من مكتبة مِداد الخطيب

مُقَدِّمَةُ شَرحِ الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ وَتَرجَمَةُ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ

مشاركة
مُقَدِّمَةُ شَرحِ الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ وَتَرجَمَةُ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: دَرسٌ عِلمِيٌّ تَأصِيلِيٌّ فِي سِيرَةِ يَحيَى بنِ شَرَفٍ النَّوَوِيِّ وَمَنهَجِهِ وَقَوَاعِدِ مُقَدِّمَةِ الأَربَعِينَ فِي مَبَانِي الإِسلَامِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قَيُّومِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ، مُدَبِّرِ الخَلَائِقِ أَجمَعِينَ، بَاعِثِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم إِلَى المُكَلَّفِينَ لِهِدَايَتِهِم وَبَيَانِ شَرَائِعِ الدِّينِ بِالدَّلَائِلِ القَطعِيَّةِ وَالبَرَاهِينِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ، وَنَسأَلُهُ المَزِيدَ مِن فَضلِهِ وَكَرَمِهِ، الَّذِي حَفِظَ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ كِتَابَ رَبِّهَا وَسُنَّةَ نَبِيِّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِجَهَابِذَةِ الحُفَّاظِ وَالأَئِمَّةِ الرَّبَّانِيِّينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الوَاحِدُ القَهَّارُ، الكَرِيمُ الغَفَّارُ، الَّذِي يَختَصُّ بِرَحمَتِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ، فَيَوضَعُ لِلمُخلِصِينَ مِنهُمُ القَبُولُ فِي الأَرضِ، وَيَبقَى عِلمُهُم نُورًا يَهتَدِي بِهِ السَّالِكُونَ قَرنًا بَعدَ قَرنٍ وَجِيلًا بَعدَ جِيلٍ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، المَبعُوثُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ وَبَدَائِعِ الحِكَمِ، الَّذِي اختُصِرَ لَهُ الكَلَامُ اختِصَارًا، فَيَنطِقُ بِالجُملَةِ اليَسِيرَةِ المَعدُودَةِ الأَلفَاظِ فَتَحوِي عُلُومَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَقَوَاعِدَ الدُّنيَا وَالدِّينِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بُعِثتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ»، وَدَعَا لِحَمَلَةِ سُنَّتِهِ بِالنَّضَارَةِ وَالبَهجَةِ فِي الدَّارَينِ فَقَالَ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ مُتَوَاتِرٍ: «نَضَّرَ اللهُ امرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقهٍ إِلَى مَن هُوَ أَفقَهُ مِنهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقهٍ لَيسَ بِفَقِيهٍ»، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا طَلَبَةَ العِلمِ الكِرَامَ، وَيَا عُمَّارَ بُيُوتِ اللهِ وَرُوَّادَ مَجَالِسِ الذِّكرِ وَالمِيرَاثِ النَّبَوِيِّ: نَفتَتِحُ فِي هَذَا المَجلِسِ المُبَارَكِ -بِعَونِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَوفِيقِهِ- دَرسًا عِلمِيًّا تَأصِيلِيًّا فِي شَرحِ كِتَابٍ صَغِيرِ الحَجمِ، عَظِيمِ القَدرِ، غَزِيرِ الفَائِدَةِ، سَارَت بِذكرِهِ الرُّكبَانُ، وَتَلَقَّاهُ العُلَمَاءُ وَطَلَبَةُ العِلمِ وَعَامَّةُ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا بِالقَبُولِ وَالحِفظِ وَالشَّرحِ وَالمُدَارَسَةِ مُنذُ أَكثَرَ مِن سَبعِمِائَةٍ وَسَبعِينَ سَنَةً؛ إِنَّهُ كِتَابُ «الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ النَّبَوِيَّةِ» لِلإِمَامِ الحَافِظِ الفَقِيهِ الرَّبَّانِيِّ أَبِي زَكَرِيَّا يَحيَى بنِ شَرَفٍ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَسكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ! وَمِن حَقِّ العِلمِ عَلَى أَهلِهِ قَبلَ الشُّرُوعِ فِي شَرحِ أَحَادِيثِ الكِتَابِ أَن نَقِفَ فِي هَذَا الدَّرسِ الِافتِتَاحِيِّ مَعَ مِحوَرَينِ كَبِيرَينِ: المِحوَرُ الأَوَّلُ: التَّعريفُ بِمُؤَلِّفِ الكِتَابِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَكشفُ أَسرَارِ نُبُوغِهِ وَهِمَّتِهِ وَزُهدِهِ وَسَبَبِ البَرَكَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي طَرَحَهَا اللهُ فِي كُتُبِهِ. وَالمِحوَرُ الثَّانِي: شَرحُ «مُقَدِّمَةِ الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ» الَّتِي سَطَّرَهَا الإِمَامُ النَّوَوِيُّ بِيَرَاعِهِ، وَبَيَانُ مَا تَضَمَّنَتهُ مِن قَوَاعِدَ حَدِيثِيَّةٍ وَمَنهَجِيَّةٍ وَتَربَوِيَّةٍ عَالِيَةٍ. أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ: مَن هُوَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ الَّذِي لَا يَخلُو مَسجِدٌ وَلَا بَيتٌ مِن بُيُوتِ المُسلِمِينَ مِن كِتَابِهِ «رِيَاضِ الصَّالِحِينَ» أَو «الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ» أَو «الأَذكَاِرِ»؟ إِنَّهُ الإِمَامُ الحَافِظُ الأَوحَدُ، شَيخُ الإِسلَامِ، أَبُو زَكَرِيَّا يَحيَى بنُ شَرَفِ بنِ مُرِّي بنِ حَسَنِ بنِ حُسَينٍ الحِزَامِيُّ الحَورَانِيُّ النَّوَوِيُّ الدِّمَشقِيُّ الشَّافِعِيُّ؛ لُقِّبَ بـِ«مُحيِي الدِّينِ» لِمَا أَحيَا اللهُ بِهِ مِن مَعَالِمِ السُّنَّةِ وَالفِقهِ، وَكَانَ هُوَ رَحِمَهُ اللهُ يَكرَهُ هَذَا اللَّقَبَ تَوَاضُعًا للهِ وَتَعظِيمًا لِلشَّرعِ وَيَقُولُ كَمَا نَقَلَ عَنهُ السَّخَاوِيُّ فِي تَرجَمَتِهِ: «لَا أَجعَلُ فِي حِلٍّ مَن لَقَّبَنِي مُحيِيَ الدِّينِ؛ فَإِنَّ الدِّينَ حَيٌّ دَائِمٌ لَا يَحتَاجُ إِلَى مَن يُحيِيهِ»! وَكُنِّيَ بـِ«أَبِي زَكَرِيَّا» جَريًا عَلَى عَادَةِ العَرَبِ وَالعُلَمَاءِ فِي تَكنِيَةِ مَنِ اسمُهُ «يَحيَى» بِأَبِي زَكَرِيَّا تَيَمُّنًا بِنَبِيَّيِ اللهِ يَحيَى وَأَبِيهِ زَكَرِيَّا عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وَإِلَّا فَإِنَّ الإِمَامَ النَّوَوِيَّ رَحِمَهُ اللهُ لَم يَتَزَوَّج قَطُّ لِفرطِ استِغرَاقِهِ فِي العِلمِ وَالتَّصنِيفِ وَالعِبَادَةِ! وُلِدَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي العَشرِ الأَوَّلِ مِن شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ سَنَةَ إِحدَى وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ للهجرة (٦٣١ هـ) فِي قَريَةِ «نَوَى» مِن أَعمَالِ حَورَانَ جَنُوبَ دِمَشقَ الشَّامِ، وَنَشَأَ فِي كَنَفِ أَبٍ صَالِحٍ وَرِعٍ يَأكُلُ مِن كَسبِ يَدِهِ وَحَلَالِ زَرعِهِ؛ فَظَهَرَت عَلَى الصَّبِيِّ «يَحيَى» مَخَايِلُ النَّجَابَةِ وَالِاصطِفَاءِ الرَّبَّانِيِّ مُنذُ نُعُومَةِ أَظفَارِهِ! فَفِي سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلإِمَامِ الذَّهَبِيِّ، وَتُحفَةِ الطَّالِبِينَ لِتِلمِيذِ النَّوَوِيِّ الشَّيخِ عَلَاءِ الدِّينِ بنِ العَطَّارِ، قَالَ الشَّيخُ الصَّالِحُ يَاسِينُ بنُ يُوسُفَ المَرَّاكُشِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «رَأَيتُ الشَّيخَ مُحيِيَ الدِّينِ النَّوَوِيَّ وَهُوَ ابنُ عَشرِ سِنِينَ بِنَوَى، وَالصِّبيَانُ يُكرِهُونَهُ عَلَى اللَّعِبِ مَعَهُم، وَهُوَ يَهرُبُ مِنهُم وَيَبكِي لِإِكرَاهِهِم، وَيَقرَأُ القُرآنَ فِي تِلكَ الحَالِ؛ فَوَقَعَ فِي قَلبِي حُبُّهُ! وَكَانَ أَبُوهُ قَد جَعَلَهُ فِي دُكَّانٍ، فَجَعَلَ لَا يَشتَغِلُ بِالبَيعِ وَالشِّرَاءِ عَنِ القُرآنِ؛ فَأَتَيتُ الَّذِي يُقرِئُهُ فَوَصَّيتُهُ بِهِ وَقُلتُ لَهُ: هَذَا الصَّبِيُّ يُرجَى أَن يَكُونَ أَعلَمَ أَهلِ زَمَانِهِ وَأَزهَدَهُم، وَيَنتَفِعُ النَّاسُ بِهِ! فَقَالَ لِي: أَمُنَجِّمٌ أَنتَ؟ فَقُلتُ: لَا، وَإِنَّمَا أَنطَقَنِي اللهُ بِذَلِكَ! فذكر ذَلِكَ لِوَالِدِهِ، فَحَرَصَ عَلَيهِ إِلَى أَن خَتَمَ القُرآنَ وَقَد نَاهَزَ الاحتِلَامَ»! فَلَمَّا بَلَغَ التَّاسِعَةَ عَشرَةَ مِن عُمُرِهِ سَنَةَ تِسعٍ وَأَربَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ (٦٤٩ هـ)، قَدِمَ بِهِ وَالِدُهُ إِلَى حَاضِرَةِ العِلمِ وَالعُلَمَاءِ «دِمَشقَ الشَّامِ»، فَسَكَنَ فِي غُرفَةٍ صَغِيرَةٍ ضَيِّقَةٍ بِالمَدرَسَةِ الرَّوَاحِيَّةِ المُلَاصِقَةِ لِلجَامِعِ الأُمَوِيِّ، وَهُنَالِكَ انفَجَرَت هِمَّةٌ فِي طَلَبِ العِلمِ لَم يَعرِفِ التَّارِيخُ لَهَا نَظِيرًا إِلَّا فِي النَّادِرِ مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ! استَمِعُوا إِلَى مَا حَكَاهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ عَن نَفسِهِ كَمَا نَقَلَهُ تِلمِيذُهُ ابنُ العَطَّارِ وَالإِمَامُ الذَّهَبِيُّ؛ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «بَقِيتُ سَنَتَينِ لَم أَضَع جَنبِي إِلَى الأَرضِ»! يَعنِي أَنَّهُ مَكَثَ عَامَينِ كَامِلَينِ فِي أَوَّلِ طَلَبِهِ لِلعِلمِ لَا يَفرِشُ فِرَاشًا لِلنَّومِ، بَل يَسهَرُ مَعَ الكُتُبِ وَالحِفظِ وَالمُطَالَعَةِ، فَإِذَا غَلَبَهُ النُّعَاسُ استَنَدَ قَلِيلًا إِلَى الكُتُبِ فَأَغفَى لَحَظَاتٍ ثُمَّ انتَبَهَ فَوَاصَلَ القِرَاءَةَ! وَحَفِظَ كِتَابَ «التَّنبِيهِ» فِي الفِقهِ الشَّافِعِيِّ فِي أَربَعَةِ أَشهُرٍ وَنِصفٍ، وَحَفِظَ رُبعَ «المُهَذَّبِ» فِي بَاقِي السَّنَةِ، وَكَانَ يَقرَأُ كُلَّ يَومٍ عَلَى شُيُوخِهِ «اثنَي عَشَرَ دَرسًا» شَرحًا وَتَصحِيحًا وَضَبطًا: دَرسَينِ فِي الوَسِيطِ لِلغَزَالِيِّ، وَدَرسًا فِي المُهَذَّبِ لِلشِّيرَازِيِّ، وَدَرسًا فِي الجَمعِ بَينَ الصَّحِيحَينِ لِلحُمَيدِيِّ، وَدَرسًا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ، وَدَرسًا فِي اللُّمَعِ لِابنِ جِنِّي فِي النَّحوِ، وَدَرسًا فِي إِصلَاحِ المَنطِقِ لِابنِ السِّكِّيتِ فِي اللُّغَةِ، وَدَرسًا فِي التَّصرِيفِ، وَدَرسًا فِي أُصُولِ الفِقهِ، وَدَرسًا فِي أَسمَاءِ الرِّجَالِ، وَدَرسًا فِي أُصُولِ الدِّينِ! ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ بَعدَ أَن ذَكَرَ هَذَا الجُهدَ الهَائِلَ بِتَوَاضُعِ العَارِفِينَ بِاللهِ: «وَكُنتُ أُعَلِّقُ جَمِيعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِن شَرحِ مُشكِلٍ وَإِيضَاحِ عِبَارَةٍ وَضَبطِ لُغَةٍ، وَبَارَكَ اللهُ تَعَالَى لِي فِي وَقتِي وَاشْتِغَالِي وَأَعَانَ عَلَيهِ؛ وَخطَرَ لِي أَن أَشتَغِلَ بِالطِّبِّ فَاشتَرَيتُ كِتَابَ القَانُونِ، فَأَظلَمَ قَلبِي وَبَقِيتُ أَيَّامًا لَا أَقدِرُ عَلَى الِاشتِغَالِ، فَفَكَّرتُ فِي أَمرِي فَأَلهَمَنِي اللهُ أَنَّ سَبَبَهُ اشتِغَالِي بِالطِّبِّ، فَبِعتُ القَانُونَ في الحَالِ، فَاستَنَارَ قَلبِي وَرَجَعَ إِلَيَّ حَالِي»؛ لِأَنَّ اللهَ أَرَادَ أَن يُفرِّغَهُ لِطِبِّ القُلُوبِ وَالأَروَاحِ بِالوَحيَينِ الشَّرِيفَينِ! وَأَمَّا زُهدُهُ وَوَرَعُهُ رَحِمَهُ اللهُ فَكَانَ أُعجُوبَةَ الدَّهرِ: عَاشَ فِي دِمَشقَ أَربَعًا وَعِشرِينَ سَنَةً لَم يَذُق فِيهَا ثَمَرَةً وَاحِدَةً مِن فَوَاكِهِ دِمَشقَ وَغُوطَتِهَا اليَانِعَةِ؛ وَسُئِلَ عَن سَبَبِ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّ كَثِيرًا مِن بَسَاتِينِ دِمَشقَ أَوقَافٌ وَأَملَاكٌ لِليَتَامَى وَالقَاصِرِينَ لَا تُدَارُ عَلَى الوَجهِ الشَّرعِيِّ، وَتُسَاقَى عَلَى جُزءٍ مَجهُولٍ فَفِيهَا شُبهَةٌ، فَكَرِهتُ أَن يَدخُلَ جَوفِي شُبهَةٌ»! وَكَانَ لَا يَأكُلُ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ إِلَّا أَكلَةً وَاحِدَةً بَعدَ العِشَاءِ الآخِرَةِ مِن خُبزِ الشَّعِيرِ الجَافِّ وَالتِّينِ الَّذِي يَبعَثُهُ إِلَيهِ أَبُوهُ مِن مَزرَعَتِهِ بِنَوَى، وَلَا يَشرَبُ إِلَّا شَربَةَ مَاءٍ وَاحِدَةً عِندَ السَّحَرِ، وَلَا يَشرَبُ المَاءَ المُبرَّدَ بِالثَّلجِ خَوفًا مِن أَن يَفتُرَ عَنِ العِلمِ وَالعِبَادَةِ! وَلَمَّا وَلِيَ مَشيَخَةَ «دَارِ الحَدِيثِ الأَشرَفِيَّةِ» -وَهِيَ أَرفَعُ مَنصِبٍ عِلمِيٍّ فِي الشَّامِ- امْتَنَعَ مِن أَخذِ دِرهَمٍ وَاحِدٍ مِن رَاتِبِهَا! وَمَعَ هَذَا الزُّهدِ وَالانقِطَاعِ لِلعِلمِ، كَانَ صَادِعًا بِالحَقِّ، آمِرًا بِالمَعرُوفِ نَاهِيًا عَنِ المُنكَرِ، يُنَاصِحُ المَلِكَ الظَّاهِرَ بَيبَرسَ بِالكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ الشَّجَاعَةِ دِفَاعًا عَن حُقُوقِ المُسلِمِينَ وَضُعَفَائِهِم وَإِحيَاءً لِلشَّرِيعَةِ، حَتَّى كَانَ الظَّاهِرُ بَيبَرسُ يَقُولُ مَعَ شِدَّةِ بَأسِهِ وَسَطوَتِهِ: «أَنَا أَفزَعُ مِن هَذَا الشَّيخِ النَّوَوِيِّ»! وَتُوُفِّيَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي قَريَتِهِ «نَوَى» فِي الرَّابِعِ وَالعِشرِينَ مِن شَهرِ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ (٦٧٦ هـ)، وَعُمُرُهُ خَمسٌ وَأَربَعُونَ سَنَةً فَقَط! خَمسٌ وَأَربَعُونَ سَنَةً، لَكِنَّهُ تَرَكَ فِيهَا مَكتَبَةً إِسلَامِيَّةً كَامِلَةً تَحمِلُهَا الأَجيَالُ: كَـ«المِنهَاجِ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ»، و«المَجمُوعِ شَرحِ المُهَذَّبِ»، و«رَوضَةِ الطَّالِبِينَ»، و«مِنهَاجِ الطَّالِبِينَ»، و«رِيَاضِ الصَّالِحِينَ»، و«الأَذكَاِرِ»، و«التِّبيَانِ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرآنِ»، وَهَذِهِ «الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ»! وَمَا ذَاكَ السِّرُّ العَجِيبُ فِي قَبُولِ كُتُبِهِ إِلَّا لِصِدقِ إِخلَاصِهِ للهِ وَتَجرُّدِهِ مِن