من مكتبة مِداد الخطيب

أَشْوَاقُ الْحَجِيجِ.. وَغَنَائِمُ الْعَشْرِ

مشاركة
🕌 أَشْوَاقُ الْحَجِيجِ.. وَغَنَائِمُ الْعَشْرِ #خطبة_جمعة #عشر_ذي_الحجة #الحج #أعمال_تعدل_الحج #مواسم_الطاعات #إيمانيات الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي تَعَاقُبِ الْأَيَّامِ عِبْرَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَفَتَحَ فِي مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ أَبْوَابًا لِلْمُتَنَافِسِينَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَهُوَ أَهْلُ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، بَسَطَ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَبَسَطَ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهٌ يُعْطِي الْكَثِيرَ عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ، وَيُضَاعِفُ الْأُجُورَ لِمَنْ صَدَقَ فِي الْقَصْدِ وَالسَّبِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا وَسَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْحُنَفَاءِ، وَسَيِّدُ الْأَتْقِيَاءِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحَابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ قَوَافِلَ الْحَجِيجِ تَشُدُّ الرِّحَالَ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ: مَاذَا عَنِ الَّذِي قَعَدَ بِهِ الْمَرَضُ؟ وَمَا حَالُ الَّذِي أَقْعَدَهُ الْفَقْرُ؟ وَكَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ تَمَزَّقَ قَلْبُهُ شَوْقًا إِلَى مَكَّةَ وَمَشَاعِرِهَا، وَلَكِنْ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْبِقَاعِ السُّدُودُ وَالْحُدُودُ؟ هَلْ كَتَبَ اللَّهُ الْأَجْرَ لِلْمُسَافِرِينَ وَحَرَمَ الْقَاعِدِينَ؟ هَلْ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ لِمَنْ طَافَ وَسَعَى، وَأُغْلِقَتْ فِي وُجُوهِ مَنْ بَقِيَ فِي حَيِّهِ وَمَسْجِدِهِ؟ كَلَّا وَاللَّهِ! إِنَّ رَبَّكُمْ كَرِيمٌ، وَإِنَّ خَزَائِنَهُ لَا تَنْفَدُ، وَلَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فِي أَيَّامِكُمْ هَذِهِ سُوقًا عَظِيمَةً، مَنْ دَخَلَهَا بِقَلْبٍ مُخْلِصٍ، عَادَ بِأُجُورٍ كَأُجُورِ الْحَاجِّينَ وَالْمُعْتَمِرِينَ، بَلْ رُبَّمَا سَبَقَهُمْ. عِبَادَ اللَّهِ، نَحْنُ الْيَوْمَ فِي اسْتِقْبَالِ ضَيْفٍ عَظِيمٍ، وَمَوْسِمٍ كَرِيمٍ، أَيَّامٌ هِيَ وَاللَّهِ تَاجُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَخُلَاصَةُ عُمُرِ الزَّمَانِ. أَيَّامٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ إِشَادَةً بِفَضْلِهَا وَتَنْبِيهًا لِعَظَمَتِهَا، فَقَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]. قَالَ حَبْرُ الْأُمَّةِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "إِنَّهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ". تَأَمَّلُوا.. اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ، الْغَنِيُّ عَنْ خَلْقِهِ، يُقْسِمُ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ! وَالْعَظِيمُ لَا يُقْسِمُ إِلَّا بِعَظِيمٍ. إِنَّهَا الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، الْمَوْسِمُ الَّذِي تَضِيءُ فِيهِ الْأَرْوَاحُ، وَتَتَجَدَّدُ فِيهِ الْعُهُودُ، وَتُمْحَى فِيهِ السَّيِّئَاتُ. وَاسْمَعُوا إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا تَأَمَّلْتُمُوهُ، لَنْ تَبْقَى فِيكُمْ نَفْسٌ خَامِلَةٌ أَوْ هِمَّةٌ نَائِمَةٌ. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ -». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! قَالُوا ذَلِكَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْجِهَادَ ذُرْوَةُ سَنَامِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ غَايَةُ التَّضْحِيَةِ. فَمَاذَا كَانَ الْجَوَابُ الْحَاسِمُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». سُبْحَانَ اللَّهِ! أَيُّ فَضْلٍ هَذَا؟ رَكْعَةٌ تَرْكَعُهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، تَسْبِيحَةٌ تُسَبِّحُهَا، صَدَقَةٌ تُخْفِيهَا، دَمْعَةٌ تَسْكُبُهَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ تَقُولُهَا لِوَالِدَيْكَ، هِيَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ جِهَادِ مُجَاهِدٍ رَجَعَ سَالِمًا إِلَى أَهْلِهِ! هَذَا هُوَ الْمِيزَانُ الرَّبَّانِيُّ، فَلِمَاذَا كُلُّ هَذَا الْفَضْلِ؟
يُجِيبُنَا الْإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (فَتْحِ الْبَارِي) بِكَلِمَةٍ دَقِيقَةٍ عَجِيبَةٍ، يَقُولُ: "وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ؛ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ". إِنَّهَا خُلَاصَةُ الدِّينِ اجْتَمَعَتْ لَكَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ. اللَّهُ تَعَالَى أَرَادَ لَكَ أَنْ تَتَدَارَكَ مَا فَاتَكَ طَوَالَ الْعَامِ، فَبَسَطَ لَكَ هَذِهِ الْمَائِدَةَ الْعَظِيمَةَ لِتَأْخُذَ مِنْهَا مَا تَسْتَطِيعُ. إِخْوَتِي الْأَحِبَّةُ، إِنَّ كَثِيرًا مِنْكُمْ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ الْيَوْمَ: لَقَدْ حُدِّدَتْ قَوَائِمُ الْحَجَّاجِ، وَطَارَتِ الطَّائِرَاتُ بِقَاصِدِي مَكَّةَ، وَبَقِيتُ أَنَا هُنَا بَيْنَ هُمُومِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ الْعَيْشِ، وَزِحَامِ الْأَعْمَالِ. هَلْ فَاتَنِي الرَّكْبُ؟ لِكُلِّ قَلْبٍ كَسَرَهُ الشَّوْقُ، وَلِكُلِّ دَمْعَةٍ سَالَتْ خُفْيَةً عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ فِي الشَّاشَاتِ، اسْمَعُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ الَّتِي تُوَاسِي الْأَرْوَاحَ. خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَقَدْ تَرَكَ خَلْفَهُ فِي الْمَدِينَةِ قَوْمًا أَقْعَدَهُمُ الْمَرَضُ أَوِ الْفَقْرُ وَعَدَمُ وُجُودِ الرَّوَاحِلِ. هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ يَطْلُبُونَ أَنْ يَحْمِلَهُمْ لِيُشَارِكُوا فِي الْغَزْوَةِ، فَلَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، فَوَلَّوْا.. وَلَكِنْ كَيْفَ وَلَّوْا؟ وَصَفَهُمُ الْقُرْآنُ فِي مَشْهَدٍ يَهُزُّ الْقُلُوبَ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]. نَزَلَتْ دُمُوعُهُمْ صَادِقَةً، حَزَنًا عَلَى فَرَوَاتِ الطَّاعَةِ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرِهِ، الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ الْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ تَعِبُوا وَبَذَلُوا الْأَمْوَالَ وَحَمَلُوا السِّلَاحَ، لِيَقُولَ لَهُمْ كَلِمَةً قَلَبَتْ مَوَازِينَ الْأُجُورِ! قَالَ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟! قَالَ: «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ». مَا الَّذِي جَعَلَهُمْ يُشَارِكُونَ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْأَجْرِ وَهُمْ نَائِمُونَ عَلَى فُرُشِهِمْ فِي الْمَدِينَةِ؟ إِنَّهَا النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ، وَالشَّوْقُ الْحَارِقُ لِلطَّاعَةِ. وَكَذَلِكَ أَنْتَ يَا مَنْ تَبْكِي قَهْرًا عَلَى عَجْزِكَ عَنِ الْحَجِّ، صَدِّقْنِي، إِنْ صَدَقْتَ اللَّهَ النِّيَّةَ، فَإِنَّكَ تَسِيرُ مَعَ الْحَجَّاجِ وَأَنْتَ فِي مَسْجِدِكَ، وَتُلَبِّي مَعَهُمْ وَأَنْتَ فِي بَيْتِكَ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَهَذَا هُوَ الْعَمَلُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَعْدِلُ الْحَجَّ: نِيَّةٌ صَادِقَةٌ يَعْلَمُهَا اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ قَادِرًا لَكُنْتَ مُلَبِّيًا، فَيُكْتَبُ لَكَ ثَوَابُ النِّيَّةِ كَامِلًا. وَلَكِنَّ دِينَنَا لَيْسَ دِينَ نَوَايَا فَقَطْ، بَلْ نَوَايَا يَتْبَعُهَا عَمَلٌ. لَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ لِمَنْ بَقِيَ فِي بَلَدِهِ أَعْمَالًا يَسِيرَةً، مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا بِصِدْقٍ، نَالَ أُجُورًا كَأُجُورِ الْحَجَّاجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ، تَعْوِيضًا مِنْ رَبٍّ شَكُورٍ رَحِيمٍ. فَهَلُمَّ نَسْتَعْرِضُ هَذِهِ الْعَطَايَا:
الْعَمَلُ الثَّانِي الَّذِي يَعْدِلُ الْحَجَّ: صَلَاةُ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ وَالْجُلُوسُ لِلذِّكْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. هَذِهِ السُّنَّةُ الَّتِي نُهْمِلُهَا كَثِيرًا فِي زِحَامِ أَيَّامِنَا. رَوَى الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ - أَيِ الْفَجْرَ - فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنَى: «تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ». تَخَيَّلُوا هَذَا الْمَشْهَدَ.. شَيْخٌ كَبِيرٌ أَطَالَ الْجُلُوسَ فِي مُصَلَّاهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ بَعْدَ الْفَجْرِ، أَوْ شَابٌّ جَاهَدَ نُعَاسَهُ فَانْتَظَرَ الْإِشْرَاقَ.. كِلَاهُمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فِي السَّاعَةِ السَّابِعَةِ صَبَاحًا وَقَدْ كُتِبَتْ فِي صَحِيفَتِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ تَامَّةٌ! أَيُّ غَبْنٍ وَأَيُّ خَسَارَةٍ أَنْ نَنَامَ عَنْ هَذَا الْكَنْزِ خُصُوصًا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؟! الْعَمَلُ الثَّالِثُ: الْخُرُوجُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ أَوْ تَعْلِيمِهِ. لَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَ الْعِلْمِ حَتَّى جَعَلَ خُطُوَاتِ السَّاعِي لِمَجَالِسِهِ كَخُطُوَاتِ الْحَاجِّ. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يُعَلِّمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ». مَجْلِسُ عِلْمٍ تَحْضُرُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوْ دَرْسٌ تَسْمَعُهُ فِي خُطْبَةِ جُمُعَةٍ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ، يُكْتَبُ لَكَ بِهِ أَجْرُ حَاجٍّ. فَلِمَاذَا نَزْهَدُ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَحِلَقِ الْقُرْآنِ؟! الْعَمَلُ الرَّابِعُ: وَهُوَ وَاللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَقْرَبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، وَلَكِنَّنَا فِي زَمَنِ الْعُقُوقِ قَدْ غَفَلْنَا عَنْهُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ! جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَشْتَهِي الْجِهَادَ وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «هَلْ بَقِيَ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ؟» قَالَ: أُمِّي. قَالَ: «فَأَبْلِ اللَّهَ فِي بِرِّهَا، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأَنْتَ حَاجٌّ، وَمُعْتَمِرٌ، وَمُجَاهِدٌ». يَا مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْحَجِّ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، الْحَجُّ الْمَبْرُورُ رُبَّمَا يَكُونُ تَحْتَ قَدَمَيْ أُمِّكَ، فِي قَضَاءِ حَاجَتِهَا، فِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ أَبِيكَ، فِي تَقْبِيلِ أَيْدِيهِمَا وَالْخُضُوعِ لَهُمَا. وَاللَّهِ إِنَّ قَضَاءَ حَاجَةِ وَالِدَيْكَ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ، أَوْ صِلَةَ رَحِمِ قَاطَعْتَهَا، لَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ الْجَنَّةِ. الْعَمَلُ الْخَامِسُ: قَضَاءُ حَوَائِجِ النَّاسِ وَنَفْعُهُمْ. يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "مَشْيُكَ فِي حَاجَةِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ". وَهَذَا يُوَافِقُ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثٍ مَشْهُورٍ: "لَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - شَهْرًا". أَيُّهَا الْخَطِيبُ، يَا أَيُّهَا الطَّبِيبُ، يَا أَيُّهَا الْمُوَظَّفُ، يَا رَجُلَ الْأَعْمَالِ.. إِذَا سَعَيْتَ فِي قَضَاءِ دَيْنِ فَقِيرٍ، أَوْ فَرَّجْتَ كُرْبَةَ أَرْمَلَةٍ، أَوْ سَهَّلْتَ مُعَامَلَةً لِمُرَاجِعٍ مِسْكِينٍ بِنِيَّةٍ طَيِّبَةٍ خَالِصَةٍ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ، فَأَبْشِرْ بِأَجْرٍ قَدْ يَفُوقُ أَجْرَ النَّوَافِلِ مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّي قَدْ يَفُوقُ نَفْعَ الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ عَلَى النَّفْسِ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ هُنَاكَ سُنَّةً عَظِيمَةً قَدْ غُيِّبَتْ، وَشَعِيرَةً قَدْ هُجِرَتْ فِي أَسْوَاقِنَا وَبُيُوتِنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ؛ أَلَا وَهِيَ سُنَّةُ "التَّكْبِيرِ الْمُطْلَقِ". يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28]، وَهِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.
كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. كَانُوا يَمْشُونَ فِي سُكَكِ الْمَدِينَةِ، لَا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَسَاسًا، بَلْ لِإِحْيَاءِ هَذِهِ السُّنَّةِ الَّتِي تُذَكِّرُ النَّاسَ بِعَظَمَةِ اللَّهِ. وَانْظُرُوا الْيَوْمَ إِلَى أَسْوَاقِنَا، إِنَّهَا تَضِجُّ بِالْمُوسِيقَى، وَبِأَصْوَاتِ الْبَاعَةِ وَالنِّدَاءَاتِ التِّجَارِيَّةِ، بَيْنَمَا غَابَ صَوْتُ التَّكْبِيرِ! شَابٌّ يُمْسِكُ بِهَاتِفِهِ السَّاعَاتِ الطِّوَالَ يُقَلِّبُ الصَّفَحَاتِ صَامِتًا، أَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَرِّكَ لِسَانَهُ بِقَوْلِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ"؟ إِنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ إِعْلَانٌ مِنْكَ بِأَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ تِجَارَتِكَ، أَكْبَرُ مِنْ وِظِيفَتِكَ، أَكْبَرُ مِنْ هُمُومِكَ الدُّنْيَوِيَّةِ. فَلْنُحْيِ هَذِهِ السُّنَّةَ فِي سَيَّارَاتِنَا، فِي مَكَاتِبِنَا، فِي بُيُوتِنَا مَعَ أَبْنَائِنَا. وَلْنَقِفْ مَعًا وَقْفَةَ تَأَمُّلٍ عَمِيقَةٍ. بِالْأَمْسِ الْقَرِيبِ كُنَّا نُوَدِّعُ رَمَضَانَ، نَبْكِي عَلَى فِرَاقِهِ، وَنَظُنُّ أَنَّ مَوَاسِمَ الْفَضْلِ قَدِ انْطَوَتْ. وَإِذَا بِنَا الْيَوْمَ فِي نَفَحَاتِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ! الْأَيَّامُ تَمْضِي سِرَاعًا.. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: 44]. مَا أَشْبَهَ مُرُورَ هَذِهِ الْمَوَاسِمِ بِمُرُورِ الْأَعْمَارِ! أَنْتَ الْيَوْمَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ تَرْكَعَ وَتَسْجُدَ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ تَصُومَ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ تَرْفَعَ كَفَّيْكَ إِلَى السَّمَاءِ. غَدًا، رُبَّمَا تَقِفُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، تَحْتَ شَمْسٍ دَانِيَةٍ، تَلْتَفِتُ يَمِينًا فَلَا تَرَى إِلَّا مَا قَدَّمْتَ، وَتَلْتَفِتُ شِمَالًا فَلَا تَرَى إِلَّا مَا قَدَّمْتَ، وَتَنْظُرُ أَمَامَكَ فَلَا تَرَى إِلَّا النَّارَ. هُنَاكَ، عِنْدَمَا تَتَطَايَرُ الصُّحُفُ، سَتَتَمَنَّى لَوْ كَانَتْ صَحِيفَتُكَ مَلِيئَةً بِتَسْبِيحَةٍ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ، أَوْ بِصِيَامِ يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ! يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "لَمَّا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ أَنَّ حُجَّاجَ بَيْتِهِ قَلِيلُونَ، بَسَطَ لِلْقَاعِدِينَ فِي أَوْطَانِهِمْ مَوَائِدَ فَضْلِهِ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ، لِيَكُونُوا مَعَ الْحُجَّاجِ فِي الْأَجْرِ سَوَاءً". فَيَا لَهَا مِنْ مَائِدَةٍ كَرِيمَةٍ! هَلْ سَنَقُومُ عَنْهَا خَاسِرِينَ جِيَاعًا؟ أَيُّهَا الشَّابُّ، لَا تَقُلْ "غَدًا أَعْمَلُ"، فَالشَّبَابُ زَائِلٌ. وَأَيُّهَا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، لَا تَقُلْ "قَدْ كَبِرْتُ"، فَالْخَوَاتِيمُ مِيرَاثٌ. فَابْدَأُوا الْيَوْمَ، لَا تُؤَجِّلُوا.. إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُدْرِكُكُمْ هَذَا الْمَوْسِمُ فِي الْعَامِ الْقَادِمِ أَمْ تَكُونُونَ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى! أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى عَنْ عَظَمَةِ هَذِهِ الْعَشْرِ الْمُبَارَكَاتِ، وَكَيْفَ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِيهَا يَفُوقُ كُلَّ الْأَيَّامِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ. وَوَقَفْنَا مَعَ غَنَائِمِ الْقَاعِدِينَ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا رَكْبَ الْحَجِّ، فَسَاقَ اللَّهُ لَهُمْ أَجْرَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ فِي جَلْسَةِ إِشْرَاقٍ، وَفِي مَجْلِسِ عِلْمٍ، وَفِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَنَفْعِ النَّاسِ، وَإِحْيَاءِ سُنَّةِ التَّكْبِيرِ. وَالْآنَ، نَحْنُ أَمَامَ السُّؤَالِ الْعَمَلِيِّ الْأَهَمِّ: كَيْفَ نُتَرْجِمُ مَا سَمِعْنَا إِلَى خُطَّةِ عَمَلٍ فِي أَيَّامِنَا الْمُتَبَقِّيَةِ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ شَمْسُ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ أُوصِيكُمْ بِخَمْسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ، خُذُوهَا بِقُوَّةٍ قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُمْ:
