من مكتبة مِداد الخطيب

مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ... بَشَائِرُ الرَّحِيل

مشاركة
🕌 مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ... بَشَائِرُ الرَّحِيل #خطبة_جمعة #لقاء_الله #حسن_الخاتمة #الموت #الدار_الآخرة #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدُّنيَا مَمَرًّا لا مَقَرًّا، ومُلتَقَى زَادٍ لا مَوطِنَ خُلودٍ، وأَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَبتَلي عِبادَهُ بالآجَالِ لِيَرفَعَ دَرَجاتِهِم، ويُنادي قُلوبَهُم لِتَشتَاقَ إلى لِقَائِه، وأَشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه، أصدَقُ مَن ذَكَّرَ بِالآخِرَةِ، وأرحَمُ مَن دَلَّ عَلى طَريقِ النَّجَاةِ، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، هُنالِكَ لَحظةٌ نَهرُبُ مِنها جَميعًا... لَكِنَّها آتية. لَحظةٌ نَكرَهُ ذِكرَها، وتَرتَجِفُ قُلوبُنا عِندَ سَماعِها: المَوت. ذَلِكَ الشَّبَحُ المُخيفُ الَّذي يَقطَعُ اللَّذَّاتِ ويُفَرِّقُ الجَمَاعَات. لَكِن، ماذا لو أخبَرتُكُم أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَوَّلَ هَذا الخَوفَ إلى "حُبٍّ" وشَوق؟ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ قَالها رَسولُ اللهِ ﷺ غَيَّرَت نَظرَةَ المُؤمِنِ للرَّحيلِ إلى الأَبَد... ما هِي؟ وكَيفَ يُمكِنُ لإنسانٍ أن يُحِبَّ شَيئًا مَفطورًا عَلى الخَوفِ مِنه؟ بَعدَ قَليلٍ سَنَعرِفُ السِّر. أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنون، كُلُّ رِحلَةٍ في هَذِهِ الحَياةِ لَها نِهايَة، وكُلُّ طَريقٍ نَسلُكُهُ يَصُبُّ في بابٍ واحِدٍ سَنَعبُرُهُ جَميعًا، مُلُوكًا وصَعَاليك، أَغنِياءَ وفُقَرَاء، أصِحَّاءَ ومَرضَى. هَذا البَابُ هُوَ "لِقاءُ الله". لَقَد لَخَّصَ النَّبيُّ ﷺ قِصَّةَ العُمُرِ كُلِّهَا في حَديثٍ عَظيمٍ، حَديثٍ يَهُزُّ القُلوبَ الحَيَّةَ ويُوقِظُ الأَرواحَ الغَافِلَة. روى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضيَ اللهُ عَنهُ، عَن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». تَأمَّلوا مَعي يا عِبادَ الله... "مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّه". لَمَّا سَمِعَت أُمُّ المُؤمِنينَ عَائِشَةُ رَضيَ اللهُ عَنها هَذا الحَديث، سَأَلَت السُّؤالَ الَّذي يَدورُ في خَلَدِ كُلِّ واحِدٍ مِنَّا الآن. قَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوْتَ! سُؤالٌ مَنطِقيٌّ وعَميق. كُلُّنا نَكرَهُ المَوت، نَكرَهُ ألَمَهُ، نَكرَهُ فِراقَ الأَحِبَّة، نَكرَهُ مُفارَقَةَ الأَوطَانِ والأَولادِ. هَل يَعني هَذا أنَّ اللهَ يَكرَهُ لِقَاءَنا؟ وَهُنا يَأتِي الجَوَابُ النَّبَوِيُّ الرَّحيم، الَّذي يَمسَحُ عَلى القُلوبِ الخَائِفَةِ ويُبَيِّنُ الحَقيقَة. قالَ لها الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ، بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». واسمَعوا لهذا التَّوضيح العَظيم مِن عُلمائِنا. قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مُبَيِّنًا مَعنى هَذا الحَديث: "المَحَبَّةُ والكَراهِيَةُ الَّتي تُعتَبَرُ شَرعًا هِيَ الَّتي تَقَعُ عِندَ النَّزعِ، في الحَالَةِ الَّتي لا تُقبَلُ فيهَا التَّوبَةُ، حَيثُ يُكشَفُ الحَالُ لِلمُحتَضَرِ، ويَظهَرُ لَهُ مَا هُوَ صَائِرٌ إلَيه". المَسأَلَةُ يَا إِخوَتي لَيسَت في الخَوفِ الطَّبيعيِّ مِنَ المَوتِ في حالِ الصِّحَّة، بَل المَسأَلَةُ في تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ عِندَ الغَرغَرَة، عِندَما يَنقَشِعُ الغِطَاء، وتَرتَفِعُ الحُجُب، وتَرى مَلائِكَةَ الرَّحمَنِ تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّماء. هَل سَأَلتَ نَفسَكَ يَومًا: ماذا سَأَرى في تِلكَ اللَّحظَة؟ يَقولُ رَبُّنا تَبَارَكَ وتَعالى واصِفًا حَالَ المُؤمِنِ حِينَ يَأتيهِ المَلَك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. تَأمَّلوا هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتي تُعَانِقُ الرُّوحَ قَبلَ خُروجِهَا! تَنزِلُ المَلائِكَةُ بِيضُ الوُجوهِ، مَعَهُم حَنوطٌ مِن حَنوطِ الجَنَّة، لِيَقولوا لِلمُؤمِنِ المُرتَجِف: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ مِمَّا هُوَ آتٍ مِن أهوالِ القَبرِ والقيامَة، فَأنتُم في أمانِ الله. ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ عَلى ما تَرَكتُم وَراءَكُم مِن أهلٍ ووَلَدٍ ومَال، فَاللهُ خَليفَتُكُم فيهِم. ﴿وَأَبْشِرُوا﴾! بِأيِّ شَيءٍ؟ ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
فِي هَذِهِ اللَّحظَةِ بالذَّات، حِينَ يَرى المُؤمِنُ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّة، ويَشَمُّ رِيحَها، هَل يَلتَفِتُ إلى الدُّنيَا بِما فيها؟ هَل يَأسَفُ عَلى قُصورِها وأموالِها؟ لا وَالله! بَل يَطيرُ قَلبُهُ شَوقًا للرَّحيل. يُصبِحُ المَوتُ عِندَهُ هَدِيَّةً، ولِقاءُ اللهِ أُمنِيَةً، فَيُحِبُّ لِقاءَ الله، وفي السَّماءِ يُنادى قَبولُهُ: "وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ". ومَا قَرَّرَهُ الوَحيُ في هَذِهِ الآيَةِ والحَديث، صَدَّقَهُ الواقِعُ في قِصَّةٍ عَجيبَةٍ وَقَعَت لِصَحابيٍّ جَليل. عِندَما نَزَلَ المَوتُ بِبِلالِ بنِ رَبَاحٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ — ذَلِكَ العَبدُ الَّذي عُذِّبَ في رَمضَاءِ مَكَّةَ مِن أجلِ "أحَدٌ أحَد" — بَكَت زَوجَتُهُ بِجِوارِهِ وقَالَت: "وَا حَزَنَاه!". فكَشَفَ بِلالٌ الغِطَاءَ عَن وَجهِهِ، وقَد رَأى البَشائِرَ، فابتَسَمَ وقالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَة: "بَل وَا طَرَبَاه! غَدًا أَلْقَى الأَحِبَّةَ، مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ". لَم يَرَ المَوتَ فَناءً، بَل رَآهُ بابًا يُفتَحُ لِلِقاءِ مَن يُحِبّ. هَذا هُوَ حُبُّ لِقَاءِ الله! وفِي لَحظَةٍ مُشابِهَة، يَنامُ الإِمامُ العَظيمُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ عَلى فِراشِ المَوتِ في طَاعونِ عَمَواس، فَيَنظُرُ إلَى السَّمَاءِ ويَقول: "مَرحَبًا بِالمَوتِ مَرحَبًا! زائِرٌ مُغِبٌّ، وحَبيبٌ جاءَ عَلى فَاقَة! اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعلَمُ أنِّي لَم أَكُن أُحِبُّ البَقاءَ في الدُّنيَا لِجَريِ الأنهارِ ولا لِغَرسِ الأشجار، ولَكِن لِظَمَأِ الهَواجِرِ، ومُكابَدَةِ السَّاعات، ومُزاحَمَةِ العُلَمَاءِ بالرُّكَبِ في حِلَقِ الذِّكر". يَا سُبحَانَ الله! لَم يَبكِ مُعاذٌ عَلى الدُّنيَا لِشَهواتِهَا، بَل بَكى عَلى الصِّيَامِ وحِلَقِ العِلم، ثُمَّ رَحَّبَ بِالمَوتِ كَحَبيبٍ غائِبٍ جاءَ عَلى شَوق! فَأينَ نَحنُ مِن هَؤُلاء؟ عِبادَ الله، كَيفَ لا يُحِبُّ المُؤمِنُ لِقاءَ رَبِّه، وهُوَ يَعلَمُ أنَّهُ مُقْبِلٌ عَلى أرحَمِ الرَّاحِمين؟ يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "مَن عَرَفَ رَبَّهُ أَحَبَّه، ومَن عَرَفَ الدُّنيَا زَهِدَ فيها". القَضِيَّةُ قَضيَّةُ مَعرِفَة. إذا عَرَفتَ أنَّ اللهَ أرحَمُ بِكَ مِن أُمِّكَ الَّتي وَلَدَتك، وأَنَّهُ يَفرَحُ بِتَوبَتِكَ، وأَنَّهُ يُجاوِزُ عَن سَيِّئاتِك، وأَنَّهُ يُعطي عَلى القَليلِ كَثيرًا... كَيفَ لا تَشتاقُ لِلوُقوفِ بَينَ يَدَيه؟ وقَد صَدَقَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ حِينَ قال: "إنَّ في الدُّنيَا جَنَّةً، مَن لَم يَدخُلها لَم يَدخُل جَنَّةَ الآخِرَة". وهِيَ جَنَّةُ مَعرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ والشَّوقِ إلَيه. ولَكِن... دَعونَا نَقلِبُ الصُّورَة، ولنَتَأمَّل المَشهَدَ الآخَر، مَشهَدَ مَن كَرِهَ لِقاءَ الله. لماذا يَكرَهُ الإِنسانُ لِقاءَ رَبِّه؟ لأَنَّهُ عَمَّرَ الدُّنيَا وخَرَّبَ الآخِرَة، فَيَكرَهُ أن يَنتَقِلَ مِنَ العُمرَانِ إلى الخَرَاب. لِأنَّهُ نَسيَ الغَايَةَ الَّتي خُلِقَ لِأجلِها، وانشَغَلَ بِالمَتَاعِ الزَّائِل. يَقولُ جَلَّ وعَلا عَن هَؤُلاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ۝ أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 7-8]. هُم لَم يَكفُروا صَراحَةً، لَكِنَّهُم "رَضُوا بِالحَياةِ الدُّنيَا". اكتَفَوا بِها. أصبَحَت هِيَ مُنتَهى آمالِهِم، ومَبلَغَ عِلمِهِم. إذا زادَ رَصيدُهُم المَاليُّ فَرِحوا، وإذا نَقَصَ حَزِنوا، أمَّا رَصيدُ الآخِرَة فلا يُلقونَ لَهُ بَالًا. انظُروا إلى حَالِنا اليَوم: الواحِدُ مِنَّا قَد يَقضي سَاعَاتٍ طِوَالًا يَتَصَفَّحُ هاتِفَه، يُتابِعُ مَقاطِعَ تافِهَةً، ويَنظُرُ في صُوَرِ النَّاس، ثُمَّ إذا وَقَفَ بَينَ يَدَيِ اللهِ في الصَّلاةِ، نَقَرَها نَقرَ الغُراب، وعَقارِبُ السَّاعَةِ تَخنُقُه، كَأنَّهُ يَقِفُ عَلى جَمر! أيُّ حُبٍّ لِلِقاءِ اللهِ يَدَّعيهِ مَن هَذا حَالُه؟ تَتَضَايَقُ سَاعَةً كامِلَةً إذا تَأَخَّرَ صَديقُكَ في الرَّدِّ عَلى رِسالَتِك، ولَا تَتَضَايَقُ عَشرَ سَنَواتٍ مِن تَأَخُّرِكَ في الرَّدِّ عَلى نِداءِ "حَيَّ عَلى الصَّلاة"! أيُّ العَلاقَتَينِ أَوْلَى بِالعَتَب؟ إذا جاءَ مَلَكُ المَوتِ لِهَذا الغَافِل... ماذا يَرى؟ يَرى المَلائِكَةَ سُودَ الوُجوه، مَعَهُم مُسُوحٌ مِنَ النَّار. فَيَنظُرُ أمامَهُ فَلا يَرى إلَّا الرُّعب، ويَنظُرُ خَلفَهُ فَيَرى الدُّنيَا الَّتي أَفنى عُمُرَهُ في جَمعِهَا قَد خَرَجَت مِن يَدِه. عِندَها يَصيحُ القَلبُ بِلِسانِ الحَال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. لَكِنَّ الجَوابَ قَاطِعٌ: ﴿كَلَّا﴾!