حُظُوظِ الدُّنيَا! مَعَاشِرَ الأَحِبَّةِ وَطَلَبَةِ العِلمِ: وَالآنَ نَفتَحُ «مُقَدِّمَةَ الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ» لِنَقرَأَ مَا سَطَّرَهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وَنَستَخرِجَ مِنهَا الدُّرَرَ وَالفَوَائِدَ المَنهَجِيَّةَ: لَقَدِ استَفتَحَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مُقَدِّمَتَهُ بِالحَمدِ للهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَد رُوِيَ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَأَبِي الدَّردَاءِ، وَابنِ عُمَرَ، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِرِوَايَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَربَعِينَ حَدِيثًا مِن أَمرِ دِينِهَا بَعَثَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ فِي زُمرَةِ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «كُتِبَ فِي زُمرَةِ العُلَمَاءِ وَحُشِرَ فِي زُمرَةِ الشُّهَدَاءِ». ثُمَّ انظُرُوا -يَا طَلَبَةَ العِلمِ- إِلَى الأَمَانَةِ العِلمِيَّةِ الصَّارِمَةِ عِندَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الإِمَامَ النَّوَوِيَّ مَعَ كَونِهِ يُؤَلِّفُ كِتَابًا فِي الأَربَعِينَ حَدِيثًا، لَم يُدَلِّس عَلَى القَارِئِ وَلَم يُوهِم صِحَّةَ هَذَا الحَدِيثِ، بَل أَعلَنَ حُكمَ النُّقَّادِ عَلَيهِ بِكُلِّ وُضُوحٍ بَعدَ أَن ذَكَرَ العُلَمَاءَ الَّذِينَ صَنَّفُوا الأَربَعِينِيَّاتِ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «وَاتَّفَقَ الحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَإِن كَثُرَت طُرُقُهُ»! يَا لِجَلَالِ الأَمَانَةِ العِلمِيَّةِ! فَكُلُّ طُرُقِ حَدِيثِ «مَن حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَربَعِينَ حَدِيثًا» شَدِيدَةُ الضَّعفِ وَاهِيَةٌ لَا يَتَقَوَّى بَعضُهَا بِبَعضٍ كَمَا قَرَّرَ الدَّارَقُطنِيُّ وَالبَيهَقِيُّ وَابنُ عَبدِ البَرِّ وَالنَّوَوِيُّ وَابنُ حَجَرٍ؛ وَلِهَذَا استَدرَكَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي آخرِ المُقَدِّمَةِ لِيُبَيِّنَ عُمدَتَهُ الصَّحِيحَةَ فِي تَصنِيفِ هَذَا الكِتَابِ فَقَالَ: «وَلَيسَ اعتِمَادِي عَلَى هَذَا الحَدِيثِ، بَل عَلَى قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، وَقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: نَضَّرَ اللهُ امرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا»! فَهُوَ إِذَن لَم يَبنِ كِتَابَهُ عَلَى الحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَإِنَّمَا بَنَاهُ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُتَوَاتِرَةِ فِي فَضلِ حِفظِ السُّنَّةِ وَتَبلِيغِهَا، وَسَلَكَ مسلَكَ الأَئِمَّةِ القُدَمَاءِ فِي اختِيَارِ عَدَدِ الأَربَعِينَ تَنشِيطًا لِهِمَمِ الحُفَّاظِ! وَمَن هُمُ الأَئِمَّةُ الَّذِينَ سَبَقُوا النَّوَوِيَّ إِلَى التَّألِيفِ فِي «الأَربَعِينِيَّاتِ» كَمَا ذَكَرَهُم فِي مُقَدِّمَتِهِ؟ لَقَد ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَن عُلِمَ أَنَّهُ صَنَّفَ فِيهَا هُوَ الإِمَامُ العَلَمُ المُجَاهِدُ «عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ» رَحِمَهُ اللهُ، ثُمَّ الإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ مُحَمَّدُ بنُ أَسلَمَ الطُّوسِيُّ، ثُمَّ الحَسَنُ بنُ سُفيَانَ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو بَكرٍ الآجُرِّيُّ، وَأَبُو بَكرٍ بنُ إِبرَاهِيمَ الأَصفَهَانِيُّ، وَالدَّارَقُطنِيُّ، وَالحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيمٍ الأَصفَهَانِيُّ، وَأَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ المَالِينِيُّ، وَأَبُو عُثمَانَ الصَّابُونِيُّ، وَأَبُو بَكرٍ البَيهَقِيُّ، وَخَلَائِقُ لَا يُحصَونَ! وَلَكِن مَا الَّذِي جَعَلَ «أَربَعِينَ النَّوَوِيِّ» تَنسَخُ مَا قَبلَهَا شُهرَةً وَنَفعًا وَانتِشَارًا؟ لَقَد كَشَفَ النَّوَوِيُّ نَفسُهُ سِرَّ تَمَيُّزِ كِتَابِهِ فِي المُقَدِّمَةِ؛ فَبَيَّنَ أَنَّ العُلَمَاءَ السَّابِقِينَ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم يَجمَعُ أَربَعِينَ حَدِيثًا فِي «بَابٍ وَاحِدٍ فَرعِيٍّ»: فَبَعضُهُم جَمَعَ أَربَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَبَعضُهُم فِي الفُرُوعِ، وَبَعضُهُم فِي الجِهَادِ، وَبَعضُهُم فِي الزُّهدِ، وَبَعضُهُم فِي الآدَابِ، وَبَعضُهُم فِي الخُطَبِ؛ فَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فَرَأَيتُ جَمعَ أَربَعِينَ أَهَمَّ مِن هَذَا كُلِّهِ؛ وَهِيَ أَربَعُونَ حَدِيثًا مُشتَمِلَةً عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، وَكُلُّ حَدِيثٍ مِنهَا قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِن قَوَاعِدِ الدِّينِ، قَد وَصَفَهُ العُلَمَاءُ بِأَنَّ مَدَارَ الإِسلَامِ عَلَيهِ، أَو هُوَ نِصفُ الإِسلَامِ، أَو ثُلُثُهُ، أَو نَحوَ ذَلِكَ»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا عَبقَرِيَّةَ الِاختِيَارِ عِندَ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: لَم يَجمَع أَحَادِيثَ فِي مَوضُوعٍ جُزئِيٍّ وَاحِدٍ، بَل عَمَدَ إِلَى «الأَحَادِيثِ الكُلِّيَّةِ الجَوَامِعِ» الَّتِي يَدُورُ عَلَيهَا الفِقهُ وَالعَقِيدَةُ وَالأَخلَاقُ وَالتَّزكِيَةُ وَالمُعَامَلَاتُ، حَتَّى صَارَ كُلُّ حَدِيثٍ مِنهَا أَصلًا عَظِيمًا تَتَفَرَّعُ عَنهُ مِئَاتُ المَسَائِلِ وَالأَحكَامِ! وَفِي تَارِيخِ جَمعِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الكُلِّيَّةِ قِصَّةٌ عِلمِيَّةٌ بَدِيعَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَكَامُلِ جُهُودِ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، ذَكَرَهَا الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي مُقَدِّمَةِ شَرحِهِ الجَلِيلِ «جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ»: فَإِنَّ النَّوَاةَ الأُولَى لِهَذَا الكِتَابِ بَدَأَهَا إِمَامُ المُحَدِّثِينَ فِي عَصرِهِ الحَافِظُ أَبُو عَمرٍو بنُ الصَّلَاحِ الشَّهرَزُورِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَربَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ (٦٤٣ هـ) -وَهُوَ شَيخُ شُيُوخِ النَّوَوِيِّ- حَيثُ أَملَى مَجلِسًا سَمَّاهُ «الأَحَادِيثَ الكُلِّيَّةَ»، جَمَعَ فِيهِ سِتَّةً وَعِشرِينَ حَدِيثًا (٢٦ حَدِيثًا) مِنَ الأَحَادِيثِ الجَوَامِعِ الَّتِي