🕌 حُرُماتُ البُيُوت... وقَواصِمُ المَكرِ والتَّخبِيب
#خطبة_جمعة #الأسرة #التخبيب #قوامة_الرجل #الظلم #حفظ_البيوت #أخلاق
الحمدُ لله الذي شَرَعَ الشَّرائعَ فأحكَمَها، وفَطَرَ النُّفوسَ على المَوَدَّةِ والرَّحمةِ فَقَوَّمَها، وجَعَلَ الأسرةَ ميثاقًا غَليظًا، ورَفَعَ لها في دينهِ شأنًا عظيمًا. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ قِوامَةَ الرِّجالِ تَكليفًا وحِمايةً، وحَرَّمَ البَغيَ والعُدوانَ سِرًّا وعَلانيَةً. وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، أغيَرُ النَّاسِ على الحُرُمات، وأعظَمُهم حِفظًا للبُيوتِ والعَورات، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد:
عبادَ الله، هل سألتُم أنفُسَكم يومًا: ما هو أعظمُ بناءٍ على وَجهِ الأرضِ بعدَ بُيوتِ الله؟
إنَّه بيتُ المسلم. ذلك المِحرابُ الصغيرُ الذي تَنبُتُ فيه الأجيال، وتُصنَعُ فيه الرِّجال، وتُحفَظُ فيه الأعراض. بيتٌ بَناهُ اللهُ على الفِطرة، وشَرَعَ لإدارَتِهِ قَوانينَ سَماويَّةً لا يَعتَريها النَّقص، ولا يَمَسُّها الجَور. ولكن... ماذا لَو جاءَ بَشَرٌ قاصِرون، فَوَضَعوا قَوانينَ تُصادِمُ فِطرةَ الخالق؟ وماذا لَو استَغَلَّ رِجالٌ هذه القَوانينَ لِيَهدِموا بُيوتَ إخوانِهم من الرِّجال، ولِيَهتِكوا حُرُماتِهم، ولِيَسلُبوا قِوامَتَهم؟!
هذا هو الجُرحُ الغائرُ في جَسَدِ أمَّتِنا اليوم. جُرحٌ لا يَنزِفُ دَمًا، بل يَنزِفُ بُيوتًا مُحَطَّمَة، وأُسَرًا مُمَزَّقَة، وأطفالًا مُشَرَّدين.
أيها الإخوةُ المؤمنون، يقولُ اللهُ جلَّ جلالُه في مُحكَمِ التَّنزيل، واصِفًا عَقدَ الزَّواجِ بِوَصفٍ رَتَجِفُ له القلوب: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21].
تَأمَّلوا! ميثاقٌ غَليظ. ليسَ عَقدَ بَيعٍ وشِراء، ولا صَفقَةً تِجاريَّة... بل هو عهدٌ غليظٌ مَتينٌ شَهِدَ اللهُ عليه، وملائكتُه، وجَعَلَهُ قائِمًا على قِوامَةٍ رَشيدة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].
قِوامَةٌ هي سِياجُ البيت، وحارسُ المَوَدَّة، ومِظلَّةُ الأمان. ولكنَّنا صِرنا في زَمَنٍ استُورِدَت فيه قَوانينُ بَشَريَّة، نَبَتَت في بيئاتٍ لا تَعرِفُ الله، وصِيغَت بأيدٍ تَجهَلُ حِكمةَ الشَّرع. قَوانينُ تُصادِمُ قَوانينَ الفِطرة، وتُشَجِّعُ على النُّشوز، وتَجعَلُ تَمَرُّدَ الزَّوجةِ انتِصارًا، وهَدمَ القِوامَةِ حُريَّة!
قال تعالى مُحَذِّرًا من هذا الاستِبدالِ الخَطير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
يا عبادَ الله، إنَّ المُصيبَةَ الأكبَرَ ليست في وُجودِ هذه القَوانينِ الوَضعيَّةِ فَحَسب، بل في وُجودِ "ذُكورٍ" يَستَغِلُّونَ هذه القَوانينَ البَشريَّةَ لِلبَغيِ على حُرُماتِ إخوانِهم من الرِّجال! أشباهُ رِجالٍ يَستَقوون بالقانونِ الوَضعيِّ لِيَكسِروا ظَهرَ رَجُلٍ آخَر، ولِيُدَمِّروا مَملَكَتَه، ولِيَنتَزِعوا مِنهُ زَوجَتَهُ أو أبناءه.
