَوقاً وتَعظيماً: «إنِّي أُحِبُّ أن أسمَعَهُ مِن غَيري»! قالَ ابنُ مَسعود: فافتَتَحتُ سُورَةَ النِّساء، حتَّى إذا بَلَغتُ هذهِ الآيَةَ العَظيمَةَ المَهُولَة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]... قالَ لي ﷺ: «حَسبُكَ الآن»! قالَ ابنُ مَسعود: فالتَفَتُّ إليه، فإذا عَيناهُ تَذرِفان! دُموعُ النُّبُوَّةِ تَسيلُ على لِحيَتِهِ الشَّريفَة، حَياءً مِنَ المَوقِف، وهَيبَةً مِنَ الشَّهادَة، وتَأثُّراً بكَلامِ اللهِ جلَّ جَلالُه. وقارِنوا هذا الحالَ الشَّريفَ — يا عِبادَ الله — بواقِعِ كَثيرٍ مِن بُيوتِ المُسلمينَ في هذا الزَّمان! بُيوتٌ تَمُرُّ عليها الأسابيعُ والشُّهور، والمَصاحِفُ فيها مَحبوسَةٌ في الأدراج، أو مَرفوعَةٌ على الرُّفوفِ تَعلوها الأترِبَةُ والغُبار، لا تُفتَحُ إلَّا في رَمَضان، أو إذا ماتَ مَيِّتٌ وُضِعَ المِصحَفُ عندَ رَأسِه! بَينَما الشَّاشاتُ مُشتَعِلَةٌ ليلَ نَهار، والأسماعُ مَشغولَةٌ بسَفاسِفِ المَقاطِع، وزَمزَمَةِ المُلهِيات، وفُحشِ الأغاني، ومُتابَعَةِ التَّافِهين! يَجلِسُ أحَدُنا أمامَ هاتِفِهِ ثَلاثَ ساعاتٍ وأربَعاً لا يَكِلُّ بَصَرُهُ ولا يَمَلُّ قَلبُه، فإذا فَتَحَ كِتابَ اللهِ تَعاصَت عليهِ الصَّفحَةُ الواحِدة، وتَثاءَبَ بَعدَ آيَتَين، وثَقُلَت عليهِ الدَّقائقُ كأنَّها جِبال! أهكذا يُقابَلُ كَلامُ الحَبيب؟! أهكذا نُعَظِّمُ رِسالَةَ السَّماءِ إلينا؟! قالَ اللهُ تبارَكَ وتَعالى حاكِياً شَكوى نَبيِّهِ العُظمى يَومَ القِيامَة: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]. فيا وَيحَ مَن كانَ خَصمَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ يَومَ يَلقى رَبَّه! فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وأعِيدوا لِكِتابِ اللهِ هَيبَتَهُ في صُدورِكم، وأَنزِلوهُ مَنزِلَتَهُ في بُيوتِكم، وتَأدَّبوا مَعَ آياتِهِ تِلاوَةً وحِفظاً وعَمَلاً واستِماعاً. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ أَجلِّ نِعمَةٍ أَنزَلَها اللهُ على أهلِ الأرض: «أدَبِ تِلاوَةِ القُرآنِ وحُرمَةِ كَلامِ الله»، وبَيَّنَّا مَعنى حَقِّ التِّلاوَةِ الذي وَصَفَ اللهُ بهِ الصَّادِقين، ورَأينا كَيفَ دَنَتِ المَلائِكَةُ لِصَوتِ أُسَيدٍ وهوَ يَقرَأ، وكَيفَ بَكى النبيُّ ﷺ لِما سَمِعَ الآياتِ مِنِ ابنِ مَسعود، وحَذَّرنا مِن داءِ الهَجرِ الذي شَكا مِنهُ رَسولُ الهُدى ﷺ. والسُّؤالُ العَمَليُّ الذي يَنبَغي أن يَخرُجَ بهِ كُلُّ مُصلٍّ اليوم: كَيفَ نَجعَلُ القُرآنَ رَبيعاً حَقِيقيّاً لقُلوبِنا وبُيوتِنا بَعدَ هذا المَقام؟ لِذا، فإنِّي أُوصيكُم ونَفسي بخَمسِ وَصايا مُتَكامِلَة، هيَ عِمادُ الأدَبِ مَعَ كِتابِ الله: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): تَجَرَّدوا عِندَ القِراءَةِ مِن رُؤيَةِ النَّفس، واستَحضِروا بكُلِّ ذَرَّةٍ في وِجدانِكُم أنَّكُم تَستَمِعونَ إلى خِطابِ اللهِ المُوَجَّهِ إليكُم خاصَّة؛ فإذا مَرَرْتَ بآيَةِ رَحمَةٍ فاستَبشِر وارجُ، وإذا مَرَرْتَ بآيَةِ عَذابٍ فاشفِق وفِرَّ إلى الله، واقرَأِ القُرآنَ كأنَّما أُنزِلَ عليكَ اللَّحظَة. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): زَيِّنوا القُرآنَ بأصواتِكُم بلا تَكَلُّفٍ ولا رِياء، ورَتِّلوهُ رُويداً رُويداً؛ قالَ ﷺ: «زَيِّنوا القُرآنَ بأصواتِكُم»، وإيَّاكُم وهَذْرَمَةَ الحُروفِ وسُرعَةَ القِراءَةِ التي تَحرِمُ القَلبَ مِنَ التَّدَبُّر؛ فآيَةٌ واحِدَةٌ تُردِّدُها وتَبكي عِندَها خَيرٌ مِن خَتمَةٍ كامِلَةٍ يَمُرُّ بها اللِّسانُ والقَلبُ لاهٍ غافِل. الثالثة (وَصيَّةٌ عَمَليَّةٌ فِعليَّة): الزَموا وِرداً يَوميّاً ثابِتاً لا يَنقَطِعُ مَهما كانتِ الظُّروف، ولَو كانَ جُزءاً واحِداً، أو نِصفَ جُزء، أو حِزباً؛ اجعَل وِردَكَ مِن كِتابِ اللهِ كطَعامِكَ وشَرابِك، لا تَترُكهُ لعَوارِضِ الفَراغ، فمَن رَبَطَ يَومَهُ بالقُرآنِ بَارَكَ اللهُ لهُ في سَاعاتِهِ وأوقاتِه. الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّة): أَحْيُوا القُرآنَ في بُيوتِكُم مَعَ أهليكُم وأولادِكُم؛ اطرُدوا الشَّياطينَ مِنَ البُيوتِ بقِراءَةِ سُورَةِ البَقَرَة؛ قالَ ﷺ: «إنَّ الشَّيطانَ يَنفِرُ مِنَ البَيتِ الذي تُقرَأُ فيهِ سُورَةُ البَقَرَة»، واجعَلوا لأبنائِكُم حَظّاً مِن مَدارَسَةِ القُرآنِ وتَعليمِهِ وتَشجيعِهِم على حِفظِه، فالبيتُ الذي يُقرَأُ فيهِ القُرآنُ يَتَّسِعُ بأهلِه، وتَحضُرُهُ المَلائِكَة، وتَخرُجُ مِنهُ الشَّياطين. الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): تَأدَّبوا بآدابِ الجُلوسِ للمِصحَف؛ تَطَهَّروا بالماء، وطَيِّبوا أفواهَكُم بالسِّواك، واستَقبِلوا القِبلَةَ إن تَيَسَّر، ونَحُّوا الهَواتِفَ والشَّواغِلَ جانِباً، وأمسِكوا كِتابَ اللهِ بكِلتا يَدَيكُم تَعظيماً وتَوقيراً، ولا تَضَعوا فَوقَهُ شَيئاً، فكلامُ اللهِ يَعلو ولا يُعلَى عليه. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واجعَلوا القُرآنَ إمامَكُم في الحَياة، يَكُن قائِدَكُم إلى الجَنَّة: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن كانَ خُلُقُهُ القُرآن، سيِّدِ وَلَدِ عَدنان، فقد قالَ اللهُ تبارَكَ وتعالى في مُحكَمِ التِّبيان: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونُورَ صُدورِنا، وجَلاءَ أحزانِنا، وذَهابَ هُمومِنا وغُمومِنا، وسائقَنا ودَليلَنا إليكَ وإلى جَنَّاتِكَ جَنَّاتِ النَّعيم. اللَّهُمَّ ذَكِّرنا مِنهُ ما نُسِّينا، وعَلِّمنا مِنهُ ما جَهِلنا، وارزُقنا تِلاوَتَهُ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ على الوَجهِ الذي يُرضيكَ عَنَّا. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يُحِلُّ حَلالَه، ويُحَرِّمُ حَرامَه، ويَعمَلُ بمُحكَمِه، ويُؤمِنُ بمُتَشابِهِه، ويَتلوهُ حَقَّ تِلاوَتِه. اللَّهُمَّ ألبِسنا بهِ الحُلَل، وأسكِنَّا بهِ الظُّلَل، وادفَعْ عنَّا بهِ النِّقَم، واجعَلهُ حُجَّةً لنا لا حُجَّةً علينا يا رَبَّ العالَمين. اللَّهُمَّ اغفِر لآبائنا وأُمَّهاتِنا، واجزِهِم عنَّا خَيرَ ما جَزَيتَ والِداً عن وَلَدِه، اللَّهُمَّ ارفَع دَرَجاتِهم في المَهدِيِّين، واغفِر لنا ولَهُم يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج كَربَ المَكروبين، ونَفِّس هَمَّ المَهمومين، واقضِ الدَّينَ عنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلمين، وارفَعِ البَلاءَ والوَباءَ والرِّبا والغَلاءَ عن بِلادِنا وعن سائِرِ بُلدانِ المُسلمين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.