من مكتبة مِداد الخطيب

الأسرة المسلمة... الحصن الأخير في زمن العواصف

مشاركة
حياكم الله وبياكم، وبارك في حرصكم وغيرتكم على بيوت المسلمين. صدقتم والله، فإن الأسرة هي ثغر الإسلام الأعظم، والحصن الأخير الذي إن سقط — لا قدر الله — تهاوت بعده كل الحصون. وتلبيةً لطلبكم الكريم، أضع بين أيديكم خطبة جمعة شاملة، مُفصَّلة، ومُعَدَّة لتشخيص الداء ووصف الدواء، لتكون نبراساً للخطباء في معالجة هذا الملف الخطير. 🕌 الأسرة المسلمة... الحصن الأخير في زمن العواصف #خطبة_جمعة #الأسرة_المسلمة #تربية_الأبناء #الزواج #المكائد_المعاصرة #اجتماعيات #تربية الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ البُيوتَ سَكَناً، وشرَعَ الزواجَ مَودَّةً ورَحمةً وأمناً، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الأسرةَ مِحراباً للطاعةِ ومَيداناً للعبادةِ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أكرَمُ الناسِ لأهلِهِ، وأرحمُهم بوَلَدِهِ، وأعظَمُهم رِعايةً لأمانتِهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي مَدينةً مُحاصَرةً من كلِّ جانب. الأعداءُ يَرمونَها بالنِّبال، والمَجانيقُ تَدُكُّ أسوارَها دَكّاً. سَقَطَ السُّورُ الأوَّل، ثم سَقَطَ السُّورُ الثاني، ولم يَبقَ لأهلِ المدينةِ إلا حِصنٌ واحدٌ أخير، يَحتمونَ به، ويَذودونَ فيه عن أرواحِهم وعَقيدتِهم وأبنائِهم. فإذا سَقَطَ هذا الحِصن، ضاعَت المدينةُ كُلُّها، واستُبيحَت بِرُمَّتِها. هذا الحِصنُ الأخيرُ — يا عبادَ الله — ليس مجازاً ولا خيالاً... إنَّهُ «الأسرةُ المسلمة». فكيف تُدَكُّ أسوارُه اليوم؟ ومَن الذي يَفتَحُ أبوابَهُ من الدَّاخل؟ هذا ما سَنَعرِفُه اليومَ، قَبلَ فواتِ الأوان. أيها المؤمنون، هل سألتُم أنفسَكم يوماً: لِماذا اعتَنى القُرآنُ الكريمُ بتَفاصيلِ الأسرةِ عِنايةً لم يُولِها لأيِّ شأنٍ دُنيويٍّ آخَر؟ خُذوا على سبيلِ المثالِ أحكامَ البيوعِ، والتجارةِ، والسياسةِ، والاقتصادِ... لقد أرسى القُرآنُ فيها قَواعِدَ عامَّةً، وتَرَكَ التفاصيلَ لِتَغَيُّرِ الزَّمان. أمَّا في الأسرة؛ فقد فصَّلَ اللهُ المَهرَ، والخِطبَةَ، والزَّواجَ، والطَّلاقَ، والرَّضاعَةَ، والفِطامَ، والمواريثَ، في آياتٍ تُتلى إلى يومِ القيامة! لماذا؟ لأنَّ اللهَ جلَّ جلالُه يَعلَمُ أنَّ الأسرةَ هي "المِصنَعُ" الذي يُنتِجُ الأُمَّة. إذا صَلَحَ المِصنَعُ، خَرَجَ لنا جيلٌ يَحمِلُ الجبالَ ولا يَنحني. وإذا فَسَدَ المِصنَعُ، خَرَجَ جيلٌ تَكسِرُهُ هَبَّةُ ريح. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل، مُمتَنّاً علينا بأعظمِ نِعَمِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. تأمَّلوا... لم يَقُل: "لِتَسكُنوا معها"، بل قال: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. لأنَّ السَّكَنَ "مَعَ" الشَّيءِ قَد يكونُ مَكانيّاً جَسديّاً، أمَّا السَّكَنُ "إِلَيهِ" فهو سَكَنُ الرُّوح، ومَلجَأُ القَلبِ، والمَلاذُ الآمِنُ من ضَجيجِ العالَمِ الموحِش. ويُخاطِبُنا ربُّنا جلَّ وعلا بآيةٍ تهزُّ الوجدان، آيةٍ تُحَمِّلُ كلَّ أبٍ وكلَّ أُمٍّ أمانةً تَنوءُ بها الجبال، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. وقايَةُ الأهلِ من النَّارِ ليست خياراً نَقومُ به متى تَفرَّغنا من أعمالِنا، بل هي مَهمَّةُ العُمُرِ الأُولى! إخوتي الكِرام، دَعونا نَطرح هذا السُّؤال الوجودي: ما الذي يُريدُه الشَّيطانُ من بيوتِنا؟ هل يُريدُ أن يَسرِقَ أموالَنا؟ لا. إنَّ هَدَفَهُ الاستراتيجيَّ الأوَّل هو "تَمزيقُ الأسرة". واسمعوا لهذا الحديثِ الرَّهيبِ الذي يَكشِفُ لنا خُطَّةَ العَدوِّ صَراحةً. يقولُ الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ: «إنَّ إبليسَ يَضَعُ عَرشَهُ على الماءِ، ثُمَّ يَبعَثُ سَراياهُ، فأدناهُم منه مَنزلَةً أعظَمُهم فِتنَةً، يَجيءُ أحَدُهم فيَقولُ: فَعَلتُ كذا وكذا، فيَقولُ: ما صَنَعتَ شَيئاً. قالَ: ثُمَّ يَجيءُ أحَدُهم فيَقولُ: ما تَرَكتُهُ حتَّى فَرَّقتُ بَينَهُ وبَينَ امرأتِهِ، قالَ: فيُدنيهِ مِنهُ ويَقولُ: نِعْمَ أنتَ!» (رواه مسلم). تأمَّلوا معي هذا المشهَدَ المُرعِب! شَياطينٌ تُوقِعُ الناسَ في الزِّنا، والسرقةِ، وشُربِ الخَمر، وكُلُّ هذا عند كبيرِهم إبليس لا يُساوي شَيئاً مُقارنةً بشيطانٍ نَجَحَ في هَدمِ بَيتٍ مُسلم، وتَطليقِ زوجَين، وتَشريدِ أطفال! لماذا؟ لأنَّ الشَّيطانَ الذي يُوقِعُ رَجُلاً في المَعصيةِ، قد دَمَّرَ فَرداً وَحدَه قد يَتوبُ غداً، أمَّا الشَّيطانُ الذي يُدَمِّرُ أُسرةً، فقد دَمَّرَ أجيالاً قادمةً، وصَنَعَ في المجتمعِ جُرحاً لا يَندَمِل، وأخرَجَ أطفالاً مُعَقَّدينَ يَسهُلُ اصطيادُهم في كُلِّ فِتنة. يا عبادَ الله، إنَّ العواصفَ التي تَضرِبُ أُسَرَنا اليومَ ليست عواصفَ صُدفَة، بل هي مَكائِدُ مَدروسة. انظُروا إلى واقِعِنا المعاصر. لقد صَدَّروا لنا أفكاراً مَسمومةً مَغلوطَةً، تُصَوِّرُ للرَّجُلِ أنَّ الزَّواجَ قَيدٌ لحُرِّيَّتِه وسَجنٌ لطُموحاتِه. وتُصَوِّرُ للمرأةِ أنَّ الزَّوجَ نِدٌّ وعَدوٌّ، وأنَّ القِوامَةَ استِعبادٌ، وأنَّ طاعَتَها لزَوجِها ورِعايَتَها لأطفالِها إهانةٌ لِكيانِها! فأصبَحَت بعضُ البيوتِ ساحاتِ مَعارِكَ، كُلُّ طَرَفٍ فيها يَبحَثُ عن "الانتصارِ" على الآخَر، ونَسوا قولَ اللهِ جلَّ جلالُه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]. اللِّباسُ يَستُرُ، ويُدفِئُ، ويُجَمِّلُ، ويَلتَصِقُ بالجَسَد... هكذا يَجبُ أن تَكونَ العَلاقة، لا عَلاقةَ حَربٍ وابتِزاز. وما سِرُّ هذا الخَراب؟ إنَّهُ دُخولُ "سُوسِ المُقارَنات" إلى غُرَفِ نَومِنا وصالاتِ جُلوسِنا عبرَ هذه الشَّاشاتِ التي في أيدينا. يَدخُلُ الأبُ بيتَهُ مُتعباً، فيَنزَوي في رُكنٍ يُقَلِّبُ هاتفَهُ، لِيَرى رِجالاً يَعيشونَ رَفاهيَةً زائفَة، فيَحتَقِرُ رِزقَه ويَزهَدُ في بيتِه. وتَجلِسُ الأُمُّ على شاشَتِها، فَتَرى نِساءً استَعرضنَ زينةً مَطليَّةً بالكِذب، فَتنظُرُ إلى زَوجِها المُنهَكِ بِنظرةِ سَخَطٍ وازدِراء، ويَذهَبُ الرِّضا. ويَسكُنُ الصَّمتُ القاتِلُ في البيتِ المُشترَك؛ أربعةُ أفرادٍ يَجلِسونَ على أريكةٍ واحدة، لكنَّ كُلَّ واحِدٍ منهم في قارةٍ مُختَلِفة! يقولُ اللهُ تبارك وتعالى مُحَذِّراً لنا من بَلاءِ النَّظرِ إلى ما في أيدي النَّاس: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]. واللهِ إنَّ هذا لَهوَ الدَّاء: نَمُدُّ أعيُنَنا إلى ما مُتِّعَ به الآخَرون — وهو في حقيقتِهِ فِتنَةٌ وزَهرةٌ تَذبُل — فَنفقِدُ السَّكينةَ في بيوتِنا. وقد صدَقَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حين قال: "ومَن أطلَقَ لَحظاتِهِ دَامَت حَسَراتُه". فكم من نظرةٍ في هاتفٍ جَلَبَت للبيتِ دَماراً وتَخبيباً للطَّلاق! أيها المُسلِمون، ولعلَّكم تَسألون: وهل تَقِفُ المَكائِدُ عند إفسادِ العَلاقةِ بينَ الزَّوجَين؟ لا والله، بل الأَدهى والأَمَرُّ هو اختِطافُ الأبناءِ من بَينِ أيدينا ونحنُ نَنظُر. لقد أصبَحَ "الإنترنت" هو الأبَ الرُّوحيَّ والمُربِّيَ الأوَّلَ لكثيرٍ من أبنائِنا. نُطعِمُهم، ونَكسوهم، ونُدخِلُهم أفضَلَ المدارس... ونَظُنُّ أنَّنا أدَّينا الأمانة! واسمعوا إلى هذا الحديثِ النَّبويِّ العَظيم الذي يَفصِلُ في هذا المَقام، يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «كفى بالمرءِ إثماً أن يُضَيِّعَ مَن يَعُول» (رواه أبو داود بإسناد صحيح). التَّضييعُ هنا ليس تضييعَ الخُبزِ والطَّعامِ فَحَسب، بل تَضييعُ الدِّينِ والأخلاقِ والعَقيدة! ما الفائدةُ أن يَنامَ ابنُكَ شَبعانَ البَطنِ، وعَقلُهُ جائعٌ تَمَلؤُهُ التَّفاهاتُ والشُّبُهات؟ ما الفائدةُ أن تَشتري لابنتِك أغلَى المَلابس، وقُدوتُها في الحياةِ تافِهَةٌ من مشاهيرِ السُّوء، تَسلَبُها حَياءَها وعِفَّتَها؟ قال الحسنُ البصريُّ رحمه الله في تفسير قوله تعالى ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: "واللهِ ما شيءٌ أقَرَّ لعينِ المُسلِمِ من أن يَرى وَلَداً أو حَفيداً أو أخاً مُطيعاً للهِ عزَّ وجل". قُرَّةُ العَينِ الحقيقيَّةُ ليست بتَفَوُّقِهم الدُّنيويِّ فقط، بل بأن تراهُم سُجَّداً لله، عُبَّاداً أتقياء. لِنتأمَّل معاً قصَّةً من تاريخِنا العظيم، تُثبِتُ لنا أنَّ الأمَّ الصَّالحةَ والأبَ الحاضِرَ هُما الجِدارُ الذي لا يَسقُط. دَعونا نَنتَقِلْ بقلوبِنا إلى صَحراءِ مكَّةَ القاحِلَة. إبراهيمُ عليه السَّلامُ يَترُكُ زَوجتَهُ هاجَرَ ورَضيعَها إسماعيلَ في وادٍ غيرِ ذي زَرع، استجابةً لأمرِ الله. تَبعَتهُ زَوجتُه وقالت: يا إبراهيم، أينَ تَذهَبُ وتَترُكُنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء؟ فلم يَلتَفِت إليها. فقالت الكلمةَ التي صَنَعَت أُمَّة: "آللهُ أمَرَكَ بهذا؟" قال: نعم. قالت بيقينِ المؤمنةِ التي تَعرِفُ مَن تُسَلِّمُ له أُسرتَها: "إذَن لا يُضَيِّعُنا!". هذه المرأةُ، وَحدَها في الصَّحراء، صَنَعَت بِيَقينِها وحُسنِ رِعايتِها نَبيّاً من أنبياءِ الله، خَرَجَ من نَسلِهِ مُحمَّدٌ ﷺ. وفي مُقابل ذلك، قد تَكونُ الأُمُّ في أرقَى القُصور، ومَعها كلُّ أسبابِ الرَّفاهيَة، لكنَّها غافِلَةٌ عن أطفالِها، فيَخرُجُ من بَينِ يَدَيها جيلٌ ضائع. أينَ نَحنُ من أُمِّ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنبَل؟ تلك الأرملةُ الفَقيرةُ التي ماتَ زَوجُها وتَرَكَ لها طِفلاً يَتيماً، فقالت له: "يا بُنيَّ، اذهَب فاطلُب العِلمَ وأنا أكفيكَ بِمِغزَلي". فكانت تَغزِلُ الصُّوفَ لتُنفِقَ عليه، حتَّى أخرَجَت للأُمَّةِ "إمامَ أهلِ السُّنَّة". الأمُّ مصنعُ الرِّجال، والأبُ حارسُ العَقيدة. فيا عِبادَ الله، أينَ الحَلُّ والمَخرَج؟ كيف نَحمي السَّفينةَ قبل أن تَغرَق؟ الجوابُ في خُطواتٍ واضِحة: أوَّلاً: أعيدوا القرآنَ إلى بيوتِكم. اجعَلوا للبَيتِ وِرداً. يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لا تَجعَلوا بُيوتَكم مَقابِرَ، إنَّ الشَّيطانَ يَنفِرُ من البَيتِ الذي تُقرَأُ فيهِ سورَةُ البَقَرَة» (رواه مسلم). وقال أبو هُريرة رضي الله عنه: "إنَّ البَيتَ الذي يُتلى فيه كتابُ الله، كَثُرَ خَيرُه، واتَّسَعَت بَركتُه، وحَضَرَتهُ الملائكةُ، وخَرَجَت منه الشَّياطين". ثانياً: "التَّغافُل". البيوتُ لا تُبنى على الحِسابِ العَسيرِ والمُحاكَمَةِ اليوميَّة، بل تُبنى على العَفوِ والصَّبر. قال النَّبيُّ ﷺ: «لا يَفرَكْ (أي لا يُبغِض) مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً، إن كَرِهَ مِنها خُلُقاً رَضيَ مِنها آخَرَ» (رواه مسلم). ويقولُ الإمامُ أحمدُ بن حنبل رحمه الله: "تِسعَةُ أعشارِ حُسنِ الخُلُقِ في التَّغافُل". لو حاسَبَ الزَّوجُ زَوجتَهُ على كُلِّ كَلِمَة، وحاسَبَتِ الزَّوجةُ زَوجَها على كُلِّ زَلَّة... لَتَحَوَّلَ البَيتُ إلى جَهَنَّم. تغافَلوا لِتَعيشوا. ثالثاً: املَؤوا بُيوتَكم بالكلمةِ الطيِّبة. الشَّابُّ الذي يَسمَعُ التَّشجيعَ والحُبَّ من أبيهِ وأمِّه، لا يَبحَثُ عنه في رِفاقِ السُّوء. والفتاةُ التي تَشبَعُ عاطفياً من حَنانِ أبيها، لا يَستَدرِجُها ذِئبٌ بكَلِمَةٍ مَعسولةٍ في طريقِ الحَرام. إخوتي في الله، إنَّ السَّفينَةَ تَموجُ في بَحرٍ لُجِّيٍّ، والأمواجُ تَتلاطَم، والشِّراعُ يَتَمزَّق، وما لم نُمسِك بالدَّفَّةِ بأيدينا، ونَستَعينُ بربِّنا، ونُحَصِّنُ بيوتَنا بالإيمانِ والمَحَبَّة؛ فإنَّ الغَرَقَ مُحَتَّم، والفَقدَ أليم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتِنا الأولى عن مَكانةِ الأسرةِ في الإسلام، وكيفَ أنَّها الحِصنُ الأخيرُ المُستَهدَفُ في زَمانِنا بِعواصِفِ المُقارَناتِ وأفكارِ التَّدمير. ووَقَفنا مع مَكائِدِ الشَّيطانِ الكُبرى لتَفريقِ البُيوت، وأهميَّةِ دَورِ الأمِّ الحانيةِ والأبِ الحاضِرِ في صِناعَةِ جيلٍ لا يَنكَسِر. والآن، ونحنُ نَقِفُ أمامَ هذا الواقِعِ الثَّقيل؛ كيف نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَحمي به بيوتَنا؟ أوصيكم بِخَمسٍ قبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري، عُضّوا عليها بالنَّواجِذ: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا النِّيَّةَ في بُيوتِكم. انوِ وأنتَ تَتَحمَّلُ أذى زَوجَتِكَ، وانوِي وأنتِ تَصبِرينَ على طِباعِ زَوجِكِ وتَعَبِ أبنائِكِ — أنَّكم تَبنُونَ ثَغراً من ثُغورِ الإسلام. النِّيَّةُ الصَّادقةُ تُحَوِّلُ تَعَبَ التَّربيَةِ إلى عِبادَةٍ مَأجورة. الثانية (لِسانيَّة): أوقِفوا سَيفَ النَّقدِ الجارِحِ في بيوتِكم، وازرَعوا "الكلمةَ الطيِّبة". قال ﷺ: «الكلمةُ الطيِّبةُ صَدقَة». امدَح زَوجَتَكَ على طَعامِها، وامدَحي زَوجَكِ على سَعيِه، واشكُروا أبناءَكم على أيِّ جُهدٍ صَغير. البيتُ المَليءُ بالثَّناءِ بَيتٌ مُحصَّنٌ من الدَّاخل. الثالثة (عَمَليَّة): اجعَلوا في بُيوتِكم "جَلسَةً أُسريَّةً" يوميَّةً، ولَو لِرُبعِ ساعةٍ فقط! بِلا هواتِف، ولا شاشات. اجلِسوا معاً، اقرَؤوا صَفحةً من سيرةِ النَّبيِّ ﷺ، أو تَحَدَّثوا كيفَ كانَ يَومُكم. هذه الرُّبعُ ساعةٍ هي الصَّمغُ الذي يُمسِكُ شَتاتَ الأسرة. الرابعة (اجتماعيَّة): تَغافَلوا عن أخطاءِ بعضِكم، وصِلوا أرحامَكم. الدُّنيا مَتاعٌ زائِل، وخَيرُ مَتاعِها العَلاقَةُ الصَّالِحة. لا تُخَرِّبوا بُيوتَكم لأجلِ خِلافٍ على شَيءٍ تافِهٍ لا يُساوي عند اللهِ جَناحَ بَعوضة. الخامسة (موضوعيَّة): ضَعوا "حُدوداً صارِمَةً" للشَّاشاتِ في البيت. لا تَترُكوا أبناءَكم يَتَربَّونَ في شَوارعِ الإنترنت المُظلِمَة. حَدِّدوا أوقاتاً للهواتِف، واسحَبوها قَبلَ النَّوم. احموا عُقولَ أبنائِكم، فإنَّكم واللهِ مَسؤولونَ عنهم. فاتقوا الله عباد الله في بيوتكم، واتقوا الله فيمن تعولون، فإنها أمانات عظمى ستُسألون عنها يوم العرض الأكبر. ثم صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليهِ؛ فقال جلَّ مِن قائِلٍ عَليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهمَّ اجعَلنا مِنَ الَّذينَ إذا أُعطوا شَكَروا، وإذا ابتُلوا صَبَروا، وإذا أذنَبوا استَغفَروا. اللَّهمَّ احفَظ بيوتَ المُسلمينَ من كُلِّ مَكرٍ، واحرُس أُسَرَنا من كُلِّ فِتنة. اللَّهمَّ ألِّف بينَ قُلوبِ الزَّوجَين، وأصلِح ذاتَ بَينِهم، واهدِهم سُبُلَ السَّلام، وجَنِّبهم الفواحِشَ والمُنكَراتِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن. اللَّهمَّ قِرَّ أعيُنَنا بصَلاحِ أبنائِنا وبَناتِنا، اللَّهمَّ اجعَلهم هُداةً مُهتَدين، لا ضالِّينَ ولا مُضِلِّين، اللَّهمَّ حَبِّب إلَيهِمُ الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِهم، وكَرِّه إلَيهِمُ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيانَ، واجعَلهم مِنَ الرَّاشِدين. اللَّهمَّ مَن كان من بُيوتِ المُسلمينَ يَعيشُ شِقاقاً فأبدِلهُ وِفاقاً، ومَن كانَ يَعيشُ ضِيقاً فأبدِلهُ سَعَةً ورِزقاً، ومَن كانَ يَعيشُ هَمّاً فأبدِلهُ فَرَجاً قريباً يا ربَّ العالمين. اللَّهمَّ ارحَم آباءَنا وأمَّهاتِنا كما رَبَّونا صِغاراً، اللَّهمَّ مَن كان منهم حَيّاً فأطِل عُمرَهُ على طاعَتِك، ومَن كانَ منهم مَيِّتاً فَتغَمَّدهُ بواسِعِ رَحمَتِك. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركم، واشكُروه على نِعَمِهِ يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.