تَعالَوا نَكشِفُ السِّتارَ اليومَ عن أربعةِ أصنافٍ من هؤلاء، مِمَّن يَسيرونَ في مُجتَمَعاتِنا بثِيابِ النُّصح، وهم في ميزانِ اللهِ شَياطينُ يَسعَونَ في الأرضِ فَسادًا.
الصِّنفُ الأوَّل: المحامي المُتَلاعِب (المُعينُ على البَغي).
ذاكَ الذي يَتَقَدَّمُ إلى زَوجَةٍ غاضِبة، أو يَستَقبِلُها في مَكتَبِه، وبَدَلًا من أن يُصلِحَ ذاتَ البَين، يُزَيِّنُ لها الطَّلاقَ أو الخُلع. يَدُلُّها على ثَغَراتِ القَوانينِ البَشريَّة، ويُعَلِّمُها كَيفَ تَدَّعي على زَوجِها ما لَيسَ فيه، وكيفَ تَستَولي على جُهدِ عُمرِه، وكيفَ تَحرِمُهُ من أطفالِه ظُلمًا وزُورًا.
يَظُنُّ هذا المحامي أنَّهُ كَسِبَ قَضيَّةً، وأخَذَ أتعابًا، وما دَرى أنَّهُ اقتَطَعَ قِطعَةً من جَهَنَّم!
أينَ هو من قولِ ربِّ العالمين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]؟
يقولُ الإمامُ الذَّهبيُّ رَحِمَهُ الله: "المَكرُ والخَديعَةُ والغِشُّ في النَّار، ومَن أعانَ ظالِمًا على ظُلمِهِ سُلِّطَ عليه".
أيُّها المحامي، أيُّها المُستَشارُ القانوني، يا مَن تُساعِدُ مَرأةً على الخُروجِ عن طاعَةِ زَوجِها بِغَيرِ مُبَرِّرٍ شَرعيٍّ قاطِع، استَمِع إلى هذا الحَديثِ العَظيم، فقد قال النبيُّ ﷺ صَراحَةً: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا»! ليسَ منَّا! تَبَرَّأَ مِنهُ المُصطَفى ﷺ. فكيفَ يَطيبُ لكَ قِرشٌ تَكْسِبُهُ من دَمْعَةِ رَجُلٍ مَقهورٍ سُلِبَت قِوامَتُهُ بِمَكرِك؟
الصِّنفُ الثاني: الإعلاميُّ أو "النَّاشطُ" المُخَبِّب.
الذي يَجلِسُ خَلفَ الشَّاشات، ويَكتُبُ في مَواقِعِ التَّواصُل، يَبُثُّ سُمومَهُ بِمُصطَلَحاتٍ بَرَّاقَة: "حُقوق، حُريَّة، استِقلال، تَمكين". يُصَوِّرُ للمَرأةِ أنَّ الزَّواجَ سِجن، وأنَّ القِوامَةَ استِعباد، وأنَّ الأمومَةَ قَيد. يُخَبِّبُ الزَّوجاتِ على أزواجِهِنَّ، ويُزَهِّدُهُنَّ في طاعَةِ البَعل.
يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله كلماتٍ تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب: "سَعيُ الرَّجُلِ في التَّفريقِ بينَ المَرأةِ وزَوجِها من أشَدِّ المُحَرَّمات، وهو من فِعلِ السَّحَرةِ والشَّياطين".
نَعَم، من فِعلِ الشَّياطين! واسمَعوا لهذا المَشهَدِ الدِّراميِّ المُرعِب الذي صَوَّرَهُ لنا الصَّادقُ المَصدوق ﷺ، لِنَعرِفَ مَنزِلَةَ هؤلاء المُخَبِّبينَ عندَ إبليس.