الْوَصِيَّةُ الْأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): طَهِّرْ قَلْبَكَ مِنَ الْحِقْدِ وَالشَّحْنَاءِ. لَا فَائِدَةَ لِعَمَلٍ بَدَنِيٍّ يَرْفَعُهُ صَاحِبُهُ وَقَلْبُهُ مُلَوَّثٌ بِقَطِيعَةٍ أَوْ غِلِّ. فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ تَنَامَ، سَامِحْ كُلَّ مَنْ ظَلَمَكَ، وَطَهِّرْ قَلْبَكَ لِلَّهِ. يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ». لَا تَجْعَلِ الشَّحْنَاءَ جِدَارًا يَحْجُبُ عَنْكَ هَذَا الْعِتْقَ الْعَظِيمَ. الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): رَطِّبْ لِسَانَكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَخَاصَّةً التَّكْبِيرَ. قُلْتَ لِي "لَا وَقْتَ لَدَيَّ"، فَأَقُولُ لَكَ: أَنْتَ فِي سَيَّارَتِكَ، فِي عَمَلِكَ، فِي طَرِيقِكَ، رَدِّدْ بِصَوْتٍ تَسْمَعُهُ أَنْتَ وَمَنْ حَوْلَكَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". أَسْمِعْ أَوْلَادَكَ إِيَّاهَا فِي الْبَيْتِ لِيَتَعَلَّمُوهَا، فَإِنَّ الذِّكْرَ يُذِيبُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): جَاهِدْ نَفْسَكَ عَلَى الصِّيَامِ فِي مَا تَبَقَّى مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَخُصُوصًا "يَوْمَ عَرَفَةَ". يَوْمٌ وَاحِدٌ تَصُومُهُ فِي حَرِّ الصَّيْفِ، سَيَمُرُّ تَعَبُهُ فِي لَحَظَاتٍ بَعْدَ جَرْعَةِ مَاءٍ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ أَجْرَهُ خَالِدٌ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ». لَا تَجْعَلِ الْكَسَلَ يَحْرِمُكَ مِنْ مَغْفِرَةِ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ بِعَمَلِ نَهَارٍ وَاحِدٍ! الْوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): صِلْ رَحِمَكَ، وَتَفَقَّدِ الضُّعَفَاءَ مِنْ أَقَارِبِكَ وَجِيرَانِكَ. قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ عَمَّةٌ مُسِنَّةٌ، أَوْ أَخٌ فَقِيرٌ يَسْتَحْيِي السُّؤَالَ قُبَيْلَ الْعِيدِ. إِنَّ رِسَالَةَ هَاتِفٍ لَا تَكْفِي؛ زُرْهُمْ، أَوْ أَرْسِلْ لَهُمْ نَفَقَةً، أَوْ أَسْمِعْهُمْ صَوْتَكَ بِحُبٍّ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]. الْوَصِيَّةُ الْخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُعَدَّ أُضْحِيَتَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ، وَلْيَحْبِسْ شَعْرَهُ وَأَظْفَارَهُ كَمَا أَمَرَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ. وَلْيَكُنْ ذَبْحُكَ هُوَ تَحْقِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]. اسْتَشْعِرْ فِي الْأُضْحِيَّةِ الِاقْتِدَاءَ بِإِبْرَاهِيمَ وَفِدَاءَ إِسْمَاعِيلَ، فَهِيَ تَعْبِيرٌ عَنِ الِاسْتِسْلَامِ الْمُطْلَقِ لِأَمْرِ اللَّهِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ عَلَى اغْتِنَامِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ فِي لَحَظَاتِهَا، قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الْفُرْصَةُ وَيَحِلَّ النَّدَمُ. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَصِفَاتِكَ الْعُلَى، أَنْ تَجْعَلَنَا مِنْ أَسْعَدِ خَلْقِكَ بِهَذِهِ الْعَشْرِ الْمُبَارَكَاتِ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَكَ كَثِيرًا، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لَكَ بِالْأَسْحَارِ. اللَّهُمَّ مَنْ كَتَبْتَ لَهُ الْحَجَّ فِي هَذَا الْعَامِ فَاحْفَظْهُ وَتَقَبَّلْ مِنْهُ وَرُدَّهُ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَمَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ بِعُذْرٍ؛ اللَّهُمَّ فَاكْتُبْ لَهُ أَجْرَ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَغَفَرْتَ ذَنْبَهُ، وَسَتَرْتَ عَيْبَهُ، وَأَعْتَقْتَ رَقَبَتَهُ مِنَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأَقِمِ الصَّلَاةَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.