من مكتبة مِداد الخطيب

مِن أَينَ تَأتي الأخلاق؟ بُرهانُ الواجِبِ الأخلاقيِّ على وُجودِ اللهِ وسُقوطُ الأخلاقِ الماديَّة

مشاركة
🕌 **مِن أَينَ تَأتي الأخلاق؟ بُرهانُ الواجِبِ الأخلاقيِّ على وُجودِ اللهِ وسُقوطُ الأخلاقِ الماديَّة** #خطبة_جمعة #برهان_الأخلاق #الأخلاق_الموضوعية #فلسفة_الأخلاق #رد_الإلحاد #فطرة_الأخلاق #إيمانيات الحمدُ للهِ المَحمودِ بصِفاتِ كَمالِه، المَنعوتِ بنُعوتِ جَلالِه، هَادي القُلوبِ ومُزَكِّي النُّفوس، الذي أرسَلَ نَبيَّهُ ليُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخلاق، وغَرَسَ في فِطَرِ العِبادِ استِحسانَ الصِّدقِ والعَدلِ والإحسان، وقُبحَ الكَذِبِ والظُّلمِ والعُدوان، أوجَدَ الإنسانَ مِن عَدَم، وعَلَّمَهُ بالقَلَم، وجَعَلَ الضَّميرَ في صَدرِهِ شَاهِداً حَيّاً على بَديعِ صُنعِهِ وعَظَمَتِه، فلا تَستَقِيمُ حَياةُ البَشَرِيَّةِ إلَّا بتَحكيمِ شَريعَتِهِ والانقِيادِ لأمرِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، الحَكَمُ العَدل، الذي حَرَّمَ الظُّلمَ على نَفسِهِ وجَعَلَهُ بينَ عِبادِهِ مُحَرَّماً، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الأتقياء، وسَيِّدُ الحُنَفاء، كانَ خُلُقُهُ القُرآن، وبُعِثَ رَحمَةً للإنسِ والجان، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأبرار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ القرار. أمَّا بعد: فيا عِبادَ الله، نَقِفُ اليومَ في المَحَطَّةِ الخَمسينَ مِن مَسيرَتِنا الخُطَبِيَّة، أمَامَ سُؤالٍ هُوَ مِن أعظَمِ الأسئِلَةِ الفَلسَفِيَّةِ والإيمانيَّةِ التي تَشغَلُ العَقلَ البَشَريَّ في كُلِّ عَصْر، سُؤالٍ هُوَ بمَثابَةِ المِعوَلِ الحَاسِمِ الذي يَهدِمُ حُصونَ الإلحادِ المادِّيِّ مِن جُذورِها: **«مِن أَينَ تَأتي الأخلاق؟»**! نَعَم أيُّها الشَّباب، وأيُّها الآباء، تَأمَّلوا مَعي في هذا السُّؤالِ البَسيطِ في مَظهَرِه، العَميقِ في جَوهَرِه: حِينَ يَشهَدُ كُلُّ إنسانٍ سَوِيٍّ على وَجهِ البَسيطَة — مُسلِماً كانَ أو كافِراً، شَرقِيّاً أو غَربِيّاً — بأنَّ إنقاذَ طِفلٍ يَغرَقُ عَمَلٌ نَبيلٌ وفَضيلَةٌ يَجبُ القِيامُ بها، وبأنَّ تَعذيبَ طِفلٍ بَريءٍ أو خِيانَةَ العَهدِ أو قَتلَ الأبرِياءِ جَريمَةٌ شَنعاءُ مُستَقبَحَةٌ في ذاتِها... مِن أينَ جاءَ هذا الحُكمُ القاطِع؟ ومَنِ الذي أودَعَ في أعماقِ صُدورِنا ذلكَ النِّداءَ الصَّامِتَ الذي يُسَمِّيهِ البَشَر: «الضَّمير»؟ مَنِ الذي جَعَلَ العَدلَ خَيراً، والظُّلمَ شَرّاً؟ هل الأخلاقُ حَقيقَةٌ وُجوديَّةٌ ثابِتَةٌ كحَقائقِ الرِّياضِيَّات، أم هيَ مُجَرَّدُ أوهامٍ واتِّفاقاتٍ نَفعِيَّةٍ عابِرَة؟ إنَّ الفَلسَفَةَ الإلحادِيَّةَ المادِّيَّةَ تَقِفُ اليومَ عاجِزَةً، مُتَلَعثِمَةً، ومُفْلِسَةً إفلاساً تَامّاً أمَامَ هذا السُّؤال! ففي النَّظَرِيَّةِ المادِّيَّةِ الدَّاروينيَّةِ الصِّرفَة: لا يُوجَدُ في هذا الكَونِ إلَّا مَادَّةٌ صَمَّاء، وذَرَّاتٌ تَرتَطِمُ بذَرَّات، وتَطَوُّرٌ بَيولوجيٌّ أعمى مَبنِيٌّ على مَبدأِ: «الصِّراعِ مِن أجلِ البَقاء، والبَقاءُ للأقوَى»! فإذا كانَ الأمرُ كَذلك، فمِن أينَ يَأتي لِلمُلحِدِ الحَقُّ في أن يَقول: "هذا ظُلمٌ يَجبُ رَفضُه"، أو "هذا إحسانٌ يَجبُ فِعلُه"؟! إذا كانَ الإنسانُ في نَظَرِهِم مُجَرَّدَ حَيوانٍ مُتَطَوِّر، نَتَجَ عن تَفاعُلاتٍ كِيميائيَّةٍ عِشوائيَّة، فإنَّ كُلَّ شُعورٍ أخلاقيٍّ لدَيهِ لا يَعدو أن يَكونَ مُجَرَّدَ إفرازاتٍ دِماغيَّةٍ وهَرموناتٍ تَسعى لتَمريرِ الجِينات! وحِينَها: يَسقُطُ مَفهومُ الأخلاقِ كُلِّيَّةً، ولا يَبقى في الكَونِ أيُّ فارِقٍ حَقيقيٍّ بينَ فِعلِ الطَّبيبِ الذي يُنقِذُ حَياةَ المَريض، وفِعلِ القاتِلِ الذي يَنحَرُ ضَحِيَّتَه؛ فكِلاهُما عِندَ المادِّيِّينَ مُجَرَّدُ حَرَكَةِ ذَرَّاتٍ في الفَراغ! استَمِعوا إلى ما يُقَرِّرُهُ القُرآنُ العَظيمُ في كَلِماتٍ إعجازِيَّةٍ تَكشِفُ مَصدَرَ هذهِ البَصيرةِ الأخلاقِيَّة؛ يقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه في سُورَةِ الشَّمس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا • فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا • قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا • وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]. تَأمَّلوا مَعشَرَ المُؤمِنين في قَولِه: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾! لم يَقُل: "فتَعَلَّمَت"، ولم يَقُل: "فاصطَلَحَت"، بل ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾؛ أيْ: غَرَسَ الخالِقُ العَظيمُ في جِبِلَّتِها وفِطرَتِها مَعرِفَةَ الحَسَنِ مِنَ القَبيح! فالنَّفسُ تَعرِفُ بِفِطرَتِها قُبحَ الغَدر، وتَعرِفُ بِفِطرَتِها جَمالَ الصِّدقِ والوَفاء. ويَقولُ الحَقُّ تبارَكَ وتعالى في سُورَةِ النَّحل، في آيَةٍ جَمَعَت مَحاسِنَ الأخلاقِ كُلَّها، وكانَت سَبَباً في إسلامِ بُلَغاءِ العَرَبِ حِينَ سَمِعوها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. ويَقولُ سُبحانَهُ في سُورَةِ الرَّحمنِ مُخاطِباً البَديهَةَ العَقلِيَّةَ المُشتَرَكَة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]. إنَّها قَضايا فِطرِيَّةٌ لا تَحتاجُ إلى بُرهانٍ خارِجيّ، لأنَّها مَركوزَةٌ في أعماقِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ بوَضعِ بارِئِها العَليمِ الخَبير. واسمَعوا إلى ما بَيَّنَهُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ وهو يُحَدِّدُ الغايَةَ الكُبرى مِن بَعثَتِه؛ روى الإمامُ أحمَدُ في مُسنَدِهِ والبَيهقيُّ في الشُّعَب، عن أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخلاق». وفي رِوايَة: «لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخلاق»! تَفَكَّروا في كَلِمَةِ: «لأُتَمِّمَ»! إنَّها تَعتَرِفُ بأنَّ أصلَ مَكارِمِ الأخلاقِ كانَ مَوجوداً في