يقول النبيُّ ﷺ فيما رَواهُ مُسلم: «إنَّ إبليسَ يَضَعُ عَرشَهُ على الماء، ثُمَّ يَبعَثُ سَراياهُ، فأدناهُم مِنهُ مَنزِلةً أعظَمُهم فِتنَةً. يَجيءُ أحَدُهم فيَقول: فَعَلتُ كذا وكذا، فيَقول: ما صَنَعتَ شيئًا. ثمَّ يَجيءُ أحَدُهم فيَقول: ما تَرَكتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. فَيُدنيهِ مِنهُ ويَقول: نِعْمَ أنتَ!».
اللهُ أكبر! تاجُ إبليسَ الأكبَرُ لا يُوضَعُ على رَأسِ مَن سَرَق، ولا مَن زَنى، بل يُوضَعُ على رَأسِ شَيطانٍ فَرَّقَ بينَ زوجَين! فليَعلَم كُلُّ إعلاميٍّ ومُغَرِّدٍ ومُتَفَلسِفٍ يُحَرِّضُ النِّساءَ على التَّمَرُّدِ أنَّهُ جُنديٌّ مُخَلَصٌ في سَرِيَّةِ إبليس، يَنالُ تَحِيَّتَهُ كُلَّ مَساء.
الصِّنفُ الثَّالث: المُتَسَلِّلُ الانتِهازي (الذِّئبُ في ثِيابِ النَّاصِح).
رَجُلٌ يَرى صَدعًا في أُسرة، أو خِلافًا بينَ زَوجَين، فَيَدخُلُ مُدَّعِيًا الدَّعمَ والمُسانَدة. يَتَقَرَّبُ إلى الزَّوجةِ المَكلومَة، يُعطيها أُذُنًا صاغية، ويُوهِمُها أنَّ زَوجَها لا يَستَحِقُّها، وأنَّها مَظلومة. يَستَغِلُّ قَوانينَ الخُلعِ المُيَسَّرَةِ اليوم، لِيَدفَعَها إلى طَلَبِ الفِراق، وفي نِيَّتِهِ أن يَستَحِوذَ عليها بعدَ انقِضاءِ عِدَّتِها، أو يَستَغِلَّ مَأساتَها لِنَزَواتِه.
كيفَ نَرضى أن نَكونَ أداةَ هَدمٍ لِبُيوتِ إخوانِنا؟ أينَ قَولُ النبيِّ ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ»؟ أينَ نَخوَةُ الرِّجالِ التي كانت في الجاهليَّةِ تَأبى التَّطَلُّعَ إلى حُرُماتِ الجار، فَجاءَ الإسلامُ فَرَقَّاها إلى صِيانَةِ عِرضِ كُلِّ مُسلم؟
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19]. إنَّ المُتَسَلِّلَ العابِثَ بِبُيوتِ النَّاس، الذي يَستَغِلُّ ضَعفَ المُطَلَّقةِ أو طالِبَةِ الخُلع، هو من أشَدِّ النَّاسِ جُرمًا، وكَما يُدينُ يُدان، وكَأسُ المُكافَأةِ من جِنسِ العَمَلِ سيَتَجَرَّعُهُ في عُقرِ دارِه ولو بَعدَ حين.
الصِّنفُ الرَّابع: الأبُ الكائِد (والِدُ الزَّوجة).
وهذا لَعَمري من أعجَبِ العَجَب! أبٌ زَوَّجَ ابنَتَهُ لِرَجُل، وبَدَلًا من أن يَكونَ هو العاقِلَ الحَكيم، الذي يَمتَصُّ الخِلاف، ويَرُدُّ ابنَتَهُ إلى طاعَةِ زَوجِها... يَستَخدِمُ سُلطَتَهُ، ويَستَقوي بالقَوانينِ الوَضعيَّة، لِيُذِلَّ خَطَبَ ابنَتِهِ وزَوجَها!
