من مكتبة مِداد الخطيب

يا طارق الباب... رحل الأحبة وبقيت العبرة

مشاركة
🕌 يا طارق الباب... رحل الأحبة وبقيت العبرة #خطبة_جمعة #حقيقة_الدنيا #الموت #فراق_الأحبة #رقائق #الدار_الآخرة الحمدُ للهِ الذي كَتَبَ الفَناءَ على كلِّ مَن في الأرض، وأبقى وجهَهُ الكريمَ ذا الجلالِ والإكرام. الحمدُ لله الذي جَعَلَ الدُّنيا دارَ مَمَرٍّ ومَعبَر، وجَعَلَ الآخرةَ هي دارَ المَقَرِّ والمُستَقَر. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُقَلِّبُ الأيَّامَ بين عبادِه، ويَطوي الآجال، ويَرِثُ الأرضَ ومَن عليها وإليه يُرجَعون. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أزهَدُ الناسِ في الفانية، وأرغَبُهم في الباقية، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا مَعي مشهداً نَعيشه جميعاً... تَقِفُ أمامَ بابٍ طالما طَرَقتَهُ فَفُتِحَ لك بابتسامةٍ تُضيءُ العُمُر، وتَدخُلُ مَجلساً طالما ضَجَّ بأصواتِ الأحِبَّة ودِفءِ وُجودهم. ثم تَمُرُّ الأيَّام، فَتَعودُ لِتَقِفَ أمامَ ذاتِ الباب، تَرفَعُ يَدَكَ لِتَطرُق، فَيَرتَدُّ إليكَ صَدى الصَّمتِ المُطلَق. أين ذَهَبوا؟ وكيف تَلاشَت تِلكَ الضَّحَكاتُ كأنَّها لم تَكُن؟ جَوابٌ مُؤلِم، ورسالةٌ عَميقةٌ تَنتَظِرُنا خَلفَ هذا البابِ المُغلَق... سَنَفتَحُها بَعدَ قَليل. أيُّها المسلمون، إنَّ مِن أبلَغِ ما يُحَرِّكُ القُلوبَ القاسية، ويُوقِظُ النُّفوسَ الغافلة، أن يَقِفَ العَبدُ على أطلالِ مَن سَبَقوه، فَيَرى مَنازِلَهم خاويةً، ودِيارَهم ساكنةً، وقد كانوا بالأمسِ مِلءَ السَّمعِ والبَصَر. استَمِعوا إلى هذه الكلماتِ التي نَطَقَ بها شاعِرٌ مُتَأَمِّل، تُلَخِّصُ حكايةَ الدُّنيا بأسرِها: يا طارقَ البابِ رِفقاً حينَ تَطرُقُهُ فإنَّهُ لم يَعُد في الدَّارِ أصحابُ تَفَرَّقوا في دُروبِ الأرضِ وانتَثَروا كأنَّهُ لم يَكُن أُنسٌ وأحبابُ ارحَم يَدَيكَ فَما في الدَّارِ مِن أَحَدٍ لا تَرجُ رَدّاً فَأهلُ الوُدِّ قد راحوا ولتَرحَمِ الدَّارَ.. لا تُوقِظ مَواجِعَها لِلدُّورِ رُوحٌ.. كَما لِلنَّاسِ أرواحُ يا الله! كلماتٌ تَقطَعُ نِياطَ القَلب، وتُوقِظُ في النَّفسِ حَقيقةً طالَما حاوَلنا الهُروبَ مِنها. حقيقةُ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]. هذه الدَّارُ التي تَراها خاوية، لم تَفرَغْ صُدفة، بل هو مَوعدٌ مَكتوب، وقَدَرٌ مَحتوم. يَقولُ الشَّاعِر: "يا طارقَ البابِ رِفقاً"... نعم، ارفَق بِيَدَيك، وارفق بِقَلبِك، فإنَّ الذينَ كانوا يَفتَحونَ لك البابَ بلهفَةٍ قَد غادَروا إلى بابٍ آخَر لا نَملِكُ مَفاتيحَه. لقد نَزَلوا في دارٍ جَديدة، ضَيِّقةِ المُدخَل، مُظلِمَةِ الأرجاء، لا يُنيرُها إلَّا العَمَلُ الصَّالح. تَأمَّلوا معي كلامَ الجَبَّارِ جَلَّ جَلالُهُ وهو يَصِفُ حالَ الأُمَمِ والأجيالِ التي رَحَلَت، وتَرَكَت خَلفَها قُصوراً ودُوراً، يَقولُ سُبحانَه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98]. أينَ الهَمَسَات؟ أينَ النِّداءات؟ أينَ حَركةُ الأقدام؟ لا شيء! صَمتٌ مُطلَقٌ كَأنَّهم لم يَغنَوا فيها. ويَقولُ اللهُ تَعالى في مَوضِعٍ آخَر يَهُزُّ الوِجدان: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 52]. ورُغمَ أنَّ هذه الآيةَ نَزَلَت في قَومِ صالِحٍ الذين أُهلِكوا بعَذاب، إلَّا أنَّ فيها إشارةً لِكُلِّ بَيتٍ تَرَكَهُ أهلُهُ بِسُـنَّةِ المَوتِ الحَتميَّة. البيوتُ تَخلو، والمَجالِسُ تَفرَغ، والوجوهُ تَغيب. عبادَ الله، واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ التَّاريخيِّ المَهيب. وَقَفَ أميرُ المُؤمِنينَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ ذاتَ يَومٍ على حافَّةِ المَقابِر، فَنادى بِصَوتٍ يَقطُرُ حُزناً ويَقِيناً وقال: "يا أهلَ القُبور، يا أهلَ البِلى، يا أهلَ الوَحشَة... أمَّا الدُّورُ فَقَد سُكِنَت، وأمَّا الأموالُ فَقَد قُسِمَت، وأمَّا الأزواجُ فَقَد نُكِحَت... هذا خَبَرُ ما عِندَنا، فما خَبَرُ ما عِندَكم؟". ثُمَّ التَفَتَ إلى أصحابِه وقال: "أما إنَّهُم لَو أُذِنَ لَهُم في الكَلامِ لأَخبَروكُم أنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى". هذا هو الخَبَرُ اليَقين. "تَفَرَّقوا في دُروبِ الأرضِ وانتَثَروا".. خَرَجوا مِن دُورِهِمُ الواسِعَةِ التي بَنَوها حَجَراً حَجَراً، وزَيَّنوها وِتعبوا فيها، واستَقرُّوا في لَحدٍ ضَيِّق. قال النبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيح: «يَتبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرجِعُ اثنانِ ويَبقى مَعَهُ واحِد: يَتبَعُهُ أهلُهُ ومالُهُ وعَمَلُه، فَيَرجِعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويَبقى عَمَلُه» (متفق عليه).
يا مَن تَبكي على بابٍ مُغلَق، ويا مَن يَعصِرُ قَلبَهُ الشَّوقُ لِمَجلِسٍ خَلا مِن أهلِه... اسمَع لِقَولِ الشَّاعِر: "ولتَرحَمِ الدَّارَ.. لا تُوقِظ مَواجِعَها، لِلدُّورِ رُوحٌ كَما لِلنَّاسِ أرواحُ". هل تَعلمونَ أنَّ الأماكِنَ تَبكي؟ هل تَظُنُّونَ أنَّ الجُمودَ في الحَجَرِ يَعني انعدامَ الإحساس؟ لقد ذَكَرَ اللهُ تَعالى في القُرآنِ أنَّ الأرضَ والسَّماءَ لم تَبكِ على فِرعَونَ وقَومِهِ لأنَّهُم أشرار، فَقال: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: 29]. قالَ حَبرُ الأُمَّةِ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُما وهو يُفَسِّرُها: "إنَّ المُؤمِنَ إذا ماتَ، بَكى عَلَيهِ مَوضِعُهُ مِنَ الأرضِ الذي كانَ يُصَلِّي فيه، وبَكى عَلَيهِ بابُهُ مِنَ السَّماءِ الذي كانَ يَصعَدُ مِنهُ عَمَلُه". نعم! الدُّورُ لَها أرواح. الزَّاويَةُ التي كانَت أُمُّكَ تُصَلِّي فيها تَبكيها، والسِّجَّادَةُ التي كانَ أبُوكَ يَسجُدُ عَلَيها تَفتَقِدُه، والمُصحَفُ الذي كانَ مَفتوحاً في ذَلِكَ البَيتِ يَئِنُّ لِغِيابِ القارِئ. البيوتُ لا تُبنى بالإسمَنتِ والحَديد، البيوتُ تُبنى بِأرواحِ أهلِها، بِذِكرِ اللهِ فيها، بِضَحَكاتِ الآباءِ ودَعواتِ الأُمَّهات. فإذا رَحَلوا، أصبَحَتِ الدَّارُ هَيكَلاً بَلا رُوح، لا يُوقِظُ في النَّفسِ إلَّا المَواجِع. إخواني في الله، كم رَقماً في هَواتِفِكُم لم يَعُد يَأتيكُم مِنهُ اتِّصال؟ وكم كُرسِيّاً في مائِدَةِ العائِلَةِ باتَ فارِغاً في الأعياد؟ كلُّ واحِدٍ مِنَّا يَحمِلُ في قَلبِهِ "داراً" خاوِيَة، وباباً يَتَمَنَّى لَو يَطرُقُهُ لِيَخرُجَ لَهُ مَن أُشرِبَ حُبَّهُ في قَلبِه. لكن... هل تَنتهي القِصَّةُ هُنا؟ هل نَبكي الدُّورَ والأطلالَ ونَيأس؟ حاشا وكَلَّا! فَنَحنُ أُمَّةُ رَجاء، وأُمَّةُ يَقين. نحنُ لا نَرى المَوتَ نِهايَةً لِلقِصَّة، بَل هو بِدايَةٌ لِلفَصلِ الأبَديِّ مِنها. اسمعوا لهذا النِّداءِ الرَّبَّانيِّ الذي يَمسَحُ كُلَّ دَمعَة، ويَجبُرُ كُلَّ كَسر. يَقولُ مَولانا جَلَّ جلالُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الطور: 21]. اللهُ أكبَر! يا طارِقَ البابِ في الدُّنيا فَلم يَجِد أحَداً... أبشِر! فَهُناكَ بابٌ آخَرُ يُنصَبُ يَومَ القِيامَة، بابٌ في جَنَّاتِ عَدْن، إذا طَرَقتَهُ فُتِحَ لك، لِتَجِدَ فيهِ الأبَ والأُمَّ، والزَّوجَ والوَلَد، والصَّديقَ والحَبيب، يَلتقونَ على سُرُرٍ مُتَقابِلين. قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "الدُّنيا مَنام، والآخِرَةُ يَقَظَة، والمُتَوَسِّطُ بَينَهُما المَوت، ونَحنُ في أضغاثِ أحلام". الدَّارُ الحَقيقيَّةُ لَيسَت هُنا. نحنُ هُنا ضُيوف، والضَّيفُ راحِل. ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39]. دارُ القَرارِ التي لا يَموتُ أهلُها، ولا تَخلو مَجالِسُها، ولا يَقِفُ طارِقٌ على بابِها لِيُقالَ لَهُ: "أهلُ الوُدِّ قَد راحوا". بَل يُقالُ لَهُم هُناك: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 24]. ولَكِن، كيفَ نَبني تِلكَ الدَّار؟ كيفَ نَضمَنُ اللِّقاء؟ كانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "إنَّما أنتَ أيَّام، كُلَّما ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُك". ومَن عَرَفَ أنَّهُ مُفارِقٌ لِهذه الدَّار، لَم يَجعَلها مَبلَغَ عِلمِهِ ولا أكبَرَ هَمِّه. جاءَ في الحديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذَ بِمَنكِبِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنهُما وقال: «كُن في الدُّنيا كَأنَّكَ غَريبٌ أو عابِرُ سَبيل» (رواه البخاري). الغَريبُ لا يَبني قُصوراً في مَحَطَّةِ السَّفَر، بَل يُجهِّزُ زادَهُ لِمَوطِنِهِ الأصليّ. يا مَن ضاقَت بِهِ الدُّنيا لِفِراقِ أحِبَّتِه، ويا مَن يَمُرُّ على دُورِهِم فَيَعتَصِرُ قَلبُهُ ألَماً... حَوِّل هذا الألَمَ إلى عَمَل. لا تَقِف أمامَ البابِ تَبكي طَويلاً، بَلِ اركَع وساهِم في بِناءِ قَصرِهِم وقَصرِكَ في الجَنَّة. إنَّ دَعوَةً في ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِر، أو صَدَقَةً تُخرِجُها وتَقولُ "اللهمَّ اجعَل أجرَها لِفُلان"، تَصِلُ إليهِم في دُورِهِمُ الجَديدَةِ في البَرزَخ، فَيَفرَحونَ بِها أعظَمَ مِن فَرَحِهِم بِأيِّ هَديَّةٍ في الدُّنيا. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، والمَوتَ قَريب، وأنَّ مَن وَدَّعناهُم بالأمسِ سَنَلحَقُ بِهِم غَداً، فالسَّعيدُ مَنِ استَعَدَّ لِلِقاءِ رَبِّه، وجَهَّزَ بَيتَهُ في الجَنَّةِ قَبلَ أن يُغادِرَ بَيتَهُ في الدُّنيا. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن حَقيقةِ هذه الدُّنيا الفانِيَة، ووَقَفنا أمامَ تِلكَ الأبوابِ المُغلَقَةِ والدُّورِ الخاوِيَةِ التي غادَرَها أهلُ الوُدّ، وتَأمَّلنا كيفَ أنَّ المَوتَ سُنَّةٌ ماضيَة، لكنَّ اللِّقاءَ في الجَنَّةِ وَعدٌ حَقٌّ لِلمُؤمِنين. والآن، إخواني، بَقِيَ السُّؤالُ الأَهَمُّ الذي سَيُحَدِّدُ مَصيرَنا: كيفَ نَعيشُ ما بَقِيَ مِن أعمارِنا، وكيفَ نَستَعِدُّ لِيَومِ فِراقِنا؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): اقطَع تَعَلُّقَ قَلبِكَ بالمَخلوقينَ والأشياء، وعلِّقهُ بالخالِقِ الباقي. كُلُّ مَن سِوى اللهِ راحِل. قالَ جِبريلُ عليهِ السَّلامُ لِلنَّبيِّ ﷺ: «يا مُحمَّد، عِش ما شِئتَ فإنَّكَ مَيِّت، وأحبِب مَن شِئتَ فإنَّكَ مُفارِقُه» (رواه الحاكم وحسنه الألباني). وَطِّن قَلبَكَ على أنَّ الفِراقَ حَتميّ، لِكَي لا يَنكَسِرَ عِندَ الصَّدمَة. الثانية (لِسانيَّة): لا تَنسَ مَن رَحَلوا مِن صالِحِ دُعائِك. أهلُ القُبورِ في سُجونِ أعمالِهِم يَنتَظِرونَ نَفحَةً مِن حَيّ. قال ﷺ: «إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلاث: صَدَقَةٍ جاريَة، أو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِه، أو وَلَدٍ صالِحٍ يَدعو لَه» (رواه مسلم). اجعَل لِمَوتاكَ نَصيباً مِن وِردِكَ اليَوميّ، فهذا هو الوَفاءُ الحَقيقيّ. الثالثة (عَمَليَّة): عَمِّر "دارَكَ" الحَقيقيَّةَ بِالعَمَلِ الصَّالِح. أنتَ الآن تَتعب في تَأثيثِ بَيتٍ ستَترُكُه، فماذا أعدَدتَ لِقَبرٍ سَتَسكُنُه؟ صَلِّ رَكعَتَينِ في جَوفِ اللَّيلِ تَجعَل قَبرَكَ نُوراً، وتَصَدَّق بِصَدَقَةٍ تَقي النَّار، فإنَّ القَبرَ صُندوقُ العَمَل. الرابعة (اجتماعيَّة): صِلوا الأحياءَ قَبلَ أن يَصيروا أمواتاً! كثيرٌ مِنَّا لا يَعرِفُ قيمَةَ أحِبَّتِهِ إلَّا إذا وَقَفَ على قُبورِهِم يَبكي. اتَّصِلوا بِأرحامِكُم اليوم، قَبِّلوا أيدي آبائِكُم وأُمَّهاتِكُم، تَسامَحوا، تَصافَحوا.. فواللهِ سَيَأتي يَومٌ تَتَمَنَّى فيهِ لَو تَسمَعُ صَوتَهُ دَقيقَةً واحِدَةً فَلا تَستَطيع. الخامسة (مَوضوعيَّة): إذا وَقَفتَ يَوماً أمامَ دارٍ خاوِيَة، فَلا تَجعَل حُزنَكَ عَلَيها حُزنَ قُنوطٍ ويَأس. تَذَكَّر أنَّ المُؤمِنَ لا يَفقِدُ أحِبَّتَهُ لِلأبَد، بَل يَسبِقونَهُ إلى مَكانٍ أجمَل. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: 23]. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي المَركَبُ النَّاجي في دُنيا فانيَة، وهي المِفتاحُ لِدارٍ باقِيَة. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم، يا مَن يَبقى ويَفنى كُلُّ شَيء، نَسألُكَ في هذه السَّاعَةِ المُبارَكَةِ أن تَغفِرَ لأحِبَّةٍ كانوا مَعَنا في الدُّورِ والمَجالِس، ثُمَّ غَيَّبَهُمُ الثَّرى. اللَّهُمَّ ارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمين، اللَّهُمَّ اغسِلهُم بِالماءِ والثَّلجِ والبَرَد، ونَقِّهِم مِنَ الذُّنوبِ والخَطايا كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ مِنَ الدَّنَس. اللَّهُمَّ أبدِلهُم داراً خَيراً مِن دارِهِم، وأهلاً خَيراً مِن أهلِهِم، اللَّهُمَّ اجعَل قُبورَهُم رِياضاً مِن رِياضِ الجَنَّة، ولا تَجعَلها حُفَراً مِن حُفَرِ النِّيران. اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ قُلوبِنا على فِراقِهِم، وألهِمنا الصَّبرَ والسِّلوان، واجمَعنا بِهِم في جَنَّاتِ النَّعيمِ على سُرُرٍ مُتَقابِلين، في مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَليكٍ مُقتَدِر. اللَّهُمَّ لا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبلَغَ عِلمِنا، ولا إلى النَّارِ مَصيرَنا. اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أعمارِنا أواخِرَها، وخَيرَ أعمالِنا خَواتيمَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. اللَّهُمَّ احفَظِ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لِلمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مُعيناً ونَصيراً يا رَبَّ العالَمين.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركُم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.