🕌 سُورَةُ قُرَيْشٍ... رِسَالَةُ الأَمْنِ وَالرِّزْقِ فِي زَمَنِ القَلَقِ
#خطبة_جمعة #سورة_قريش #تفسير #شكر_النعم #الرزق #الأمن #إيمانيات
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
عِبَادَ اللهِ، سُورَةٌ قَصِيرَةٌ مِنْ أَرْبَعِ آيَاتٍ فَقَطْ، نَقْرَؤُهَا كَثِيرًا فِي صَلَوَاتِنَا السَّرِيعَةِ، وَنُحَفِّظُهَا لِأَطْفَالِنَا مُنْذُ الصِّغَرِ. لَكِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْأَرْبَعَ تَحْمِلُ دَوَاءً لِأَكْبَرِ مَرَضَيْنِ يُعَانِي مِنْهُمَا إِنسَانُ هَذَا الْعَصْرِ: الْخَوْفُ عَلَى الرِّزْقِ، وَالْقَلَقُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ. وَلَوْ فَهِمْنَا السِّرَّ الْمَطْوِيَّ فِي كَلِمَاتِهَا، لَتَبَدَّلَتْ حَيَاتُنَا، وَلَنَزَلَتِ السَّكِينَةُ عَلَى قُلُوبِنَا كَمَا تَنْزِلُ قَطَرَاتُ النَّدَى عَلَى الْأَرْضِ الْعَطْشَى. فَمَا هُوَ هَذَا السِّرُّ؟ وَكَيْفَ تُعَالِجُ هَذِهِ السُّورَةُ قَلَقَنَا الْيَوْمِيَّ؟ بَعْدَ قَلِيلٍ سَنَقِفُ عَلَى الْجَوَابِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، تَأَمَّلُوا مَعِي فِي حَالِ عَالَمِنَا الْيَوْمَ. نَحْنُ نَعِيشُ فِي أَكْثَرِ الْعُصُورِ وَفْرَةً فِي الطَّعَامِ؛ الثَّلَّاجَاتُ مَلِيئَةٌ، وَالْأَسْوَاقُ تَفِيضُ بِالْبَضَائِعِ. وَنَعِيشُ فِي أَكْثَرِ الْعُصُورِ تَحْصِينًا؛ أَبْوَابٌ حَدِيدِيَّةٌ، وَكَامِيرَاتُ مُرَاقَبَةٍ، وَأَنْظِمَةُ أَمْنٍ مُعَقَّدَةٌ. لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ الْعَجِيبَةَ الَّتِي تَسْتَوْقِفُ الْعُقُولَ: أَنَّنَا أَكْثَرُ الْأَجْيَالِ قَلَقًا! نَمْلِكُ الطَّعَامَ وَنَخَافُ الْجُوعَ، وَنَمْلِكُ الْأَقْفَالَ وَنَخَافُ عَلَى الْأَمْنِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّنَا نَسِينَا الْقَاعِدَةَ الْقُرْآنِيَّةَ الَّتِي أَرْسَاهَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ قُرَيْشٍ.
يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 1-4].
تَأَمَّلُوا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي كَلِمَةِ «إِيلَافِ». مَاذَا تَعْنِي؟ أَنْ تَأْلَفَ النِّعْمَةَ، أَنْ تَعْتَادَ عَلَيْهَا، أَنْ تُصْبِحَ رُوتِينًا يَوْمِيًّا فِي حَيَاتِكَ، فَلَا تَعُودَ تَرَاهَا نِعْمَةً! هَذَا هُوَ دَاءُ «الْإِيلَافِ». قُرَيْشٌ أَلِفَتْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ إِلَى الْيَمَنِ، وَرِحْلَةَ الصَّيْفِ إِلَى الشَّامِ. تَمُرُّ قَوَافِلُهُمْ مُحَمَّلَةً بِالْبَضَائِعِ وَالْأَمْوَالِ شَهْرًا ذَهَابًا وَشَهْرًا إِيَابًا فِي صَحْرَاءَ مَلِيئَةٍ بِقُطَّاعِ الطُّرُقِ، لَكِنْ لَا أَحَدَ يَتَجَرَّأُ عَلَى مَسِّهِمْ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُمْ "أَهْلُ الْحَرَمِ".
