من مكتبة مِداد الخطيب

بَلِّغُوا عَنِّي... مَنابِرُ العَصرِ وَأَمانَةُ الرِّسالَة

مشاركة
🕌 بَلِّغُوا عَنِّي... مَنابِرُ العَصرِ وَأَمانَةُ الرِّسالَة #خطبة_جمعة #الدعوة_إلى_الله #دعوة_غير_المسلمين #الدعوة_الإلكترونية #مسؤولية_المسلم #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسولاً مِنهُم يَتلو عَلَيهِم آياتِهِ ويُزَكِّيهِم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ أُمَّةَ الإسلامِ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للناسِ تَأمُرُ بالمَعروفِ وتَنهى عنِ المُنكَر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، المَبعوثُ رَحمَةً للعالَمين، وبَشيراً ونَذيراً لِلخَلقِ أجمَعين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن دَعا بدَعوَتِهِ واقتَفى أثَرَهُ إلى يَومِ الدِّين، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ: رَجُلٌ يَجلِسُ في غُرفَتِه، يَحمِلُ في يَدِهِ جِهازاً صَغيراً، يَضغَطُ زِرّاً، فَتَصلُ كَلِمَةُ التَّوحيدِ إلى مَلايينِ البَشَرِ في قاراتٍ لم تَطَأها قَدَمُه! وفي المُقابِل.. مُسلِمٌ يَعيشُ بِجِوارِ جارٍ غيرِ مُسلِمٍ عِشرينَ عاماً، يَأكُلانِ مِن نَفسِ السُّوق، ويَمشِيانِ في نَفسِ الشَّارِع، ثُمَّ يَموتُ الجارُ ولَم يَسمَع مِن هَذا المُسلِمِ آيَةً واحِدَةً تُنقِذُهُ مِنَ النَّار! اليَومَ، العالَمُ أَعطَشُ ما يَكونُ لِلإسلام، وأَدَواتُ الدَّعوَةِ أَرخَصُ وأَسرَعُ مِمَّا كانَت عَليهِ في أَيِّ زَمَنٍ مَضى. فَما هُوَ عُذرُنا أَمامَ الله؟ بَعدَ قَليل.. سَنَقِفُ أمامَ الحقيقَةِ المُزلزِلَةِ والأمانَةِ الثَّقيلَةِ الَّتي وُضِعَت في أعناقِنا. أَيُّها المُسلِمون: نَحنُ لَسنا أُمَّةً تَأكُلُ وتَشرَبُ وتُصَلِّي وتَصومُ لِنَفسِها فَقَط. نَحنُ أُمَّةٌ خُلِقَت لِتَحمِلَ هَمَّ البَشَريَّةِ كُلِّها. قالَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ الكَريم، مُحَدِّداً هُوِيَّتَنا الوجوديَّة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. تَأمَّلوا هَذِهِ الآيَةَ العَظيمَة.. لَم يَقُل سُبحانَهُ "أُخرِجَت لِنَفسِها"، بَل قالَ: ﴿لِلنَّاسِ﴾. قالَ الإمامُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ في تَفسيرِها: "مَن سَرَّهُ أن يَكونَ مِن تِلكَ الأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ شَرطَ اللهِ فيها". وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُما: "هُمُ الَّذينَ يَأتونَ بِالناسِ في السَّلاسِلِ يُدخِلونَهُم في الإسلام". أَي: يَسوقونَهُم إلَى الجَنَّةِ بِدَعوَتِهِم وحِرصِهِم عَلَيهِم! ويا عِبادَ الله، إنَّ رَسولَنا ﷺ قَد أَدَّى الأَمانَةَ وبَلَّغَ الرِّسالَة، ثُمَّ ارتَحَلَ إلَى الرَّفيقِ الأَعلى، وتَرَكَ هَذِهِ الأَمانَةَ في أَعناقِنا. يَقولُ جَلَّ وعَلا، آمِراً نَبيَّهُ أن يُعلِنَ طَريقَتَهُ: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. فَكُلُّ مَنِ اتَّبَعَ مُحمَّداً ﷺ، فَهُوَ داعِيَةٌ إلَى اللهِ بِالضَّرورَة، كُلٌّ بِحَسَبِ استِطاعَتِه. وقَد يَظُنُّ بَعضُنا أنَّ الدَّعوَةَ مَحصورَةٌ في العُلَماءِ فَقَط. وهَذا وَهمٌ مِن تَلبيسِ إبليس! واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ العَظيمِ الَّذِي يَنسِفُ هَذا العُذرَ نَسفاً. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ بِلَفظٍ قاطِع: «بَلِّغُوا عَنِّي ولَو آيَة» (رَواهُ البُخاري). آيَةٌ واحِدَة! هَل تُحسِنُ قِراءَةَ الفاتِحَة؟ هَل تَعرِفُ أَنَّ اللهَ واحِد؟ هَل تَعرِفُ خُطُواتِ الوُضوء؟ إِذَن أَنتَ تَملِكُ رَأسمالَ الدَّعوَة. قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "تَبليغُ سُنَّتِهِ ﷺ إلَى الأُمَّةِ أفضَلُ مِن تَبليغِ السِّهامِ إلَى نُحورِ الأَعداء، لِأَنَّ تَبليغَ السِّهامِ يَفعَلُهُ كَثيرٌ مِنَ الناس، وأمَّا تَبليغُ السُّنَنِ فَلا يَقومُ بِهِ إلَّا وَرَثَةُ الأَنبياء". إِخوَتي في الله: في هَذا الزَّمان، نَحنُ نَعيشُ في واقِعٍ تَتَداخَلُ فيهِ الشُّعوب. غَيرُ المُسلِمينَ اليَومَ يَدخُلونَ مَكاتِبَنا، ويَعمَلونَ في شَرِكاتِنا، ويَجلِسونَ مَعَنا في جامِعاتِنا، ويَسيرونَ في أَسواقِنا. هَذِهِ هِيَ مِساحَةُ الدَّعوَةِ المَيدانيَّة. والدَّعوَةُ المَيدانيَّةُ لا تَعني أن تَقِفَ في الشَّارِعِ لِتَخطُبَ في الناس، بَل دَعوَةُ الحالِ أَبلَغُ مِن دَعوَةِ المَقال. ألا تَتَفَكَّرون: كَيفَ دَخَلَ الإسلامُ إلَى شَرقِ آسيا؟ كَيفَ أَسلَمَت إندونيسيا وماليزيا وهِيَ بُلدانٌ لَم يَدخُلها جَيشٌ إسلاميٌّ قَط؟ لَقَد دَخَلوا الإسلامَ بِأَخلاقِ التُّجَّارِ المُسلِمين! رَأَوا مُسلِماً لا يَكذِب، ولا يَغُشّ، ويَبتَسِمُ في وُجوهِهِم، ويوقِفُ تِجارَتَهُ عِندَما يُنادِي المُنادي لِلصَّلاة. فَتَساءَلوا: أَيُّ دينٍ هَذا الَّذِي يَصنَعُ مِثلَ هَذِهِ الأَمانَة؟ يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. الحِكمَةُ والمَوعِظَةُ
الحَسَنَةُ هِيَ ابتِسامَتُكَ في وَجهِ زَميلِكَ الأَعجَميّ. هِيَ أمانَتُكَ مَعَ عامِلٍ يَعمَلُ عِندَك. هِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ تَقولُها بِلُطف. واسمَعوا لِهَذِهِ القِصَّةِ العَجيبَةِ في الدَّعوَةِ المَيدانيَّة، وكَيفَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يَكُن يَترُكُ فُرسَةً لِإِنقاذِ نَفسٍ مِنَ النَّار. كانَ هُناكَ غُلامٌ يَهوديٌّ يَخدُمُ النَّبيَّ ﷺ، فَمَرِضَ هَذا الغُلامُ مَرَضَ المَوت. هَل قالَ النَّبيُّ ﷺ: هُوَ يَهوديٌّ ولَيسَ مِنَّا ودَعوهُ يَموت؟ حاشاهُ ﷺ! بَل ذَهَبَ إلَيهِ في بَيتِهِ يَعودُه. جَلَسَ عِندَ رَأسِهِ والوَلَدُ يَلفِظُ أنفاسَهُ الأَخيرَة. نَظَرَ إلَيهِ الرَّحمَةُ المُهداة ﷺ وقالَ لَهُ بِلُطف: «أَسلِم». نَظَرَ الغُلامُ إلَى أَبيهِ اليَهوديِّ الَّذِي كانَ حاضِراً، فَقالَ لَهُ أبوه: أَطِع أبا القاسِم. فَأَسلَمَ الغُلامُ ثُمَّ مات! خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ وَجهُهُ يَتَهَلَّلُ فَرَحاً، وهُوَ يَقول: «الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنقَذَهُ بِي مِنَ النَّار» (رَواهُ البُخاري). يا الله! نَفسٌ واحِدَة، غُلامٌ صَغير، في اللَّحظَةِ الأَخيرَة.. يُنقِذُهُ النَّبيُّ ﷺ. فَكَم مِن أَرواحٍ تَزهَقُ كُلَّ يَومٍ مِن حَولِنا ونَحنُ لَم نُحاوِل حَتَّى أن نُقَدِّمَ لَهُم صُورَةً ناصِعَةً عَن دينِنا؟ ثُمَّ انتَقِلوا مَعي، يا أُمَّةَ التَّبليغ، إلَى جَبهَةٍ أُخرى.. جَبهَةٍ قَلَبَت مَوازينَ الدَّعوَةِ في العَصرِ الحَديث. إنَّها جَبهَةُ الدَّعوَةِ الإِلكتِرونيَّة! الفَضاءُ الرَّقَمي، ومَنَصَّاتُ التَّواصُل، وتِلكَ الشَّاشاتُ الَّتي نُقلِّبُها لَيلَ نَهار. إنَّ العالَمَ الرَّقَميَّ لَيسَ مُجَرَّدَ لَهوٍ ومَقاطِعَ مُضحِكَة. هُوَ مَيدانُ مَعرَكَةٍ حَقيقيَّةٍ بَينَ الحَقِّ والباطِل، وبَينَ الإيمانِ والإلحاد، وبَينَ الإِسلامِ ومُشَوِّهيه. يَقولُ اللهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبيِّه: ﴿لِّأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19]. أَي: هَذا القُرآنُ نَذيرٌ لَكُم ولِكُلِّ مَن بَلَغَهُ إلَى يَومِ القِيامَة. وفي السَّابِق، كانَ العالِمُ يُسافِرُ أَشهُراً عَلى ظَهرِ بَعيرٍ لِيُبَلِّغَ قَومَهُ حَديثاً! أمَّا اليَوم، فَإنَّ ضَغطَةَ زِرٍّ واحِدَة، نَشرَ مَقطَعٍ قَصيرٍ مُتَرجَم، أو تَغريدَةً تَحمِلُ مَعنى آيَة، تَبلُغُ مَشارِقَ الأَرضِ ومَغارِبَها في كَسرٍ مِنَ الثَّانيَة. الخَوارِزميَّاتُ الَّتي تَحكُمُ هَذا الفَضاءَ هِيَ جُندٌ مِن جُنودِ اللهِ إذا سَخَّرناها لِلحَقّ. أَيُعقَلُ أن يَستَخدِمَ أَهلُ الباطِلِ هَذِهِ التِّقنِيَّةَ لِنَشرِ الإلحادِ والفُجور، ويَبخَلَ أَهلُ الحَقِّ عَن نَشرِ النُّورِ الَّذي مَعَهُم؟ تَأمَّلوا في حَديثِ النَّبيِّ ﷺ العَظيمِ لِعَلِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ يَومَ خَيبَر: «فَواللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِن أنْ يَكونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه). حُمرُ النَّعَمِ هِيَ أَغلى وأَنفَسُ الإِبِلِ عِندَ العَرَب، أَي خَيرٌ لَكَ مِن ثَرواتِ الدُّنيا كُلِّها. رَجُلٌ واحِدٌ يُهدى بِسَبَبِك! ماذا لَو نَشَرتَ حَديثاً مُتَرجَماً بِاللُّغَةِ الإِنجِليزيَّة أو الفَرَنسيَّة؟ فَيَقَعُ في شاشَةِ رَجُلٍ في أَوروبا أو أَمرِيكا، يَعيشُ حَياةَ الاكتِئابِ والضَّياع، فَيَقرَأُ كَلامَ رَسولِ الله، فَيَدخُلُ النُّورُ في قَلبِه، ويَبدَأُ في البَحثِ عَنِ الإِسلامِ حَتَّى يُسلِم! كُلُّ رَكعَةٍ يَركَعُها هَذا الرَّجُلُ إلَى يَومِ القِيامَة، وكُلُّ تَسبيحَة، وكُلُّ ذُرِّيَّةٍ مُسلِمَةٍ تَخرُجُ مِن صُلبِه.. هِيَ في ميزانِ حَسَناتِكَ أَنت! لِأَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» (رَواهُ مُسلِم). ولَنا في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ في انتِهازِ أَدَواتِ التَّواصُلِ المُتاحَةِ في زَمانِه. حينَ استَقَرَّ في المَدينَة، لَم يَكتَفِ بِدَعوَةِ مَن حَولَه. بَلِ استَخدَمَ "تِقنِيَّةَ العَصر" في ذَلِكَ الوَقت: الرَّسائِلَ المَكتوبَة! أَرسَلَ الكُتُبَ إلَى مُلوكِ العالَم.. كَتَبَ إلَى هِرَقلَ عَظيمِ الرُّوم، وإلَى كِسرى مَلِكِ الفُرس، وإلَى المُقَوقِسِ في مِصر، وإلَى النَّجاشيِّ في الحَبَشَة. رِسالاتٌ تَقطَعُ الصَّحاري والجِبال، مَكتوبٌ فيها آيَةٌ واحِدَة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 64]. كانَ النَّبيُّ ﷺ يَضَعُ كُلَّ جُهدِهِ لِيَصلَ صَوتُ الإِسلامِ لِمَن لَم يَروهُ. واليَومَ.. صَوتُكَ يَصِلُ بِلا رِحلَةٍ صَحراويَّة، وبِلا جُهدٍ بَدَنيّ. المَناصَّاتُ هِيَ خُيولُ العَصرِ، والشَّاشاتُ هِيَ المَنابيُرُ الجَديدَة. إِخوَتي الأَحِبَّة.. اسأَلوا أَنفُسَكُم بِصِدق: كَم شَخصاً غَيرَ مُسلِمٍ يُتابِعُكُم عَلى مَواقِعِ التَّواصُل؟ وماذا يَرى في حِساباتِكُم؟ لَو دَخَلَ رَجُلٌ لا يَعرِفُ الإِسلامَ إلَى حِسابِك، هَل
سَيَعرِفُ أَنَّكَ تُحِبُّ الله؟ هَل سَيَرى أخلاقَ الإِسلام؟ أَم سَيَرى مُجَرَّدَ جِدالات، وتَفاهات، ويَومِيَّاتٍ خاليَةً مِن أَيِّ مَعنًى عَميق؟ قالَ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "المُؤمِنُ في الدُّنيا كالغَريبِ.. لا يُنافِسُ في عِزِّها، ولا يَجزَعُ مِن ذُلِّها، لِلناسِ حالٌ ولَهُ حال". وحالُكَ يا عَبدَ اللهِ أَنَّكَ صاحِبُ رِسالَة. تَخَيَّلوا مَعي هَذا المَشهَدَ الرَّهيبَ يَومَ القِيامَة.. يَومَ يُجمَعُ النَّاسُ لِلحِساب، فَيَأتيكَ رَجُلٌ غَيرُ مُسلِم، رُبَّما كانَ زَميلَكَ في العَمَل، أو جارَكَ في الغُربَة، أو رُبَّما كانَ مُتابِعاً لَكَ عَلى شَبَكَةِ الإِنتَرنِت لِسَنَوات! يَتَعَلَّقُ بِتَلابيبِك، ويَقولُ أَمامَ الله: "يا رَبِّ، سَل هَذا المَغرور! عاشَ مَعي، ورَآني، وكَلَّمَني، وعَرَفَ أَنِّي عَلى ضَلال، ولكِنَّهُ لَم يَدعُني إِلَيكَ قَط! لَم يَنصَحني! لَم يَقُل لي يَوماً إنَّ هُناكَ نَبيّاً اسمُهُ مُحَمَّد! لَقَد رَآني أَهوي إلَى النَّارِ فَصَمَت!". مَوقِفٌ تَنخَلِعُ لَهُ القُلوب. أينَ المَفَرُّ يَومَئِذٍ مِن سُؤالِ الجَبَّار؟ ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. لَقَد فَتَحَ اللهُ لَنا أَبواباً، وسَيَسأَلُنا عَن إِغلاقِنا لَها. فَلا تَحتَقِروا جُهداً، ولا تَستَصغِروا كَلِمَة. كَم مِن آيَةٍ مُصَمَّمَةٍ بِصُورَةٍ جَميلَة، أو مَقطَعٍ لِتِلاوَةٍ خاشِعَةٍ مُتَرجَمَة، تَتَداوَلُها الأَيدي، فَتَطُرقُ قُلوباً أَغلقَها الإلحادُ والكُفر! لَيسَ المَطلوبُ أَن تَكونَ فَقيهَ العَصرِ لِتَدعو إلَى الله. بَلِ المَطلوبُ أن تَكونَ صَادِقاً، غَيوراً عَلى دينِك، حَريصاً عَلى خَلاصِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الظُّلُماتِ إلَى النُّور. أَقولُ قَولي هَذا، وأَستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ وتوبوا إلَيه، إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، المَبعوثُ لِلعالَمينَ هادِياً ومُبَشِّراً ونَذيراً، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وأَصحابِهِ والتَّابِعين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن جَوهَرِ وُجودِنا كَأُمَّةٍ داعِيَة، ووُقوفِنا عَلى ثُغورِ الدَّعوَةِ المَيدانيَّةِ بأخلاقِنا وتَعامُلاتِنا، ثُمَّ تَأَمَّلنا في هَذا السِّلاحِ العَظيمِ الَّذي بَينَ أَيدينا؛ الفَضاءِ الإِلكتِرونيِّ والشَّاشاتِ الَّتي أصبَحَت مَنابِرَ تَصلُ لِكُلِّ بَيتٍ في الأَرض، وكَيفَ أَنَّ العُذرَ قَد سَقَطَ عَنَّا جَميعاً. والآن، السُّؤالُ الأَهَمُّ الَّذي يَجِبُ أن نَطرَحَهُ قَبلَ أن نُغادِر: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الشُّعورَ إلَى عَمَلٍ مَلموس؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أَن تَنصَرِفوا إلَى أَهليكُم، خَمسٍ تَنفَعُ المُسلِمَ في دُنياهُ وآخِرَتِه: الأُولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَكَ اليَوم، واجعَل في قَلبِكَ هَمَّ النَّبيِّ ﷺ. هَمَّ الخَلاصِ لِهَذِهِ البَشَريَّةِ الحائِرَة. استَحضِر في قَلبِكَ رَغبَةً حارِقَةً في أَن يَهديَ اللهُ بِكَ رَجُلاً أَو امرَأَةً، فَإنَّ النِّيَّةَ الصَّادِقَةَ هِيَ وُقودُ الدَّاعي، وبِها يُبارِكُ اللهُ العَمَلَ القَليل. الثَّانيَة (لِسانيَّة): لا تَبخَل بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ أو آيَةٍ أو حَديث. أَنشُر عَبرَ حِساباتِك، وأَرسِل لِمَعارِفِك، حَديثاً