من مكتبة مِداد الخطيب

طَهارَةُ القُلوبِ في تَركِ فُضولِ الدُّروب

مشاركة
🕌 طَهارَةُ القُلوبِ في تَركِ فُضولِ الدُّروب #خطبة_جمعة #حفظ_اللسان #ترك_ما_لا_يعني #سلامة_الصدر #غض_البصر #أخلاق #تزكية الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ القُلوبَ أوعيَةً للإيمان، وجَعَلَ الألسِنَةَ تَراجِمَ لِما فيها من بَيان. الحمدُ لله الذي أَمَرَنا بطهارة البَواطن، ونَهانا عن تَتَبُّعِ العَوراتِ والخَوضِ في المَفاتِن. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أطْهَرُ النَّاسِ قَلبًا، وأَعَفُّهُم لِسانًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: أَيُّها الإخوَةُ المُؤمِنون، هَل سَألتُم أَنفُسَكُم يَومًا: ما هو أثقَلُ حِملٍ يَحمِلُهُ الإنسانُ في هذا الزَّمان؟ ليسَتِ الهُمومُ التي قَسَمَها اللهُ له، ولَيسَت أرزاقُ عِيالِهِ التي ضَمِنَها الخالِق... بل هو حِملٌ اختارَ أن يَضَعَهُ على كَتِفَيهِ بِنَفسِه! إنَّهُ حِملُ "التَّدَخُّلِ في شُؤونِ الآخَرين". تَجِدُ الواحِدَ مِنَّا يَحفَظُ تَفاصيلَ حَياةِ جيرانِه، ويَعرِفُ أسرارَ زُمَلائِهِ في عَمَلِه، ويَشغَلُ ذِهنَهُ بِما اشتراهُ فُلان، وبِما قالَهُ عِلَّان، ولِماذا تَزَوَّجَ هذا، ولِماذا طَلَّقَ ذاك! عُقولٌ مُزدَحِمَةٌ بِحَياةِ النَّاس، وقُلوبٌ مُنهَكَةٌ بِمُراقَبَةِ الخَلق. فكانَتِ النَّتيجَةُ أن فَقَدنا السَّكينَة، وخَسِرنا صَفاءَ القُلوب، ومُزِّقَتِ العَلاقات. يا عِبادَ الله، واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الذي يُعَدُّ قاعِدَةً مِن قَواعِدِ الصِّحَّةِ النَّفسيَّةِ والإيمانيَّة. يَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ، في كَلِماتٍ قَليلَةٍ تَحسِمُ هذا الدَّاء: «مِن حُسْنِ إسلامِ المَرءِ تَركُهُ ما لا يَعنيه». تَأمَّلوا... لَم يَقُلِ النَّبيُّ ﷺ: "مِن إسلامِ المَرء"، بَل قال: "مِن حُسْنِ إسلامِ المَرء". فالإسلامُ شَيء، و"حُسْنُهُ" وجَمالُهُ وبَهاؤُهُ شَيءٌ آخَر. لا يَكتَمِلُ جَمالُ دِينِكَ، ولا يَشرَقُ نُورُ إيمانِكَ، حَتَّى تَكُفَّ عَنِ الخَوضِ فيما لا يَخُصُّك. ومِن أَعظَمِ أبوابِ الخَوضِ فيما لا يَعنينا في زَمانِنا: "فُضولُ النَّظَر". لقدِ ابتُلينا اليومَ بشاشاتٍ صَغيرَةٍ في جُيوبِنا، جَعَلَت حَياةَ النَّاسِ كِتابًا مَفتوحًا. نُقَلِّبُ الصَّفَحات، فَنَرى نِعمَةً أَنعَمَ اللهُ بِها على صَديق، أو سَفرَةً لِقَريب، أو رِزقًا لِجار... فَيَتَسَلَّلُ فُضولُ النَّظَرِ إلى أروِقَةِ القَلب. ومِن فُضولِ النَّظَرِ يُولَدُ الحَسَد، ومِنَ الحَسَدِ يُولَدُ السَّخَطُ عَلى أقدارِ الله. لِذلكَ حَسَمَ القُرآنُ هذا المَرَض، واسمَعوا ماذا يَقولُ رَبُّكُم جَلَّ وعَلا لِنَبيِّهِ ﷺ، ولَنا مِن بَعدِه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [سورة طه: 131]. يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "النَّظَرُ أصلُ عامَّةِ الحَوادِثِ التي تُصيبُ الإنسان، فالنَّظرَةُ تُوَلِّدُ الخَطرَة، والخَطرَةُ تُوَلِّدُ الفِكرَة، والفِكرَةُ تُوَلِّدُ الشَّهوَة". فَمَن أَرخى عِنانَ بَصَرِهِ في حَياةِ النَّاس، أَتعَبَ قَلبَهُ وأطالَ حَسرَتَه. يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَما أَنَّ فُضولَ النَّظَرِ مَهلَكَة، فَإنَّ "فُضولَ الكَلامِ" مَحرَقَةٌ لِلحَسَنات. نَجلِسُ في المَجالِس، فَيُطرَحُ اسمُ رَجُلٍ غائب، فَيَبدَأُ التَّحليل، والتَّخمين، والخَوضُ في نِيَّتِه، وتَفسيرُ مَقاصِدِه. هَل سَألتَ نَفسَكَ حينَها: ماذا سَأَستَفيدُ مِن هذا الكَلام؟ هَل سَيَزيدُ في رِزقي؟ هَل سَيَرفَعُ دَرَجَتي عِندَ الله؟ هَل سَيَنفَعُني في قَبري؟ الإجابَةُ: لا! يَقولُ اللهُ تَعالى مُحَذِّرًا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء: 36]. وقَد لَخَّصَها الفاروقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِقاعِدَةٍ ذَهَبيَّةٍ، فاحفَظوها حِفظَكُم لِأسمائِكُم، قال: "مَن كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ سَقَطُه، ومَن كَثُرَ سَقَطُهُ كَثُرَت ذُنوبُه، ومَن كَثُرَت ذُنوبُهُ كانَتِ النَّارُ أَولى بِه". وعندما دَخَلَ أصحابُ النبيِّ ﷺ عَلى أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عَنهُ يَومًا، وَجَدوهُ يُمسِكُ بِلِسانِهِ ويَبكي! أبو بَكرٍ، أوَّلُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن هذه الأُمَّةِ بَعدَ نَبيِّها، يُمسِكُ لِسانَهُ ويَقول: "هذا أورَدَني المَوارِد". فَكَيفَ بِنا نَحنُ، وصَحائفُنا مَلأى بالخَوضِ في أَعراضِ النَّاسِ ونَواياهُم؟!
مَعاشِرَ المُصَلِّين، إنَّ المِفتاحَ الأَكبَرَ لِتَركِ ما لا يَعنينا، هو أن نَستَبدِلَهُ بِعِبادَةٍ قَوسُها عَظيم، وأَجْرُها جَسيم، ألا وهي: "حُبُّ الخَيرِ لِلآخَرين". إنَّ الشَّخصَ الفُضوليَّ الذي يَتَتَبَّعُ النَّاس، يَفعَلُ ذَلكَ لِأَنَّ قَلبَهُ فارِغٌ مِن سَلامَةِ الصَّدر. أمَّا المُؤمِنُ الحَقّ، فَهُوَ مَشغولٌ بِنَفسِه، مُحِبٌّ لِإخوانِه. إذا رَأى نِعمَةً عَلى أَخيهِ دَعا لَهُ بِالبَرَكَة، وإذا رَأى زَلَّةً سَتَرَها ودَعا لَهُ بِالهِدايَة. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسِه» (متفق عليه). واسمَعوا إلى هَذِهِ القِصَّةِ العَظيمَةِ التي تُجَسِّدُ هذا المَعنى؛ كَما يَرويها عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رَضيَ اللهُ عَنهُما: كُنَّا جُلوسًا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ فَقال: "يَطلُعُ عَلَيكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِن أهلِ الجَنَّة". فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصار، تَنطِفُ لِحيَتُهُ مِن وُضوئِه، قَد تَعَلَّقَ نَعلَيهِ في يَدِهِ الشِّمال. وفي اليَومِ التَّالي قالَ النَّبيُّ ﷺ نَفسَ المَقالَة، فَطَلَعَ ذاتُ الرَّجُل. وفي اليَومِ الثَّالِثِ تَكَرَّرَ الأَمر! ثَلاثُ بِشاراتٍ بِالجَنَّةِ لِرَجُلٍ يَمشي عَلى الأَرض! ما السِّرُّ؟ ما العَمَلُ الخَفِيّ؟ لَحِقَهُ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو وباتَ عِندَهُ ثَلاثَ لَيالٍ، يُراقِبُ صَلاتَهُ، وصِيامَهُ، وقِيامَه. فَلَم يَرَهُ يَقومُ مِنَ اللَّيلِ بِشَيءٍ كَثير، ولَم يَرَ لَهُ عَمَلاً استِثنائِيًّا يَفوقُ عَمَلَ الصَّحابَة. فَلَمَّا مَضَتِ اللَّيالي الخَمس، سَألَهُ عَبدُ الله: يا عَبدَ الله، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ عَنكَ كَذا وكَذا، فَلَم أَرَكَ تَعمَلُ كَبيرَ عَمَلٍ! فَما الَّذي بَلَغَ بِكَ ما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ؟ فَقالَ الرَّجُلُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "ما هُوَ إلَّا ما رَأيتَ... غَيرَ أَنِّي لا أجِدُ في نَفسي لِأَحَدٍ مِنَ المُسلِمينَ غِشًّا، ولا أحسُدُ أحَدًا عَلى خَيرٍ أعطاهُ اللهُ إيَّاه". فَقالَ عَبدُ الله: "هَذِهِ الَّتي بَلَغَت بِك، وهَذِهِ الَّتي لا نُطيق". تَأمَّلوا يا كِرام! لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ بِكَثرَةِ صَلاةٍ ولا صِيام، بَل دَخَلَها بِسَلامَةِ الصَّدر، وحُبِّ الخَيرِ لِلنَّاس، وتَركِهِ الحَسَد، وتَركِهِ الخَوضَ فيما يَدورُ في حَياتِهِم. كانَ مَشغولاً بِتَنظيفِ قَلبِهِ قَبلَ نَومِه، لا بِمُراقَبَةِ جيرانِه. يا أهلَ الإيمان، إنَّ تَركَ ما لا يَعنيكَ هُوَ طَريقُكَ الأَقصَرُ لِـ "كَسْبِ القُلوب". النَّاسُ بِالفِطرَةِ تَنفِرُ مِنَ الفُضوليّ، المِكثار، الذي يَتدَخَّلُ في مالا يَعنيه، ويَسألُ عَمَّا لا يُفيدُه. وتَميلُ القُلوبُ بِالمَحَبَّةِ والإجلالِ إلى الشَّخصِ الرَّزين، الذي يَزِنُ كَلِماتِه، ويَغُضُّ طَرفَه، ويُريحُ النَّاسَ مِن لِسانِه. يقولُ النَّبيُّ ﷺ واصِفاً حَقيقَةَ المُسلِم: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِهِ ويَدِه» (متفق عليه). مَن سَلِموا مِن لِسانِكَ لَمّا تَركتَ التَّدَخُّلَ في شُؤونِهِم، ومَن سَلِموا مِن يَدِكَ وأذاك. وقَد لَخَّصَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ هذا المَعنى قائلاً: "مِن عَلامَةِ إعراضِ اللهِ عَنِ العَبدِ أن يَجعَلَ شُغلَهُ فيما لا يَعنيه". يا لَها مِن عُقوبَة! أن يُعاقِبَكَ اللهُ بِأن يَشغَلَكَ بِالنَّاسِ فَتَنسى نَفسَك. أن يَشغَلَكَ بِعُيوبِهِم فَتَعمى عَن عُيوبِك. أن يَشغَلَكَ بِأرزاقِهِم فَتَنسى أن تَشكُرَ رِزقَك. ... فَيا عَبدَ الله. عِندَما تُوضَعُ غَدًا في قَبرِكَ المُظلِم، ويُهالُ عَلَيكَ التُّراب. لَن يَسألَكَ المَلَكان: لِماذا اشتَرى جارُكَ تِلكَ السَّيَّارَة؟ لَن يُحاسِبَكَ اللهُ: كَم كانَ راتِبُ زَميلِكَ في العَمَل؟ لَن تُسألَ في عَرَصاتِ القِيامَةِ عَن خِلافاتِ فُلانٍ مَعَ زَوجَتِه! سَتُسألُ عَن شَيءٍ واحِدٍ فَقَط... عَن نَفسِكَ، وعُمُرِكَ، وعَمَلِك. يَقولُ رَبُّكُم مُنَبِّهًا لِهَذِهِ اللَّحظَةِ الفَرديَّةِ القاطِعَة: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [سورة مريم: 95]. فَردًا بِلا أصحاب، فَردًا بِلا جيران، فَردًا بِحَسَناتِكَ وسَيِّئاتِكَ التي جَمَعها لِسانُكَ وبَصَرُك. أَقولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ جَمالِ حَديثِ النَّبيِّ ﷺ في تَركِ ما لا