من مكتبة مِداد الخطيب

الدَّاعِيَةُ وَالمَرَضُ الخَفِيّ... حِينَ تَسْرِقُ النَّفْسُ أجْرَ الدَّعْوَة

مشاركة
📖 الدَّاعِيَةُ وَالمَرَضُ الخَفِيّ... حِينَ تَسْرِقُ النَّفْسُ أجْرَ الدَّعْوَة #محاضرة #الدعوة_إلى_الله #الإخلاص #الرياء #حظوظ_النفس #تزكية_النفس #تربية الحمدُ للهِ الذي يَعلمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، الحمدُ للهِ الذي لا يَقبلُ من العَمَلِ إلَّا ما كان خالصًا لوجهِه الكريم، وابتُغِيَ به رِضوانُه العظيم. وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شَهادةً نَرجو بها النَّجاةَ يومَ تُبلى السَّرائر، ويومَ تُكشَفُ الضَّمائر، ويومَ يَقِفُ العِبادُ حُفاةً عُراةً أمامَ المَلِكِ القادِر. وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وقائدَنا وقُدوَتَنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، إمامُ المُخلِصين، وسيِّدُ الدُّعاةِ الصَّادقين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه، ومَن سارَ على دَربِه إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: فيا حَمَلَةَ مَشاعِلِ النُّورِ في زَمَنِ الظُّلُمات! يا مَن رَضِيتُم أن تَكونوا ورَثَةَ الأنبياءِ والمُرسَلين! يا دُعاةَ الإسلام، ويا طَلَبَةَ العِلم، ويا كُلَّ مَن وَقَفَ نَفسَهُ لِيَدُلَّ النَّاسَ على الله! اليومَ لا أُكَلِّمُ العَوامّ، بل أُكَلِّمُ الخَواصّ! اليومَ لا أتَحَدَّثُ عن ذُنوبِ الشَّوارعِ والأسواق، بل أتَحَدَّثُ عن ذُنوبِ المَحاريبِ والمَنابِر! أتَحَدَّثُ عن المَرَضِ الخَفيِّ الذي يَتَسَلَّلُ إلى قَلبِ العالِمِ وهو بَينَ كُتُبِه، وإلى قَلبِ الدَّاعي وهو على مِنبَرِه، وإلى قَلبِ المُعَلِّمِ وهو بَينَ طُلَّابِه! أتَحَدَّثُ عن السَّارِقِ الخَفيِّ الذي يَسرِقُ عُمرَكَ كُلَّه، ويَسرِقُ صَوتَك، ويَسرِقُ عَرَقَك، ثمَّ تَأتي يومَ القيامةِ تَظُنُّ أنَّكَ من كِبارِ المُقَرَّبين، فَتَجِدُ الصَّحيفةَ بَيضاءَ خاوية! ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [سورة الفرقان: 23]. اللهُ أكبر! هَباءً مَنثورًا؟ نعم! خُطَبُكَ، ودُروُسُكَ، ومَقالاتُكَ، وسَهَرُكَ في الدَّعوة... كُلُّها هَباءٌ مَنثور، إذا دَخَلَت فيها "حُظوظُ النَّفْس"! يا داعيةَ الإسلام... استَيقِظ من غَفلَتِك! الشَّيطانُ رُبَّما يَئِسَ أن يَجعَلَكَ تَشرَبُ الخَمر، ويَئِسَ أن يَجعَلَكَ تَسرِقُ الأموال، ويَئِسَ أن يَجعَلَكَ تَزني... فماذا يَفعَل؟ هَل يَترُكُك؟ لا والله! يَأتيكَ في لِباسِ الدِّين! يَأتيكَ في ثَوبِ الدَّعوة! يَقولُ لكَ: اخطُب ليُقالَ بَليغ! اكتُب ليُقالَ عالِم! انصَح ليُقالَ جَريء! وهنا... يَقَعُ الدَّاعيةُ في الفَخّ! يُصبِحُ صَنَمُهُ "نَفسَه"، ويُصبِحُ هَدَفُهُ "الأتباع"، ويُصبِحُ إلهُهُ الهَوى وهو يَظُنُّ أنَّهُ يَعبُدُ الله! تعالوا معي يا إخوتي... تَعالوا نُشَرِّحُ هذا القَلب. تَعالوا نَضَعُ مِبضَعَ الجَرَّاحِ على حُظوظِ النَّفسِ الخَفيَّةِ التي تُدَمِّرُ الدَّاعيةَ تدميرًا. ### أَوَّلًا: شَهوَةُ التَّصَدُّرِ وحُبُّ الظُّهور (مَرضُ الأَنا) يا عبدَ الله... اسأل نَفسَكَ في ظَلامِ غُرفَتِك، وحيدًا حيثُ لا يَراكَ إلَّا الله: لماذا تَدعو؟ لماذا تَصعَدُ المِنبَر؟ لماذا تَكتُبُ النَّصيحَة؟ هَل يَسعَدُ قَلبُكَ إذا انتَشَرَ الحَقُّ على يَدِ أخيكَ الدَّاعيةِ الآخَر، أم تَشعُرُ بغَصَّةٍ في قَلبِك لأنَّ الأضواءَ سُلِّطَت عَلَيهِ لا عَلَيك؟ آهٍ ثمَّ آهٍ من حُبِّ التَّصَدُّر! الكارثةُ الكُبرى، والطَّامَّةُ العُظمى، أن يَجعَلَ الدَّاعيةُ نَفسَهُ حِجابًا بَينَ النَّاسِ وبَينَ الله! يُريدُ أن يَلفِتَ الأنظارَ إلى شَخصِه، لا إلى رِسالتِه. يُريدُ أن يَقولَ النَّاسُ: "ما أروَعَ فُلانًا!"، ولا يَهُمُّهُ أن يَقولوا: "ما أعظَمَ دِينَ الله!". قال اللهُ تعالى مُحَذِّرًا كُلَّ داعيةٍ إلى يومِ القيامة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص: 83]. تأمَّل الكلمة! ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾! لا يَبحَثون عن كُرسِيّ، ولا يَبحَثون عن مِنصَّة، ولا يَبحَثون عن تَصفيقِ الجَماهير! يَقولُ سُفيانُ الثَّوريُّ رَحِمَهُ الله — وهو إمامُ الدُّنيا في زَمانِه — : "ما عالَجتُ شيئًا أشَدَّ عَلَيَّ مِن نِيَّتي؛ إنَّها تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ!". هذا سُفيانُ الثَّوري! يَبكي من تَقَلُّبِ النِّيَّة! فماذا نَقولُ نحنُ في زَمَنِ السُّوشيال ميديا؟ زَمَنُ الإعجاباتِ والمُشارَكات! زَمَنٌ يُقاسُ فيه الدَّاعيةُ بِعَدَدِ مُتابِعيه لا بِوَزنِ إخلاصِه! يَبحَثُ الواحِدُ مِنَّا عن "التريند"، يَبحَثُ عن إثارةِ الجَدَلِ ليَرتَفِعَ اسمُه، يَبحَثُ عن جَمعِ "المُتابعين" لا جَمعِ "المُهتَدين"! صِرنا — إلَّا مَن رَحِمَ الله — نُغَلِّفُ حُظوظَ أنفُسِنا المريضةِ بغِلافِ الدَّعوةِ إلى الله. ندعو إلى أنفُسِنا ونحن نَظُنُّ أنَّنا ندعو إلى الله!
اسمع إلى الإمامِ الشَّافعيِّ رَحِمَهُ الله، هذا الإمامُ الفَذُّ الجِهبِذ، ماذا يَقول؟ يَقولُ قَولَةً تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب، يَقول: "وَدِدتُ أنَّ النَّاسَ تَعَلَّموا هذا العِلمَ، ولم يُنسَبْ إلَيَّ منه حَرفٌ واحد!". اللهُ أكبر! يُريدُ أن يَنتَشِرَ عِلمُهُ في الأمَّة، ولا يُذكَرَ اسمُ محمد بن إدريس الشافعي! المُهِمُّ عِندَهُ أن يَصِلَ الدِّين، لا أن يَلمَعَ الاسم! أين نحنُ من هذا التَّجَرُّد؟ أين نحنُ من هذا الإخلاص؟ ### ثانيًا: الغَيرَةُ والحَسَدُ بَينَ الأَقرانِ مِنَ الدُّعاة ومِن أخطَرِ حُظوظِ النَّفسِ الدَّفينة: الحَسَدُ بَينَ الدُّعاة! نعم... لا تَستَغرِبوا! الدُّعاةُ بَشَرٌ يَدخُلُ الشَّيطانُ بَينَهُم. يَغارُ الدَّاعيةُ من دَاعيةٍ آخَرَ لأنَّ أُسلوبَهُ أجمَل، أو لأنَّ جُمهورَهُ أكثَر، أو لأنَّ كِتابَهُ أشهَر! يا مِسكين! يا عَبدَ الله! أنتَ وهو تَعمَلانِ في شَرِكةٍ واحِدَة، رَبُّعَمَلِكُما هو الله! مَكاسِبُ الشَّركةِ واحِدَة! الدِّينُ رابِح! فَما لَكَ تَحزَنُ إذا فَتَحَ اللهُ على قَلبِ أخيكَ فَهَدى بِهِ آلافًا، ولم يَهدِ بِكَ إلَّا عَشَرات؟ هل أنتَ مَشغولٌ بانتصارِ الحَقِّ أم بانتصارِ نَفسِك؟ لو كُنتَ صادِقًا في دَعوَتِك، لَسَجَدتَ للهِ شُكرًا أنْ قَيَّضَ لِهذا الدِّينِ مَن يَنصُرُه، سَواءٌ كُنتَ أنتَ أو غَيرَك! واسمعوا لهذا الحديثِ الرَّهيب... حديثٌ يَجعَلُ الوِلدانَ شيبًا، ويَجعَلُ القُلوبَ تَرتَجِف. في صحيحِ مُسلِم، قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ عليهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيهَا؟ قالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ علَى وَجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ...» تأمَّل! شهيد! قُتِلَ في المَعرَكَة! الدِّماءُ تَنزِف! لكنَّ القَلبَ كان يَبحَثُ عن "لِيُقال"! ثم يُمكْمِلُ النَّبيُّ ﷺ الحديثَ لِيَضرِبَنا نحنُ الدُّعاةَ ضَربَةً تُوقِظُنا من الغَفلَة: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيهَا؟ قالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ وقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ: هو قَارِئٌ، فقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ علَى وَجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ...». آهٍ... يا وَيحَ قُلوبِنا! يُسحَبُ على وَجهِه في النَّار! عالِم! داعية! مُفَسِّر! يَعِظُ النَّاسَ ويُبكِيهم في الدُّنيا، وفي الآخِرَةِ هو حَطَبُ جَهَنَّم! لِماذا؟ لأنَّهُ جَعَلَ الدِّينَ مَطِيَّةً لِحُظوظِ النَّفس. لأنَّ الدَّعوةَ أصبَحَت عِندَهُ تِجارَةً يَشتَري بِها وُجوهَ النَّاس! ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: 15-16]. ### ثالثًا: العُجبُ والغُرور، واحتِقارُ العُصاة ومِن حُظوظِ النَّفسِ الخَبيثَةِ في قَلبِ الدَّاعية: أن يَرى نَفسَهُ "المُنقِذ"، ويَنظُرَ إلى النَّاسِ نَظرَةَ الفَوقيَّة والاحتِقار! يَرى العاصي في الشَّارعِ فيَحتَقِرُه. يَرى المُذنبَ في المَجلِسِ فَيَتَعالى عَلَيه! يَنسى أنَّهُ لولا رَحمَةُ اللهِ لكانَ أسوَأَ مِنه! يَنسى أنَّ الهِدايَةَ مَحضُ فَضلٍ من الله، ولَيسَت بِذَكائِه ولا بِجُهدِه! اسمع إلى هذا المَشهدِ النَّبَويِّ الرَّهيب... قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ رَجُلًا قالَ: واللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ، وإنَّ اللَّهَ تَعَالَى قالَ: مَن ذَا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ؟ فإنِّي قدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» [رواه مسلم]. جُملَةٌ واحِدَة! نَظرَةُ استِعلاءٍ واحِدَة! "واللهِ لا يَغفِرُ اللهُ لِفُلان!"... ماذا حَدَث؟ أحبَطَ اللهُ عَمَلَ العابِدِ المُغتَرّ، وغَفَرَ للعاصي المَكسور! إيَّاكَ يا داعيةَ الإسلامِ أن تَنظُرَ لِنَفسِكَ أنَّكَ "مُحامٍ عن الله"! أنتَ مُبَلِّغ، أنتَ دَليلٌ سياحِيٌّ يَدُلُّ التَّائهينَ على طَريقِ المَلِك! لَستَ حارِسًا على أبوابِ الجَنَّةِ تُدخِلُ مَن تَشاءُ وتَطرُدُ مَن تَشاء! يَقولُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تَقطَعُ نِياطَ القَلب: "لَأَن تَبيتَ نائمًا وتُصبِحَ نادِمًا، خَيرٌ مِن أن تَبيتَ قائِمًا وتُصبِحَ مُعجَبًا!".
