🕌 الصَّبرُ حِينَ تَضِيقُ الدُّنيَا
#خطبة_جمعة #الصبر #الابتلاء #اليقين #الرضا #اليوم_الآخر #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصَّبرَ مِفتاحًا للفَرَج، وضِياءً في دَياجي المِحَن، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَبتَلي عِبادَهُ ليَرفَعَ دَرَجاتِهم ويُطَهِّرَ قُلوبَهم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الصَّابرين، وقُدوةُ الشَّاكرين، وسَيِّدُ المُتَوَكِّلين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا تَضيقُ الدُّنيا أحيانًا حتى يَشعُر المَرءُ أنَّهُ يَتَنَفَّسُ من ثَقبِ إبرة؟ لماذا تَتَوالى الهُمومُ، ويَشتَدُّ المَرَضُ، ويَتَعَسَّرُ الرِّزقُ، وتَتَكالَبُ الأزمات؟ سِرٌّ عَظيمٌ في هذا التَّضييق، ولَحظَةٌ حاسِمةٌ تُفرِّقُ بين مَن يَرتَفعُ إلى السَّماءِ بصَبرِه، ومَن يَسقُطُ في اليأسِ بِجَزَعِه. فما هو هذا السِّر؟ وما هو الصَّبرُ الحقيقيُّ الذي نَجهَلُه؟ الجَوابُ سَيُغيِّرُ نَظرتَكم إلى كلِّ مُصيبَة.
أَيُّها الإِخوَةُ الكِرام، إنَّ الدُّنيا لم تُخْلَقْ دارَ مُقامٍ ولا مَحَلَّ صَفاء. طُبِعَت على الكَدَر، وخُلِقَ الإنسانُ فيها في كَبَد. وما مِن أَحَدٍ يَجلِسُ أمامي الآنَ إلَّا وفي قَلبِهِ هَمٌّ لا يَعْلَمُهُ إلَّا الله، أو في جَسَدِهِ مَرَضٌ يُخفيه، أو في بَيتِهِ ابتِلاءٌ يُكابِدُه.
هذه هي سُنَّةُ اللهِ الجاريَة. يَقولُ تباركَ وتَعالى مُقَرِّرًا هذه الحَقيقة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
تأمَّلوا كَلِمَةَ "بِشَيءٍ". رَحمةٌ مِنَ اللهِ أنَّهُ لا يَبتَلينا بِكُلِّ الخَوف، ولا بِكُلِّ الجوع، بَل "بِشَيءٍ" مِنه، قَدْرَ ما تَحتَمِلُهُ النُّفوسُ ليَحصُلَ التَّمحيصُ والامتِحان. ثُمَّ جَاءَتِ البِشارَةُ العُظمى في كَلِمَتَين: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
لَكِن، ما هو الصَّبر؟
كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الصَّبرَ هو مُجَرَّدُ الاستِسلامِ للأَلَم، أو البُكاءِ في صَمت، أو الشَّكوى الخَفِيَّةِ بِيأس. كَلَّا يا عِبادَ الله! الصَّبرُ قُوَّةٌ، الصَّبرُ حَرَكَةٌ، الصَّبرُ سِلاح. لِذَلِكَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
"استَعينوا"... فالصَّبرُ أداةٌ نَستَعينُ بِها لِقَهرِ المِحَن، وَلَيسَ جِدارًا نَستَنِدُ إلَيهِ لِنَبكيَ حَظَّنا!
ولِلصَّبرِ في دينِنا أنواعٌ ثَلاثَة، يُمثِّلُ كُلٌّ مِنها مَيدانَ مَعرَكَةٍ يَخوضُها المُؤمِنُ في حَياتِه:
النوعُ الأوَّل: الصَّبرُ على طاعَةِ الله.
