🕌 الصلاة... حبلُ النجاةِ وميزانُ الحياة
#خطبة_جمعة #الصلاة #فضل_الصلاة #الخشوع #العبادة #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصَّلاةَ قُرَّةَ العُيونِ، وراحَةَ القُلوبِ، وميزاناً تُوزَنُ بهِ أعمالُ العِبادِ. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، نادانا إلى الوُقوفِ بين يَدَيهِ خمسَ مرَّاتٍ في اليومِ والليلةِ لِيَغسِلَ ذُنوبَنا ويَرفَعَ دَرَجاتِنا، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسُولُه، إمامُ الخاشِعينَ وقُدوَةُ المُصَلِّين، الذي كانَ إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
أيها الإخوةُ المؤمنون، لو قيلَ لأحَدِنا: إنَّ مَلِكاً من مُلوكِ الدُّنيا يدعوكَ لِلِقائِهِ كُلَّ يومٍ خمسَ مرَّات، لِيَسمَعَ شَكواك، ويَقضِيَ حاجَتَك، ويُغدِقَ عليكَ من عَطاياه... هل كُنتَ تَتَأخَّرُ عن مَوعِدِه؟ هل كُنتَ تَتَشاغَلُ عنهُ بِهاتِفِك، أو بِتِجارَتِك، أو بِحديثٍ عابِرٍ مع صَديق؟ فكيفَ ومَلِكُ المُلوك، وجَبَّارُ السَّماواتِ والأرض، يُناديكَ كُلَّ يوم: "حَيَّ على الصَّلاة، حَيَّ على الفَلاح"؟ كيفَ بِقُلوبِنا لا تَطيرُ شَوقاً إلى هذا النِّداء؟ وكيفَ لِأقدامِنا أن تَثقُلَ عن تَلبِيَةِ مَن بِيَدِهِ مَقاليدُ السَّماواتِ والأرض؟
عبادَ الله، حَديثُنا اليومَ ليسَ عن نافِلَةٍ من النَّوافِل، ولا عن فَضيلَةٍ من الفَضائِلِ التي إن تَرَكتَها فاتَكَ الأجر. حَديثُنا اليومَ عن العَمودِ الذي إن سَقَط، سَقَطَ الخَيمَةُ كُلُّها. حَديثُنا عن الفَريضَةِ الوَحيدَةِ التي لم تُفرَض في الأرضِ كسائِرِ الفَرائِض، بل فُرِضَت في السَّماءِ السَّابِعَة. لم يُرسِلِ اللهُ بِها جِبريلَ عليهِ السَّلام، بل أسرى بِنَبيِّهِ ﷺ، وعَرَجَ بهِ إلى مَقامٍ لم يَبلُغهُ مَلَكٌ مُقَرَّب، لِيُكَلِّمَهُ كِفاحاً بِلا تُرجمان، ويَفرِضَ عليهِ وعلى أُمَّتِهِ الصَّلاة.
يَقولُ اللهُ تَباركَ وتَعالى مُبَيِّناً حَتميَّةَ هذا اللِّقاءِ في أوقاتِهِ المَعلومَة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
تَأمَّلوا كَلِمَةَ "كِتاباً"... أي مَفروضاً مَكتوباً حَتماً لا يُعذَرُ فيهِ أحَد. حتَّى المَريضُ الذي لا يَستَطيعُ الحَرَكَة، يُصَلِّي جالِساً، فإن لم يَستَطِع فَعَلى جَنبِه، فإن لم يَستَطِع فَبِعَينَيهِ وبِقَلبِه! حتَّى المُقاتِلُ في أرضِ المَعرَكَة، والسُّيوفُ تَلمَع، والرِّماحُ تَتَطايَر، والدِّماءُ تَسيل، لم يُسقِطِ اللهُ عنهُ الصَّلاة، بل شَرَعَ لهُ صَلاةَ الخَوف. فَإذا كانَتِ الصَّلاةُ لا تَسقُطُ عن المَريضِ المُقشَعِرِّ ألَماً، ولا عن المُقاتِلِ المُواجِهِ لِلمَوت... فَبِأيِّ عُذرٍ يَترُكُها الصَّحيحُ المُعافى الآمِنُ في سِربِه؟!
يَقولُ رَسولُ الله ﷺ بِكَلِماتٍ قاطِعَةٍ كالسَّيف: «رَأسُ الأَمرِ الإِسلَام، وَعَمُودُهُ الصَّلَاة، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه» (رواه الترمذي).
ويَقولُ في الحَديثِ الآخَرِ الذي يَرتَجِفُ لهُ القَلب: «العَهدُ الذي بَيْنَنا وبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَد كَفَر» (رواه أحمد والترمذي).
يا سُبحانَ الله! كَلِمَةٌ واحِدَة: "كَفَر". سَواءٌ حَمَلناها على الكُفرِ الأكبَرِ المُخرِجِ من المِلَّة، أو الكُفرِ الأصغَرِ كَما قالَ بَعضُ العُلَماء، ألا يَكفي أن يُسَمِّيَ النَّبيُّ ﷺ تَركَها كُفراً لِنَرتَعِب؟
لَقَد فَهِمَ الصَّحابَةُ هذا المَعنى جيِّداً. يَقولُ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه، وهُوَ غارِقٌ في دِمائِهِ يَومَ طُعِن، يُوقِظونَهُ لِلصَّلاةِ فَيَقول: "نَعَم، ولا حَظَّ في الإِسلَامِ لِمَن تَرَكَ الصَّلَاة". رَجُلٌ أمعاؤُهُ تَخرُجُ من بَطنِه، ويُفَكِّرُ في الرُّكوعِ والسُّجود!
ثُمَّ انظُروا إلى حالِنا اليَوم. انظُروا إلى المُفارَقَةِ المُبكِيَةِ في حَياةِ بَعضِنا. الشَّابُّ أو الرَّجُلُ مِنَّا يَضبِطُ مُنَبِّهَ هاتِفِهِ على السَّاعَةِ السَّابِعَةِ صَباحاً لِيَذهَبَ إلى عَمَلِه، ويَحرِصُ ألا يَتَأخَّرَ دَقيقَةً واحِدَةً خَوفاً من خَصمِ رَاتِبِهِ أو غَضَبِ مُديرِه. وفي ذاتِ الوَقت، يَترُكُ أذانَ الفَجرِ يُمَزِّقُ سُكونَ اللَّيلِ في السَّاعَةِ الخامِسَة، فلا يَتَحَرَّكُ لهُ جَفن، ولا يَخفِقُ لهُ قَلب! أهذا هُوَ الإيمان؟ نَخافُ من مَخلوقٍ لا يَملِكُ لِنَفسِهِ نَفعاً ولا ضَرّاً، ونَنامُ عن نِداءِ الخالِقِ الرَّزَّاقِ الذي بِيَدِهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرض؟
يَقولُ رَبُّنا سُبحانَه وَتَعالى مُحَذِّراً بِنَبرَةٍ تَهتَزُّ لَها الجِبال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59].
قالَ ابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه: "لَيسَ مَعنى أضاعُوها تَرَكوها بالكلِّيَّة، ولَكِن أخَّروها عن أوقاتِها". فَإذا كانَ مَصيرُ مَن يُؤَخِّرُ الصَّلاةَ وادِياً في جَهَنَّمَ يُسَمَّى "غَيّاً" يَتَعَوَّذُ مِنهُ وادي جَهَنَّم لِشِدَّةِ حَرِّه... فَما بالُكُم بِمَن يَترُكُها بالكُليَّة؟!