الفِطَرِ التي فَطَرَ اللهُ النَّاسَ عليها، وجاءَتِ الرِّسالَةُ المُحَمَّدِيَّةُ لتَجلُوَ عنها غُبارَ الجاهِلِيَّة، وتَحرُسَها مِن نَزَغاتِ الشَّياطين، وتَضَعَ لها المِيزانَ الشَّرعيَّ الذي يَربِطُها بالخالِقِ سُبحانَه. ورَوى الإمامُ مُسلِمٌ في صَحيحِه، عن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ الأنصاريِّ رضي الله عنه، قال: سَألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عنِ البِرِّ والإثم، فقالَ كَلِمَةً تَكتُبُ دُستورَ الضَّمير: «البِرُّ حُسنُ الخُلُق، والإثمُ ما حَاكَ في صَدرِكَ وكَرِهتَ أن يَطَّلِعَ عليهِ النَّاس»! ورَوى الإمامُ أحمَدُ والدَّارِميُّ عن وابِصَةَ بنِ مَعبَدٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ له: «يا وابِصَة، استَفْتِ قَلبَك، واستَفْتِ نَفسَك؛ البِرُّ ما اطمَأنَّت إليهِ النَّفسُ واطمَأنَّ إليهِ القَلب، والإثمُ ما حَاكَ في النَّفسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدر، وإن أَفتاكَ النَّاسُ وأَفْتَوْك»! اللهُ أكبر! ما أبلَغَ هذا النَّبَويَّ الجَليل! إنَّهُ يُحيلُ العَبدَ إلى مِحكَمَةِ الفِطرَةِ المَركوزَةِ في الصَّدر، تِلكَ المِحكَمَةِ التي تَلفِظُ الخِيانَةَ وتَأنَفُ مِنَ الرَّذيلَة، وتَسكُنُ إلى الصِّدقِ والوَفاء. وهُنا يَأتي البُرهانُ العَقليُّ الفَلسَفيُّ الصَّارِم، المَعروفُ في المَباحِثِ الكَلامِيَّةِ والمُعاصِرَةِ بـ **«بُرهانِ الواجِبِ الأخلاقيِّ» (The Moral Argument)**؛ وصِياغَتُهُ المَنطِقِيَّةُ تَقول: 1. إذا كانَتِ القِيَمُ والواجباتُ الأخلاقِيَّةُ حَقائقَ مَوضوعِيَّةً مُطلَقَة (Objective Moral Values)، فلابُدَّ لها مِن مَصدَرٍ مُتَعالٍ مُفارِقٍ للمَادَّة، وهُوَ الله. 2. والقِيَمُ والواجباتُ الأخلاقِيَّةُ حَقائقٌ مَوضوعِيَّةٌ فِعلاً (فالظُّلمُ قَبيحٌ في ذاتِه، والإنصافُ حَسَنٌ في ذاتِه، في كُلِّ زَمانٍ ومَكان). 3. إذن: فاللهُ مَوجودٌ لا مَحالَة، وهُوَ الواضِعُ لهذهِ الأخلاقِ والمُلزِمُ بها! تَأمَّلوا مَعي هذا التَّحليلَ المَنطِقي؛ لو جاءَنا مُلحِدٌ وقال: "أنا لا أُومِنُ بالله، ولكنِّي أُومِنُ بالأخلاق، وأنا إنسانٌ طَيِّبٌ أُساعِدُ الفُقَراء!" فإنَّنا نَقولُ له: نَحنُ لا نَشُكُّ في أنَّكَ قد تَفعَلُ الخَيرَ بسَبَبِ بَقايا الفِطرَةِ التي خَلَقَكَ اللهُ عليها، ولكنَّ سُؤالَنا المَنطِقيَّ لكَ هو: **ما هُوَ السَّنَدُ العَقليُّ لإلزامِيَّةِ هذهِ الأخلاقِ في نِظامِكَ الإلحادي؟!** إذا كانَ الكَونُ كُلُّهُ حَادِثَةً عَمياء، نَاتِجَةً عن انفجارٍ لم يَقصِد شَيئاً، والإنسانُ مُجَرَّدَ بَكتيريا مُتَطَوِّرَة؛ فعلى أيِّ أسَاسٍ تَعتَبِرُ قَتلَ الأبرِياءِ جَريمَة؟! لو قال: "لأنَّ المُجتَمَعَ اتَّفَقَ على ذلك!" قُلنا له: لو اتَّفَقَ مُجتَمَعٌ مِنَ المُجتَمَعات — كما فَعَلَتِ النَّازِيَّةُ في ألمانِيا، أو الصَّهايِنَةُ في أرضِ فِلَسطين — على إبادَةِ شَعبٍ ضَعيف، فهل يُصبِحُ فِعلُهُم خَيراً