صَحيحاً مُتَرجَماً، أَو مَقطَعاً دَعَوِيّاً هادِفاً. كَلِمَةُ حَقٍّ تَكتُبُها قَد تَعيشُ مِئاتِ السِّنين وتَطوفُ العالَمَ بَعدَ أن يَبلى جَسَدُكَ في التُّراب. الثَّالِثَة (عَمَليَّة): حَوِّل أَخلاقَكَ في مَكانِ عَمَلِك ومَدرَسَتِك وشارِعِكَ إلَى مَحَطَّةِ دَعوَة. كُن الصَّادِقَ الَّذِي لا يَكذِب، والأَمينَ الَّذِي لا يَغشّ، والمُبتَسِمَ الَّذي لا يُؤذي. لِيَكُن تَعامُلُكَ مَع غَيرِ المُسلِمِ رِسالَةً صامِتَةً تَقولُ لَه: "هَذا هُوَ الإِسلام". الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): ادعَم الدُّعاةَ المُخلِصينَ والمُؤَسَّساتِ الدَّعَوِيَّةَ الَّتي تُخاطِبُ الغَربَ والشَّرقَ بِلُغاتِهِم. إن لَم تَستَطِعِ الحَديثَ بِلُغَتِهِم، فادعَمهُم بِمالِك، أَو بِمُشارَكَةِ مَقاطِعِهِم لِتَصِلَ إلَى أَكبَرِ عَدَد، فَتَكونَ شَريكاً لَهُم في الأَجر. الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): نَظِّف حِساباتِكَ الإِلكتِرونيَّة. اجعَلها حُجَّةً لَكَ لا حُجَّةً عَلَيك. لا تَجعَل مِساحَتَكَ الرَّقَميَّةَ مُجَرَّدَ مَعرِضٍ لِلطَّعامِ والسَّفَرِ واللَّهو. اجعَل فيها قِسماً لله، مَنشوراً يُذَكِّرُ بِالآخِرَة، وصُورَةً تَعكِسُ
حَقيقَةَ دينِك، لَعَلَّ عَيناً تَقَعُ عَلَيها في آخِرِ الأَرضِ فَتُهدى. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعرِفوا قَدرَ النِّعمَةِ الَّتي أَنتُم فيها، فَقَد شَرَّفَكُم اللهُ بِهَذا الدِّين، واختارَكُم لِحَملِهِ وإِبلاغِه، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، فَقَد قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اجعَلنا هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ استَخدِمنا ولا تَستَبدِلنا، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّرّ. اللَّهُمَّ افتَح مَسامِعَ القُلوبِ، وعُيونَ البَصائِرِ لِهَذا الدِّينِ في كُلِّ مَكان. اللَّهُمَّ اهدِ بِنا، ويَسِّرِ الهُدى لَنا. اللَّهُمَّ إنَّا نَسأَلُكَ أن تَجعَلَ في كَلِماتِنا نُوراً، وفي تَعامُلاتِنا بَرَكَةً تُقَرِّبُ النَّاسَ إِلَيك. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا فِتنَةً لِلَّذينَ كَفَروا، واجعَلنا رَحمَةً وعَوناً لِلعالَمينَ لِمَعرِفَةِ الحَقّ. اللَّهُمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لَهُم مُؤَيِّداً ونَصيراً. اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِ المُسلِمينَ واجمَعهُم عَلى كَلِمَةِ الحَقِّ يا رَبَّ العالَمين. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أَكبَر، واللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.