يَعنينا، ورَأَينا كَيفَ أنَّ فُضولَ الكَلامِ والنَّظَرِ يُمرِضُ القَلبَ ويُفسِدُ الدِّين، وكَيفَ أنَّ حُبَّ الخَيرِ لِلنَّاسِ وسَلامَةَ الصَّدرِ كانَت مَطِيَّةَ ذَلكَ الصَّحابيِّ إلى الجَنَّة. والآن، كَيفَ نُحَوِّلُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في بِيوتِنا ومَجالِسِنا؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأُولى (قَلبيَّة): نَظِّف قَلبَكَ كُلَّ لَيلَةٍ قَبلَ أن تَنام. اعفُ عَمَّن ظَلَمَك، وادعُ بِالبَرَكَةِ لِمَن يَملِكُ ما لا تَملِك، فَإنَّ اللهَ يَقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة الحشر: 10]. الثَّانِيَة (لِسانيَّة): صُم عَن أسئِلَةِ الفُضول. تَوَقَّف مِنَ اليَومِ عَن سُؤالِ النَّاس: "بِكَمِ اشتَرَيت؟ لِماذا لَم تَتَزَوَّج؟ ما سَبَبُ طَلاقِك؟". قالَ ﷺ: «مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرًا أو ليَصمُت» (متفق عليه). الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): غُضَّ بَصَرَكَ عَن شاشاتِ الهَواتِفِ التي تَعرِضُ حَياةَ الآخَرينَ وتَستَنزِفُ عُمُرَك. كُلَّما مَدَدتَ عَينَيكَ لِحَياةِ غَيرِك، حُرِمتَ لَذَّةَ الشُّكرِ عَلى حَياتِك. عَمَلاً بِقَولِه تَعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النور: 30]. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): كُن مَلاذًا آمِناً لِلنَّاس. إذا اغتابَ أحَدٌ في مَجلِسِكَ أخاه، فَأَوقِفهُ ودافِع عَن عِرضِهِ، فَإنَّ اللهَ يَرُدُّ عَن وَجهِكَ النَّارَ يَومَ القِيامَة. قالَ تَعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [سورة الحجرات: 12]. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): انشَغِل بِعُيوبِ نَفسِكَ عَن عُيوبِ الخَلق. مَن طالَعَ ذُنوبَهُ، استَحيى أن يَنطِقَ بِذَنبِ أخيه. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أَنَّكُم مَوقوفونَ بَينَ يَدَي جَبَّارِ السَّماواتِ والأَرض، ومُحاسَبونَ عَلى مَثاقيلِ الذَّرّ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة: 7-8]. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ قُلوبًا سَليمَة، وألسِنَةً صادِقَة. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَدِ لِأحَدٍ مِنَ المُسلِمين، واجعَلنا نُحِبُّ لِإخوانِنا ما نُحِبُّ لِأَنفُسِنا. اللَّهُمَّ اشغَلنا بِعُيوبِنا عَن عُيوبِ خَلقِك، واشغَلنا بِطاعَتِكَ عَن مَعصِيَتِك، وبِذِكرِكَ عَنِ الخَوضِ فيما لا يَعنينا. اللَّهُمَّ احفَظ ألسِنَتَنا مِنَ الغيبَةِ والنَّميمَةِ والزَّلَل، واحفَظ أعيُنَنا مِنَ النَّظَرِ إلى ما حَرَّمتَ، ومِنَ التَّطَلُّعِ إلى ما بِيَدِ غَيرِنا. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن ألسِنَتِهِم وأيديهِم، ومِمَّن تَرَكوا ما لا يَعنيهِم فَحَسُنَ إسلامُهُم. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، وَارحَمِ المُستَضعَفينَ والمَظلومين، وتَوَلَّهُم بِحِفظِكَ ورِعايَتِك. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.