في تِلكَ اللَّحظَة، يَكرَهُ الرَّحيل، يَكرَهُ المَوت، يَكرَهُ القُدومَ عَلى رَبٍّ ضَيَّعَ حُقوقَه، فَيَكرَهُ لِقاءَ الله... وفي السَّماءِ يُنادى: "وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ". نَسأَلُ اللهَ السَّلامَةَ والعافِيَة. إِخوَتِي، لِقاءُ اللهِ لَيسَ خَيالًا نَهرُبُ مِنهُ، بَل حَقيقَةٌ نَمشي إلَيها في كُلِّ نَفَسٍ نَتَنَفَّسُه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]. أنتَ تَكدَح، تَمشي، سَواءً رَضِيتَ أم أَبَيت. كُلُّ خُطوَةٍ في حَيَاتِكَ تُقَرِّبُكَ مِن ذَلِكَ البَاب. ولَكِنَّ اللهَ العَدلَ الرَّحيم، لَم يَترُكنَا لِلخَوفِ والحَيرَة، بَل دَلَّنَا عَلى الطَّريقِ لِنَكونَ مِمَّن يُحِبُّونَ لِقاءَه. قال جَلَّ جَلالُهُ في خِتَامِ سورَةِ الكَهفِ — وهِيَ الآيَةُ الَّتي تَضَعُ الدُّستورَ الكامِل: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. الشَّوقُ لِلِقاءِ اللهِ لَيسَ ادِّعاءً بِاللِّسان، ولا مَشاعِرَ عَابِرَةً في القُلوب. الشَّوقُ "عَمَلٌ صَالِحٌ" و"تَوحيدٌ خَالِص". مَن كانَ يَرجو اللِّقاء، فَلْيُحسِنِ العَمَلَ قَبلَ اللِّقَاء. فالمُحِبُّ يَستَعِدُّ لِلِقاءِ مَحبوبِهِ بِأَحسَنِ ما يَملِك، وأحسَنُ ما تَملِكُهُ هو قَلبٌ سَليم، وعَمَلٌ صالِحٌ مَبرور. لو قِيلَ لَكَ الآن: أمامَكَ سَاعَةٌ واحِدَةٌ ثُمَّ تَلقى الله... ماذا سَتَفعَلُ في هَذِهِ السَّاعَة؟ فكِّر! هَل سَتُكمِلُ مُشَاهَدَةَ ذَلِكَ المَقطَع؟ هَل سَتَستَمِرُّ في غِيبَةِ أخيك؟ هَل سَتُؤَجِّلُ الصَّلاةَ المَكتوبَة؟ أم سَتَهَبُّ فَزِعًا إلى سَجَّادَتِك، تَبكي وتَستَغفِرُ وتَرُدُّ المَظالِم؟ اجعَل كُلَّ سَاعَةٍ مِن عُمُرِكَ هِيَ هَذِهِ السَّاعَة... فَأنتَ حَقًّا لا تَدري أيُّ سَاعَةٍ سَتَكونُ هِيَ الأَخيرَة. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسُولُه، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنَا فِي خُطبَتِنَا الأُولى عَن حَقيقَةِ لِقاءِ الله، وكَيفَ أنَّ المُؤمِنَ إذا رأى بَشائِرَ الرَّحمَةِ عِندَ مَوتِهِ أحَبَّ ذَلِكَ اللِّقاءَ فأَحَبَّ اللهُ لِقاءَه، بَينَمَا الكَافِرُ والغَافِلُ يَكْرَهُ مَا يَرى فَيَكْرَهُ لِقاءَ الله. ووَقَفنَا مَعَ مَعنى أنَّ حُبَّ اللِّقاءِ يَتَطَلَّبُ عَمَلًا صَالِحًا ونِيَّةً خَالِصَة. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الشَّوقَ إِلى وَاقِعٍ فِي حَيَاتِنا اليَومِيَّة؟ فَبَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ: كَيفَ نَعيشُ ما سَمِعنَا؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري، اجعَلوها مِيثاقًا بَينَكُم وبَينَ رَبِّكُم: الأُولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ مِن حُبِّ الدُّنيَا المُفرِط. الدُّنيَا مَزرَعَةٌ، لا تَسكُنها بِكُلِّيَّتِك. جَدِّد نِيَّتَكَ كُلَّ صَباح، وقُل في نَفسِك: "أنا هُنا عابِرُ سَبيل، وغَايَتي هِيَ لِقاءُ اللهِ رَاضيًا عَنِّي". مَنِ استَحضَرَ هَذِهِ النِّيَّة، هَانَت عَلَيهِ مَصائِبُ الأَيَّام. الثَّانِيَة (لِسانيَّة): أكثِر مِن قَولِ "لا إلَهَ إلَّا الله" ومِنَ الاستِغفَارِ كُلَّ يَوم. قال النَّبيُّ ﷺ: «مَن كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّة». وهَذِهِ الكَلِمَةُ عِندَ المَوتِ لا تَخرُجُ عَبَثًا، بَل يَنطِقُ بِها مَن عَاشَ عَلَيها وأَكثَرَ مِن ذِكرِها بِرُوحِهِ ولِسَانِه. الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): حَافِظ عَلى الصَّلَواتِ الخَمسِ في وَقتِهَا وخَاصَّةً الفَجر. الصَّلاةُ هِيَ "لِقاءٌ مُصَغَّرٌ" بِاللهِ كُلَّ يَوم. مَن أَحَبَّ اللِّقَاءَ الأَصغَرَ في الدُّنيَا (الصَّلاة)، أَحَبَّ اللِّقَاءَ الأَكبَرَ يَومَ القِيامَة. لا تُضَيِّع مَوعِدَكَ مَعَ المَلِك! الرَّابِعَة (اجتِمَاعِيَّة): قَبلَ أن تَنامَ اللَّيلَة، اِعفُ عَمَّن ظَلَمَك، وسَامِح مَن أَسَاءَ إِلَيك، لِتَلقَى اللهَ بِقَلبٍ سَليم. ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. لا تَحمِل فِي صَدرِكَ حِقدًا ولا حَسَدًا لِمُسلِم، فَالأَحْقَادُ تُثَقِّلُ الرُّوحَ عِندَ خُروجِهَا. الخَامِسَة (مَوضُوعِيَّة): اجعَل آخِرَ أعمالِكَ كُلَّ يَومٍ عَمَلًا صَالِحًا. تَوَضَّأ قَبلَ نَومِك، صَلِّ الوِترَ ولو رَكعَة، ونَمْ عَلى ذِكرِ الله. فَإِن قُبِضَت رُوحُكَ تِلكَ اللَّيلَة، قُبِضَت عَلى طَاعَة، وكُنتَ مِمَّن يُحِبُّونَ لِقاءَ الله.
فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن خَافَ مِنَ اللهِ في الدُّنيَا أمَّنَهُ اللهُ يَومَ الفَزَعِ الأَكبَر، ومَن أَمِنَ مَكرَ اللهِ في الدُّنيَا أخَافَهُ اللهُ يَومَ تَبلُغُ القُلوبُ الحَناجِر. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، عَمَلًا بِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن اتَّبَعَهُ بِإِحسَانٍ إلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجهِكَ الكَريم، والشَّوقَ إلَى لِقَائِك، في غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّة، ولا فِتنَةٍ مُضِلَّة. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يُحِبُّ لِقاءَكَ وتُحِبُّ لِقاءَه، واجعَل قُدُومَنا عَلَيكَ قُدُومَ المُشتاقينَ لا قُدُومَ المُجرِمين. اللَّهُمَّ أحسِن عَاقِبَتَنا في الأُمورِ كُلِّهَا، وأجِرنَا مِن خِزيِ الدُّنيَا وعَذَابِ الآخِرَة. اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أعمَالِنا خَواتِيمَها، وخَيرَ أَيَّامِنا يَومَ نَلقَاك، ولا تَقبِضنَا إلَّا وأنتَ رَاضٍ عَنَّا يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ ارحَم أمواتَنا وأمواتَ المُسلِمين، واشفِ مَرضَانَا، وافرُج هُمومَ المَهمُومين، ونَفِّس كُرَبَ المَكرُوبين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإِحسَانِ وإيتَاءِ ذي القُربى، ويَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ والمُنكَرِ والبَغيِ، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلَاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.