يَكيدُ له، ويُحَرِّضُ ابنَتَهُ عليه، ويُدَمِّرُ قِوامَةَ هذا الشَّاب، مُعتَقِدًا أنَّهُ بِذلكَ "يَحمي" ابنَتَه. أيُّ حِمايَةٍ هذهِ التي تُحَوِّلُ المَرأةَ إلى مُطَلَّقَةٍ مُشَتَّتَة، والأطفالَ إلى ضَحايا يَتامى والآباءُ أحياء؟!
اللهُ جلَّ جلالُه حينَ تَحَدَّثَ عنِ الشِّقاقِ قال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]. شَرطُ اللهِ: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾. أمَّا الأبُ الذي يُريدُ كَسرَ أنفِ الزَّوج، والانتِصارَ لِنَعْرَةٍ جاهليَّة، فَهو مُفسِدٌ في الأرض.
تَأمَّلوا معي مَوقِفَ الصِّدِّيقِ أبي بَكرٍ رضي اللهُ عنه، حينَ غَضِبَت ابنَتُهُ عائشةُ من رسولِ اللهِ ﷺ، فرَفَعَت صَوتَها. دَخَلَ أبو بَكرٍ فَهَمَّ بِلَطمِ ابنَتِه مُدافِعًا عن مَقامِ الزَّوج (رسول الله)، حتى حَماها النبيُّ ﷺ خَلفَ ظَهرِه! هكذا كانَ الآباءُ صِمامَ أمانٍ لِبُيوتِ بَناتِهم، مُعَظِّمينَ لِحَقِّ الزَّوجِ وقِوامَتِه.
يا عبادَ الله، يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "الشَّرائعُ أدوِيَةٌ للقُلوب... فإذا عَدَلوا عن أدوِيَةِ الطَّبيبِ إلى أدوِيَةٍ من خَيالاتِهم أفسَدوا القُلوب".
هذا هو الحاصِلُ اليوم! تَرَكنا قانونَ الله: الرَّحمة، والصَّبر، والحُقوقَ الشَّرعيَّة المُنضَبِطة، ولَجَأنا إلى قَوانينِ الإنسان: التَّحَدِّي، وانتِزاعَ النَّفَقاتِ بالثَّغَرات، وتَهديدَ الأبِّ بِحِرمانِهِ من رُؤيَةِ فِلذَةِ كَبِدِه.
أصَرنا نَفرَحُ حينَ نَنتَصرُ في قاعَةِ المَحكَمَةِ بقانونٍ وَضعيٍّ ظالِم، ونَنسى أنَّنا وَقَفنا كاذِبينَ باغينَ أمامَ مَحكَمَةِ السَّماء؟!
كيفَ يَسخَرُ هذا الزَّمانُ منَّا؟ نَرى المَرأةَ تَطلُبُ الخُلعَ أو الطَّلاقَ دونَ سَبَبٍ جَوهَريٍّ شَرعي، مُستَقويَةً بِمَن حَولَها، والنبيُّ ﷺ يُحَذِّرُ تَحذيرًا يَخفِقُ لَهُ القَلب: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ»!
تَطَيَّبْ بِقَوانينِ الدُّنيا كما تَشاء، وانتَصِر في مَحاكِمِ البَشَر، ولكن اعلَم أنَّ قَضاءَ اللهِ نافِذ: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: 46].
إنَّ المَكرَ الَّذي يُمارَسُ اليومَ ضِدَّ البُيوتِ لَتَزولُ مِنهُ الجِبال. ولكن... ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].
