من مكتبة مِداد الخطيب

خَلْوَتُكَ مِيزَانُ إِيمَانِك

مشاركة
🕌 خَلْوَتُكَ مِيزَانُ إِيمَانِك #خطبة_جمعة #الخلوة #مراقبة_الله #الإخلاص #الخلوات #تزكية_النفس #رقائق الحمدُ للهِ العليمِ الخبير، السَّميعِ البصير، الذي يَعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصُّدور. الحمدُ لله الذي لا يَحجُبُه ليلٌ داج، ولا بابٌ مُغلَق، ولا سِتارٌ مُسدَل، مُطَّلِعٌ على السَّرائر، عالِمٌ بالضَّمائر، لا يَخفى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماء. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شَهادةَ مَن أيقَنَ أنَّ رَبَّه يَراه في جَلوَتِه وخَلوَته. وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أخشَى النَّاسِ للهِ في السِّرِّ والعلن، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: تُغلِقُ بابَك، وتُرخي سِتارَك، وتَأوي إلى فِراشِك، وتَظُنُّ أنَّكَ وَحدَك. لا أحدَ يَراك، ولا عَينَ تَرمُقُك. في تلك اللحظةِ بالضبط، يُوزَنُ إيمانُكَ الحقيقيُّ. فما تَفعلُه في تلك الثَّواني الخَفيَّة، حينَ تَغيبُ عيونُ البَشَر، هو الذي يُحَدِّدُ مَنزِلتَك عند اللهِ يومَ تُبلى السَّرائر. اليومَ سنَفتَحُ هذا البابَ المُغلَق، لنَرى ماذا نَصنَعُ حينَ نَختَلي بأنفُسِنا. أيها المسلمون، كم من بطلٍ في أعينِ النَّاس، هو عند اللهِ قزمٌ صغير. وكم من مَجهولٍ في الأرض، لا يَكادُ يُؤبَهُ له، هو في السَّماءِ نَجمٌ ساطعٌ تَعرِفُه الملائكة. الميزانُ عند اللهِ لا يُقرَأُ من وُجوهِنا التي نَرتَديها أمامَ النَّاس في المساجدِ والأسواقِ والمجالس، بل يُقرَأُ من وُجوهِنا الحقيقيَّةِ التي لا تَظهَرُ إلا حين نَكونُ وَحدَنا. الخَلوةُ يا عبادَ الله، هي المِحَكُّ، هي الكاشفة، هي الميزانُ الذي لا يَكذِب. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في مُحكَمِ التنزيل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. تأمَّلوا هذه الآيةَ العظيمة! لم يَقُل "يَعلمُ فِعلَ الجوارح"، بل قال ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾. النَّظرةُ السَّريعةُ المُختَلَسةُ التي تَستَرِقُها عينُك وأنتَ بين النَّاس، فيَظُنُّ مَن حَولَك أنَّكَ تَنظُرُ في سَمتٍ وغَضِّ بَصَر، بينما عينُكَ قد خانَت وتَطَلَّعَت إلى ما حَرَّم الله. هذه النَّظرةُ التي لا يُدرِكُها أقرَبُ النَّاسِ إليك، يَعلمُها السَّميعُ البصير. فكيف بما تَصنَعُه والجوارحُ كلُّها طَليقةٌ في غِيابِ البَشَر؟ واسمَعوا لهذا الحديثِ العظيم، الذي يَهُزُّ القلوبَ الحيَّة، ويُطَيِّرُ النَّومَ من عيونِ الصَّادقين. حديثٌ رواهُ ابنُ ماجه وصَحَّحَه أهلُ العِلم، يرويه ثوبانُ رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا». تَخَيَّلوا المَشهد! حَسَناتٌ كالجبال! صلاةٌ، وصيامٌ، وصدقةٌ، وحَجٌّ... كجبالِ تِهامةَ العظيمة. وفجأةً، تَتَطايَرُ كأنَّها غُبارٌ في الهواء. لماذا يا رسولَ الله؟ ما مُصيبَتُهم؟ قال ثوبان: يا رسولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قال ﷺ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا». يا الله! ﴿إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا﴾. في العَلَن: هم صُوَّامٌ قُوَّام، يَحفَظون مَظهَرَ الدِّين، وتَدمَعُ أعيُنُهم في المَحافل. لكنْ إذا دَخَلَ أحدُهم غُرفَتَه، وأغلَقَ بابَه، وأضاءَ شاشةَ هاتِفِه في ظُلمةِ اللَّيل، نَسيَ أنَّ اللهَ يراه. نَسيَ الرَّقيبَ الأعلى. جَعَلَ اللهَ أهوَنَ النَّاظِرينَ إليه. فكانَ جَزاؤُه أن نُسِفَت جبالُ حَسَناتِه نَسفًا! يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله: "أجمَعَ العارفونَ على أنَّ ذُنوبَ الخَلَواتِ هي أصلُ الانتكاسات، وأنَّ طاعاتِ الخَلَواتِ هي أصلُ الثَّبات". عبادَ الله، هل سألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا يَنتَكِسُ بَعضُ مَن نَعرِفُهم بالصَّلاح؟ تراهُ مُستقيمًا سَنوات، ثمَّ فجأةً يَنحَرِفُ انحرافًا عَجيبًا! السِّرُّ في الخَلوة. الخَلوةُ المُلوَّثَةُ بالذُّنوبِ الخَفيَّةِ تَنخَرُ في جِذعِ الإيمانِ كما تَنخَرُ السُّوسةُ في الشَّجرةِ الضَّخمة. الشَّجرةُ من الخارجِ تَبدو صُلبَةً خَضراء، لكنَّها من الدَّاخل فارغةٌ مُتآكِلة، فتَأتي أدنى ريحٍ من رِياح الفِتَن فتُسقِطُها! أنتم في هذا العصر — عصرِ الهواتفِ الذكيَّةِ والشَّاشات — تَعرِفونَ جيِّدًا ما أقول. في الماضي، كانَ العاصي يَحتاجُ أن يُسافِر، أو يَخرُج، أو يَتَكَبَّدَ المَشَقَّةَ ليَصِلَ إلى المَعصية. أمَّا اليوم، فالمَعصيةُ في جَيبِك. بضَغطَةِ زِرٍّ واحِدة، وأنتَ على وِسادَتِك، تُفتَحُ لكَ أبوابُ الفِتَن، ومَقاطِعُ الحَرام، والمُحادَثاتُ الآثمة. لا يَفصِلُكَ عن غَضَبِ اللهِ سِوى حَرَكةِ إصبَع!
هنا... هنا يَظهَرُ الإيمانُ الحقيقي. هنا يَظهَرُ الفَرقُ بين مَن يَعبُدُ الله، ومَن يَعبُدُ صُورتَه أمامَ النَّاس. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى واصفًا هؤلاء: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108]. يَستَحي من طِفلٍ صَغيرٍ أن يَدخُلَ عليه الغُرفةَ فيَراهُ على مَعصية، لكنَّه لا يَستَحي من الخالِقِ الجَبَّارِ الذي يَراه ويَسمَعُه ويُحيطُ به! للهِ دَرُّ الشَّاعِرِ حينَ لَخَّصَ هذا المَشهَدَ قائلاً: وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ فِي ظُلْمَةٍ ... وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلَى الطُّغْيَانِ فَاسْتَحْيِ مِنْ نَظَرِ الإِلَهِ وَقُلْ لَهَا ... إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي إخواني في الله، دَعونا نَنتَقِل إلى أعظَمِ مِثالٍ في تاريخِ البَشَريَّةِ لِلنَّجاحِ في اختِبارِ الخَلوَة. شابٌّ في رَيعانِ شَبابِه، بَعيدٌ عن أهلِه ووَطَنِه (والغَريبُ لا يَخافُ العارَ كما يَخافُه ابنُ البَلَد). شابٌّ أُوتِيَ شَطرَ الحُسنِ والجَمال. وهو عَبدٌ مَملوكٌ في بَيتِ سَيِّدِه. ثمَّ تَأتيهِ الفِتنَةُ تَمشي على قَدَمَيها. امرأةُ العزيزِ، ذاتُ المنصِب والجَمال، هي التي تُراوِدُه وتَطلُبُه. تَخيَّلوا المَشهدَ الحِسِّيَّ كما يَصِفُه القرآن: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: 23]. تأمَّلوا... ﴿غَلَّقَتِ﴾ بالتَّشديد، أي أغلَقَت الأبوابَ كلَّها بإحكام، بابًا بَعدَ باب. لا أحدَ يَرى. لا أحدَ يَسمَع. السِّرِّيَّةُ مُطلَقة. والمُبادَرَةُ مِنها. والعُذْرُ له مَوجودٌ بأنَّهُ مَأمور. في هذه الخَلوَةِ المُغلَقة، ماذا قال يوسُفُ عليه السَّلام؟ هل نَسيَ الله؟ هل قال: لا أحدَ يَراني؟ بل قال كَلمةً زَلزَلَت جُدرانَ القَصر: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾... أعتَصِمُ باللهِ الذي يَراني الآن، الذي يَنفُذُ بَصَرُهُ من خِلالِ هذه الأبوابِ المُغلَقة. فبِماذا جازاهُ الله؟ لأنَّهُ حَفِظَ اللهَ في خَلوةِ الغُرفة المُغلَقة، رَفَعَهُ اللهُ على عُروشِ مِصرَ، وخَلَّدَ ذِكرَهُ في القُرآنِ يُتلى في المَحاريبِ إلى يومِ القيامَة. أيها الأحِبَّة، كما أنَّ ذُنوبَ الخَلَواتِ مُهلِكَة، فإنَّ طاعاتِ الخَلَواتِ مُنجيَةٌ رافِعَة. لا تَظُنُّوا أنَّ الخَلوةَ مَيدانٌ للشَّيطانِ فَقط! بل هي أعظَمُ مِضمارٍ للمُتَّقين. هي المَكانُ الذي تُبنى فيه قُصورُ الجَنَّةِ بِصَمت. قال اللهُ جلَّ جلالُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: 12]. وقال سبحانه واصفًا عبادَه الصَّالحين في خَلواتِ اللَّيل: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16]. مَن هو أعظَمُ النَّاسِ أجرًا في الخَلوة؟ استَمِعوا إلى النَّبيِّ ﷺ وهو يَصِفُ السَّبعةَ الذين يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه. مَن ضِمنُهم؟ «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (متفق عليه). لماذا "خَالِيًا"؟ لأنَّهُ بَعيدٌ عن الرِّياء. دَمعتُهُ لم تَنزِل ليَقولَ النَّاسُ: ما أخشَعَه! بَل نَزَلَت لأنَّ قَلبَهُ احتَرَقَ شَوقًا لله، أو خَوفًا من ذُنوبِه. هذه الدَّمعةُ الخَفيَّة، التي سَقَطَت في ظَلامِ غُرفتِه، ومَسَحَها بِكُمِّه قَبل أن يَراهُ أحَد، كافيةٌ لِتُطفِئَ بِحارًا من غَضَبِ الجَبَّار! ولِنتأمَّل معًا هذا المَوقِفَ التَّاريخيَّ الذي سَطَّرَهُ السَّلَفُ الصَّالح. كان عليُّ بن الحُسين (زينُ العابدين) رضي الله عنهما، يَحملُ جِرابَ الخُبزِ والدَّقيقِ على ظَهرِه في اللَّيل، يَتخَلَّلُ أزِقَّةَ المدينةِ المُظلِمة، يَتَلَثَّمُ كَي لا يَعرِفَهُ أحَد، ويَضَعُ الطَّعامَ أمامَ أبوابِ الفُقَراء. لم يَعلم أحَدٌ بِصَنيعِه. مئةُ بَيتٍ في المدينةِ كانت تَعيشُ على نَفَقتِه في السِّرّ، وهُم لا يَعرِفونَ مَن يُطعِمُهم! فلمَّا ماتَ، وغَسَّلوه، وَجَدوا على ظَهرِه آثارًا سَوداء، فَقَالوا: ما هذا؟ قيل: هذا أثَرُ كِيسِ الدَّقيقِ الذي كان يَحمِلُه باللَّيل إلى أرامِلِ المدينةِ وأيتامِها. ولمَّا ماتَ، انقَطَعَت تلك المَعونةُ عن الفُقراء، فَعَلِموا أنَّهُ هو المُنفِقُ في السِّرّ. اللهُ أكبر! عاشَ يَبني قُصورَهُ في الجَنَّةِ بَعيدًا عن عَينِ الكاميرات، وعَن عُيونِ المادِحين، وعَن تَصفيقِ الجَماهير. هذا هو الفَهمُ العَميقُ للخَلوة. وكذلك كانَ الرُّعاةُ البُسطاءُ في الجبال، يَحملون إيمانًا يَزِنُ أُمَّة.
