من مكتبة مِداد الخطيب

مَاذَا يُرِيدُ الإِسلَامُ مِنَّا؟ خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَقَاصِدِ الإِسلَامِ الكُبرَى فِي التَّوحِيدِ وَالعِبَادَةِ وَالأَخلَاقِ وَعِمَارَةِ الحَيَاةِ

مشاركة
مَاذَا يُرِيدُ الإِسلَامُ مِنَّا؟ خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَقَاصِدِ الإِسلَامِ الكُبرَى فِي التَّوحِيدِ وَالعِبَادَةِ وَالأَخلَاقِ وَعِمَارَةِ الحَيَاةِ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكمَلَ لَنَا الدِّين، وَأَتَمَّ عَلَينَا النِّعمَة، وَرَضِيَ لَنَا الإِسلَامَ دِينًا وَشَرِيعَةً وَمِنهَاجَ حَيَاة، فَجَعَلَهُ صِبغَةً رَبَّانِيَّةً تُطهِّرُ القُلُوبَ مِنَ الشِّركِ وَالأَهوَاء، وَتَقُودُ الجَوَارِحَ إِلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، وَتَعمُرُ الأَرضَ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَالهُدَى. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَبصَرَ بِنُورِ شَرعِهِ القَوِيم، وَأَشكُرُهُ شُكرَ مَن سَلَكَ صِرَاطَهُ المُستَقِيم، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، خَلَقَنَا لِعِبَادَتِه، وَاستَخلَفَنَا فِي أَرضِهِ لِإِقَامَةِ دِينِهِ وَشَرِيعَتِه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي بَلَّغَ الرِّسَالَة، وَأَدَّى الأَمَانَة، وَتَرَكَنَا عَلَى المَحَجَّةِ البَيضَاءِ لَيلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنهَا إِلَّا هَالِك، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الأَبرَار، الَّذِينَ فَقِهُوا حَقِيقَةَ الإِسلَامِ فَحَوَّلُوهُ إِلَى وَاقِعٍ حَيٍّ يَمشِي عَلَى الأَرض، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ العَرض. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالِاستِمسَاكِ بِعُروَةِ الإِسلَامِ الوُثقَى، وَالدُّخُولِ فِي شَرَائِعِهِ بِقُلُوبٍ مُوقِنَةٍ وَجَوَارِحَ مُنقَادَة، كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنَا سُبحَانَهُ فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. أَيُّهَا المُسلِمُون: ثَمَّةَ سُؤَالٌ عَظِيمٌ جَلِيل، يَنبَغِي لِكُلِّ مُسلِمٍ وَمُسلِمَةٍ أَن يَقِفَ أَمَامَهُ وَقفَةَ صِدقٍ وَمُحَاسَبَة، وَأَن يَسأَلَ نَفسَهُ إِيَّاهُ فِي خَلوَتِهِ وَجَلوَتِه؛ وَهُوَ هَذَا السُّؤَالُ الفَاصِل: «مَاذَا يُرِيدُ الإِسلَامُ مِنَّا؟»! نَحنُ جَمِيعًا نَحمدُ اللهَ عَلَى أَن وُلِدنَا مُسلِمِين، وَنَعتَزُّ بِانتِسَابِنَا إِلَى دِينِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم؛ وَلَكِنْ هَل يُرِيدُ الإِسلَامُ مِنَّا مُجَرَّدَ انتِمَاءٍ لَفظِيٍّ يُكتَبُ فِي الهُوِيَّاتِ وَالأَورَاقِ الرَّسمِيَّة؟! هَل يُرِيدُ الإِسلَامُ مِنَّا أَن نَجعَلَهُ طُقُوسًا مَحصُورَةً فِي زَوَايَا المَسَاجِدِ دَقَائِقَ مَعدُودَة، ثُمَّ إِذَا خَرَجنَا إِلَى الأَسوَاقِ وَالبُيُوتِ وَالمَحَاكِمِ وَالأَموَالِ وَالأَخلَاقِ عِشنَا كَمَا يَعِيشُ الغَافِلُونَ أَتبَاعُ الأَهوَاءِ وَالشَّهَوَات؟! كَلَّا وَاللهِ يَا عِبَادَ الله! لَقَد فَهِمَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَاذَا يُرِيدُ الإِسلَامُ مِنهُم مُنذُ اللَّحظَةِ الأُولَى الَّتِي خَالَطَت فِيهَا بَشَاشَةُ الإِيمَانِ قُلُوبَهُم! تَأَمَّلُوا تِلكَ الكَلِمَةَ الخَالِدَةَ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ رِبعِيُّ بنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ دَخَلَ عَلَى «رُستُم» قَائِدِ جُيُوشِ الفُرسِ فِي مَعرَكَةِ القَادِسِيَّة، فَسَأَلَهُ رُستُم: «مَا الَّذِي جَاءَ بِكُم؟ وَمَاذَا تُرِيدُون؟»، فَلَخَّصَ رِبعِيٌّ رِسَالَةَ الإِسلَامِ كُلَّهَا فِي سَطرٍ وَاحِدٍ يُكتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ فَقَال: «اللهُ ابتَعَثَنَا لِنُخرِجَ مَن شَاءَ مِن عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَه، وَمِن ضِيقِ الدُّنيَا إِلَى سَعَتِهَا، وَمِن جَورِ الأَديَانِ إِلَى عَدلِ الإِسلَامِ»! وَاستَمِعُوا أَيضًا إِلَى جَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ وَقَفَ بَينَ يَدَيِ النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ -كَمَا فِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيح- فَسَأَلَهُ النَّجَاشِيّ: «مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقتُم فِيهِ قَومَكُم؟»، فَوَصَفَ جَعفَرٌ مَا يُرِيدُهُ الإِسلَامُ مِن أَتبَاعِهِ بِقَولِه: «أَيُّهَا المَلِك، كُنَّا قَومًا أَهلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعبُدُ الأَصنَام، وَنَأكُلُ المَيتَة، وَنَأتِي الفَوَاحِش، وَنَقطَعُ الأَرحَام، وَنُسِيءُ الجِوَار، يَأكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيف؛ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَينَا رَسُولًا مِنَّا نَعرِفُ نَسَبَهُ وَصِدقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَه، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعبُدَه، وَأَمَرَنَا بِصِدقِ الحَدِيث، وَأَدَاءِ الأَمَانَة، وَصِلَةِ الرَّحِم، وَحُسنِ الجِوَار، وَالكَفِّ عَنِ المَحَارِمِ وَالدِّمَاء، وَنَهَانَا عَنِ الفَوَاحِش، وَقَولِ الزُّور، وَأَكلِ مَالِ اليَتِيم، وَقَذفِ المُحصَنَات، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَام»! مِن هَذَا النُّورِ النَّبَوِيِّ السَّاطِعِ يَا عِبَادَ الله، نَستَطِيعُ أَن نُجملَ مَا يُرِيدُهُ الإِسلَامُ مِنَّا فِي خَمسَةِ مَطَالِبَ كُبرَى، مَن أَقامَهَا فِي نَفسِهِ وَبَيتِهِ وَمُجتَمَعِهِ كَانَ هُوَ المُسلِمَ الحَقَّ الَّذِي يَرضَى اللهُ عَنه: المَطلَبُ الأَوَّلُ: إِسلَامُ القَلبِ للهِ وَحدَهُ بِالتَّوحِيدِ الخَالِصِ وَالِانقِيَادِ الشَّامِلِ لِشَرِيعَتِه! فَأَوَّلُ مَا يُرِيدُهُ الإِسلَامُ مِنكَ يَا عَبدَ اللهِ هُوَ تَحقِيقُ مَعنَى اسْمِهِ؛ وَالإِسلَامُ فِي لُغَةِ القُرآنِ هُوَ: «الِاستِسلَامُ للهِ بِالتَّوحِيد، وَالِانقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَة، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّركِ وَأَهلِه»! يُرِيدُ الإِسلَامُ مِنكَ قَلبًا سَلِيمًا لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالله، وَلَا يَدعُو إِلَّا الله، وَلَا يَخشَى إِلَّا الله، وَلَا يَرجُو إِلَّا الله، وَلَا يَبتَغِي بِعَمَلِهِ سُمعَةً وَلَا رِيَاءً عِندَ المَخلُوقِين، كَمَا أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُعلِنَ هَذَا الشِّعَارَ الخَالِدَ فِي سُورَةِ الأَنعَام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣]. وَيُرِيدُ الإِسلَامُ مِنَّا أَلَّا نُجَزِّئَ الدِّينَ أَو نَختَارَ مِنهُ مَا يُوَافِقُ أَهوَاءَنَا وَعَادَاتِنَا وَنَترُكَ مَا يُخَالِفُ مَصَالِحَنَا؛ بَل نَقبَلُ حُكمَ اللهِ وَرَسُولِهِ بِالرِّضَا وَالتَّسلِيمِ فِي كُلِّ شَأنٍ مِن شُؤُونِ الحَيَاة، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]. المَطلَبُ الثَّانِي: إِقَامَةُ العِبَادَاتِ بِرُوحِهَا وَثَمَرَتِهَا حَتَّى تُصبِحَ زَادًا يُزَكِّي النَّفسَ وَيَعصِمُ الجَوَارِح! تَدَبَّرُوا يَا عِبَادَ اللهِ لُغَةَ القُرآنِ الكَرِيمِ حِينَ يَأمُرُنَا بِالصَّلَاة: إِنَّكَ لَا تَجِدُ فِي القُرآنِ كُلِّهِ آيَةً وَاحِدَةً تَقُول: «صَلُّوا»، بَل تَجِدُ الأَمرَ دَائِمًا بِلَفظِ «الإِقَامَة»: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾! لِمَاذَا قَالَ «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ»؟ لِأَنَّ الإِسلَامَ لَا يُرِيدُ مِنكَ صَلَاةً مَيِّتَةَ الرُّوح، يَنقُرُهَا صَاحِبُهَا نَقرَ الغُرَابِ بِلَا خُشُوعٍ وَلَا حُضُورِ قَلب، ثُمَّ يَخرُجُ مِنَ المَسجِدِ فَيَكذِبُ وَيَغِشُّ وَيَظلِمُ وَيَأكُلُ الحَرَام! بَل يُرِيدُ مِنكَ صَلَاةً قَائِمَةً بِأَركَانِهَا وَشُرُوطِهَا وَخُشُوعِهَا، تَحجِزُكَ عَنِ القَبَائِحِ وَتَنهَاكَ عَنِ الآثَام، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وَكَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ وَالحَجِّ وَالزَّكَاة؛ فَالإِسلَامُ لَا يُرِيدُ مِنَ الصَّائِمِ مَجَاعَةَ البَطنِ وَعَطَشَ الحَلقِ فَقَط، بَل يُرِيدُ تَقوَى القَلبِ وَعِفَّةَ اللِّسَان، كَمَا أَخرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَن لَم يَدَع قَولَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»! المَطلَبُ الثَّالِثُ: استِقَامَةُ المُعَامَلَةِ، وَصِدقُ الأَخلَاق، وَكَفُّ الأَذَى عَنِ الخَلق! وَهَذَا المَيدَانُ -يَا عِبَادَ اللهِ- هُوَ المِحَكُّ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَظهَرُ فِيهِ صِدقُ التَّدَيُّنِ مِن زَيفِه! الإِسلَامُ يُرِيدُ مِنَّا أَن يَكونَ أَحَدُنَا مَأمُونًا فِي دَمِ النَّاسِ وَأَموَالِهِم وَأَعرَاضِهِم؛ فَلَا يَظلِمُ شَرِيكًا، وَلَا يَأكُلُ مِيرَاثَ أُختٍ أَو يَتِيم، وَلَا يَمطُلُ دَينًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِه، وَلَا يَغِشُّ مُشتَرِيًا فِي سِلعَة، وَلَا يَغتَابُ مُسلِمًا فِي مَجلِس! أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَرَّفَ المُسلِمَ الكَامِلَ بِقَولِه: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنهُ»! وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَال: «لَا إِيمَانَ لِمَن لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَن لَا عَهدَ لَهُ»! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا»! وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ الجَامِعَة: «الدِّينُ كُلُّهُ خُلُق؛ فَمَن زَادَ عَلَيكَ فِي الخُلُقِ زَادَ عَلَيكَ فِي الدِّينِ»! فَالإِسلَامُ يُرِيدُ مِنكَ أَن تَكُونَ بَارًّا بِوَالِدَيك، رَحِيمًا بِزَوجَتِكَ وَأَولَادِك، وَاصِلًا لِرَحِمِك، مُحسِنًا إِلَى جَارِك، صَادِقًا فِي وَعدِك، عَفِيفًا فِي بَصَرِكَ وَلِسَانِك؛ بِحَيثُ إِذَا رَآكَ النَّاسُ فِي تِجَارَتِكَ وَسُلُوكِكَ أَحَبُّوا الإِسلَامَ مِن أَمانَتِكَ وَسَمَاحَتِك! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل: وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخلَاقُ مَا بَقِيَت ... فَإِن هُمُ ذَهَبَت أَخلَاقُهُم ذَهَبُوا صَلَاحُ أَمرِكَ لِلأَخلَاقِ مَرجِعُهُ ... فَقَوِّمِ النَّفسَ بِالأَخلَاقِ تَستَقِمِ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَلِيِّ الصَّالِحِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: إِذَا كُنَّا قَد عَرَفنَا فِي الخُطبَةِ الأُولَى أَنَّ الإِسلَامَ يُرِيدُ مِنَّا تَوحِيدًا خَالِصًا، وَعِبَادَةً حَيَّةً خَاشِعَة، وَأَخلَاقًا وَمُعَامَلَاتٍ صَادِقَة؛ فَإِنَّ ثَمَّةَ مَطلَبَينِ آخَرَينِ عَظِيمَينِ لَا يَكتَمِلُ بِنَاءُ الشَّخصِيَّةِ الإِسلَامِيَّةِ إِلَّا بِهِمَا: المَطلَبُ الرَّابِعُ: القُوَّةُ وَالإِتقَانُ وَالعَمَلُ النَّافِعُ وَعِمَارَةُ الأَرضِ بِالخَير! فَالإِسلَامُ لَا يُرِيدُ مِنَ المُسلِمِ أَن يَكُونَ كَسُولًا عَاجِزًا عَالَةً عَلَى غَيرِه، وَلَا يُرِيدُ أُمَّةً ضَعِيفَةً تَستَجْدِي قُوتَهَا وَدَوَاءَهَا وَصِنَاعَتَهَا مِن أَعدَائِهَا؛ بَل يُرِيدُ مُسلِمًا قَوِيًّا فِي إِيمَانِه، قَوِيًّا فِي عِلمِه، مُتقِنًا لِصَنعَتِهِ وَمِهنَتِه، مُعمِّرًا لِلأَرضِ بِالصَّلَاحِ وَالإِصلَاح! أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «المُؤمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ، احرِص عَلَى مَا يَنفَعُكَ، وَاستَعِن بِاللهِ وَلَا تَعجَز»! وَجَمَعَ القُرآنُ الكَرِيمُ بَينَ السَّعيِ لِلآخِرَةِ وَعِمَارَةِ الدُّنيَا بِالإِحسَانِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِن سُورَةِ القَصَصِ حَيثُ قَال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. وَفِي المَعجَمِ الأَوسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنفَعُهُم لِلنَّاسِ»! فَالإِسلَامُ يُرِيدُ مِنكَ أَن تَكُونَ كَالغَيثِ أَينَمَا وَقَعَ نَفَع؛ طَبِيبًا رَحِيمًا مُخلِصًا، أَو مُعَلِّمًا أَمِينًا مُربِّيًا، أَو مُهَندِسًا وَصَانِعًا مُتقِنًا، أَو تَاجِرًا صَدُوقًا يَسُدُّ حَاجَةَ المُسلِمِين! وَالمَطلَبُ الخَامِسُ: حَملُ هَمِّ الدِّين، وَحِمَايَةُ الأُسرَة، وَالإِصلَاحُ وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَر، وَوِحدَةُ الصَّفِّ! فَالمُسلِمُ الحَقُّ لَا يَعِيشُ فِي قَوقَعَةِ الأَنَانِيَّةِ يَقُول: «نَفسِي نَفسِي» وَلَا يُبَالِي بِصَلَاحِ أَهلِهِ وَمُجتَمَعِه وَأُمَّتِه! بَل يُرِيدُ الإِسلَامُ مِنكَ أَوَّلًا أَن تَقُومَ بِأَمَانَةِ بَيتِكَ وَأَولَادِك، فَتَحمِيَهُم مِن نَارِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ كَمَا تَحمِيهِم مِن نَارِ الدُّنيَا، امتِثَالًا لِأَمرِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، وَتَصدِيقًا لِقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ». وَيُرِيدُ الإِسلَامُ مِنَّا أَن نَكُونَ أُمَّةً وَاحِدَةً مُتَرَاحِمَةً مُتَنَاصِرَة، تَأمُرُ بِالمَعرُوفِ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَة، وَتَنهَى عَنِ المُنكَر، وَتَعتَزُّ بِدِينِهَا وَهُوِيَّتِهَا، وَتَنصُرُ المُستَضعَفِينَ مِن إِخوَانِهَا، كَمَا وَصَفَنَا رَبُّنَا سُبحَانَهُ فَقَال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. هَذَا -يَا عِبَادَ اللهِ- هُوَ مَا يُرِيدُهُ الإِسلَامُ مِنَّا بِكلِّ وُضُوحٍ وَجَلَاء: قَلبٌ يُوَحِّدُ اللهَ وَيَخشَاه، وَجَبِينٌ يَسجُدُ للهِ وَيَرجُو رِضَاه، وَخُلُقٌ كَرِيمٌ يَعِفُّ عَنِ الحَرَامِ وَيَصدُقُ مَعَ الخَلق، وَيَدٌ بَنَّاءَةٌ تُتقِنُ العَمَلَ وَتَنفَعُ النَّاس، وَغَيرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَحمِي الأُسرَةَ وَتَنصُرُ الدِّين! فَلْنَعرِضْ أَنفُسَنَا اليَومَ عَلَى هَذَا المِيزَان، وَلْنَترُجِم إِسلَامَنَا إِلَى عَمَلٍ صَالِحٍ يَرفَعُنَا فِي الدُّنيَا وَيُنجِينَا يَومَ العَرضِ عَلَى المَلِكِ الدَّيَّان! ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى نَبِيِّ الهُدَى وَالرَّحمَة، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّين؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ اهدِنَا لِحَقَائِقِ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَان، وَثَبِّتنَا عَلَى التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى نَلقَاكَ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا يَا رَحمَن! اللَّهُمَّ أَصلِح لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصمَةُ أَمرِنَا، وَأَصلِح لَنَا دُنيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصلِح لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَير، وَاجعَلِ المَوتَ رَاحَةً لَنَا مِن كُلِّ شَرّ! اللَّهُمَّ استَعمِلنَا فِي طَاعَتِكَ وَنُصرَةِ دِينِك، وَحَسِّن أَخلَاقَنَا، وَطَهِّر سَرَائِرَنَا، وَأَصلِح بُيُوتَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَأَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِين، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ يَا رَبَّ العَالَمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.