عبادَ الله، الصَّلاةُ ليسَت عِبئاً نُلقيهِ عن كَواهِـلِنا بِمُجَرَّدِ أداءِ حَرَكات. الصَّلاةُ هيَ المَلجَأ... هيَ الحِصن... هيَ المَحَطَّةُ التي نَتَزَوَّدُ مِنها في مَسيرَتِنا الشَّاقَّةِ في هذه الدُّنيا. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
لِماذا قَرَنَ اللهُ الصَّبرَ بِالصَّلاةِ تَحديداً؟
لأنَّ الصَّبرَ طاقَةٌ تَنفَد، والإنسانُ ضَعيفٌ يَنهَار، والمُصيبَةُ قد تَقصِمُ الظَّهر. فَمِن أينَ تَأتي بالوَقودِ لِتُواصِلَ الصَّبر؟ تَأتي بهِ من الصَّلاة. لِذلكَ، كانَ النَّبيُّ ﷺ كما رُويَ عَنه: "إذَا حَزَبَهُ أَمرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاة". لَم يَقُل "ذَهَبَ"، بَل "فَزِعَ"... كَالخائِفِ الذي يَفرُّ إلى مَلجَأٍ يَحتمِي بِه!
واسمَعوا لِهَذِهِ القِصَّةِ العَجيبَةِ التي تُبَيِّنُ كيفَ كانَتِ الصَّلاةُ في قُلوبِ السَّلَفِ الصَّالِح.
عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ رضي الله عنه، أُصيبَت رِجلُهُ بِدَاءٍ عُضال (الأكَلَة)، وقَرَّرَ الأطِبَّاءُ بَترَها حتَّى لا يَسري المَرَضُ إلى جَسَدِه. وفي ذلكَ الزَّمانِ لم تَكُن هُناكَ مُخَدِّراتٌ طِبِّيَّة. فَقالوا له: نَسقيكَ الخَمرَ حتَّى يَغيبَ عَقلُكَ ولا تَشعُرَ بِألَمِ المِنشارِ يَنشُرُ العَظم!
فَقالَ عُروَةُ الكَلِمَةَ التي تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "واللهِ لا أستَعينُ بِمَعصِيَةِ اللهِ على دَفعِ البَلاء! ولَكِن... دَعوني حتَّى أَدخُلَ في الصَّلاة، فَإذا قُمتُ أُصَلِّي ورَأيتُموني قَدِ اندَمَجتُ فيها واستَغرَقت، فَاقطَعوها، فَإنِّي لا أقعُعُ حِينَها بِما تَصنَعون".
وبِالفِعل... دَخَلَ في الصَّلاة، وبَدأ المِنشارُ يَأكُلُ اللَّحمَ، ثُمَّ يَأكُلُ العَظم، والدِّماءُ تَسيل، وهوَ واقِفٌ بَينَ يَدَي رَبِّهِ كالجَبَلِ الأَشَمّ، لا يَتَحَرَّك، لا يَصرُخ، لا يَتَأوَّه. لأنَّ قَلبَهُ قد عَرَجَ إلى السَّماء، فَلَم يَعُد يَشعُرُ بِما يَجري لِجَسَدِهِ في الأرض!
قَارِنوا هذا الخُشوعَ بِصَلاتِنا اليَوم.
نَقِفُ في الصَّلاةِ وأجسادُنا في المَسجِد، أمَّا عُقولُنا فَفي الأسواق، وفي المَكاتِب، وفي الخُصومات، وفي حِسابِ الأرباحِ والخَسائِر. يَقِفُ أحَدُنا أمامَ رَبِّهِ يُناجيه، فَيَتَذَكَّرُ أينَ وَضَعَ مِفتاحَ سيَّارَتِه!
ولِذلِكَ نَبَّهَ اللهُ إلى أنَّ النَّجاحَ ليسَ في مُجَرَّدِ أداءِ الحَرَكات، بل في حُضورِ القَلب، فَقالَ سُبحانَه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].
ويُؤَكِّدُ النَّبيُّ ﷺ هذا المَعنى الحَسَّاسَ بِقَولِه: «إنَّ العَبدَ لَيَنصَرِفُ مِنَ الصَّلَاةِ ولَم يُكتَب لَهُ إِلا نِصْفُهَا، ثُلُثُهَا، رُبُعُهَا... حتَّى قالَ: عُشْرُهَا» (رواه أبو داود). فَبِقَدرِ حُضورِ قَلبِكَ يَكونُ رَصيدُ حَسَناتِك.
وفي قِصَّةِ المُسيءِ صَلاتَهُ تَحذيرٌ صارِم. يَدخُلُ رَجُلٌ المَسجِد، فَيُصَلِّي بِسُـرعَةٍ، يَنقُرُها نَقراً، ثُمَّ يَأتي لِيُسَلِّمَ على النَّبيِّ ﷺ، فَيَقولُ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ!». يَفعَلُها ثَلاثَ مَرَّات، وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَقولُ لَهُ: "لَم تُصَلِّ". لَم يَعتَبِرِ النَّبيُّ ﷺ تِلكَ الحَرَكاتِ السَّريعَةَ الخاليَةَ من الطُّمَأنينَةِ صَلاةً أصلاً!
...
فَانْتَبِه.
قَبلَ أن يُسدَلَ السِّتار.
فَإنَّ الإمامَ ابنَ القَيِّم رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "الصَّلاةُ مَجلَبَةٌ لِلرِّزق، حافِظَةٌ لِلصِّحَّة، دافِعَةٌ لِلأذى، طارِدَةٌ لِلأدواء، مُفَرِّحَةٌ لِلنَّفس، مُبيِّضَةٌ لِلوَجهِ، شارِحَةٌ لِلصَّدرِ، جَلَّابَةٌ لِلبَرَكَة". كلُّ خَيرِ الدُّنيا والآخِرَةِ مَعقودٌ بِهذهِ السَّجَدات.
وإذا أردتُم أن تَعرِفوا خَطَرَ تَضييعِها، فَتَخَيَّلوا مَعي مَشهَداً يَومَ القِيامَة. مَشهَداً تَطيشُ لَهُ العُقول.
يَومَ يَكشِفُ الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ عَن ساقِه، ويُدعى الخَلائِقُ كُلُّهُم لِلسُّجودِ إجلالاً وتَعظيماً لله. فيَسجُدُ المُؤمِنونَ الذينَ كانوا يَسجُدونَ في الدُّنيا طَواعِيَةً... ولَكِن! هُناكَ صِنفٌ من النَّاسِ يُريدُ أن يَسجُدَ فلا يَستَطيع، تَتَيَبَّسُ ظُهورُهُم كَأنَّها صَخرَةٌ واحِدَة، كُلَّما أرادوا الرُّكوعَ خَرُّوا على أقفِيَتِهِم مَهانَةً وحَسرَة. مَن هَؤُلاء؟
اقرَؤوا كَلامَ رَبِّكُم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: 42-43].
كانوا يُدعَونَ لِلسُّجودِ وهم أصحَّاءُ مُعافَون في الدُّنيا، فَاستَكبَروا وتَكاسَلوا... فَحُرِموا شَرَفَ السُّجودِ يَومَ القِيامَة!
ولِذلِكَ، صَرَخَ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ بِمَوعِظَةٍ تَهُزُّ الضَّمائِر، قال: "يا ابنَ آدَم، أيُّ شَيءٍ يَعِزُّ عَلَيكَ مِن دِينِكَ إِذَا هَانَت عَلَيكَ صَلَاتُك؟ وأنتَ أوَّلُ ما تُسألُ عنهُ يَومَ القِيامَةِ الصَّلاة!".
نَعَم، الصَّلاةُ هي المِقياس، هي المِيزان، هي الدَّفتَرُ الأَوَّلُ الذي يُفتَحُ يَومَ الحِساب. قالَ ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ لَهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِه» (رواه الطبراني بإسناد حسن).