مَرَّ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضي الله عنهما براعٍ في سَفحِ جَبَل، فَأرادَ أن يَختَبِرَ إيمانَه في الغَيب. فقال للرَّاعي: بِعني شاةً من هذه الغَنَم. فقال الرَّاعي: إنِّي مَملوك، والغَنَمُ لِسَيِّدي. فقال ابنُ عُمَر — لِيَختَبِرَه —: قُل لِسَيِّدِك أكلَها الذِّئب! فَصَمَتَ الرَّاعي، ورَفَعَ رأسَهُ إلى السَّماء، وقال كَلِمةً واحِدةً زَلزَلَت قَلبَ ابنِ عُمَر: «فَأَيْنَ اللهُ؟!» فَأَينَ اللهُ؟ رَدَّدَها ابنُ عُمَرَ وهو يَبكي: قال الرَّاعي فأينَ الله... قال الرَّاعي فأينَ الله. ثمَّ ذَهَبَ واشتَرى الرَّاعيَ واشتَرى الغَنَم، فأعتَقَ الرَّاعيَ ووَهَبَهُ الغَنَم. فيا مَن تُغلِقُ بابَ غُرفَتِك لتَعصي... فأينَ الله؟ ويا مَن تَتَصَفَّحُ المَواقِعَ الخَبيثَةَ في اللَّيلِ المُظلِم... فأينَ الله؟ ويا مَن تَأكُلُ أموالَ النَّاسِ في السِّرِّ والتَّلاعُبِ الخَفيِّ بالحِسابات... فأينَ الله؟ ويا مَن تُراسلُ النِّساءَ في الخَفاء، وتُوهِمُ النَّاسَ بِعِفَّتِك... فأينَ الله؟ إنَّ مقامَ "الإحسان" الذي ذَكَرَهُ النَّبيُّ ﷺ لِجبريل عليه السَّلام في الحديث المَشهور: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (متفق عليه)، لا يَتَجَلَّى في مَكانٍ كما يَتَجَلَّى في الخَلوة. ويقولُ اللهُ جَلَّ جلالُه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ۝ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: 9-10]. أي: يَومَ تُختَبَرُ الخَفايا، وتُنشَرُ الفَضائحُ، ويُقرَأُ الكِتابُ الذي كُتِبَت فيه نَظَراتُك، وخَطَواتُك، ونَواياك التي أخفَيتَها عَن زَوجَتِك، وأخفَيتِها عَن زَوجِك، وأخفَاها الشَّابُ عَن والِدَيه... يومَها، يَقِفُ العَبدُ عاريًا إلَّا من حَقيقَتِه. يومَها لا يَنفَعُ مَظهرٌ خادِع، ولا سُمعةٌ كاذِبة. أيها المؤمنون، سَألَ رَجُلٌ الإمامَ سَهلَ بنَ عبدِ الله التُّستَريَّ، فقال: ما أصلُ هذا الأمرِ (يعني التَّقوى)؟ قال: "أن تَعلَمَ أنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَليك". وصدَقَ النَّبيُّ ﷺ حين جَمَعَ الدِّينَ كُلَّهُ في وَصيَّةٍ جامِعَةٍ لِمُعاذِ بن جَبَل: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (رواه الترمذي). ﴿حَيْثُمَا كُنْتَ﴾... في بَيتِك، في سَفَرِك، في غُرفَتِك المُغلَقة، في هاتِفِك، في حاسوبِك... اللهُ مَعك، يَسمَعُ ويَرى. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ لله حَمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلمُ السِّرَّ وأخفى، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، المَبعوثُ رحمةً للعالمين، ﷺ وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. أمّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن خَطَرِ ذُنوبِ الخَلَواتِ وكيفَ تَنخَرُ في إيمانِ العَبد، وعَن جَمالِ طاعاتِ الخَلَواتِ وكيفَ تَرفعُ المَرءَ في عِلِّيِّين، ووَقَفنا مَع مَشاهدَ من خَشيَةِ الأنبياءِ والصَّالحينَ في غَيبِهم. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأهمّ: كيفَ نُعالجُ أنفُسَنا المُقَصِّرة؟ كيفَ نَضبِطُ هذه الخَلوةَ لِتَكونَ مِعراجًا إلى الجَنَّة لا مُنزَلَقًا إلى النَّار؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم، خُذوها خُطَّةَ عَمَلٍ لِحَياتِكم: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد في قَلبِكَ استِشعارَ "رُؤيَةِ اللهِ لك". كُلَّما خَلَوتَ بِنَفسِك، وهَمَّت نَفسُكَ بِمَعصية، ارفَع بَصَرَكَ إلى السَّقفِ وقُل بِصَوتٍ تَسمَعُه: "إنَّ اللهَ يَراني". هذا التَّحذيرُ الفَوريُّ يَكسِرُ غَفوَةَ الشَّيطانِ فيك. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق: 14]. الثانية (لِسانيَّة): اجعَلِ الاستِغفارَ رَفيقَ خَلوَتِك. إذا انغَلَقَ عَليك الباب، وعَصَمَكَ اللهُ من الذَّنب، فاشغَل لِسانَكَ بِالاستِغفار والتَّسبيح. اللِّسانُ الذي يَذكُرُ اللهَ في الوِحدَة، يَبني حِصنًا لا يَختَرِقُهُ الشَّيطان. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): اصنَع لِنَفسِكَ "خَبيئَةً صالِحَة". كما أنَّ الشَّيطانَ يَدعوكَ لِذَنبِ السِّرّ، بادِر أنتَ بِطاعَةِ السِّرّ. صَلِّ رَكعَتَينِ في جَوفِ اللَّيلِ لا تَعلَمُ بِهما زَوجَتُك. تَصَدَّق بِمَبلَغٍ عبرَ هاتِفِك لا يَعلَمُ بِه أحَد. ابكِ من خَشيَةِ اللهِ في سَيَّارَتِكَ وأنتَ وَحدَك. الخَبيئَةُ الصَّالِحَةُ سِلاحٌ دَمَّارٌ لِذُنوبِ السِّرّ. الرابعة (اجتماعيَّة وحَياتيَّة): اقطَع أسبابَ الفِتنَة. أنتَ تَعلَمُ أنَّ هاتِفَكَ هو نافِذَتُكَ إلى الحَرام في اللَّيل؟ إذن، اترُكهُ خارِجَ غُرفَةِ نَومِك. لا تُمِدَّ يَدَكَ إلى النَّارِ ثُمَّ تَسأل: لِماذا احتَرَقتُ؟ حمايةُ النَّفسِ تَبدأُ من قَطعِ طَريقِ المَعصية.
الخامسة (موضوعيَّة): تَذَكَّر دائِمًا لَحظَةَ انشِقاقِ القُبور. حينَ تَخرُجُ للناسِ، ويَخرُجُ كِتابُكَ مَنشورًا. ما كُنتَ تَظُنُّهُ سِرًّا، سَيُعرَضُ على رُؤوسِ الأشهاد. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18]. اجعَل هذا المَشهَدَ نُصبَ عَينَيك وأنتَ في قَعرِ دارِك. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي التي تَحمِلُكُم على حِفظِ الجَوارِحِ في السِّرِّ والعَلَن، وتُنجيكُم يَومَ الفَزَعِ الأكبَر. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عليه، عَمَلًا بِقولِ رَبِّكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا محمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ طَهِّر سَرائِرَنا كما طَهَّرتَ عَلانيَتَنا، واجعَل بَواطِنَنا خَيرًا من ظَواهِرنا، واجعَل ظَواهِرَنا صالِحةً مُرضِيَة. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ أن نَكونَ في العَلانِيَةِ أتقِياء، وفي الخَفاءِ من الأشقِياء. اللَّهُمَّ ارزُقنا خَشيَتَكَ في الغَيبِ والشَّهادة، وكَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا، والقَصدَ في الفَقرِ والغِنى. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَذكُرُكَ خالِيًا فَتَفيضُ عَيناهُ من خَشيَتِك، ولا تَجعَلنا مِمَّن يَستَخفي من النَّاسِ ولا يَستَخفي مِنك. اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَليُّها ومَولاها. اللَّهُمَّ رُدَّنا إليكَ رَدًّا جَميلًا، واغفِر زَلَّاتِنا في لَيلِنا ونَهارِنا، واستُر عوراتِنا، وآمِن رَوعاتِنا، واحفَظنا من بينِ أيدينا ومِن خَلفِنا. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربىٰ، ويَنهىٰ عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أکبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. 📌 وَقَفَ القَلَمُ، وبَقيَ المِنبَرُ بين يَديك أيُّها الخطيب — وما هذه إلَّا مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ ذَكيٌّ، والذَّكاءُ مهما عَلا فإنَّه يُخطئ. راجِعها بعَين الفقيه، وحَقِّق آيها وحَديثها من مَصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك ولُغَتك، فالمِنبرُ أمانةٌ لا يَنوبُ عنك فيها أحد. وإن شِئتَ تَطويرها فاطلُب بدقَّةٍ تَجِد بدقَّة.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.