وَقَدْ ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ فِي آيَةٍ أُخْرَى قَائِلًا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: 67]. كَانَ النَّاسُ يُقْتَلُونَ وَيُسْلَبُونَ خَارِجَ مَكَّةَ، بَيْنَمَا تَنَامُ قُرَيْشٌ فِي أَمَانٍ. لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ أَنَّهُمْ «أَلِفُوا» هَذِهِ النِّعْمَةَ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ الْأَمْنَ شَيْءٌ طَبِيعِيٌّ حَصَلُوا عَلَيْهِ بِقُوَّتِهِمْ وَمَكَانَتِهِمْ.
أَلَا يُشْبِهُ هَذَا حَالَ كَثِيرٍ مِنَّا الْيَوْمَ؟ تَسْتَيْقِظُ فِي صَبَاحِكَ، تَمْشِي عَلَى قَدَمَيْكَ، تَرَى بِعَيْنَيْكَ، تَجِدُ فِي بَيْتِكَ مَا يُقِيمُ صُلْبَكَ، وَأَبْنَاؤُكَ مِنْ حَوْلِكَ فِي عَافِيَةٍ. لَكِنَّكَ مِنْ شِدَّةِ إِيلَافِكَ لِهَذِهِ النِّعَمِ، لَمْ تَعُدْ تَسْتَشْعِرُ قِيمَتَهَا! صِرْنَا لَا نُحِسُّ بِالنِّعْمَةِ إِلَّا إِذَا فَقَدْنَاهَا. نَأْلَفُ الصِّحَّةَ حَتَّى نَمْرَضَ، وَنَأْلَفُ الرَّخَاءَ حَتَّى نَفْتَقِرَ، وَنَأْلَفُ الْأَمْنَ حَتَّى نُفْجَعَ.
يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مُحَذِّرًا مِنْ هَذَا الدَّاءِ: "أَكْثَرُ النَّاسِ مَحْجُوبُونَ عَنْ شُكْرِ النِّعَمِ بِإِيلَافِهَا، فَلَا يَرَوْنَهَا نِعْمَةً إِلَّا إِذَا سُلِبُوهَا!". يَا سُبْحَانَ اللهِ! كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ نَغْرَقُ فِيهَا الْيَوْمَ وَلَا تَلْهَجُ أَلْسِنَتُنَا بِالْحَمْدِ عَلَيْهَا؟ كَمْ مِنْ عَافِيَةٍ تَسْرِي فِي أَوْرِدَتِنَا وَقُلُوبُنَا غَافِلَةٌ عَنِ الْمُعَافِي؟
وَلِذَلِكَ، دَعُونَا نَنْتَقِلْ إِلَى الْمِحْوَرِ الْأَعْظَمِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. لَمَّا ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِنِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالرِّزْقِ، مَاذَا طَلَبَ مِنْهُمْ؟ هَلْ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَظِّمُوا اقْتِصَادَهُمْ؟ هَلْ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَبْنُوا جُيُوشًا لِحِمَايَةِ قَوَافِلِهِمْ؟ لَا! بَلْ جَاءَ الْأَمْرُ الرَّبَّانِيُّ الْحَاسِمُ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾.