وهذا أَعظَمُ أنواعِ الصَّبر. أَن تَستَيقِظَ لِصَلاةِ الفَجرِ والفِراشُ دافِئٌ والجَسَدُ مُتعَب... هذا صَبر. أَن تُخرِجَ زَكاةَ مالِكَ ونَفسُكَ تُحِبُّ المال... هذا صَبر. أَن تَحفَظَ لِسانَكَ عَنِ الغيبَةِ والمَجلِسُ كُلُّهُ يَخوضُ في أعراضِ النَّاس... هذا صَبر. يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]. لم يَقُل "واصبر"، بَل ﴿وَاصْطَبِرْ﴾، لأَنَّ النَّفسَ تَحتاجُ إلى مُجَاهَدَةٍ مُضاعَفَةٍ للثَّباتِ على طَريقِ الحَقّ.
النَّوعُ الثَّاني: الصَّبرُ عَن مَعصِيَةِ الله.
أَيُّها الشَّباب، مَن مِنكُم لا تَمُرُّ بِهِ الفِتنَةُ في شاشَةِ هاتِفِه؟ مَن مِنكُم لا تُغريهِ الشَّهَواتُ الَّتي باتَت أقرَبَ إلَينَا مِن حَبلِ الوَريد؟ أَن تَغُضَّ بَصَرَك، وأَن تَمنَعَ يَدَك، وأَن تَصُدَّ قَلبَكَ عَنِ الحَرام... هذا هُوَ المِضمارُ الصَّعب.
واسمَعوا إلى نَبيِّ اللهِ يوسُفَ عَلَيهِ السَّلام. شَابٌّ، غَريبٌ، عَبْدٌ، دَعَتهُ امرأَةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمال، وغُلِّقَتِ الأبواب... كُلُّ دَواعي المَعصيَةِ مُتَوَفِّرَة. فَماذا فَعَل؟ صَبَرَ عَنِ المَعصيَةِ لِلَّه، فَكانَتِ النَّتيجَةُ بَعدَ سَنَواتٍ مِنَ السِّجنِ والابتِلاءِ أَن تَوَجَّهَ اللهُ عَزيزًا لمِصر، وَقالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَة: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].
النَّوعُ الثَّالِث: الصَّبرُ عَلى أقدارِ اللهِ المُؤلِمَة.
وهذا هُوَ الصَّبرُ الَّذي يَعرِفُهُ مُعظَمُ النَّاس. مَرَضٌ يَنهَشُ الجَسَد، فَقْدُ عَزيزٍ اختَطَفَهُ المَوت، دَينٌ يُثقِلُ الكاهِل، أو ظُلمٌ يَقَعُ عَلى العَبد. هُنا يَظهَرُ مَعدَنُ الإيمان.
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الَّذي تَهتَزُّ لَهُ القُلوب: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم).
أَيُّها الإِخوَةُ الكِرام، لِيَكُن مَعلومًا لَدَينا جَميعًا أنَّ هُناكَ فَرقًا شاسِعًا بَينَ الصَّبرِ الجَميل، وبَينَ الاستِسلامِ الذَّليل!
بَعضُ النَّاسِ يَظلِمُهُ ظالِمٌ، فَيَسْكُتُ ويَتَنازَلُ عَن حَقِّهِ ويَقول: "أنا صابِر". ويَمرَضُ آخَرُ، فَيَرفُضُ العِلاجَ ويَجلِسُ في بَيتِهِ يَنتَظِرُ المَوتَ ويَقول: "أنا صابِر".
هَذا لَيسَ مِنَ الصَّبرِ في شَيء! هذا خُذلانٌ وعَجز.
الصَّبرُ الشَّرعيُّ المَطلوبُ هُوَ أَن يَمتَلِئَ قَلبُكَ باليَقينِ والرِّضا عَنِ الله، بَينَما تَتَحَرَّكُ جَوارِحُكَ لِدَفعِ البَلاء وتَغييرِ الواقِع. أُصِبتَ بِمَرَض؟ اِرضَ بِقَضاءِ الله، ثُمَّ قُم واذهَب إلَى الطَّبيبِ وتَداوَ. ظُلِمتَ في عَمَلِك؟ لا تَجزَع، ولَكِن قُم وَطالِب بِحَقِّكَ بِالطُّرُقِ المَشروعَة.
