من مكتبة مِداد الخطيب

التقوى... سِرُّ النَّجاةِ ومِفتاحُ البَرَكات

مشاركة
🕌 التقوى... سِرُّ النَّجاةِ ومِفتاحُ البَرَكات #خطبة_جمعة #التقوى #الخوف_من_الله #الخشية #مراقبة_الله #إيمانيات #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ التَّقوى لِباسًا يُواري عَوراتِ القُلوب، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الخَشيَةَ مِفتاحًا لِرِضاه، ومُراقَبَتَهُ سَبيلًا لِلنَّجاةِ يومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ وسَيِّدُ الخائِفين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا رَجُلًا يُغلِقُ بابَه، ويُرخي سِترَه، ويَستَخفي مِن أعيُنِ النَّاسِ جَميعًا لِيَقترِفَ ذَنبًا، ثمَّ يَنسى أنَّ عَينًا واحدةً تَخترِقُ الجُدرانَ والظُّلُماتِ ولا تَغفُلُ عنه أبدًا. فما الذي يَحجُزُه في تلك اللَّحظةِ الحاسِمَة؟ وما هو ذلك الجِدارُ الخَفيُّ الذي إذا بَنَيتَهُ في قَلبِكَ حَماكَ مِنَ السُّقوطِ في الهاويَة؟ مَعنًى عَظيمٌ نَسمَعُه كلَّ جُمُعَة، لكِنَّ حَقيقَتَهُ قد تُغَيِّرُ حَياتَكُمُ اليوم. أيُّها المؤمنون، هل سَألتُم أنفُسَكُم يَومًا: لِماذا تَتَكَرَّرُ كَلِمَةٌ واحدةٌ عَلى مَسامِعِنا في كُلِّ خُطبَةٍ وكُلِّ مَوعِظَة؟ كَلِمَةٌ نَسمَعُها حتَّى أَلِفناها، فَرُبَّما فَقَدَت حَرارَتَها في قُلوبِنا مِن كَثرَةِ المِساس! إنَّها كَلِمَةُ "التَّقوى". يَقولُ رَبُّنا تبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ التَّنزيل، مُناديًا عِبادَهُ المُؤمِنينَ نِداءً يَهُزُّ القُلوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: 102]. تَأمَّلوا هَذا النِّداء! لَم يَقُل "اتَّقوا اللهَ" فَحَسب، بَل قال: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. فما هي حَقُّ تُقاتِه؟ يَشرحُها لَنا حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ في كَلِماتٍ تُكتَبُ بِماءِ العَين، يَقول: "أن يُطاعَ فَلا يُعصى، ويُذكَرَ فَلا يُنسى، ويُشكَرَ فَلا يُكفَر". ثَلاثُ رَكائِزَ تُحيلُ حَياتَكَ مِن غَفلَةٍ إلى يَقَظَة. لكِنَّ السُّؤالَ المُلِحَّ: كَيفَ نَصلُ إلى هَذِه المَنزِلَة؟ وكَيفَ نَجعَلُ التَّقوى واقِعًا نَعيشُهُ في بُيوتِنا، وفي أسواقِنا، وخَلفَ شاشاتِنا، لا مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تَعلو بِها المَنابِر؟ أخِي الكَريم، التَّقوى لَيسَت جُبَّةً تَلبَسُها، ولا لِحيَةً تُعفيها، ولا سُبحَةً تُديرُها بيَدِك، بَل هي شَيءٌ أعمَقُ مِن ذَلك بكَثير. واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ العَظيم، حَيثُ يُشيرُ النَّبيُّ ﷺ إلى صَدرِه ثَلاثَ مَرَّاتٍ ويَقول: «التَّقوى هاهُنا، التَّقوى هاهُنا، التَّقوى هاهُنا» (رواهُ مُسلِم). التَّقوى مَحَلُّها القَلب، فإذا صَلَحَ المَقرُّ، صَلَحَتِ الجَوارِحُ كُلُّها. وإذا أَرَدتُم أَن تَرَوا صُورَةً حَيَّةً للتَّقوى يَمشي صاحِبُها عَلى الأَرض، فارجِعوا مَعي قَرنًا وَنِصفَ القَرنِ إلى الوَراء، إلى صَحراءٍ قاحِلَةٍ لا يَراها إِلَّا الله. كانَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنهُما يَتَمَشَّى مَعَ بَعضِ أصحابِه في الصَّحراء، فانحَدَرَ إِلَيهِم راعي غَنَمٍ صَغيرٌ مِنَ الجَبَل. فدَعاهُ ابنُ عُمَرَ لِيَأكُلَ مَعَهُم، فَقالَ الغُلام: إنِّي صائِم. فتَعَجَّبَ ابنُ عُمَرَ! صائِمٌ في الحَرِّ الشَّديدِ وفي الصَّحراء، وَراءَ الغَنَم؟ فأَرادَ ابنُ عُمَرَ أَن يَمتَحِنَ تَقواهُ، فَقال لَه: بِعنا شاةً مِن هَذِه الغَنَمِ ونُعطيكَ ثَمَنَها ونُطعِمُكَ مِن لَحمِها عِندَ فِطرِك. فَقال الغُلام: إنَّها لَيسَت لي، إنَّها لِسَيِّدي. فَقال ابنُ عُمَرَ مُختَبِرًا: قُل لِسَيِّدِكَ أَكَلَها الذِّئب! تَوقَّفوا هُنا لَحظَة... غُلامٌ فَقير، في صَحراءَ خاليَة، عِندَهُ عُذرٌ مُمتازٌ أمامَ سَيِّدِه "أكَلَها الذِّئب"، وسَيَربَحُ المالَ واللَّحم، ولا أحَدَ مِنَ البَشَرِ يَرى! فماذا قال؟ رَفَعَ الغُلامُ رَأسَهُ إلى السَّماءِ وصَرَخَ بكَلِمَتَينِ زَلزَلَت قَلبَ ابنِ عُمَر: "فأينَ الله؟!". فَأينَ الله؟! يا سُبحانَ الله! عِندَما سَمِعَها ابنُ عُمَر، جَعَلَ يَبكي ويُرَدِّدُ في نَفسِه: "قالَ الرَّاعي: فأينَ الله؟ قالَ الرَّاعي: فأينَ الله؟"، فَلَمَّا عادَ إلى المَدينَةِ اشتَرى الغُلامَ وأَعتَقَه، واشتَرى الغَنَمَ ووَهَبَها لَه. هَذِهِ هيَ التَّقوى! أَلَّا تَفقِدَ البَوصَلَةَ حينَ تَغيبُ عَينُ الرَّقيبِ البَشَريّ. ولِذَلِكَ يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر: 19]. إنَّهُ سُبحانَهُ لا يَعلَمُ النَّظرَةَ فَحَسب، بَل يَعلَمُ النِّيَّةَ الخَفيَّةَ الَّتي وَراءَ النَّظرَة. خائِنَةَ الأعيُن!
انظُروا إلى حالِنا اليَوم... مَن مِنَّا لَم يَمُرَّ بِهَذا المَوقِف: تَجلِسُ في غُرفَتِكَ وَحدَك، الأَبوابُ مُغلَقَة، والظَّلامُ حالِك، ولَيسَ في يَدِكَ سِوى هَذا الهاتِفِ المُضيء. الشَّاشَةُ تَعِجُّ بالفِتَن، ومَواقِعُ التَّواصُلِ تَعرِضُ ما لا يُرضي الله. بِحَرَكَةٍ واحِدَةٍ مِن إصبَعِكَ تَستَطيعُ أَن تَصِلَ إلى مُحَرَّم... لا شُرطَةٌ تَراك، ولا زَوجَةٌ تَشعُر، ولا والِدٌ يُراقِب. في تِلكَ اللَّحظَةِ بِالذَّات، حِينَ تَتَرَدَّدُ يَدُك، ثُمَّ تُغلِقُ الشَّاشَةَ خَوفًا مِنَ الله، وتَقولُ في نَفسِك: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾... أَنتَ في تِلكَ اللَّحظَةِ وليٌّ مِن أولياءِ الله! هَذا الخَوفُ الخَفيُّ هُوَ التَّقوى البالِغَة. ويُصَدِّقُهُ حَديثُ المُصطَفى ﷺ حينَ عَدَّ السَّبعَةَ الَّذينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه، فَذَكَرَ مِنهُم: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خالِيًا فَفاضَت عَيناه» (مُتَّفَقٌ عَلَيه). الخَلوَةُ هِيَ مِيزانُ الرِّجال! ولَعَلَّكُم تَسأَلون: التَّقوى مَطلَبٌ عَظيم، فَهَل هُناكَ وَصفٌ عَمَليٌّ يُقَرِّبُها لِعُقولِنا؟ سَأَلَ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ عَنِ التَّقوى. فَلَم يُعطِهِ أُبَيٌّ تَعريفًا مُعَقَّدًا، بَل أَعطاهُ صُورَةً بَصَريَّةً لا تُنسى! قال لَه: أما سَلَكتَ طَريقًا ذا شَوك؟ قال عُمَر: بَلى. قال أُبَيّ: فَماذا صَنَعت؟ قال عُمَر: شَمَّرتُ واجتَهَدتُ (أي رَفَعتُ ثِيابي وحَذِرتُ مَواضِعَ الشَّوك). قال أُبَيّ: "فَذلِكَ التَّقوى!". تَأمَّلوا هَذا التَّشخيصَ الدَّقيق. حَياتُنا هَذِه، يا عِبادَ الله، مَليئَةٌ بِأشواكِ الفِتَن، أَشواكِ الشَّهَواتِ والشُّبُهات، أَشواكِ الرِّبا والغِيبَةِ والنَّظَرِ الحَرام. والمُتَّقي هُوَ الَّذي يَمشي في الدُّنيا مُشَمِّرًا، خائِفًا أَن تَتَعَلَّقَ ثِيابُ إيمانِهِ بشَوكَةِ مَعصِيَةٍ فَتُمَزِّقَها. لا يَسيرُ غافِلًا كَمَن لا يُبالي أَينَ يَضَعُ قَدَمَه! ولكِن، أيُّها المَهمومُ بخَطاياك، قَد تَقولُ في نَفسِك: "أنا ضَعيف، وقَد وَقَعتُ في الشَّوكِ مَرَّاتٍ ومَرَّات، وتَمَزَّقَ ثَوبي بِالذُّنوب، فَهل لي مِن تَوبَة؟ هَل ضاعَت مِنِّي التَّقوى إلى الأَبَد؟" الجَوابُ يَأتيكَ بَلسَمًا مِن فَمِ الصَّادِقِ المَصدوقِ ﷺ، في حَديثٍ قَصيرٍ جَمَعَ الدِّينَ كُلَّه: «اتَّقِ اللهَ حَيثُما كُنت، وأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُها، وخالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَن» (رواهُ التِّرمِذيُّ وحَسَّنَه). يُعَلِّمُنا النَّبيُّ ﷺ أَنَّ المُتَّقي قَد يَزِلُّ، لكِنَّهُ إِذا زَلَّ، سارَعَ إلى حَسَنَةٍ تَغسِلُ أَثَرَ الزَّلَّة. ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [سورة هود: 114]. التَّقوى لَيسَتِ العِصمَةَ مِنَ الذَّنب، بَل هِيَ المُسارَعَةُ إلى التَّوبَةِ عِندَ الذَّنب. ومِن أَجمَلِ ما سَمِعتُ في تَعريفِ التَّقوى، كَلِمَةٌ أُطلِقَت مِن قَلبِ إِمامٍ عَرَفَ الله، هُوَ طَلقُ بنُ حَبيبٍ رَحِمَهُ الله، إذ يَقول: "التَّقوى: أن تَعمَلَ بطاعَةِ الله، على نورٍ مِنَ الله، تَرجو ثَوابَ الله. وأن تَترُكَ مَعصِيَةَ الله، على نورٍ مِنَ الله، تَخافُ عِقابَ الله". كَلِماتٌ كَأنَّها حُفِرَت في الحَجَر! التَّقوى تَحتاجُ إلى عَمَل، وتَحتاجُ إلى نُور (وَهُوَ العِلمُ بِالوَحي)، وتَحتاجُ إلى الإِخلاصِ (رَجاءُ الثَّوابِ وخَوفُ العِقاب). فَلا تَقوى مَعَ جَهل، ولا تَقوى مَعَ رِياء! ويَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ واصِفًا حالَ المُتَّقين: "ما زالَتِ التَّقوى بالمُتَّقين، حتَّى تَرَكوا كَثيرًا مِنَ الحَلالِ مَخافَةَ الحَرام". بَلَغوا مِن صَفاءِ القُلوبِ أَنَّهُم يَتَوَرَّعونَ عَن بَعضِ المُباحاتِ إِذا كانَت سَتَجُرُّهُم إلى شُبهَة. وهُنا نَصِلُ إلى الأَمرِ الأَخطَر. ما ثَمَرَةُ هَذِه التَّقوى؟ ماذا سَأَستَفيدُ إِذا حَبَستُ نَفسي عَن لَذَّاتِ الدُّنيا المُحَرَّمَة، وضَبَطتُ جَوارِحي عَلى الشَّرع؟ ثَمَراتُها في كِتابِ اللهِ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ولَكِن دَعوني أَقِفُ بِكُم عِندَ أَعظَمِها، تِلكَ الَّتي نَحتاجُها في أَيَّامِنا هَذِه الَّتي ضاقَت فيها الأَرزاق، واشتَدَّت فيها الهُموم. يَقولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق: 2-3].
يَشتَكي كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَومَ مِنَ الضِّيق... ضِيقٍ في المَعيشَة، وضِيقٍ في الصَّدر، وضِيقٍ في العَلاقات. والأَبوابُ كُلُّها مُغلَقَة! والجَوابُ في هَذِه الآيَة. هَل حَقَّقتَ التَّقوى لِيَجعَلَ اللهُ لَكَ المَخرَج؟ المَخرَجُ لَيسَ بوَفارَةِ المالِ دائِمًا، بَل قَد يَكونُ سَكينَةً في القَلبِ تَجعَلُكَ تَرضى بِالقَليلِ فَيُبارِكُ اللهُ لَكَ فيه. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف: 96]. ولَيسَ هَذا فَحَسب! بَل إِنَّ التَّقوى تَرزُقُكَ نُورًا في عَقلِكَ تُبصِرُ بِهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ في زَمَنِ الفِتَن الَّتي تَتَخَطَّفُ العُقول. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الأنفال: 29]. الفُرقانُ هُوَ ذَلِكَ النُّورُ الَّذي يَجعَلُكَ تَعرِفُ الكَذِبَ وَلَو زُيِّنَ بأَلفِ شاشَة، وتَعرِفُ الحَقَّ وَلَو عاداهُ أَلفُ مُتَفَلسِف. ألا تُشبه حالنا اليوم حالَ من يجري في كل وادٍ يبحث عن السعادة، والمفتاح في جيبه وهو لا يدري؟ المفتاح هو مراقبة الله في السر والعلن. لِتَكُن التَّقوى هِيَ دِرعُكَ في حَياتِك، ومِيزانُكَ في تِجارَتِك، وحارِسُكَ في خَلوَتِك. فكُلُّ مَعصيَةٍ تَترُكُها لله، هي حَجَرٌ تَبني بِهِ قَصرَكَ في الجَنَّة. ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران: 133]. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مُباركاً فيه كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين. أمَّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتِنا الأولى عن حقيقةِ التَّقوى، ووَقفنا مَع مشهدِ ذلك الغُلامِ الرَّاعي الذي استَشعر مُراقبَة الله في الصَّحراء، وتَدَبَّرنا كَيف أنَّ التَّقوى هي المَخرَجُ من كُلِّ ضِيق، وهي الفُرقانُ في زَمَن الفِتَن. والآن، إخوتي، بَقيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الشُّعورَ إلى حَياةٍ نَعيشُها مُنذُ اليَوم؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري، تَحفَظونَ بها تَقواكُم: الأولى (قَلبيَّة): عاهِدِ اللهَ أَلَّا تَجعَلَهُ أَهوَنَ النَّاظِرينَ إِلَيك. إِذا خَلَوتَ بِمَعصِيَةٍ، فتَذَكَّر جَلالَهُ ومُراقَبَتَهُ قَبلَ أن تَمتَدَّ يَدُك. قال ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ» (رواهُ مُسلِم). فالخَفيُّ هُوَ الَّذي يُراقِبُ اللهَ في سِرِّه، فاجعَل في قَلبِكَ خَشيَةً لا يَطَّلِعُ عَلَيها إلَّا مَولاك، تَكُن لكَ نَجاة. الثَّانية (لِسانيَّة): صُن لِسانَكَ اليَومَ عَنِ الغِيبَةِ واللَّغوِ والقَيلِ والقال. قال النَّبيُّ ﷺ: «مَن يَضمَن لي ما بَينَ لَحيَيهِ وما بَينَ رِجلَيهِ أَضمَن لَهُ الجَنَّة» (رواهُ البُخاري). فَلا تَدَع لِسانَكَ يَسبِقُ عَقلَك، وقَبلَ أَن تَنطِقَ بِكَلِمَةٍ تَجَرَّحُ أَخاك، اسأَل نَفسَك: هَل هَذا مِمَّا يُرضي الله؟ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر: 18]. الثَّالِثَة (عَمَليَّة): اجعَل لِنَفسِكَ اللَّيلَةَ خَبيئَةً مِن عَمَلٍ صالِحٍ لا يَعلَمُ بِها أَحَدٌ حتَّى أَقرَبُ النَّاسِ إِلَيك. رَكعَتانِ في جَوفِ اللَّيل، أَو دَمعَةُ خَشيَة، أَو صَدَقَةٌ في ظَلامٍ لِمِسكين. هَذِه الخَبيئَةُ هِيَ رَصيدُكَ الحَقيقيُّ عِندَ الله، وهِيَ البُرهانُ العَمَليُّ عَلى صِدقِ التَّقوى. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): كُن سَمحًا، واعفُ عَمَّن ظَلَمَك، وصِل مَن قَطَعَك. إِذا اختَصَمتَ مَعَ أَحَدٍ، فَلْتَكُن تَقواكَ هي الحاجِزَ الَّذي يَمنَعُكَ مِنَ الفُجورِ في الخُصومَة. سامِحِ اليَومَ أَخًا أَو قَريبًا لِوَجهِ الله، فَإنَّ التَّقوى تَتَجَلَّى في كَبحِ النَّفسِ عِندَ الغَضَب، واللهُ مَعَ المُتَّقينَ المُحسِنين. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل: 128]. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): حاسِب نَفسَكَ كُلَّ لَيلَةٍ قَبلَ النَّوم. عُدَّ عَمَلَك: ماذا جَنَيتُ اليَوم؟ هَل تَقَرَّبتُ فيهِ خُطوَةً إلى الجَنَّةِ أَمِ ابتَعَدت؟ حاسِبوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُحاسَبوا، فَإنَّ ﴿مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق: 4].
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ المَوتَ قَريب، وأنَّ الحِسابَ دَقيق. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، فَقَد قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهُم بِإِحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن عِبادِكَ المُتَّقينَ الأَخفِياء، الَّذينَ إِذا حَضَروا لَم يُعرَفوا، وإِذا غابوا لَم يُفتَقَدوا، قُلوبُهُم مَصابيحُ الهُدى. اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أَنتَ وَلِيُّها ومَولاها. اللَّهُمَّ اجعَل خَشيَتَكَ في قُلوبِنا حاجِزًا بَينَنا وبَينَ مَعاصيك، واجعَل طاعَتَكَ مُبَلِّغَةً لَنا رِضاك. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن يَخافُ النَّاسَ ويَأمَنُ مَكرَك، وارزُقنا الإِخلاصَ في السِّرِّ والعَلَن. اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ، ثَبِّت قُلوبَنا عَلى دينِك، واجعَل أَعمالَنا كُلَّها خالِصَةً لِوَجهِكَ الكَريم. اللَّهُمَّ فَرِّج هُمومَ المُسلِمين، ونَفِّس كُروبَهُم، واقضِ الدَّينَ عَنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمين. اللَّهُمَّ آمِنَّا في أَوطانِنا، وأَصلِح أَئِمَّتَنا، واجعَل وِلايَتَنا فيمَن خافَكَ واتَّقاكَ واتَّبَعَ رِضاكَ يا رَبَّ العالَمين. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أَكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.