إن ضُيِّعَتِ الصَّلاة، فَلا تَسأل عَن صَدَقَةٍ، ولا عَن حَجٍّ، ولا عَن صِيام. إن ثُقِبَ الكِيسُ مِن أسفَلِه، فَما الفائِدَةُ مِمَّا تَضَعُهُ فيهِ مِن أعلَاه؟
ألا تُريدونَ أن تَكونَ وُجوهُكُم مُنيرَةً مُشرِقَةً يَومَ العَرضِ على الله؟
يَقولُ اللهُ تَعالى في وَصفِ المُصَلِّينَ الصَّادِقين: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]. ليسَت مُجَرَّدَ عَلامَةٍ في الجَبهَة، بَل هوَ نُورٌ وبَهاءٌ وسَكينَةٌ يَكسو اللهُ بِها وَجهَ المُصَلِّي في الدُّنيا، ونُورٌ يَتَلألأُ يومَ القِيامَة. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «بَشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَة» (رواه أبو داود والترمذي).
بَل إنَّ الصَّلاةَ هيَ المِياهُ الجارِيَةُ التي تَغسِلُ قَذارَةَ ذُنوبِنا كُلَّ يَوم.
وقَفَ النَّبيُّ ﷺ أمامَ أصحابِهِ يَوماً يَسألُهُم سُؤالَ المُعَلِّمِ الحَكيم: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ (أي وَسَخِهِ) شَيْءٌ؟». قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الخَطَايَا» (متفق عليه).
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114].
عبادَ الله، الدُّنيا مَهما طالَت فَهِيَ قَصيرَة، والعُمُرُ مَهما امتَدَّ فَهُوَ قَليل، والقَبرُ هو المَنزِلُ الحَقيقيُّ الذي يَنتَظِرُ كُلَّ واحِدٍ مِنَّا. فَماذا أعدَدنا لِهَذا القَبرِ إن نَحنُ ضَيَّعنا عَمودَ الدِّين؟ وكيفَ نُجيبُ مَلائِكَةَ العَذابِ إذا سَألُونا عن صَلاتِنا؟ وكيفَ نُقابِلُ رَبَّنا وقَد أهانَت عَلَينا دَعوَتُهُ خَمسَ مَرَّاتٍ كُلَّ يَوم؟
يَقولُ اللهُ تَعالى كَلِمَةً حاسِمَةً جامِعَة، فَاجعَلوها مِصباحاً لَكُم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسُولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
أمَّا بَعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن عِظَمِ قَدرِ الصَّلاة، ووُقوفِنا على الخَطَرِ العَظيمِ لِتَضييعِها، وكَيفَ أنَّها نُورٌ في الوُجوهِ، ونَجاةٌ يَومَ العَرضِ على اللهِ، وحِصنٌ عِندَ الشَّدائِد. والآنَ، ونَحنُ نَستَعِدُّ لِلرُّجوعِ إلى بُيوتِنا، السُّؤالُ العَمَليُّ يَقِفُ أمامَنا: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الإيمانَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم، لا غَداً؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لَعَلَّ اللهَ أن يَنفَعَ بِها قُلوبَنا المُقَصِّرَة:
الأولى (قَلبيَّة): عاهِدِ اللهَ اللَّيلَةَ من أعمَقِ نُقطَةٍ في قَلبِك على صِدقِ النِّيَّةِ في الخُشوع — قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات». لا تَدخُل الصَّلاةَ بِقَلبٍ مُزدَحِمٍ بِالدُّنيا، بَل خُذ نَفَساً عَميقاً قَبلَ تَكبيرَةِ الإحرام، واستَحضِر أنَّكَ تَقِفُ بَينَ يَدَي مَلِكِ المُلوك، فَهذا وَحدَهُ يُعطيكَ نِصفَ الخُشوع.
