من مكتبة مِداد الخطيب

النظامُ في حياةِ النبيِّ ﷺ... دينٌ يُبنى وفَوضَى تُهدَم

مشاركة
🕌 النظامُ في حياةِ النبيِّ ﷺ... دينٌ يُبنى وفَوضَى تُهدَم #خطبة_جمعة #السيرة_النبوية #النظام #التنظيم #الوقت #التربية #أخلاق الحمدُ للهِ الذي دَبَّرَ الأمرَ فأحكَمَه، وخَلَقَ كُلَّ شيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقديرًا. الحمدُ للهِ الذي أقامَ السَّماواتِ والأرضَ بميزانٍ دَقيق، وجَعَلَ اللَّيلَ والنَّهارَ آيتَينِ يَتَعاقبانِ بنظامٍ لا يَختَلّ، لِنَعلَمَ عَدَدَ السِّنينَ والحِساب. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، مَلِكٌ مُقيتٌ، لا يَسبِقُ في مُلكِهِ حادِثٌ قَدَرًا، ولا يَتَأخَّرُ مَوقوتٌ عَن ميعادِه. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ المُتَّقين، وقُدوَةُ السَّالكين، الذي أسَّسَ أُمَّةً على النِّظامِ، وبَنى حَضارَةً على الإتقانِ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعدُ: هل سألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا نَرى الفَوضى تَضرِبُ أطنابَها في شَوارعِنا، وبُيوتِنا، ومَواعيدِنا، بل وحتى في أفكارِنا؟ نَشتَكي دائمًا من ضَياعِ الأوقاتِ وتَراكُمِ الأعمال... ونَظُنُّ أنَّ الخَلَلَ في قِلَّةِ الوَقتِ. ولكن، ماذا لو كانَ السِّرُّ كامِنًا في فُقدانِنا لـ "عِبادَةٍ" عَظيمَةٍ مارَسَها النَّبيُّ ﷺ في أَدَقِّ تَفاصيلِ حياتِه؟ عِبادَةٌ غائبَةٌ، إذا استَعَدناها استَعَدنا الحَياة. ما هي؟ الجَوابُ بَعدَ قَليل. أيُّها المُسلِمون، لو تَأمَّلَ العاقِلُ في كِتابِ اللهِ المَسْطور، وفي كَونِهِ المَنظور، لَوَجَدَ حَقيقَةً صارِخَةً تَشهَدُ بها كُلُّ ذَرَّةٍ ومَجَرَّة: اللهُ جَلَّ جَلالُهُ يُحِبُّ النِّظام، ويُبغِضُ الفَوضَى والضَّياع. تَأمَّلوا مَعي هذا الكَونَ المَهيب. هَل رَأيتُم شَمسًا تُشرِقُ قَبلَ مَوعِدِها؟ هَل رَأيتُم قَمَرًا يَتَأخَّرُ عَن مَنازِلِه؟ يَقولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]. كُلُّ شَيءٍ مَوزون. كُلُّ خَطوَةٍ مَحسوبَة. وهَكَذا أَرادَ اللهُ لِحَياةِ المُسلِمِ أَن تَكونَ مُرتَبِطَةً بِهَذا النِّظامِ الكَونِيِّ العَجيب. فَمَن يَتَأمَّلْ شَريعَةَ الإِسلامِ، يَجِد أَنَّها "مَدرَسَةٌ عُظمَى" لِتَعليمِ النِّظامِ والانضِباط. ولِذَلِك يَقولُ الحَقُّ سُبحانَهُ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. ولَعَلَّكُم تَسأَلون: كَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُتَرجِمُ هذا النِّظامَ الكَونَِّي إلى واقِعٍ في حياتِه اليَوميَّة؟ إنَّنا كَثيرًا ما نَقرَأُ السِّيرَةَ النَّبَويَّةَ بَحثًا عَن المَعارِكِ والغَزَواتِ، أو الأَحكامِ والفَتاوى، ونَغفُلُ عَن الجانِبِ الإِداريِّ والتَّنظيميِّ العَبقَريِّ في حَياتِه ﷺ. لقد كانَ ﷺ أَكثَرَ النَّاسِ مَسؤوليَّةً؛ فَهوَ نَبيٌّ يُوحَى إليه، وقائِدُ دَولَة، وقاضٍ يَفصِلُ بَينَ الخُصوم، وأبٌ، وزَوجٌ لِتِسعِ نِساء، وقائِدُ جَيش. كَيفَ كانَ يَجمَعُ كُلَّ هذا في أربَعٍ وعِشرينَ ساعَة؟ الجَوابُ يَتَلَخَّصُ في كَلِمَةٍ واحِدَة: التَّنظيمُ الدَّقيق. يَصِفُ عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ جَدوَلَ النَّبيِّ ﷺ في بَيتِه، فَيَقولُ: «كانَ إِذا أَوَى إِلى مَنزِلِهِ جَزَّأَ دُخولَهُ ثَلاثَةَ أَجزاء: جُزءًا للهِ، وجُزءًا لِأَهلِهِ، وجُزءًا لِنَفسِه. ثُمَّ جَزَّأَ جُزءَهُ بَينَهُ وبَينَ النَّاسِ...». تَأمَّلوا هذا الوَصفَ العَجيب! التَّقسيم، التَّجزِئَة، إِعطاءُ كُلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه. لَم تَكُن حَياتُهُ ﷺ مَتروكَةً لِلظُّروفِ، ولا مَفتوحَةً لِلفَوضَى. كانَ يَعرِفُ مَتى يَخلُو بِرَبِّه، ومَتى يُؤانِسُ أَهلَه، ومَتى يَستَقبِلُ وُفودَ أُمَّتِه. قال الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ اللهُ في مُصَنَّفاتِه: "وَقْتُ الإِنسانِ هُوَ عُمُرُهُ فِي الحَقيقَةِ، وَهُوَ مَادَّةُ حَياتِهِ الأَبَديَّةِ فِي النَّعيمِ المُقيمِ، وَمَادَّةُ المَعيشَةِ الضَّنكِ فِي العَذابِ الأَليمِ. وَهُوَ يَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، فَمَن كانَ وَقتُهُ للهِ وَبِاللهِ، فَهُوَ حَياتُهُ وَعُمُرُه، وَغَيرُ ذَلِكَ لَيْسَ مَحسوبًا مِن حَياتِه". إِخوَتي الأَفاضِل، أَيُعقَلُ أَن يَدخُلَ الإِسلامُ إلى قَلبِ رَجُلٍ، ثُمَّ تَبقى حَياتُهُ ومَواعيدُهُ وبَيتُهُ في فَوضَى عارِمَة؟ كَيفَ يَستَقيمُ هَذا وهُوَ يُصَلِّي خَمسَ مَرَّاتٍ في يَومِه وَفقَ جَدوَلٍ زَمَنيٍّ صارِم؟ يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. الصَّلاةُ نَفسُها مَدرَسَةٌ لِلنِّظام. انظُروا كَيفَ أَمَرَنا النَّبيُّ ﷺ بِتَسويَةِ الصُّفوف. في الصَّحيحَينِ مِن حَديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفوفَكُم أَو لَيُخالِفَنَّ اللهُ بَينَ وُجوهِكُم». هَل تَوَقَّفتُم عِندَ هَذا الحَديث؟ خَلَلٌ في اصطِفافِ الأَقدامِ يَصنَعُ خَلَلًا في القُلوب! الفَوضَى الخارِجيَّةُ تَتَسَرَّبُ لِتُصبِحَ فَوضَى داخِليَّة. وإِذا كانَ الإِسلامُ لا يَقبَلُ بِاعتِواجِ صَفٍّ في لَحَظاتِ العِبادَة، فَهَل يَقبَلُ بِاعتِواجِ حَياةِ المُسلِمِ وضَياعِ أَهدافِه؟ واسمَعوا هَذا القَولَ العَظيمَ مِنَ الحَسَنِ البَصريِّ رَحِمَهُ الله، حينَ نَظَرَ إِلى استِهتارِ بَعضِ النَّاسِ بِأَوقاتِهِم ونِظامِ حَياتِهِم فَقال: "يا ابنَ آدَم، إِنَّما أَنتَ أَيَّام، فَإِذا ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُك". أَيُّهَا المُؤمِنون، دَعونا نَنتَقِلِ الآنَ إِلى مَشهَدٍ مِن مَشاهِدِ السِّيرَةِ، حَيثُ يَتَجَلَّى النِّظامُ النَّبَويُّ في أَبهَى صُوَرِه، في لَحَظاتٍ كانَ مِنَ المُمكِنِ أَن يَطغَى فيها الخَوفُ والارتِباك. تَخَيَّلوا مَعي حادِثَةَ الهِجرَةِ النَّبَويَّة. رَجُلانِ مُطارَدانِ، وقُرَيشٌ تَضَعُ مِئَةَ ناقَةٍ لِمَن يَأتيهِما بِرَأسِ النَّبيِّ ﷺ. في مِثلِ هَذِه اللَّحَظات، قَد يَتَصَرَّفُ الإِنسانُ بِعَشوائيَّةٍ وارتِجال. لَكِن ما الَّذي حَدَث؟ لَقَد كانَت الهِجرَةُ لَوحَةً عَبقَريَّةً في التَّخطيطِ والتَّنظيم وتَوزيعِ الأَدوار! عَليُّ بنُ أَبي طالِبٍ يُكَلَّفُ بِالنَّومِ في الفِراشِ لِلتَّمويَةِ ورَدِّ الأَمانات. أَبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ يُجَهِّزُ الرَّاحِلَتَينِ مُنذُ أَشهُرٍ لِلصُّحبَة. أَسماءُ بِنتُ أَبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عَنها، تَتَوَلَّى مَسؤوليَّةَ الإِمدادِ اللُّوجِستيِّ وإِيصالِ الطَّعامِ إِلى الغار. عَبدُ اللهِ بنُ أَبي بَكرٍ يُكَلَّفُ بِمَهَمَّةِ الاستِخباراتِ؛ يَبيتُ في الغارِ، ويَنزِلُ مَكَّةَ فَجرًا لِيَأتِيَ بِالأَخبار. عامِرُ بنُ فُهَيرَة، يَرعَى الغَنَمَ خَلفَ عَبدِ اللهِ وأَسماءَ، لِيَمحُوَ آثَرَ الأَقدامِ بِأَظلافِ الغَنَم! وعَبدُ اللهِ بنُ أُرَيقِط، رَجُلٌ مُشرِكٌ خَبيرٌ بِالصَّحراء، يُستَأجَرُ لِقيادَةِ الرِّحلَةِ مِن طَريقٍ غَيرِ مَألوف. يَا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! ويا لِحِكمَةِ هَذا النَّبيِّ الكَريم! هَل كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفتَقِرُ إِلى حِفظِ الله؟ قَطعًا لا. قالَها بِوُضوح: «يا أَبا بَكرٍ، ما ظَنُّكَ بِاثنَينِ اللهُ ثالِثُهُما؟». ولَكِنَّهُ كانَ يُؤَسِّسُ عَقيدَةً لِلأُمَّة: أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلى اللهِ لا يُنافي النِّظامَ الدَّقيق، وأَنَّ الفَوضَى لَيسَت مِنَ التَّوَكُّلِ في شَيء، بَل هيَ تَواكُلٌ مَذموم. وفي الغَزَوات... كانَ التَّنظيمُ العَسكَريُّ يَصِلُ إِلى دَرَجاتٍ مُذهِلَة. عُودوا مَعي إِلى غَزوَةِ بَدر. المُسلِمونَ ثَلاثُمِئَةٍ وبِضعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. الجَيشُ مُستَعِدٌّ لِلمَوت. وفي زَحمَةِ المَوقِف، يَقِفُ النَّبيُّ ﷺ بِيَدِهِ قِدحٌ (عَصًا صَغيرَة) يُسَوِّي بِها صُفوفَ المُقاتِلين، كَأَنَّهُم في صَلاة! يَمُرُّ عَلى صَحابِيٍّ اسمُهُ سَوادُ بنُ غَزِيَّةَ رَضيَ اللهُ عَنهُ، وقَد خَرَجَ قَليلًا عَن نَسَقِ الصَّف، فَيَطعَنُهُ النَّبيُّ ﷺ في بَطنِهِ بِالعَصا طَعنَةً خَفيفَةً ويَقول: «استَوِ يا سَواد». عَجَبًا! جَيشٌ سَيَدخُلُ بَعدَ لَحَظاتٍ في قِتالٍ طاحِن، والنَّبيُّ ﷺ يَهتَمُّ بِاستِقامَةِ صَفٍّ واحِدٍ رَجُلًا رَجُلًا! لِماذا؟ لأَنَّ القُوَّةَ تَنبُعُ مِنَ النِّظام، وقَد قالَ اللهُ تَعالى في سُورَةِ الصَّف: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]. رُصَّت حِجارَتُهُ فَلَم يَترُك مَكانًا لِخَلَل. وهُنا قَد تَظُنُّونَ أَنَّ التَّنظيمَ مَحصورٌ في الجُيوشِ والمَساجِد... لَكِنَّ الحَقيقَةَ أَنَّ الإِسلامَ نَظَّمَ حَتى رِحلاتِ السَّفَرِ الصَّغيرَة. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ، كَما عِندَ أَبي داوُدَ بِإِسنادٍ صَحيح: «إِذا خَرَجَ ثَلاثَةٌ في سَفَرٍ فَليُؤَمِّروا أَحَدَهُم». ثَلاثَةُ أَشخاصٍ فَقَط في الصَّحراء، لا بُدَّ لَهُم مِن قائِدٍ ومَسؤول، كَي لا تَضارَبَ الآراء، ولا تَتَفَرَّقَ الطُّرُق. قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله مُعَلِّقًا عَلى هَذا الحَديث: "فَأَوجَبَ ﷺ تَأميرَ الواحِدِ في الِاجتِماعِ القَليلِ العارِضِ في السَّفَر، تَنبيهًا بِذَلِكَ عَلى سائِرِ أَنواعِ الِاجتِماع... ولِأَنَّ وِلايَةَ أَمرِ النَّاسِ مِن أَعظَمِ واجِباتِ الدِّين، بَل لا يَقومُ الدِّينُ ولا الدُّنيا إِلَّا بِها". فَيا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ... كَيفَ نَرضَى أَن نَكونَ أَتَباعًا لِهَذا النَّبيِّ المُنَظَّمِ، ثُمَّ تَكونُ حَياتُنا مَرتَعًا لِلعَشوائيَّة؟ مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ خَطَّطتَ فيها لِيَومِك كَما تُخَطِّطُ لِرِحلَةٍ دُنيَويَّة؟ كَيفَ يَقِفُ أَحَدُنا في الدَّوائِرِ الحُكوميَّةِ الغَربيَّةِ أَو الشَّرِكاتِ الأَجنَبيَّةِ مُلتَزِمًا بِالدَّقيقَة، مُصطَفًّا بِنِظام، وحينَ يَعودُ إِلى بِلادِ المُسلِمين يَرمي النُّفايَةَ في الشَّارِع، ويَتَجاوَزُ الإِشارَة، ويُخِلفُ المَواعيد؟ إِنَّ التَّنظيمَ في حَياةِ المُسلِمِ لَيسَ "تَقنِيَةً إِداريَّةً حَديثَةً" نَستَورِدُها مِن كُتُبِ الغَرب! لا وَالله. بَل هُوَ "دِينٌ" نَدينُ للهِ بِه، وسُنَّةٌ نَرجو أَجرَ اتِّباعِها. مَن خافَ مِن ضَياعِ أَيَّامِهِ دُونِ أَثَر، فَلْيَضبِط ساعَتَهُ عَلى تَوقيتِ السُّنَّة. فَالوَقتُ الَّذي يَمضي في الفَوضَى، هُوَ عُمُرٌ مُستَقطَعٌ مِن رَصيدِكَ الأُخرَويّ. وقد قال ﷺ: «نِعمَتانِ مَغبونٌ فيهِما كَثيرٌ مِنَ النَّاس: الصِّحَّةُ والفَراغ» (رواه البخاري). الغَبْنُ هُنا هُوَ الخَسارَةُ الفادِحَةُ في بَيعٍ كُنتَ تَظُنُّ أَنَّكَ رابِحٌ فيه! بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإِيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أَقولُ قَولي هَذا، وأَستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمين مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروه، إِنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُدَبِّرُ الأَمرَ مِنَ السَّماءِ إِلى الأَرضِ ثُمَّ يَعرُجُ إِلَيه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين، ونِبراسًا لِلسَّالِكين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعين. أمَّا بَعدُ: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ حَقيقَةٍ كادَت أَن تَغيبَ عَن واقِعِنا، وهِيَ أَنَّ النِّظامَ في حياةِ المُسلِم لَيسَ رَفاهيَةً دُنيَويَّة، بَل هُوَ عِبادَةٌ شَرعيَّةٌ وسُنَّةٌ نَبَويَّة. وتَدَبَّرنا كَيفَ كانَ الكَونُ مَبنِيًّا بِقَدَر، وكَيفَ كانَت سِيرَةُ النَّبيِّ ﷺ في بَيتِه، وفي هِجرَتِه، وفي غَزَواتِه، بَل حَتى في سَفَرِ ثَلاثَةِ أَشخاصٍ في الصَّحراء — أُنموذَجًا فَريدًا لِرفضِ الفَوضَى. والآنَ، إِخوَتي، نَحنُ أَمامَ السُّؤالِ الأَهَمِّ الَّذي سَيُحَدِّدُ إِذا كانَت هَذِه الخُطبَةُ سَتَمُرُّ مُرورَ الرِّيحِ أَم سَتُثمِرُ في حَياتِنا: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا النِّظامَ إِلى واقِعٍ يَوميّ؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أَن تَنزِلوا مِن مَجالِسِكُم هَذِه، تُغَيِّرُ بِها مَوازينَ أَيَّامِكُم: الأُولى (قَلبيَّة): نَظِّم نِيَّتَكَ قَبلَ كُلِّ عَمَل. لا تَترُك قَلبَكَ يَتَخَبَّطُ بَينَ الرِّياءِ والغَفلَة. اِجعَل خُروجَكَ لِعَمَلِكَ عِبادَة، وجُهدَكَ مَعَ أَهلِكَ عِبادَة، وعادَتَكَ طاعَة — قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّما الأَعمالُ بِالنِّيَّات». لَحظَةُ صِدقٍ في الصَّباحِ تُنَظِّمُ لَكَ بَرَكَةَ اليَوم. الثَّانيَة (لِسانيَّة): نَظِّم حَديثَك، ولا تَجعَل كَلامَكَ فَوضَى يَلِجُ في الغيبَةِ والنَّميمَة واللَّغو. حاسِب كَلِماتِكَ قَبلَ نُطقِها — قالَ ﷺ: «مَن كانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرًا أَو لِيَصمُت». قَليلٌ مِنَ الكَلامِ المُنَظَّمِ النَّافِع، خَيرٌ مِن ثَرثَرَةٍ تُورِثُ الحَسَرات. الثَّالِثَة (عَمَليَّة): نَظِّم جَدوَلَ يَومِكَ حَولَ مَواقيتِ الصَّلاة، لا تُنَظِّم الصَّلاةَ في أَطرافِ وَقتِك المُزدَحِم. ابدَأ يَومَكَ بِصَلاةِ الفَجرِ في مَوعِدِها — فَمَن ضَيَّعَ الفَجرَ فَقَد حَكَمَ عَلى يَومِهِ بِالفَوضَى والضَّياع مُنذُ البِدايَة. الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): نَظِّم عُهودَكَ ومَواعيدَكَ مَعَ النَّاس. المُسلِمُ الحَقُّ لا يُخلِفُ وَعدًا، ولا يَتَأَخَّرُ عَن مَوعِد، ولا يُرَوِّعُ أَخاهُ بِاستِهتارِه. فالمُؤمِنونَ عِندَ شُروطِهِم، وَإِخلافُ المَواعيدِ مِن شُعَبِ النِّفاق. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): ابدَأ بِتَنظيمِ بِيئَتِكَ المُحيطَة. رَتِّب مَكتَبَك، نَظِّف بابَ بَيتِك، التَزِم بِقَواعِدِ المُرورِ في شَارِعِك. هَذا السُّلوكُ الحَضاريُّ البَسيطُ هُوَ تَرجَمَةٌ حَرفيَّةٌ لإِيمانِكَ بِأَنَّ ﴿كُلَّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾. فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أَنَّ التَّقوَى هِيَ أَكبَرُ مُنَظِّمٍ لِحَياةِ الإِنسان؛ فَهِيَ تَجعَلُ لِكُلِّ فِعلٍ ميزانًا لا يَطغَى، ولِكُلِّ قَولٍ رَقيبًا لا يَغفُل. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والَسَّلامِ عَلَيه، القائِلِ في الكِتابِ المُبين: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهُم بِإِحسانٍ إِلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ نَظِّم أَوقاتَنا في طاعَتِك، وبارِك لَنا في أَعمارِنا وأَعمالِنا. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَعرِفونَ قيمَةَ العُمُرِ فَيَعمُرونَهُ بِما يُرضيك، ولا تَجعَلنا مِمَّن غَرَّتهُم الدُّنيا فَضَيَّعوا حَياتَهُم في الغَفلَةِ واللَّهو. اللَّهُمَّ أَصلِح أَحوالَ المُسلِمينَ عامَّة، واجعَلنا هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ ارزُقنا الِانضِباطَ في أَخلاقِنا ومُعامَلاتِنا، واجعَل سَرائِرَنا خَيرًا مِن عَلانيَتِنا. اللَّهُمَّ كُن لِلُمستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِن إِخوانِنا في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ انصُرهُم نَصرًا مُؤَزَّرًا، واربُط عَلى قُلوبِهِم، وانزِل سَكينَتَكَ عَلَيهِم. اللَّهُمَّ حَسِّن خَواتيمَنا، واجعَل آخِرَ كَلامِنا مِنَ الدُّنيا لا إِلهَ إِلَّا الله. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أَكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.