من مكتبة مِداد الخطيب

مَكَّةُ والدَّمُ المَعصوم... وقِناعُ المَشروعِ الحُوثِيّ

مشاركة
🕌 مَكَّةُ والدَّمُ المَعصوم... وقِناعُ المَشروعِ الحُوثِيّ #خطبة_جمعة #قدسية_مكة #عصمة_الدم #الولاء_والبراء #التحذير_من_الفتن #عقيدة الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ البيتَ الحرامَ مَثابَةً للناسِ وأمنًا، وحَرَّمَ دِماءَ المسلمينَ وجَعَلَها أعظَمَ عندَهُ من حُرمةِ الكَعبةِ المُشَرَّفة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، القائلُ في مُحكَم التنزيل: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، الذي أرسى مَوازينَ العَدلِ، وحَذَّرَ أمَّتَهُ من دعاةِ الفِتنةِ وراياتِ العَمَى، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: أيُّها الإخوةُ المؤمنون، تَخَيَّلوا مَعي مَشهَدًا تَهتَزُّ لهُ القُلوبُ قبلَ الأبدان... رَجلٌ يَقِفُ أمامَ الكَعبةِ المُشَرَّفة، يَنظُرُ إلى كِسوَتِها السَّوداءِ المَهيبة، يَرى طَوافَ الطَّائفين، وبُكاءَ الخاشِعين، ورُكوعَ السَّاجدين. الكَعبةُ التي تَتَّجِهُ إليها وُجوهُ مِليارَي مُسلمٍ في الأرضِ خمسَ مرَّاتٍ كلَّ يوم. إنَّها قِبلةُ التَّوحيد، ومَركَزُ الأرض، وبَيتُ اللهِ العَتيق. في هذه اللحظة المَهيبة، يَقِفُ حَبرُ الأُمَّةِ وتُرجُمانُ القُرآن، عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما، يَنظُرُ إلى هذه الكَعبةِ المُعَظَّمَة، ويَقولُ كَلِمةً لَو وَعَتها أُمَّةُ الإسلامِ اليومَ لَتَوَقَّفَت أنهارُ الدِّماء. يَنظُرُ إليها ويَقول: «ما أعظَمَكِ وأعظَمَ حُرمَتَكِ، والمُؤمِنُ أعظَمُ حُرمَةً عِندَ اللَّهِ مِنكِ». يا سُبحانَ الله! المؤمنُ — الإنسانُ المُسلِمُ البَسيط، الذي قَد تَراهُ يَمشي في السُّوق، أو يَكدَحُ على عِيالِه — دَمُهُ عندَ اللهِ أعظَمُ من هذا البِناءِ المُقَدَّسِ الذي تَهوي إليهِ الأفئدة! من هُنا — يا عِبادَ الله — تَنطَلِقُ خُطبَتُنا اليوم. من هاتَين القُدسِيَّتَين: قُدسيَّةِ المَكانِ (مَكَّة)، وقُدسيَّةِ الإنسانِ (الدَّم المَعصوم). ومِن خِلالِهِما، سَنَقرَأُ واقِعًا مُؤلِمًا ابتُلِيَت به أُمَّتُنا في هذا الزَّمان، حينَ ظَهَرَت راياتٌ مُنحَرِفَةٌ استَباحَت الدَّمَ، وتَجَرَّأت على المَكان، تَحتَ شِعاراتٍ زائفة. يَقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى في مُحكَمِ كِتابه، مُعَظِّمًا شَأنَ مَكَّة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ۝ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 96-97]. مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا؛ هكذا أرادَ اللهُ لهذا البَيت. حَتَّى أنَّ العَرَبَ في الجاهليَّةِ الجَهلاء — قَبلَ الإسلام — كانوا يَعرِفون قُدسيَّةَ هذا المَكان، فَكانَ الرَّجُلُ يَلقى قاتِلَ أبيهِ أو أخيهِ في الحَرَم، فَلا يَمَسُّهُ بسُوءٍ تَعظيمًا للبيت! ولَمَّا جاءَ أبرَهَةُ الأشرمُ بفِيلِهِ وجَيشِهِ الجَرَّار، يُريدُ هَدمَ الكَعبةِ لِيَصرِفَ النَّاسَ إلى كَنيسَتِهِ في اليَمَن، ماذا حَدَث؟ وَقَفَ عَبدُ المُطَّلِب جَدُّ النَّبيِّ ﷺ في وَجهِه أَعزَلَ مِنَ السِّلاح، وقالَ كَلِمَتَهُ الخالِدة: "أمَّا الإبِلُ فَأنا رَبُّها، وأمَّا البَيتُ فَلَهُ رَبٌّ سَيَحميه". وما هي إلا أيَّام، حَتَّى تَحَرَّكَت جُنودُ السَّماء. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: 1-3]. جَعَلَهُم اللهُ كَعَصفٍ مَأكول، وأبقى بَيتَهُ شامِخًا. هذه قُدسيَّةُ المَكانِ في سُنَّةِ اللهِ الجارية. لكنَّ اللهَ جلَّ جلاله، الذي غارَ على بَيتِه فأهلَكَ أبرهة، يَغارُ أشدَّ الغَيرَةِ على دَمِ عَبْدِهِ المُسلِم. اسمعوا لهذه الآية التي تَقشَعِرُّ منها جُلودُ الذين يَخافونَ رَبَّهُم: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. تَأمَّلوا... خمسُ عُقوباتٍ في آيةٍ واحدة: (جهنَّم، الخُلود، الغَضَب، اللَّعنة، العَذابُ العَظيم). لم تَجتَمِع هذه العُقوباتُ الخَمسُ في القُرآنِ على ذَنبٍ بَعدَ الشِّركِ كما اجتَمَعَت في قَتلِ المُؤمِن! ويَقولُ نَبيُّنا ﷺ، كما روى البَرَّاءُ بنُ عازِب بإسنادٍ صحيح: «لَزَوالُ الدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتلِ مُؤمِنٍ بِغَيرِ حَقٍّ». الدُّنيا كُلُّها.. بشَمسِها وقَمَرِها، ببِحارِها وجِبالِها، بمُدُنِها وحَضاراتِها، أَن تَزولَ وتَتَفَتَّت وتَتَلاشى، أَهوَنُ عِندَ اللهِ من قَطرةِ دَمٍ تُراقُ من مُسلمٍ مَظلوم! والسُّؤالُ الذي يَطرَحُ نَفسَهُ بقُوَّةٍ هُنا: إذا كانَتِ الكَعبةُ بِهذا الجَلال، وإذا كانَ دَمُ المُسلِمِ أشدَّ حُرمَةً من الكعبة... فَكَيفَ تَجرَّأت جَماعاتٌ وميليشياتٌ تَنتَسِبُ إلى الإسلامِ على استِباحَةِ هَذَينِ العَظيمَين؟ كيفَ يَصِلُ الإنسانُ المُسلِم، الذي يَقرَأُ القُرآن ويُصَلِّي للكَعبة، إلى أن يَحمِلَ السِّلاحَ لِيَقتُلَ أخاهُ المُسلِم، بَل ويُطْلِقَ الصَّواريخَ باتِّجاهِ مَكَّةَ المُكَرَّمَة؟! ولِتَفكيكِ هذا اللُّغزِ الدَّموي، يَجِبُ أن نَفهَمَ "خَريطَةَ الانحِراف". كيفَ تَبدأُ الحِكايَة؟ أيُّها الإخوَة، الجرائِمُ الكُبرى لا تَبدأُ بِسِلاحٍ ومِدفع.. بل تَبدأُ بِـ "فِكرَة". تَبدأُ الفِكرةُ بانحِرافٍ عَقَديٍّ يَستَهدِفُ عُقولَ الشَّباب، ويُسَلِّمُ مَفاتيحَ العَقلِ لبَشَرٍ مَخلوقين، ويُطالِبُ أتباعَهُ بِـ "التَّقديسِ الأعمى". قالَ اللهُ تعالى ذامًّا أهلَ الكِتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]. سُئلَ حُذَيفَةُ رضي اللهُ عنه: هل كانوا يَعبُدونَهُم؟ قال: "لا، ولكنَّهم كانوا يُحِلُّونَ لهمُ الحَرامَ فَيُحِلُّونَه، ويُحَرِّمونَ عليهمُ الحَلالَ فَيُحَرِّمونَه، فَتِلكَ عِبادَتُهُم لَهُم". هذا هو أصلُ الدَّاء! عندما تُزرَعُ فِكرةُ "الولاءِ المُطلَق" لشَخصٍ بَعينِه — سَواءً لُقِّبَ بالسَّيِّد، أو القائد، أو العَلَم — فَيُصبِحُ كَلامُهُ مُقَدَّمًا على نُصوصِ الشَّرع، وتُصبِحُ طاعَتُهُ فَريضَةً تُراقُ لأجلِها الدِّماء. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمهُ الله: "ومَنِ اتَّخَذَ رَجُلًا يُوالي فيهِ ويُعادي فيهِ غَيرَ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَهوَ مِنَ الذينَ فَرَّقوا دينَهُم وكانوا شِيَعًا". عندما يَتَرَسَّخُ هذا التَّقديسُ الأعمى، يَتَحَوَّلُ الإنسانُ من "عَبدٍ لله" يَحكُمُهُ الدَّليلُ والميزان، إلى "أداةٍ صَمَّاء" تُنَفِّذُ أوامِرَ السُّلطَةِ المُنحَرِفة. وهنا، تَنتَقِلُ هذهِ الجَماعاتُ من مَرحَلةِ "الفِكرةِ" إلى مَرحَلةِ "السُّلطَةِ واكتِسابِ القُوَّة". وحينَ تَمتَلِكُ الفِكرَةُ المُنحَرِفَةُ سِلاحًا، ماذا تَصنَع؟ هل تَبني الأرض؟ هل تُقيمُ العَدل؟ هل تَرحَمُ الضَّعيف؟ لا والله! بَل تَنزِلُ إلى الواقِعِ مُمارَسةً دَمَويَّة: تَجنيدًا للأطفال، وظُلمًا للنَّاس، واستِباحَةً للحُرُمات. يَقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى واصِفًا هذا الصِّنفَ مِنَ المُفسِدين: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]. انظُروا وتَأمَّلوا — يا رعاكُم الله — إلى واقِعِنا المُعاصِر. انظُروا إلى "المَشروعِ الحُوثيِّ" في اليَمَن كَنَموذَجٍ صارِخٍ لهذا البِناءِ الفِكريِّ المُنحَرِف. كَيفَ بَدَأ؟ بَدَأَ بفِكرَةِ التَّمَيُّزِ العِرقيِّ والطَّبَقي، وادِّعاءِ الاصطِفاء، وتَقديسِ قِياداتٍ مَنَحوها عِصمَةً لا تَكونُ إلَّا للأنبياء. وماذا كانَتِ النَّتيجَةُ عِندما امتَلَكوا السِّلاح؟ هَل وَجَّهوا سِلاحَهُم نَحوَ أعداءِ الأمَّة؟ لَقَد صَدَعوا رُؤوسَنا بِشِعاراتِ "المَوتِ لأمريكا، المَوتِ لإسرائيل".. ولَكِنَّ دِماءَ مَنُ الَّتي سالَت؟ ومُدُنَ مَن الَّتي دُمِّرَت؟ إنَّها دِماءُ اليَمَنيِّينَ الأبرياء! إنَّها مَآذِنُ صَنعاءَ ومَأرِب وتَعِز! لَقَد مارَسوا أبشَعَ أنواعِ الظُّلم.. سَرَقوا لُقمَةَ العَيشِ مِن أفواهِ الجائِعين، وزَجُّوا بالأطفالِ — زُهورِ الحَياة — في مَحارِقِ المَوت، واستَباحوا الحُرُماتِ وفَجَّروا بُيوتَ اللهِ ودُورَ القُرآن. صَدَقَ فيهم قَولُ الحَسَنِ البَصريِّ رَحِمَهُ الله لمَّا وَصَفَ أهلَ البِدَع والظُّلمِ فقال: "عَمُوا وصَمُّوا عن كتابِ الله، وَسَلُّوا سُيوفَهُم على أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ". ولَم يَقِفِ الانحِرافُ عِندَ استِباحَةِ الدَّمِ البَشَري.. بَل تَجاوَزَهُ إلى الجَريمَةِ الأكبَر، والحادِثَةِ الَّتي صَدَمَت وُجدانَ كُلِّ مُسلِم: "استِهدافُ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ بِالصَّواريخ"! أيُّها المُسلِمون، أتُدرِكونَ حَجمَ هذهِ الجَريمَة؟ الصَّاروخُ الذي انطَلَقَ باتِّجاهِ قِبلَةِ المُسلمين.. لا يُطلِقُهُ إلَّا قَلبٌ مُنسَلِخٌ مِن تَعظيمِ شَعائِرِ الله. ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. ولَكِن، لا تَعجَبوا! فالتَّاريخُ لَهُ ذاكِرَةٌ لا تَنسى. إنَّ استِهدافَ الكَعبَةِ لَيسَ جَديدًا على مِثلِ هَذِهِ الحَرَكاتِ الباطِنيَّةِ المُنحَرِفَة. تَذكُرونَ في التَّاريخِ ما فَعَلَهُ "القَرامِطَة"؟ تِلكَ الحَرَكَةُ الَّتي قَدَّسَت أئِمَّتَها وادَّعَت المَظلومِيَّة، ثمَّ ماذا فَعَلَت؟ دَخَلَ زَعيمُهُم أبو طاهِرٍ الجَنَّابيُّ المَسجِدَ الحَرامَ يَومَ التَّرويَة، وقَتَلَ الحُجَّاجَ المُحرِمينَ في صَحنِ المَطاف، حَتَّى اختَلَطَت دِماؤُهُم بماءِ زَمزَم! وكانَ يَقِفُ على بابِ الكَعبَةِ ويَقولُ بِتَكَبُّر: "أنا باللهِ وباللهِ أنا... يَخلُقُ الخَلقَ وأفنيهِم أنا"! ثُمَّ سَرَقَ الحَجَرَ الأسوَدَ من مَكانِه وعَطَّلَ الحَجَّ لِسَنوات. إنَّ المَشروعَ الحُوثيَّ اليَومَ هو التَّرجَمَةُ المُعاصِرَةُ لذلكَ الفِكرِ القُرمُطِيِّ الخَبيث. نَفسُ البِناءِ الفِكري: ادِّعاءُ وِلاية، ثُمَّ استِباحَةُ دِماء، ثُمَّ استِهدافٌ لِلقِبلة. يَتَحَرَّكونَ كَأدواتٍ وأذرُعٍ لمَشروعٍ صَفَويٍّ خارِجيّ (إيرانيّ) لا يُريدُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أمنًا ولا استِقرارًا. ولَكِن... أينَ الكَعبةُ الآن؟ وأينَ القَرامِطَة؟ القَرامِطَةُ طَواهُمُ التَّاريخُ في مَزابِلِه، وبَقِيَتِ الكَعبَةُ مَحفوظَةً بِحِفظِ رَبِّها، يُطافُ بِها لَيلَ نَهار. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]. يا عِبادَ الله، مَكَّةُ مَحفوظَةٌ لأنَّ اللهَ قالَ فيها: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]. تَأمَّلوا الآية، اللهُ لَم يَقُل "مَن ألحَدَ وظَلَم"، بَل قال: ﴿ومَن يُرِد﴾! بِمُجَرَّدِ "إرادَةِ" الشَّرِّ بِمَكَّة، حَتَّى ولَو لَم يَفعَل، فَإنَّ اللهَ يُذيقُهُ العَذابَ الأليم. فَكَيفَ بِمَن وَجَّهَ إلَيها صَواريخَهُ فِعلًا؟! يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله في سُنَّةِ اللهِ مَعَ مَن عادَى بَيتَه: "وما تَجَبَّرَ جَبَّارٌ على البَيتِ إلَّا قَصَمَهُ اللهُ وأذَلَّه". هذهِ سُنَّةٌ إلهيَّةٌ لا تَتَبَدَّل. الكَعبَةُ لَها رَبٌّ يَحميها، وقَد قَيَّضَ اللهُ لَها في كُلِّ زَمانٍ مَن يَذُودُ عَن حِياضِها ويَتَصَدَّى لِلعادينَ عَلَيها. لكِنَّ السُّؤالَ لَنا نَحن: ما هُوَ "ميزانُ المُسلِم" أمامَ هذهِ النَّوازِل؟ الميزانُ — يا كرام — هو "التَّحريرُ والعَدل". التَّحريرُ الحَقيقيُّ لَيسَ بِرَفعِ الشِّعاراتِ الرَّنَّانَة الَّتي تُدَغدِغُ العَواطِف، بَينَما المَدافِعُ تَدُكُّ بُيوتَ المُسلمين. التَّحريرُ يَنطَلِقُ مِن "التَّوحيدِ الخالِص" للهِ رَبِّ العالَمين، ومِن "الولاءِ" للهِ ولِرَسولِه، لا لِحِزبٍ أو سَيِّدٍ أو مَشروعٍ أجنَبي. التَّحريرُ هُوَ إقامَةُ العَدلِ الَّذي أمَرَ اللهُ بِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. لا يُمكن لِمُعتَدٍ على دِماءِ المُسلمينَ في اليَمَنِ أو سُوريا أو العِراق، ومُستَهدِفٍ لِقِبلَةِ المُسلمين في مَكَّة، أن يَكونَ مُحَرِّرًا لِفِلَسطينَ أو ناصِرًا لِلأقصى! فَكِلا المَسجِدَينِ — الحَرامُ والأقصى — مُقَدَّسانِ عِندَ رَبِّ العالَمين. ومَنِ استَهانَ بِالأوَّل، فَهوَ أكذَبُ النَّاسِ في ادِّعاءِ نُصرَةِ الثَّاني. فالمُقَدَّساتُ لا تَتَجَزَّأ، ودِماءُ المُسلمينَ في كُلِّ مَكانٍ تَكافَأُ دِماؤُهُم. قالَ النبيُّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداع، واضِعًا الميزانَ الأعظَمَ لِلأُمَّة: «إنَّ دِماءَكُم، وأموالَكُم، وأعراضَكُم، حَرامٌ عَلَيكُم، كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذا، في بَلَدِكُم هَذا، في شَهرِكُم هَذا». هَذا هُوَ ميزانُنا، وهَذِهِ هِيَ عَقيدَتُنا. فَلا نَغتَرَّ بِالشِّعاراتِ الكاذِبَة، ولا نُسَلِّم عُقولَنا لِدُعاةِ الضَّلال، بَل نَزِنُ الرِّجالَ والأفعالَ بِميزانِ الكِتابِ والسُّنَّة. بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعِزُّ مَن يَشاء ويُذِلُّ مَن يَشاء، بِيَدِهِ الخَيرُ وهُوَ على كُلِّ شَيءٍ قَدير، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ مَعانٍ عِظام؛ بَدأنا بِقُدسيَّةِ بَيتِ اللهِ الحَرام، وعَرَفنا أنَّ حُرمَةَ دَمِ المُؤمِنِ أعظَمُ عِندَ اللهِ مِنَ الكَعبَة. ثُمَّ رَأينا كَيفَ تَنحَرِفُ البَصائِرُ عِندَما يُسلِمُ النَّاسُ وِلاءَهُم تَقديسًا أعمى لِلبَشَر، وكَيفَ تُترجَمُ هذهِ الأفكارُ الفاسِدَةُ إلى دِماءٍ وخراب، كما ظَهَرَ جَليًّا في المَشروعِ الحُوثيِّ الَّذي تَجَرَّأَ حَتَّى على قِبلَةِ المُسلمين، مُعيدًا إلى الأذهانِ إجرامَ القَرامِطَة. والآن، ونَحنُ نَعيشُ هَذِهِ الفِتَنَ تَتَخَطَّفُ العُقولَ والأوطان، السُّؤالُ العَمَليُّ المُلِحّ: كَيفَ نَحفَظُ دِينَنا وواقِعَنا مِن هَذا الوباء؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، تَجعَلونَها حِصنًا لَكُم ولِبُيوتِكُم: الأولى (قَلبيَّة): جَرِّدوا ولاءَكُم للهِ ولِرَسولِهِ ﷺ فَقَط. لا عِصمَةَ لِبَشَرٍ بَعدَ رَسولِ الله. إيَّاكُم والتَّقديسَ الأعمى لِأيِّ حِزبٍ أو جَماعةٍ أو شَخصٍ أيًّا كانَ لَقَبُه. فالقُلوبُ إذا مُلِئَت بِتَعظيمِ الأشخاص، عَمِيَت عَن تَعظيمِ الحَقّ، ولِذَلِكَ ضَلَّ مَن ضَلّ. قالَ تَعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. الثانية (لِسانيَّة): احذَروا مِن تَبَنِّي الشِّعاراتِ الخادِعَة أو تَرديدِها. بَيِّنوا الحَقَّ بِحِكمَة، وحَذِّروا الأجيالَ مِن هَذِهِ الفِتَن. المُسلِمُ الكَيِّسُ هُوَ الَّذي يَزِنُ الكَلامَ بِواقِعِ أصحابِه، فَلا يَغتَرُّ بِمَن يَصرُخُ بِنُصرَةِ الأُمَّةِ ولِسانُهُ يَقطُرُ سَبًّا لِصحابَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأُمَّهاتِ المُؤمِنين، ويَدُهُ تَقطُرُ مِن دِماءِ المُسلمين. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): حَصِّنوا أولادَكُم! المَعارِكُ اليَومَ لا تَدورُ بالبَنادِقِ فَقَط، بَل بالشَّاشاتِ والأجهِزَة. هَذِهِ الميليشيَّاتُ تَصطادُ الشَّبابَ في لَحَظاتِ جَهلِهِم وفِقدانِهِم لِلهُوِيَّة. عَلِّموا أبناءَكُم عَقيدَةَ أهلِ السُّنَّة، عَلِّموهُم السِّيرَة، املَؤوا وُجدانَهُم بِمَحَبَّةِ اللهِ وصَحابَةِ نَبيِّهِ، فَإنَّ الفِكرَ المُنحَرِفَ لا يَتَسَلَّلُ إلَّا إلى قَلبٍ فارِغ. الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَنسَوا إخوانَكُمُ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في اليَمَن الشَّقيق، وفي فِلَسطين، وفي السُّودان، وفي كُلِّ مَكانٍ تُراقُ فيهِ الدِّماءُ المَعصومَة. كُونوا لَهُم عَونًا بِما استَطَعتُم مِن دَعمٍ مَشروع، واجعَلوا لَهُم نَصيبًا صادِقًا مِن دَعَواتِكُم في خَلَواتِكُم وسُجودِكُم، فَدَعوَةُ الأخِ لأخيهِ بظَهرِ الغَيبِ مُستَجابَة. الخامسة (موضوعيَّة): استَمسِكوا بِمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَة؛ المَنهَجِ الوَسَط الَّذي يَعرِفُ العَدل، ويُقَدِّسُ دِماءَ المُسلمين، ويَذبُّ عَن حِياضِ الحَرَمَين، ولا يَنجَرُّ خَلفَ المَشاريِع المُهَرِّجَة ولا الميليشياتِ المُدَمِّرَة. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقين، وأنَّ الباطِلَ وإنِ انتَفَش، فَهُوَ كَزَبَدِ البَحرِ يَذهَبُ جُفاءً، وما يَنفَعُ النَّاسَ يَمكُثُ في الأرض. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيهِ، قالَ سُبحانَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ واقتَفى أثَرَهُ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ يا ذا الجَلالِ والإكرام، يا حَيُّ يا قَيُّوم، أن تَحفَظَ المَسجِدَ الحَرامَ والمَسجِدَ النَّبَويَّ ومَسجِدَنا الأقصى مِن كُلِّ سُوءٍ ومَكروه. اللَّهُمَّ مَن أرادَ قِبلَةَ المُسلمينَ ومُقَدَّساتِهِم بِكيدٍ، فاجعَل كَيدَهُ في نَحرِه، واجعَل تَدبيرَهُ تَدميرًا عَلَيهِ، وسَلِّط عَلَيهِ سَيفَ انتِقامِك يا جَبَّارُ يا قَهَّار. اللَّهُمَّ كُن لإخوانِنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في اليَمَن، وفي غَزَّة وفِلَسطين، وفي الشَّام، وفي السُّودان، وفي كُلِّ بُقعَةٍ مِن بِقاعِ الأرض. اللَّهُمَّ ارفَع عَنهُم الظُّلمَ والطُّغيان، واحقِن دِماءَهُم، واستُر أعراضَهُم، وآمِن رَوعاتِهِم، وأطعِم جائِعَهُم، وداوِ جَرحاهُم، وتَقَبَّل شُهَداءَهُم يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ أرِنا الحَقَّ حَقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأرِنا الباطِلَ باطِلًا وارزُقنا اجتِنابَه. اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَنا ومُجتَمَعاتِنا مِنَ الفِتَنِ والأفكارِ المُنحَرِفَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَة. اللَّهُمَّ ارزُقنا التَّوحيدَ الخالِص، والولاءَ الصَّادِق لَكَ ولِرَسولِكَ ولِلمُؤمِنين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا ذُكِّرَ تَذَكَّر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر، وإذا أنعَمتَ عَلَيهِ شَكَر. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون، فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِه يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.