تَأَمَّلُوا الرَّبْطَ الْعَجِيبَ يَا عِبَادَ اللهِ! جَوَابُ الرِّزْقِ وَالْأَمْنِ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا، بَلْ فِي مُرْتَبِطٍ بِالسَّمَاءِ. إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَدُومَ لَكُمْ رِحْلَةُ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَدُومَ الطَّعَامُ وَيَبْقَى الْأَمْنُ؛ فَالطَّرِيقُ وَاحِدٌ: اعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يُسْتَجْلَبُ بِمُجَرَّدِ الذَّكَاءِ وَالِاحْتِيَالِ، وَإِنَّ الْأَمْنَ لَا يُصْنَعُ بِمُجَرَّدِ الْقُوَّةِ وَالسِّلَاحِ، بَلْ هُمَا عَطَاءٌ مِنَ الرَّزَّاقِ الْمُؤْمِنِ سُبْحَانَهُ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». وَاللهِ إِنَّهَا لَخُلَاصَةُ الْحَيَاةِ! طَعَامٌ وَأَمْنٌ وَعَافِيَةٌ. وَلَكِنْ لِمَاذَا نَرَى الْيَوْمَ وُجُوهًا كَالِحَةً، وَقُلُوبًا مُنْقَبِضَةً، وَنُفُوسًا تَرْتَجِفُ خَوْفًا مِنَ الْغَدِ، مَعَ أَنَّ الدُّنْيَا قَدْ حِيزَتْ لَهُمْ كَمَا قَالَ الْمُصْطَفَى ﷺ؟ الْجَوَابُ مُؤْلِمٌ جِدًّا: لِأَنَّنَا أَكَلْنَا الطَّعَامَ وَتَمَتَّعْنَا بِالْأَمْنِ، ثُمَّ نَسِينَا ﴿رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾. فَأَصَابَتْنَا لَعْنَةُ الْقَلَقِ!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ الْحَيَاةَ الْمَادِّيَّةَ الْيَوْمَ تُصَوِّرُ لَنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ صَانِعُ أَمْنِهِ وَمُدَبِّرُ رِزْقِهِ. فَيَرْكُضُ أَحَدُنَا خَلْفَ الدُّنْيَا رَكْضَ الْوُحُوشِ فِي الْبَرِّيَّةِ، يَخَافُ أَنْ يَنْقُصَ مَالُهُ، يَخَافُ عَلَى مُسْتَقْبَلِ أَوْلَادِهِ، يَرْسُمُ الْخُطَطَ لِعِشْرِينَ سَنَةً قَادِمَةً، ثُمَّ تَقَعُ نَازِلَةٌ بَسِيطَةٌ أَوْ مَرَضٌ مُفَاجِئٌ فَيَنْهَارُ كُلُّ شَيْءٍ!
اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ تَارِيخِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ. جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَالِمٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَشْكُو إِلَيْهِ الضِّيقَ وَالْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْعَالِمُ نَظْرَةَ الْمُرَبِّي الرَّحِيمِ، ثُمَّ سَأَلَهُ سُؤَالًا عَجِيبًا: "أَيَسُرُّكَ أَنْ تُعْمَى عَيْنَاكَ وَلَكَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ؟" فَقَالَ الرَّجُلُ: "لَا، وَاللهِ". فَقَالَ الْعَالِمُ: "أَيَسُرُّكَ أَنْ تُقْطَعَ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ وَلَكَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ؟" قَالَ الرَّجُلُ: "لَا، وَاللهِ". فَقَالَ الْعَالِمُ: "أَيَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ مَجْنُونًا فَاقِدًا لِعَقْلِكَ وَلَكَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ؟" قَالَ الرَّجُلُ مَفْزُوعًا: "لَا، وَاللهِ". فَابْتَسَمَ الْعَالِمُ وَقَالَ لَهُ كَلِمَةً تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: "سُبْحَانَ اللهِ! تَمْشِي فَوْقَ الْأَرْضِ وَأَنْتَ تَحْمِلُ ثَرَوَاتٍ بِمِئَاتِ الْآلَافِ مِنَ الدَّرَاهِمِ، ثُمَّ تَأْتِي تَشْكُو الْفَقْرَ؟!".
نَعَمْ، إِنَّهَا الْعَمَى عَنِ النِّعَمِ الَمَوْجُودَةِ! وَهُوَ مَا حَذَّرَنَا مِنْهُ الرَّسُولُ ﷺ عِنْدَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ». لَكِنْ فِي عَصْرِ الشَّاشَاتِ، حَيْثُ يَرَى أَحَدُنَا النَّاسَ يَتَقَلَّبُونَ فِي الرَّفَاهِيَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ، صِرْنَا نَنْظُرُ لِمَنْ هُوَ فَوْقَنَا كُلَّ ثَانِيَةٍ، فَازْدَرَيْنَا نِعْمَةَ اللهِ، وَامْتَلَأَتْ قُلُوبُنَا بِالسَّخَطِ وَالْقَلَقِ.
وَإِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَعْرِفُوا النَّتِيجَةَ الْمُخِيفَةَ لِكُفْرَانِ النِّعْمَةِ، فَتَأَمَّلُوا مَعِي هَذَا الْمَشْهَدَ الْمُخِيفَ الَّذِي رَسَمَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾... مَشْهَدٌ مِثَالِيٌّ؛ أَمْنٌ وَطُمَأْنِينَةٌ وَرِزْقٌ وَاسِعٌ يَأْتِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ! فَمَاذَا حَدَثَ؟ ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾... لَمْ يَسْجُدُوا لِرَبِّ الْبَيْتِ، بَلْ أَلِفُوا النِّعْمَةَ وَجَحَدُوهَا. فَمَاذَا كَانَ الْعِقَابُ؟ هَلْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ؟ لَا. هَلْ أَغْرَقَهُمْ بِالطُّوفَانِ؟ لَا. بَلْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].
عَادَتِ الْمُعَادَلَةُ مَرَّةً أُخْرَى: «جُوعٌ وَخَوْفٌ» عَكْسُ «أَطْعَمَهُمْ وَآمَنَهُمْ»! إِذَا ذَهَبَ شُكْرُ الْمُنْعِمِ، حَلَّ مَحَلَّ النِّعْمَةِ نَقِيضُهَا. سَمَّاهُ الْقُرْآنُ «لِبَاسَ» الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، لِأَنَّهُمَا يُخَالِطَانِ الْجَسَدَ وَيُغَطِّيَانِهِ كَمَا يُغَطِّي اللِّبَاسُ الْجِلْدَ، فَلَا يَشْعُرُونَ بِقَرَارٍ وَلَا رَاحَةٍ حَتَّى لَوْ مَلَكُوا خَزَائِنَ الْأَرْضِ.
يَا مَنْ غَرَّتْهُ وِظِيفَتُهُ فَظَنَّ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِرِزْقِهِ! يَا مَنْ أَلْهَتْهُ شَهَوَاتُهُ عَنْ رَبِّهِ! يَا مَنْ يَتَقَلَّبُ فِي النِّعَمِ صَبَاحَ مَسَاءَ وَلَا يَكَادُ جَبِينُهُ يَمَسُّ الْأَرْضَ شُكْرًا للهِ! أَيُعْقَلُ أَنْ نَأْكُلَ رِزْقَهُ ثُمَّ نَعْصِيَهُ بِهِ؟ أَيُعْقَلُ أَنْ نَتَمَتَّعَ بِأَمْنِهِ ثُمَّ نُبَارِزَهُ بِالذُّنُوبِ وَالْغَفْلَةِ؟!
يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تَهُزُّ الْأَعْمَاقَ: "إِنَّ اللهَ لَيُمَتِّعُ بِالنِّعْمَةِ مَا شَاءَ، فَإِذَا لَمْ يُشْكَرْ عَلَيْهَا، قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ عَذَابًا". وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ دَائِمًا مِنْ هَذَا الِانْقِلَابِ الْمُفَاجِئِ فَيَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ».
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، إِنَّ الْمُعَادَلَةَ الَّتِي تَرْسُمُهَا سُورَةُ قُرَيْشٍ وَاضِحَةٌ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. الْعِبَادَةُ هِيَ الثَّمَنُ. وَالشُّكْرُ هُوَ الْقَيْدُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ النِّعَمُ الْحَالِيَّةُ، وَالْجَالِبُ الَّذِي تُسْتَجْلَبُ بِهِ النِّعَمُ الْمُسْتَقْبَلِيَّةُ. فَقَدْ وَعَدَ الْكَرِيمُ وَوَعْدُهُ الْحَقُّ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. وَقَالَ تَعَالَى يُذَكِّرُنَا بِالْمَصْدَرِ الْأَوْحَدِ لِكُلِّ خَيْرٍ: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
وَلَعَلَّكُمُ تَسْأَلُونَ الْآنَ: وَكَيْفَ نَشْكُرُ؟ هَلِ الشُّكْرُ مُجَرَّدُ كَلِمَةٍ بِاللِّسَانِ؟ لَا وَاللهِ. الشُّكْرُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهَا: اِعْتِرَافٌ فِي الْقَلْبِ بِأَنَّ الْمُنْعِمَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ (لَا شَهَادَتُكَ وَلَا خِبْرَتُكَ)، وَحَمْدٌ بِاللِّسَانِ بِلَا فُتُورٍ، وَأَخِيرًا وَهُوَ الْأَهَمُّ: عَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ فِي طَاعَةِ اللهِ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].