أينَ أنتَ من حِفظِ البُيوت؟ أينَ أنتَ من قَولِكَ الحَق؟ أينَ نَحنُ من حِمايَةِ أُسَرِنا من نيرانِ هذا المَكرِ الخَبيث؟
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أما بعد:
عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مع حَقيقةِ الميثاقِ الغَليظ، وكَيفَ يَتَدَخَّلُ مَكرُ شَياطينِ الإنسِ — من مُخَبِّبين، ومُتَسَلِّلين، وقانونيِّينَ عابِثين، وآباءَ كائدين — لِتَمزيقِ هذا الميثاقِ واستِغلالِ القَوانينِ البَشَريَّةِ لِلتَّعَدِّي على الفِطرَةِ والشَّرع. والآن، ونَحنُ نَرى بُيوتَ المُسلمينَ تَنهارُ أمامَ أعيُنِنا، ماذا نَصنَعُ بِما سَمِعنا؟ وكيفَ نَحمي ما تَبَقَّى؟
أوصيكم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): يا مَن تَدَخَّلَ يومًا بينَ زَوجَينِ بِنِيَّةِ الإفساد، أو أعانَ زَوجَةً على التَّمَرُّدِ ظُلمًا، تُب إلى اللهِ الآن، واستَغفِر من هذا الجُرمِ العَظيم. فإنَّ هَدمَ البُيوتِ دَينٌ لا يُقضى إلَّا بالدَّمعِ والحَسَراتِ في عُقرِ دارِك.
الثانية (لِسانيَّة): طَهِّروا بُيوتَكم من بَرامِجِ الإعلامِ وقَنَواتِ التَّواصُلِ التي تَبُثُّ سُمومَ "النُّشوزِ" و"العَداءِ" بينَ الزَّوجَين. أغلقوا هذه الشَّاشاتِ الليلة، فإنَّ السَّمَّ إذا كَثُرَ مِساسُهُ للقلب، أفسَدَهُ وأهلَكَه.
الثالثة (عَمَليَّة): أنتَ أيُّها الأب، وأنتَ أيُّها الأخ، إذا شَكَت إليكَ ابنَتُكَ أو أُختُكَ زَوجَها — فيما دونَ الفَواحِشِ والضَّرَرِ البَيِّن — فكُن مِفتاحًا للخَير، مِغلاقًا للشَّر. ذَكِّرها بِحَقِّهِ، واحتَوِ الزَّوجَ بِحِكمَتِك، وكُن كأبي بَكرٍ لا كأبي جَهل!
الرابعة (اجتماعيَّة): رِسالَةٌ إلى كُلِّ مُحامٍ ومُستَشار: اتَّقوا اللهَ في مِهنَتِكم. لا تَبيعوا آخِرَتَكم لِتَكسِبوا قَضيَّةً لِمُوَكِّلَتِكُم بانتِزاعِ أبناءِ رَجُلٍ، أو مالِهِ بالقهر. نُصحُكَ لها بالصُّلحِ ورَدُّكَ لها عن البَغي، أعظَمُ عندَ اللهِ من كُنوزِ الأرض.
الخامسة (موضوعيَّة): لِيَرجِع كُلُّ زَوجٍ وزَوجَةٍ إلى قَوانينِ السَّماء. لا تَجعَلوا قَوانينَ البَشَرِ حاكِمَةً بَينَكُم، فَهي مَبنيَّةٌ على النِّدِّيَّةِ والصِّراع، بَينَما شَرعُ اللهِ مَبنيٌّ على الفَضلِ والمَوَدَّةِ والرَّحمة. كُونوا عِبادًا للهِ في بُيوتِكُم.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على أداء الأمانات وحفظ الحرمات.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائل: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم إنَّا نسألك أن تَحفَظَ بُيوتَنا وبُيوتَ المُسلمينَ من كلِّ شَرٍّ وسُوء.
اللهمَّ مَن أرادَ بِبُيوتِ المُسلمينَ هَدمًا، ومَن مَكَرَ بِأُسَرِنا، فَاجعَل مَكرَهُ في نَحرِه، واكفِنا شَرَّهُ بِما شِئت.
اللهمَّ رُدَّ كَيدَ المُخَبِّبين، وافضَح مَكرَ العابِثين، وبَصِّر نِساءَ المُسلمينَ ورِجالَهم بِما فِيهِ صَلاحُ دِينِهم ودُنياهم.
اللهمَّ ألف بين قلوب أزواجنا وزوجاتنا، واجعل بيوتنا سكناً ومودة ورحمة.
اللهمَّ اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، ولا تجعلنا سبباً في تفريق شملٍ أو هتك ستر.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.