الثانية (لِسانيَّة): رَدِّد مَعَ الأذانِ دائِماً ثُمَّ ادعُ بِالدُّعاءِ المَأثور — فَهذا الدُّعاءُ يَضمَنُ لَكَ شَفاعَةَ النَّبيِّ ﷺ يَومَ القِيامَة. إذا سَمِعتَ النِّداءَ في عَمَلِكَ أو بَيتِك، أسكِت لِسانَكَ عن لَغوِ الدُّنيا، وأجِب نِداءَ السَّماءِ بِوَقار.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): اضبِط مُنَبِّهَ هاتِفِكَ لِصَلاةِ الفَجرِ قَبلَ أن تَضبِطَهُ لِعَمَلِك — فَإنَّ مَن صَلَّى الفَجرَ في جَماعَةٍ فَهُوَ في ذِمَّةِ الله، أي في حِفظِهِ ورِعايَتِه. لا تَجعَل الدُّنيا أغلى عِندَكَ مِنَ الجَنَّة، وخُطوَةٌ صَغيرَةٌ مِثلَ إبعادِ الهاتِفِ عَن سَريرِكَ قَليلاً تَجعَلُكَ تَستَيقِظُ وتَنتَصِرُ على الشَّيطان.
الرابعة (اجتماعيَّة): خُذ بِيَدِ مَن تُحِبُّ إلى المَسجِد. إن رَأيتَ ابناً لكَ أو أخاً يَتَهاوَن، فَادعُهُ بِرِفقٍ وحُب، لا بِقَسوَتٍ وتَنفير. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]. اصطَبِر... الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ والدَّعوَةُ الهادِئَةُ تُحيي قُلوباً أماتَتْها الغَفلَة.
الخامسة (مَوضوعيَّة): حافِظ على وُضوئِكَ ما استَطَعت. فَإنَّ الوُضوءَ سِلاحُ المُؤمِن، يَدعُوكَ إلى الصَّلاةِ كُلَّما سَمِعتَ النِّداء، ويَطرُدُ عَنكَ وَساوِسَ الشَّيطان، ويُبقيكَ في حالَةِ اتِّصالٍ دَائِمٍ مَعَ الخالِق.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ تَقوى اللهِ هيَ التي تَحمِلُكُم على إقامَةِ الصَّلاةِ وتَذَوُّقِ حَلاوَتِها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائِل: «جُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاة»، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم جَلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن اتَّبَعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
🤲 الدعاء:
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ المُقِيمينَ لِلصَّلاةِ والمُحافِظينَ عَلَيها، واجعَلها قُرَّةَ أَعيُنِنا، وراحَةَ قُلوبِنا، ونُوراً في حَياتِنا وفي قُبورِنا يَومَ نَلقاك.
اللَّهُمَّ ارزُقنا الخُشوعَ بَينَ يَدَيك، والذُّلَّ والانكِسارَ في سُجودِنا لِعَظَمَتِك، ولا تَجعَلنا مِنَ الغافِلينَ السَّاهين.
اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا مُقَصِّراً في صَلاتِه، فَرُدَّهُ إلَيكَ رَدّاً جَميلاً، وافتَح مَغاليقَ قَلبِهِ لِحُبِّ الوقوفِ بَينَ يَدَيك، واجعَلهُ مِن عِبادِكَ الصَّالِحين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا نُقيمُ الصَّلاةَ فَإنَّها تَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَر، واجعَل أعمالَنا خالِصَةً لِوَجهِكَ الكَريم.
اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، والمُسلِمينَ والمُسلِمات، الأَحياءِ مِنهُم والأَموات، إنَّكَ سَميعٌ قَريبٌ مُجيبُ الدَّعَوات.
اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهْمُومِينَ، ونَفِّس كَرْبَ المَكْرُوبِينَ، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين، وَارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
الصلاة... حبلُ النجاةِ وميزانُ الحياة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.