يُقَالُ إِنَّ مَدَارَ الدِّينِ عَلَيهَا؛ ثُمَّ جَاءَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فَأَخَذَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ السِّتَّةَ وَالعِشرِينَ لِابنِ الصَّلَاحِ، وَضَمَّ إِلَيهَا سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا (١٦ حَدِيثًا) مِن جَوَامِعِ الكَلِمِ، فَبَلَغَت جُملَتُهَا «اثنَينِ وَأَربَعِينَ حَدِيثًا» (٤٢ حَدِيثًا)، وَسَمَّاهَا «الأَربَعِينَ» عَلَى عَادَةِ العَرَبِ فِي إلغَاءِ الكَسرِ اليَسِيرِ تَغلِيبًا لِلعَقدِ! ثُمَّ جَاءَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ خَمسٍ وَتِسعِينَ وَسَبعِمِائَةٍ (٧٩٥ هـ)، فَزَادَ عَلَى أَربَعِينَ النَّوَوِيِّ ثَمَانِيَةَ أَحَادِيثَ أُخرَى مِن جَوَامِعِ الكَلِمِ حَتَّى أَتَمَّهَا «خَمسِينَ حَدِيثًا» (٥٠ حَدِيثًا)، وَشَرَحَهَا فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ «جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ فِي شَرحِ خَمسِينَ حَدِيثًا مِن جَوَامِعِ الكَلِمِ»! أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ: وَلَقَد خَتَمَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مُقَدِّمَتَهُ بِأَربَعِ رَكَائِزَ مَنهَجِيَّةٍ وَتَربَوِيَّةٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ دَارِسٍ لِهَذَا الكِتَابِ أَن يَعِيَهَا: الرَّكِيزَةُ الأُولَى: شَرطُهُ فِي صِحَّةِ الأَحَادِيثِ وَتَيسِيرِ حِفظِهَا؛ قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «ثُمَّ أَلتَزِمُ فِي هَذِهِ الأَربَعِينَ أَن تَكُونَ صَحِيحَةً، وَأَكثَرُهَا فِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ، وَأَذكُرُهَا مَحذُوفَةَ الأَسَانِيدِ؛ لِيَسهُلَ حِفظُهَا وَيَعُمَّ الِانتِفَاعُ بِهَا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ أُتبِعُهَا بِبَابٍ فِي ضَبطِ خَفِيِّ أَلفَاظِهَا». فَقَد جَمَعَ لِلطَّالِبِ بَينَ التَّوثِيقِ العِلمِيِّ، وَسهولةِ الحِفظِ بِحَذفِ السَّنَدِ وَالاكتِفَاءِ بِالصَّحَابِيِّ وَالمُخرِّجِ، وَضَبطِ الكَلِمَاتِ المُشكِلَةِ حَتَّى لَا يَلحَنَ القَارِئُ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَالرَّكِيزَةُ الثَّانِيَةُ: نَصِيحَتُهُ الذَّهَبِيَّةُ لِكُلِّ مُسلِمٍ يُرِيدُ الدَّارَ الآخِرَةَ؛ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «وَيَنبَغِي لِكُلِّ رَاغِبٍ فِي الآخِرَةِ أَن يَعرِفَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ؛ لِمَا اشتَمَلَت عَلَيهِ مِنَ المُهِمَّاتِ، وَاحتَوَت عَلَيهِ مِنَ التَّنبِيهِ عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَن تَدَبَّرَهُ»! فَإِنَّكَ حِينَ تَحفَظُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الاثنَينِ وَالأَربَعِينَ وَتَفهَمُ مَعَانِيهَا، تَكُونُ قَد جَمَعتَ فِي صَدرِكَ أُصُولَ الإِسلَامِ كُلَّهَا: فَفِيهَا الحَدِيثُ الأَوَّلُ: حَدِيثُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَهُوَ مِيزَانُ الأَعمَالِ البَاطِنَةِ! وَفِيهَا الحَدِيثُ الخَامِسُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وَهُوَ مِيزَانُ الأَعمَالِ الظَّاهِرَةِ! وَفِيهَا الحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ جِبرِيلَ العَظِيمُ الَّذِي سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَعليمَ الدِّينِ كُلِّهِ فِي مَرَاتِبِهِ الثَّلَاثِ: الإِسلَامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحسَانِ، وَأَشرَاطِ السَّاعَةِ! وَفِيهَا الحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «الحَلَالُ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَينَهُمَا مُشتَبِهَاتٌ»، وَهُوَ أَصلُ الوَرَعِ وَصَلَاحِ القَلبِ! وَفِيهَا الحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ: «مِن حُسنِ إِسلَامِ المَرءِ تَركُهُ مَا لَا يَعنِيهِ»، وَهُوَ أَصلُ الآدَابِ وَحِفظِ الأَوقَاتِ وَالجَوَارِحِ! حَتَّى قَالَ الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِستَانِيُّ صَاحِبُ السُّنَنِ رَحِمَهُ اللهُ: «كَتَبتُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَمسَمِائَةِ أَلفِ حَدِيثٍ، انتَخَبتُ مِنهَا مَا ضَمَّنتُهُ هَذَا الكِتَابَ -يَعنِي كِتَابَ السُّنَنِ- أَربَعَةَ آلافٍ وَثَمَانَمِائَةِ حَدِيثٍ، وَيَكفِي الإِنسَانَ لِدِينِهِ مِن ذَلِكَ أَربَعَةُ أَحَادِيثَ»، وَذَكَرَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الأَربَعَةَ الَّتِي جَمَعَهَا النَّوَوِيُّ فِي طَلِيعَةِ كِتَابِهِ! وَالرَّكِيزَةُ الثَّالِثَةُ: الخَاتِمَةُ الإِيمَانِيَّةُ التَّوَكُّلِيَّةُ لِمُقَدِّمَةِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ؛ انظُرُوا كَيفَ تَبَرَّأَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مِن حَولِهِ وَقُوَّتِهِ وَعِلمِهِ، وَأَسنَدَ أَمرَهُ كُلَّهُ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقَالَ فِي خِتَامِ مُقَدِّمَتِهِ: «وَعَلَى اللهِ الكَرِيمِ اعتِمَادِي، وَإِلَيهِ تَفوِيضِي وَاستِنَادِي، وَلَهُ الحَمدُ وَالنِّعمَةُ، وَبِهِ التَّوفِيقُ وَالعِصمَةُ»! فَيَا طَلَبَةَ العِلمِ وَيَا أَحِبَّتِي فِي اللهِ: شَمِّرُوا عَن سَاعِدِ الجِدِّ، وَاعقِدُوا العَزمَ مِن هَذَا اليَومِ عَلَى حِفظِ هَذِهِ الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ عَن ظَهرِ قَلبٍ، حَدِيثًا بَعدَ حَدِيثٍ، مَعَ تَحفِيظِهَا لِأَبنَائِكُم وَبَنَاتِكُم فِي البُيُوتِ، وَفَهمِ معَانِيهَا، وَالعَمَلِ بِأَحكَامِهَا وَآدَابِهَا؛ حَتَّى نَنَالَ دَعوَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالنَّضَارَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَنُحشَرَ فِي زُمرَةِ أَتبَاعِهِ الصَّادِقِينَ وَالعُلَمَاءِ العَامِلِينَ! اللَّهُمَّ عَلِّمنَا مَا يَنفَعُنَا، وَانفَعنَا بِمَا عَلَّمتَنَا، وَزِدنَا عِلمًا وَعَمَلًا وَهُدًى وَتُقًى وَإِخلَاصًا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ نَضِّر وُجُوهَنَا بِحِفظِ سُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالعَمَلِ بِهَا وَتَبلِيغِهَا، وَارحَمِ الإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَسَائِرَ أَئِمَّةِ الهُدَى وَالدِّينِ رَحمَةً وَاسِعَةً، وَاجزِهِم عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاءِ، وَاجمَعنَا بِهِم فِي الفِردَوسِ الأَعلَى مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.