لأنَّ مُجتَمَعَهُم اتَّفَقَ عليه؟! إذا قُلتَ: "لا، فِعلُهُم جَريمَةٌ وظُلمٌ رَغمَ اتِّفاقِهم!" فأنتَ تَعتَرِفُ رَغماً عنكَ بوُجودِ "قَانُونٍ أخلاقيٍّ أَعلَى" فَوقَ المُجتَمَعاتِ والقَوانينِ البَشَرِيَّة! ومَنِ الذي يَملِكُ وَضعَ هذا القانونِ الأخلاقيِّ الأَعلى وتَضمينَهُ في ضَميرِ البَشَرِ إلَّا رَبُّ العالَمين؟! ولذلك، اعترَفَ كِبارُ فلاسِفَةِ الإلحادِ الصَّادِقينَ معَ مَذهَبِهم بهذهِ الحَقيقَةِ المُرعِبَة؛ يقولُ ريتشارد دوكينز — وهُوَ رَأسُ الإلحادِ الجَديدِ في عَصرِنا — في كِتابِهِ «نهر خارج من عدن» باعترافٍ صَادِمٍ يَكشِفُ حَقيقَةَ مَذهَبِه: "في كَونٍ مَبنِيٍّ على قِوى فِيزيائيَّةٍ عَمياء وتَناسُخٍ جِينيّ، لا يُوجَدُ تَصميم، ولا غَايَة، ولا وُجودَ لشَرٍّ ولا لِخَير؛ لا شَيءَ سِوى قَسوَةٍ عَمياءَ وعَدَمِ اكتِراثٍ تَام!". ويَقولُ الفَيلَسوفُ الوجوديُّ المُلحد جان بول سارتر: "إنَّهُ لأمرٌ مُزعِجٌ جِدّاً ألَّا يَكونَ اللهُ مَوجوداً؛ لأنَّهُ بغِيابِه تَغيبُ كُلُّ إمكانيَّةٍ لإيجادِ قِيَمٍ أخلاقِيَّةٍ مُطلَقَة، ولا يَبقى هُناكَ أيُّ خَيرٍ قَبْلي، إذ لا يُوجَدُ وَعيٌ كَامِلٌ ومُطلَقٌ ليُفَكِّرَ فيه". وكَتبَ الأديبُ الرُّوسيُّ ديستويفسكي عِبارَتَهُ الشَّهيرَةَ التي أصبَحَت قاعِدَةً في فَلسَفَةِ الأخلاق: "إذا لم يَكُنِ اللهُ مَوجوداً، فإنَّ كُلَّ شَيءٍ يُصبِحُ مُباحاً!". نَعَم عِبادَ الله؛ إذا لم يَكُن هُناكَ إله، ولا حِساب، ولا جَزاء، ولا بَعث؛ فلماذا يُضَحِّي الجُنديُّ بنَفسِهِ لإنقاذِ غَيرِه؟ ولماذا يَكُفُّ الظَّالِمُ يَدَهُ عن أكلِ أموالِ الضُّعَفاءِ إذا أَمِنَ العُقوبَةَ في القَوانينِ الوَضعِيَّة؟! إنَّ الأخلاقَ المادِّيَّةَ تَتحَوَّلُ سَريعاً إلى "أخلاقِ المَنفَعَةِ والمَصلَحَةِ الشَّخصِيَّة"، فإذا تَعارَضَتِ الفَضيلَةُ معَ المَصلَحَة، دَاسَ المادِّيُّ على الفَضيلَةِ بحِذائِه، لأنَّهُ لا يَرجو ثَواباً ولا يَخافُ عِقاباً! أمَّا في دِينِ الإسلام، فإنَّ الأخلاقَ لَيسَت نِتاجاً لتَطَوُّرِ القُرود، ولَيسَت اتِّفاقاً بَشَرِيّاً نِسبِيّاً يُبَدِّلُهُ النَّاسُ في كُلِّ جِيل؛ الأخلاقُ في الإسلامِ هيَ: **عِبادَةٌ، وتَقَرُّبٌ إلى الله، وامتِثالٌ لأمرِ خالِقِ الأكوان!** المُؤمِنُ يَصدُقُ في الحَديثِ ولو كانَ الصِّدقُ ضِدَّ مَصلَحَتِه، لأنَّ رَبَّهُ أمَرَهُ بالصِّدق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. المُؤمِنُ يَعدِلُ معَ عَدُوِّهِ ومَن يُبغِضُه، لأنَّ رَبَّهُ يَقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. المُؤمِنُ يَعِفُّ عنِ الحَرامِ في خَلوَتِهِ حَيثُ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ البَشَر، لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ ناظِرَهُ الحَقَّ هُوَ رَبُّ العالَمين! وبذلكَ وَحدَهُ: تَكتَسِبُ الأخلاقُ ثَباتَها، وجَلالَها، وسُلطانَها القاهِرَ على القُلوبِ والجَوارِح، وتَتحَوَّلُ مِن مُجَرَّدِ شِعاراتٍ بَرَّاقَةٍ إلى حَضارَةٍ رَاقِيَةٍ تَحمِي الضَّعيف، وتُنصِفُ المَظلوم، وتَبني البَشَرِيَّةَ على التَّراحُمِ والإحسان. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن فَقَدَ الإيمانَ فَقَدَ البَوصَلَةَ الأخلاقِيَّة، ومَن كَفَرَ بالخالِقِ لم يَستَطِع أن يُؤَسِّسَ لخُلُقٍ ولا لفَضيلَة؛ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19]. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ كَفى، وصَلاةً وسَلاماً على عِبادِهِ الذينَ اصطَفى، وعلى نَبيِّهِ المُجتَبى، وآلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ على نَهجِ الهُدى. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه ﷺ. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأولى معَ المَحَطَّةِ الخَمسينَ مِن هذا المَشروعِ الدَّعويِّ المُبارَك؛ فبَيَّنَّا حَقيقَةَ **«بُرهانِ الواجِبِ الأخلاقيّ»** على وُجودِ الله، وكَيفَ أنَّ الأخلاقَ المُطلَقَةَ تَستَلزِمُ بالضَّرورَةِ العَقلِيَّةِ وُجودَ مُشَرِّعٍ أعلَى حَكيمٍ رَحيمٍ أودَعَها في فِطرَةِ الإنسان، وفَضَحنا تَهافُتَ الفَلسَفَةِ المادِّيَّةِ الإلحادِيَّةِ التي تَعجِزُ عن تَبْريرِ أيِّ قِيمَةٍ للعَدلِ أو الإحسان، وتَعتَبِرُ الفَضائِلَ مُجَرَّدَ أوهامٍ بَيولوجيَّة، ممَّا يَفتَحُ البابَ على مِصراعَيهِ لشَريعَةِ الغَابِ والاستِبداد. والسُّؤالُ العَمَليُّ المَطلوبُ مِن كُلِّ شابٍّ وفَتاة، ومِن كُلِّ رَجُلٍ وامرَأةٍ يَسمَعُ هذا النِّداء: كَيفَ نُحَوِّلُ هذا البُرهانَ العَقليَّ إلى حِصنٍ إيمانيٍّ ومَنهَجِ حَياة؟ إنَّني أُوصيكُم بخَمسِ وَصايا مُدْمَجَة، فاحفَظوها وعُوها: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): استَشعِروا أنَّ تَمَسُّكَكُم بمَكارِمِ الأخلاقِ لَيسَ مُجَرَّدَ رُقِيٍّ اجتِماعيٍّ أو كِياسَةٍ دُنيَوِيَّة، بل هُوَ عِبادَةٌ قَلبِيَّةٌ جَليلَةٌ وأعظَمُ شُعبَةٍ مِن شُعَبِ الإيمان؛ ففي الحَديثِ الصَّحيح: «أكمَلُ المُؤمِنينَ إيماناً أحسَنُهُم خُلُقاً». اجعَلوا نِيَّتَكُم في كُلِّ حِلمٍ، وصِدقٍ، وبَشاشَةٍ، وكَفِّ أذى: ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ تَعالى ومَحَبَّتِه. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّةٌ وعِلميَّة): تَسَلَّحوا ببُرهانِ الأخلاقِ في حِواراتِكم الشَّبابِيَّةِ والرَّقمِيَّة؛ فإذا واجَهَكُم مُشكِّكٌ أو مُلحد، فاطرَحوا عليهِ هذا السُّؤالَ المَنطِقيَّ المُفحِم: «على أيِّ أسَاسٍ أخلاقيٍّ تُدينُ الظُّلمَ وتَمدَحُ العَدلَ وأنتَ تَعتَقِدُ أنَّ الكَونَ صُدفَةٌ عَمياء؟! مَن أينَ جِئتَ بمِعيارِ الخَيرِ والشَّرِّ إن لم يَكُن هُناكَ إله؟!». إنَّ هذا السُّؤالَ كَفيلٌ بإيقاظِ فِطرَتِهِ وتَبصيرِهِ بعَجْزِ مَذهَبِه. الثالثة (وَصيَّةٌ فِعليَّةٌ سُلوكيَّة): كونوا دُعاةً إلى الإسلامِ بأخلاقِكُم العَمَلِيَّةِ قَبلَ ألسِنَتِكم؛ فكَم مِن شَخصٍ اهتَدى إلى الإسلامِ بأمانَةِ تَاجِرٍ مُسلِم، أو بصِدقِ عامِل، أو بحُسنِ خُلُقِ طالِبٍ في جامِعَة! كُفُّوا عنِ الغِشِّ في البَيع، وبُرُّوا بالوُعود، وأَدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها؛ فإنَّ الأخلاقَ هيَ التَّرجَمَةُ الصَّادِقَةُ لحَقائقِ الإيمان. الرابعة (وَصيَّةٌ اجتِماعيَّةٌ أُسريَّة): رَبُّوا أبناءَكُم في البُيوتِ على أنَّ مَصدَرَ الفَضيلَةِ هُوَ الوَحيُ المَعصوم، وحَذِّروهُم مِنَ النَّزَعَاتِ النَّفعِيَّةِ الرَّأسمالِيَّةِ التي تَقيسُ كُلَّ شَيءٍ بالمَادَّةِ والدِّرهَم؛ عَلِّموهُم أنَّ الإيثارَ خَيرٌ مِنَ الأَثَرَة، وأنَّ نُصرَةَ المَظلومِ فريضَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لا تَخضَعُ لحِساباتِ الرِّبحِ والخَسارة. الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ فِكرِيَّة): اعلَموا أنَّ المَعارِكَ الفِكرِيَّةَ الكُبرى في هذا العَصر (مِن شُذوذ، ونِسويَّةٍ راديكالِيَّة، وتَسليعٍ للمَرأة، وإباحِيَّة) مَبنِيَّةٌ كُلُّها على "سُقوطِ الأخلاقِ المَوضوعِيَّة" وتَحويلِ الرَّغباتِ الشَّخصِيَّةِ إلى مَعايير؛ ولا عاصِمَ للبَشَرِيَّةِ مِن هذا التَّدَهدُهِ الأخلاقيِّ إلَّا بالعَودَةِ إلى صِراطِ اللهِ المُستَقيمِ الذي حَفِظَ الفِطرَةَ وصَانَ حُدودَ الحَلالِ والحَرام. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هيَ جِماعُ الأخلاق، وعِمادُ الفَضائل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على نَبيِّ الرَّحمَةِ ومُتَمِّمِ مَكارِمِ الأخلاق، فقد أمَرَكُم ربُّكم فقالَ جلَّ في عُلاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا ونَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأبرار، والتَّابِعينَ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اهدِنا لأحسَنِ الأخلاقِ لا يَهدي لأحسَنِها إلَّا أنت، واصرِفْ عنَّا سَيِّئَها لا يَصرِفُ عنَّا سَيِّئَها إلَّا أنت. اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَلِيُّها ومَولاها. اللَّهُمَّ حَبِّب إلَينا الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِنا، وكَرِّه إلَينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، واجعَلنا مِنَ الرَّاشِدين. اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَ المُسلمينَ وفَتَياتِهم مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات، ومِن دَعاوى الإلحادِ والزَّيغِ والضَّلال، وأَنِر بَصائرَهُم بنُورِ التَّوحيدِ واليَقين. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، وانصُر عِبادَكَ المُجاهِدينَ والمُستَضعَفينَ في فِلَسطين، وفي غَزَّةَ العِزَّة، وثَبِّت أقدامَهُم، واحقِن دِماءَهُم، واشفِ جَرحاهُم، وتَقَبَّل شُهَداءَهُم يا رَبَّ العالَمين. اللَّهُمَّ اغفِر للمُسلمينَ والمُسلِمات، الأحياءِ مِنهُم والأموات، إنَّكَ سَميعٌ قَريبٌ مُجيبُ الدَّعَوات. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.