يَقولُ نَبيُّنا ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ» (رواه مسلم). لَم يَقُل "استَسلِم"، بَل قال: احرِص، واسعَ، وبَعدَ ذَلِكَ استَعِن بِالله.
وقَد ذَكَرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ مَعنًى نَفيسًا حينَ بَيَّنَ أَنَّ الصَّبرَ يُقارِنُهُ الجِهادُ دائمًا في القُرآن، لِيُعلَمَ أنَّ الصَّابِرَ مُكافِحٌ، ولَيسَ مُستَسلِمًا خانِعًا. قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
أَيُّها المُسلِمون، لِنَأخُذ دَرسًا عَمَلِيًّا مِن حَياةِ الأَنبِياء.
تَخَيَّلوا مَعي حَالَ نَبيِّ اللهِ أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلام. رَجُلٌ أَعطاهُ اللهُ المَالَ والبَنينَ والصِّحَّة. ثُمَّ، في فَتَرَةٍ قَصيرَة، فَقَدَ كُلَّ شَيء! فَقَدَ أموالَهُ، وماتَ أبناؤُهُ، واشتَدَّ بِهِ المَرَضُ حَتَّى نَفَرَ مِنهُ النَّاس، ولَم يَبقَ مَعَهُ إلَّا زَوجَتُه.
سَنَواتٌ طِوالٌ مِنَ الأَلَم. هَل جَزَع؟ هَل تَسَخَّطَ عَلى رَبِّه؟ هَل قالَ لِماذا أنا يا رَب؟
كَلَّا... بَل لَمَّا اشتَدَّ بِهِ الكَرب، وتَجاوَزَ الأَلَمُ حُدودَ البَشَر، رَفَعَ يَدَيهِ إلى السَّماء، ولَم يَطلُبِ الشِّفاءَ بِصيغَةِ الأمْرِ تَأدُّبًا مَعَ الله، بَل عَرَضَ حالَهُ في دُعاءٍ تَتَفَطَّرُ لَهُ القُلوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].
جُملَةٌ واحِدَة: "مَسَّنِيَ الضُّرُّ"، وأنتَ أرحَمُ الرَّاحِمين... فَكانَتِ الإِجابَةُ الفَوريَّةُ مِن رَبِّ السَّماوات: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 84].
أَينَ نَحنُ مِن هذا الصَّبر؟
يُصابُ أَحَدُنا بِصُداعٍ، أو يَتَأَخَّرُ راتِبُهُ شَهرًا، أو يَبتَليهِ اللهُ بِمُصيبَةٍ صَغيرَة، فَيَملأُ الدُّنيا شِكايَةً، ويَتَبَرَّمُ مِن حالِه، ويَنسى نِعَمَ اللهِ الَّتي تَغمُرُهُ مِن قَرنِهِ إلى قَدَمِه!
قال الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله: "إن الله عز وجل ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء، كما يتعاهد الرجل أهله بالخير". الابتلاء ليس علامة كراهية من الله، بل قد يكون علامة حب. يريد أن يسمع صوتك، يريد أن يرى انكسارك بين يديه.
ولَكِن مَتى يُحسَبُ الصَّبرُ صَبرًا؟ مَتى تُكتَبُ لَكَ الدَّرَجاتُ العُلى؟
لَيسَ بَعدَ أن تَبكي وَتَلطِم وتَشتَكي لِكُلِّ النَّاس، ثُمَّ تَقولَ عِندَما تَتعَب: "أنا صابِر".
لا! الصَّبرُ الَّذي يَرفَعُ المَقامات هو ما يَكونُ في لَحظَةِ الكارِثَةِ نَفسِها.
مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِامرَأةٍ تَبكي عِندَ قَبر، فَقالَ لَها: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي». قالَت: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي! (ولَم تَعرِفْهُ). فَقيلَ لَها: إنَّهُ النَّبيُّ ﷺ! فَجاءَت تَعْتَذِر، فَأَطلَقَ ﷺ قاعِدَةً ذَهَبِيَّةً تَقيسُ إيمانَ القُلوب: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (متفق عليه).
اللحظة الأولى! حين يصلك خبر الوفاة... حين تُفصل من عملك... حين تسمع تشخيص الطبيب... تلك اللحظة هي التي يراقب الله فيها قلبك: أينطق بالحمد أم ينطق بالسخط؟
يا من تضيق عليه الدنيا اليوم... يا من تكالبت عليه الديون... يا من يبحث عن عمل ولا يجد... يا من يئن من المرض على سريره... تذكر هذا الوعد الرباني العظيم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
كل الأعمال لها أجر معلوم، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف... إلا الصبر! الأجر فيه "بغير حساب". يُصبُّ على الصابرين صباً، ويُغرف لهم غرفاً، حتى يتمنى أهل العافية يوم القيامة لو أن أجسادهم قُرضت بالمقاريض في الدنيا لما يرون من كرامة الله للصابرين!
أبشروا، وأمّلوا، وأحسنوا الظن بربكم. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. عسر واحد، لن يغلب يسرين من فضل الله.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم. أمَّا بعدُ:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن الصبر، وكيف أنه ميدان تمحيص المؤمن، ووقفنا مع صور من تفريج الله عن الأنبياء الصابرين، وعرفنا أن الصبر ليس استسلاماً بل حركة ورضا. والآن، كيف نترجم هذا المعنى العظيم إلى واقع نعيشه عند حلول المصائب؟
أوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): أن تزرع اليقين في قلبك بأن الفرج قريب. مهما ادلهمت الخطوب، قل بقلبك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]. تيقّن أن الذي ابتلاك هو أرحم بك من أمك، وأنه لم يبتلك ليهلكك، بل ليرفعك.
الثانية (لِسانيَّة): امسك لسانك عن الشكوى للخلق. الخلق ضعفاء مثلك لا يملكون نفعاً ولا ضراً. وإذا نزلت بك نازلة فقل ما أمرك به نبيك ﷺ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا»... فوعدٌ من الله على لسان رسوله ألا يتركك إلا وأخلفك خيراً مما فقدت.
الثالثة (عَمَليَّة): افزع إلى الصلاة. كان نبيكم ﷺ «إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة» (رواه أبو داود). إذا ضاق صدرك واشتد كربك، اسجد واقترب، وابكِ بين يدي خالقك. دمعة واحدة في سجدة صدق تكشف جبالاً من الهموم.
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تكن مصدراً للطاقة السلبية وبث اليأس في من حولك. المؤمن مبشر لا منفر. حتى وأنت في قلب المحنة، طمئن أهلك، وابسط وجهك لأولادك، وكن صبوراً صابراً. مواساتك لغيرك باب لفرجك أنت.
الخامسة (موضوعيَّة): اجمع بين الصبر والسعي. مريضٌ أنت؟ اصبر وابحث عن العلاج. فقير؟ ارضَ وابحث عن رزق حلال. مظلوم؟ احتسب وطالب بحقك. السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ولكن الله يبارك في السعي الصادق الممزوج بالقلب الصابر.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أيام الدنيا دول، وأن دوام الحال من المحال، وأن العاقبة للمتقين.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا.
اللهم اجعلنا عند البلاء من الصابرين، وعند النعماء من الشاكرين، وعند الذنب من المستغفرين.
اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا.
اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واقض الدين عن المدينين، وفرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين.
اللهم اجعل أيامنا خيراً من أمسها، وغدنا خيراً من يومنا، وارزقنا حسن الخاتمة يا رب العالمين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
الصبر حين تضيق الدنيا
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.