النَّائمُ النَّادِمُ المَكسورُ أمامَ اللهِ، أقرَبُ رَحمَةً مِنَ الدَّاعِيَةِ العابِدِ المُغتَرِّ بِعَمَلِه! ### رابعًا: الغَضَبُ لِلنَّفسِ لا لِلدِّين ومِن مَظاهِرِ حُظوظِ النَّفس: أن يَغضَبَ الدَّاعيةُ إذا رُدَّت نَصيحَتُه! تَنصَحُ إنسانًا فَيَرُدُّ عَلَيكَ بِجَفاء، فَيَشتَعِلُ القَلبُ غَضَبًا! اسأل نَفسَكَ حينَها: هل أنَا غاضِبٌ لأنَّ حُدودَ اللهِ انتُهِكَت؟ أم غاضِبٌ لأنَّ "كِبريائي" قد مُسّ، ولأنَّ فُلانًا لم يَحتَرِم مَقامي وتَوجيهي؟ لو رُدَّت نَصيحَتُكَ فازدَدتَ شَفَقَةً على العاصي وبُكاءً عَلَيهِ في السُّجود... فأنتَ صادِق. أمَّا إذا غَضِبتَ، وانتَقَمتَ، ودَعَوتَ عَلَيهِ بالهَلاك... فاعلَم أنَّكَ كُنتَ تَدعو لِنَفسِك! كانَ الأنبياءُ يُضرَبون، ويُشتَمون، ويُدمَون... فماذا يَقولون؟ يَمسَحُ النَّبيُّ ﷺ الدَّمَ عن وَجهِهِ ويَقول: «اللَّهُمَّ اغفِر لِقَومي فإنَّهُم لا يَعلَمون»! لم يَغضَب لِنَفسِه، لم يَنتَقِم لِذاتِه، بَل شَفِقَ على قَومِهِ أن تَمَسَّهُمُ النَّار! ### خامسًا: العِلاج... كَيفَ نَذبَحُ حُظوظَ النَّفْس؟ يا مَعشَرَ الدُّعاة... الخَطَرُ داهِم، فما هو العِلاج؟ كَيفَ نَذبَحُ إسماعيلَ النَّفس؟ كَيفَ نَكسِرُ صَنَمَ الأَنا الذي تَضَخَّمَ في صُدورِنا؟ أُذَكِّرُكُم بِقِصَّةِ العِلاج... قِصَّةٍ مِن أروَعِ ما سَجَّلَهُ التَّاريخُ الإسلاميّ! في عَهدِ مَسلَمَةَ بنِ عبدِ المَلِك، حاصَرَ جَيشُ المُسلمينَ حِصنًا من حُصونِ الرُّوم. استَعصى الحِصنُ، وعَظُمَ الكَرب، وطالَ الحِصار. وفي لَيلَةٍ مُظلِمَة، خَرَجَ جُندِيٌّ مُلَثَّمٌ مِن جَيشِ المُسلمين، زَحَفَ حتَّى وَصَلَ إلى جِدارِ الحِصن، ونَقَبَ فيهِ نَقبًا (فَتحةً)، فَدَخَلَ مِنها وداخَلَ المُسلمون، وفُتِحَ الحِصن! ولَمَّا أصبَحَ الصَّباح، قامَ مَسلَمَةُ بنُ عبدِ المَلِك المَأمورُ في الجَيش وقال: "أينَ صاحِبُ النَّقب؟ مَنِ الذي فَتَحَ الحِصن؟" فلم يُجِب أحَد! لم يَخرُج أحَدٌ لِيَتَسَلَّمَ النِّياشين! لم يَخرُج أحَدٌ لِيَأخُذَ أوسِمَةَ الشَّجاعَة! في اللَّيلَةِ التَّالية، جاءَ رَجُلٌ مُلَثَّمٌ إلى خَيمَةِ مَسلَمَة، وقال: "أنا رَسولُ صاحِبِ النَّقب، وهو يَشتَرِطُ عَلَيكَ ثَلاثَةَ شُروطٍ لِيُخبِرَكَ مَن هو: أن لا تَسأَلَهُ عَن اسمِه، وأن لا تَرفَعَ أمرَهُ لِلخَليفة، وأن لا تُعطِيَهُ جائِزَة!". فَبَكى مَسلَمَةُ وقال: "قَبِلت!". فَكَشَفَ الرَّجُلُ لِثامَهُ وقال: "أنا صاحِبُ النَّقب!"... ووَلَّى هارِبًا في جَوفِ اللَّيل، مُختَفِيًا في صُفوفِ الجَيش، لم يُعرَف اسمُهُ إلى يَومِنا هذا! اللهُ أكبر! ما هذا؟ هذا رَجُلٌ لا يُريدُ أن يَعرِفَهُ عبدُ المَلِك، ولا يُريدُ أن يَعرِفَهُ مَسلَمَة، يُريدُ أن يَعرِفَهُ مَلِكُ المُلوكِ الذي لا تَخفى عَلَيهِ خافيَة! فكانَ مَسلَمَةُ يَبكي بَعدَها في سُجودِهِ ويَقول: "اللَّهُمَّ احشُرني مَعَ صاحِبِ النَّقب!". يا دُعاةَ الإسلام... أينَ "أصحابُ النَّقب" في زَمانِنا؟ أينَ مَن يَعمَلونَ في الخَفاءِ كَما يَعمَلونَ في الجَلاء؟ أينَ مَن يُريدونَ وَجهَ اللهِ لا وُجوهَ الكاميرات؟ وأوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ طِبًّا لِقُلوبِنا: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ قَبلَ الدَّعوة، وأثناءَ الدَّعوة، وبَعدَ الدَّعوة. قُل في سِرِّك: "اللَّهُمَّ إنِّي أستَغفِرُكَ مِمَّا تَعلَم، وأعوذُ بِكَ أن أُشرِكَ بِكَ شيئًا أعلَمُه، وأستَغفِرُكَ لِما لا أعلَمُه". تَفَقَّد قَلبَكَ كَما تَتَفَقَّدُ مالَك. الثانية (لِسانيَّة): أكثِر مِن قَولِ: "لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِالله". في كُلِّ نَجاحٍ دَعَويّ، وفي كُلِّ خُطبَةٍ مُؤَثِّرَة، تَبَرَّأ مِن حَولِكَ وقُوَّتِكَ وعِلمِكَ وبَلاغَتِك، وانقُل الفَضلَ إلى اللهِ الذي أنطَقَ لِسانَك. الثالثة (عَمَليَّة): اجعَل لَكَ "خَبيئَةً" مِن عَمَلٍ صالِحٍ لا يَعلَمُ بِها حَتَّى أهلُ بَيتِك. صَدَقَةٌ في ظَلام، رَكعَتانِ والبيتُ نِيام، دَمعَةٌ في خَلوَة. الخَبيئَةُ السِّرِّيَّةُ هي السِّلاحُ الفَتَّاكُ الذي يُذيبُ جَليدَ الرِّياء. الرابعة (اجتماعيَّة): فَرِّح قَلبَكَ بِنَجاحِ إخوانِكَ الدُّعاة. إذا سَمِعتَ أنَّ فُلانًا مِنَ الدُّعاةِ قد تَقَبَّلَ النَّاسُ كلامَه، فادعُ لَهُ في ظَهرِ الغَيبِ بالسَّداد، واعقِد صُلحًا مَعَ نَفسِكَ أنَّ هَدَفَكَ هو نُصرَةُ الدِّين، بِكَ أو بِغَيرِك. الخامسة (موضوعيَّة): ابكِ عَلى ذُنوبِكَ المَستورَةِ قَبلَ أن تَبكِيَ عَلى ذُنوبِ الأمَّةِ المَشهورَة. انظُر إلى نَفسِكَ بِمِنظارِ المُقَصِّرِ المَسكين، ولا تَنظُر لَها بِمِنظارِ المُصلِحِ الأمين.
فيا مَن جَعَلَهُ اللهُ مِفتاحًا لِلخَير... لا تَفتَح أبوابَ الجَنَّةِ لِلنَّاس، وتَبقى أنتَ خارِجَها! ويا مَن يُحذِّرُ النَّاسَ مِنَ النَّار... لا تُنقِذِ النَّاسَ مِنها، وتَكونَ أنتَ مِن حَطَبِها! اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِن النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وأعيُنَنا مِنَ الخِيانَة. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ أن نَكونَ جِسرًا يَعبُرُ بِهِ النَّاسُ إلى الجَنَّةِ ثُمَّ يُرمى بِهِ في النَّار! اللَّهُمَّ ارزُقنا الإخلاصَ في السِّرِّ والعَلَن، واجعَل أقوالَنا حُجَّةً لنا لا عَلَينا. اللَّهُمَّ استَخدِمنا ولا تَستَبدِلنا، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر. اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ المُستَضعَفينَ والمَظلومين، ورُدَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إلى دِينِكَ رَدًّا جَميلًا. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. والسَّلامُ عَلَيكُم ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.