من مكتبة مِداد الخطيب

مَوعِظَةٌ فِي فَاجِعَةِ قَصفِ دَرعَا وَاستِشهَادِ الأَطفَالِ الأَبرِيَاءِ: تَسلِيَةٌ لِلمُصَابِينَ وَتَذكِيرٌ بِحُرمَةِ الدِّمَاءِ وَعَدلِ اللهِ يَومَ اللِّقَاءِ

مشاركة
مَوعِظَةٌ فِي فَاجِعَةِ قَصفِ دَرعَا وَاستِشهَادِ الأَطفَالِ الأَبرِيَاءِ: تَسلِيَةٌ لِلمُصَابِينَ وَتَذكِيرٌ بِحُرمَةِ الدِّمَاءِ وَعَدلِ اللهِ يَومَ اللِّقَاءِ الحَمدُ للهِ الحَكَمِ العَدلِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، القَائِمِ عَلَى كُلِّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، الَّذِي لَا يَعزُبُ عَن عِلمِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا تَخفَى عَلَيهِ أَنَّةُ مَظلُومٍ وَلَا دَمعَةُ مَكلُومٍ فِي ظُلَمِ اللَّيلِ البَهِيمِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَنَلوذُ بِجَنَابِهِ العَظِيمِ عِندَ تَتَابُعِ المِحَنِ وَادلِهمَامِ الخُطُوبِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الجَبَّارُ المُنتَقِمُ الَّذِي يَمهِلُ الظَّالِمَ وَلَا يُهمِلُهُ، وَيَحصِي عَلَى كُلِّ مُعتَدٍ مَا جَنَت يَدَاهُ لِيَومٍ تَشخَصُ فِيهِ الأَبصَارُ، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الرَّحِيمُ بِأُمَّتِهِ، الشَّفِيقُ عَلَى ضُعَفَائِهَا وَصِبيَانِهَا، الَّذِي عَظَّمَ حُرمَةَ الدَّمِ الحَرَامِ وَجَعَلَهَا أَعظَمَ عِندَ اللهِ مِن حُرمَةِ البَيتِ الحَرَامِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الزِّحَامِ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالعَقِيدَةِ: إِنَّ القَلبَ لَيَدمَى، وَإِنَّ العَينَ لَتَدمَعُ، وَإِنَّ الكَلِمَاتِ لَتَقفُ حَائِرَةً مَفجُوعَةً أَمَامَ هَذَا الخَطبِ الجَلَلِ وَالمُصَابِ الأَلِيمِ الَّذِي نَزَلَ بِأَهلِنَا فِي أَرضِ دَرعَا وَحَورَانَ مِن بِلَادِ الشَّامِ المُبَارَكَةِ؛ حِينَ امتَدَّت يَدُ القَصفِ الأُردُنِيِّ الغَاشِمِ فِي جُنحِ الظَّلَامِ إِلَى بُيُوتِ الآمِنِينَ النَّائِمِينَ، فَهَدَمَتِ السُّقُوفَ عَلَى رُؤُوسِ سَاكِنِيهَا، وَمَزَّقَت أَجسَادًا غَضَّةً لِأَطفَالٍ رُضَّعٍ وَصِبيَانٍ أَبرِيَاءَ وَنِسَاءٍ ضَعِيفَاتٍ لَا ذَنبَ لَهُم وَلَا جَرِيرَةَ، فَأُخرِجُوا مِن تَحتِ الرُّكَامِ جُثَثًا هَامِدَةً قَد خَضَّبَت دِمَاؤُهَا الزَّكِيَّةُ تِلكَ التُّربَةَ الطَّاهِرَةَ! بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَ هَؤُلَاءِ الأَطفَالُ الأَبرِيَاءُ وَهُم فِي أَحضَانِ أُمَّهَاتِهِم نَائِمُونَ؟ وَبِأَيِّ شَرِيعَةٍ أَو دِينٍ أَو مُروءَةٍ أَو جِوَارٍ تُستَبَاحُ بُيُوتُ المُسلِمِينَ وَتُسفَكُ دِمَاءُ الصِّغَارِ المَعصُومِينَ الَّذِينَ حَرَّمَ الإِسلَامُ مَسَّ شَعرَةٍ مِنهُم حَتَّى فِي سَاحَاتِ القِتَالِ مَعَ الأَعدَاءِ المُحَارِبِينَ؟! لَقَد هَزَّ هَذَا المَشهَدُ المُروِّعُ ضَمِيرَ كُلِّ مُؤمِنٍ يَحمِلُ فِي صَدرِهِ ذَرَّةً مِن إِيمَانٍ أَو رَحمَةٍ؛ لِأَنَّ المُسلِمِينَ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ فِي دَرعَا أَو فِي غَزَّةَ أَو فِي أَيِّ بُقعَةٍ مِن بِلَادِ الإِسلَامِ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى وَالأَلَمِ! عبادَ اللهِ: إِنَّ أَوَّلَ حَقِيقَةٍ يَجِبُ أَن تَستَقِرَّ فِي القُلُوبِ أَمَامَ هَذِهِ الفَاجِعَةِ هِيَ عِظَمُ حُرمَةِ الدَّمِ المُسلِمِ عِندَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ فَلَيسَ بَعدَ الشِّركِ بِاللهِ ذَنبٌ أَعظَمُ عِندَ اللهِ مِن سَفكِ دَمِ امرِئٍ مُسلِمٍ بِغَيرِ حَقٍّ! استَمِعُوا إِلَى قَولِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَهُوَ يَتَوَعَّدُ قَاتِلَ النَّفسِ المُؤمِنَةِ بِخَمسِ عُقُوبَاتٍ تَرتَعِدُ مِنهَا الفَرَائِصُ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللهِ مِن قَتلِ رَجُلٍ مُسلِمٍ»! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَن يَزَالَ المُؤمِنُ فِي فُسحَةٍ مِن دِينِهِ مَا لَم يُصِبْ دَمًا حَرَامًا». فَكَيفَ إِذَا اجتَمَعَ مَعَ حُرمَةِ الدَّمِ المُسلِمِ ضَعفُ الطُّفُولَةِ البَرِيئَةِ، وَحَقُّ الجِوَارِ وَالأُخُوَّةِ، وَأَمَانُ اللَّيلِ وَالبُيُوتِ، وَشِدَّةُ مَا يُعَانِيهِ أَهلُ الشَّامِ أَصلًا مِن جِرَاحٍ وَقَهرٍ وَمَآسٍ مُتَطَاوِلَةٍ؟! إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا بَعَثَ جَيشًا أَو سَرِيَّةً لِقِتَالِ الكُفَّارِ المُحَارِبِينَ، أَوصَاهُم وَصِيَّتَهُ النَّبَوِيَّةَ الصَّارِمَةَ الَّتِي رَوَاهَا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا حَيثُ نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن قَتلِ النِّسَاءِ وَالصِّبيَانِ! فَأَيُّ جُرمٍ أَعظَمُ عِندَ اللهِ مِن تَروِيعِ صِبيَانِ المُسلِمِينَ وَنِسَائِهِم وَهُم فِي بُيُوتِهِم آمِنُونَ، وَتَحوِيلِ مَضَاجِعِهِم إِلَى قُبُورٍ وَأَشلاءٍ؟! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، وَيَا أَهلَنَا الصَّابِرِينَ المُحتَسِبِينَ فِي دَرعَا وَحَورَانَ وَالشَّامِ: إِذَا كَانَتِ القُلُوبُ تَعتَصِرُ أَلَمًا وَحُزنًا عَلَى فِرَاقِ هَؤُلَاءِ الأَحبَابِ الصِّغَارِ، فَإِنَّ فِي وَحيِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَلْسَمًا شَافِيًا، وَسَلوَةً عَظِيمَةً تَمسَحُ عَنِ القُلُوبِ المَفجُوعَةِ لَهِيبَ الحَسرَةِ؛ فَاعلَمُوا عِلمَ اليَقِينِ أَنَّ أَطفَالَكُمُ الَّذِينَ ارتَقَت أَروَاحُهُمُ الطَّاهِرَةُ تَحتَ الرُّكَامِ قَد انتَقَلُوا مِن ضِيقِ الدُّنيَا وَنَكَدِهَا وَبُؤسِهَا إِلَى فَسِيحِ الجِنَانِ، وَإِلَى كَفَالَةِ أَبِي الأَنبِيَاءِ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي رُؤيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ العَظِيمَةِ، أَنَّهُ رَأَى رَوضَةً مُعتَمَّةً فِيهَا مِن كُلِّ نَورِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَينَ ظَهرَيِ الرَّوضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا يَكَادُ يُرَى رَأسُهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَولَ الرَّجُلِ مِن أَكثَرِ وِلدَانٍ رَآهُم قَطُّ، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَلَكَينِ عَنهُم قَالَا لَهُ: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوضَةِ فَإِنَّهُ إِبرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الوِلدَانُ الَّذِينَ حَولَهُ فَكُلُّ مَولُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطرَةِ»! وَفِي المُستَدرَكِ لِلحَاكِمِ وَكِتَابِ البَعثِ وَالنُّشُورِ لِلبَيهَقِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ الشَّيخَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَولَادُ المُؤمِنِينَ فِي جَبَلٍ فِي الجَنَّةِ، يَكفُلُهُم إِبرَاهِيمُ وَسَارَةُ، حَتَّى يَرُدُّوهُم إِلَى آبَائِهِم يَومَ القِيَامَةِ». أَتَدرُونَ مَاذَا يَصنَعُ هَؤُلَاءِ الأَطفَالُ الشُّهَدَاءُ لِآبَائِهِم وَأُمَّهَاتِهِمُ الصَّابِرِينَ يَومَ القِيَامَةِ؟ استَمِعُوا إِلَى هَذِهِ البُشرَى النَّبَوِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي حَسَّانَ قَالَ: قُلتُ لِأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّهُ قَد مَاتَ لِيَ ابنَانِ، فَمَا أَنتَ مُحَدِّثِي عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنفُسَنَا عَن مَوتَانَا؟ قَالَ: نَعَم؛ «صِغَارُهُم دَعَامِيصُ الجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ -أَو قَالَ أَبَوَيهِ- فَيَأخُذُ بِثَوبِهِ -أَو بِيَدِهِ- كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوبِكَ هَذَا، فَلَا يَتَنَاهَى -أَو قَالَ فَلَا يَنتَهِي- حَتَّى يُدخِلَهُ اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ»! اللهُ أَكبَرُ يَا أَهلَ المصَابِ! إِنَّ أَطفَالَكُمُ الَّذِينَ اختُطِفُوا مِن بَينِ أَيدِيكُم ظُلمًا وَعُدوَانًا قَد سَبَقُوكُم فَرَطًا وَذُخرًا وَشُفَعَاءَ؛ يَنتَظِرُونَكُم عَلَى أَبوَابِ الجَنَّةِ، فَيُمسِكُونَ بِأَطرَافِ ثِيَابِكُم وَأَيدِيكُم، وَيَأبَونَ أَن يَدخُلُوا الجَنَّةَ إِلَّا وَأَنتُم مَعَهُم! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبدِ قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضتُم وَلَدَ عَبدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم، فَيَقُولُ: قَبَضتُم ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاستَرجَعَ! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ابنُوا لِعَبدِي بَيتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيتَ الحَمدِ»! إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَإِنَّ ثَانِيَةَ الحَقَائِقِ الَّتِي تَثبُتُ بِهَا القُلُوبُ عِندَ هَذِهِ النَّوَازِلِ هِيَ اليَقِينُ القَاطِعُ بِأَنَّ عَدلَ اللهِ قَائِمٌ لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّ دِمَاءَ الأَبرِيَاءِ لَا تَضِيعُ عِندَ مَلِكِ المُلُوكِ وَإِن ضَاعَت فِي مَحَاكِمِ الأَرضِ وَمَوَازِينِ السِّيَاسَةِ الظَّالِمَةِ! إِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ يَكتُبُ كُلَّ قَطرَةِ دَمٍ سُفِكَت، وَكُلَّ صَرخَةِ طِفلٍ رُوِّعَ، وَكُلَّ دَمعَةِ أُمٍّ ثَكْلَى حُرِمَت وَلِيدَهَا، فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى! أَلَم يَقُلِ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ إِبرَاهِيمَ مُسَلِّيًا نَبِيَّهُ وَالمُؤمِنِينَ وَمُتَوَعِّدًا الظَّالِمِينَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ۝ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾؟! أَلَم يَقُلْ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ التَّكوِيرِ عَن مَشهَدِ الحِسَابِ الأَعظَمِ يَومَ يُسأَلُ عَن دَمِ الطِّفلَةِ البَرِيئَةِ الَّتِي قُتِلَت ظُلمًا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ۝ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾؟! قَالَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ: إِذَا كَانَتِ المَقتُولَةُ البَرِيئَةُ تُسأَلُ تَقرِيعًا وَتَبكِيتًا لِقَاتِلِهَا: بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت؟ فَمَا ظَنُّكُم بِحَالِ القَاتِلِ الظَّالِمِ وَمَن أَمَرَ وَأَعَانَ وَرَضِيَ يَومَ يَقِفُ بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ القَهَّارِ؟! فَيا وَيلَ كُلِّ مَن تَلَطَّخَت يَدُهُ أَو كَلِمَتُهُ أَو أَمرُهُ بِدَمِ طِفلٍ بَرِيءٍ أَو نَفسٍ مُؤمِنَةٍ مَعصُومَةٍ؛ كَيفَ يَجوَابُ رَبَّهُ يَومَ يَتَعَلَّقُ المَقتُولُ بِتَلَابِيبِ قَاتِلِهِ وَأَودَاجُهُ تَشخَبُ دَمًا يَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟! كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا. وَصَدَقَ القَائِلُ حِينَ ذَكَّرَ بِسِهَامِ الدُّعَاءِ وَعَدلِ السَّمَاءِ فَقَالَ: لَا تَظلِمَنَّ إِذَا مَا كُنتَ مُقتَدِرًا ... فَالظُّلمُ تَرجِعُ عُقبَاهُ إِلَى النَّدَمِ تَنَامُ عَينُكَ وَالمَظلُومُ مُنتَبِهٌ ... يَدعُو عَلَيكَ وَعَينُ اللهِ لَم تَنَمِ فَاصبِرُوا وَاحتَسِبُوا يَا أَهلَنَا الكِرَامَ فِي دَرعَا وَحَورَانَ وَالشَّامِ، وَقُولُوا كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم عِندَ الصَّدمَةِ الأُولَى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللَّهُمَّ أْجُرنَا فِي مُصِيبَتِنَا وَأَخلِفْ لَنَا خَيرًا مِنهَا! وَاعلَمُوا أَنَّ الشَّامَ فِي كَفَالَةِ اللهِ وَرِعَايَتِهِ، وَأَنَّ مِحَنَهَا مَهمَا اشتَدَّت وَطَالَت فَهِيَ تَمهِيدٌ لِلفَرَجِ العَظِيمِ، وَتَمحيصٌ لِلصَّادِقِينَ، وَاصطِفَاءٌ لِلشُّهَدَاءِ الأَبرَارِ؛ ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا جَابِرَ المُنكَسِرِينَ، وَيَا نَاصِرَ المُستَضعَفِينَ، وَيَا مَلَاذَ الخَائِفِينَ المَظلُومِينَ، نَسأَلُكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى وَصِفَاتِكَ العُلَى أَن تَتَقَبَّلَ شُهَدَاءَ دَرعَا مِنَ الأَطفَالِ وَالنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِي أَعلَى عِلِّيِّينَ، اللَّهُمَّ اجعَلْ دِمَاءَهُم نُورًا وَشَفَاعَةً وَرِفعَةً لَهُم وَلِأَهلِيهِم يَومَ الدِّينِ، وَاجعَلْ هَؤُلَاءِ الأَطفَالَ الأَبرِيَاءَ فَرَطًا وَذُخرًا وَشُفَعَاءَ مُجَابِينَ لِآبَائِهِم وَأُمَّهَاتِهِم، وَأَفرِغْ عَلَى قُلُوبِ ذَوِيهِم صَبرًا جَمِيلًا وَسَكِينَةً وَثَبَاتًا وَرِضًا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اشفِ جَرحَاهُم، وَآوِ مُشَرَّدَهُم، وَآمِنْ رَوعَاتِهِم، وَاستُرْ عَورَاتِهِم، وَاحفَظْ أَهلَنَا فِي دَرعَا وَفِي الشَّامِ كُلِّهَا وَفِي فِلَسطِينَ وَسَائِرِ بِلَادِ المُسلِمِينَ مِن بَينِ أَيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمَانِهِم وَعَن شَمَائِلِهِم، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَن يُغتَالُوا مِن تَحتِهِم. اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِكُلِّ ظَالِمٍ مُعتَدٍ سَفَكَ الدِّمَاءَ المَعصُومَةَ، وَرَوَّعَ النُّفُوسَ الآمِنَةَ، وَقَتَلَ الأَطفَالَ وَالأَبرِيَاءَ؛ اللَّهُمَّ خُذْهُ أَخذَ عَزِيزٍ مُقتَدِرٍ، وَأَرِنَا فِيهِ عَجَائِبَ قُدرَتِكَ وَعَدلِكَ يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ. اللَّهُمَّ أَصلِحْ أَحوَالَ المُسلِمِينَ، وَاحقِنْ دِمَاءَهُم، وَأَلِّفْ بَينَ قُلُوبِهِم، وَوَلِّ عَلَيهِم خِيَارَهُم، وَاكفِهِم شَرَّ شِرَارِهِم، وَفرِّجْ كَربَ المَكرُوبِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.