فَيَا مَنْ تَمْلِكُ صِحَّةً فِي جَسَدِكَ؛ شُكْرُهَا أَنْ تُقِيمَ هَذَا الْجَسَدَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَيَا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا؛ شُكْرُهُ أَنْ تُخْرِجَ حَقَّ اللهِ فِيهِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ. وَيَا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ أَمْنًا وَوَظِيفَةً؛ شُكْرُهُمَا أَنْ لَا تَسْتَخْدِمَهُمَا فِي قَهْرِ عِبَادِ اللهِ أَوِ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ.
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْرَحُ بِأَبْسَطِ النِّعَمِ، وَيَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهَا كَأَنَّهَا مُلْكُ الدُّنْيَا. يَقُولُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». تَخَيَّلُوا! تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ تَأْكُلُهَا وَتَقُولُ مِنْ قَلْبِكَ: "الْحَمْدُ للهِ"، فَيَرْضَى عَنْكَ مَالِكُ الْمُلْكِ! أَيُّ كَرَمٍ هَذَا؟ وَأَيُّ دِينٍ عَظِيمٍ نَحْنُ عَلَيْهِ؟
فَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ يَا عِبَادَ اللهِ، وَانْفُضُوا عَنْكُمْ غُبَارَ الْخَوْفِ عَلَى الرِّزْقِ، فَالَّذِي أَطْعَمَ قُرَيْشًا فِي الصَّحْرَاءِ الْقَاحِلَةِ قَبْلَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ عَامٍ، حَيٌّ قَيُّومٌ لَا يَمُوتُ، هُوَ الَّذِي يَكْفَلُ رِزْقَكَ، وَيَدْرَأُ عَنْكَ الرَّوْعَةَ وَالْخَوْفَ، إِذَا أَنْتَ جَعَلْتَهُ وِجْهَتَكَ وَأَقَمْتَ وَجْهَكَ صَادِقًا نَحْوَ بَيْتِهِ الْعَتِيقِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
---
🔷 الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ، عَرَفْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى خَطَرَ «إِيلَافِ» النِّعْمَةِ الَّذِي يُعْمِي الْقَلْبَ، وَتَدَبَّرْنَا كَيْفَ أَنَّ رَبَّنَا رَبَطَ دَوَامَ الطَّعَامِ وَالْأَمْنِ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾. وَرَأَيْنَا كَيْفَ تَسْقُطُ الْأُمَمُ فِي مَحَطَّاتِ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ إِذَا تَنَكَّرَتْ لِلْمُنْعِمِ سُبْحَانَهُ. وَالْآنَ، وَنَحْنُ نَعِيشُ فِي زَمَنِ الْمَخَاوِفِ الْمُتَلَاحِقَةِ، كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذِهِ السُّورَةَ الْعَظِيمَةَ إِلَى طَوْقِ نَجَاةٍ فِي حَيَاتِنَا؟ كَيْفَ نَعِيشُ مَا سَمِعْنَا؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي، خُذُوهَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَبَقِيَّةَ عُمُرِكُمْ:
الْأُولَى (وَصِيَّةٌ قَلْبِيَّةٌ): طَهِّرْ قَلْبَكَ مِنْ شِرْكِ الْأَسْبَابِ. عِنْدَمَا تَقْبِضُ رَاتِبَكَ غَدًا، أَوْ يَدْخُلُ عَلَيْكَ رِزْقٌ، إِيَّاكَ أَنْ يَقُولَ قَلْبُكَ "هَذَا بِذَكَائِي وَشَهَادَتِي"، بَلِ اسْتَحْضِرِ افْتِقَارَكَ، وَاعْتَرِفْ أَنَّهُ مَحْضُ فَضْلِ اللهِ. تَذَكَّرْ أَنَّ الرَّزَّاقَ إِذَا شَاءَ أَغْلَقَ الْأَبْوَابَ فِي لَحْظَةٍ. هَذَا الِاعْتِرَافُ هُوَ رُوحُ الْعُبُودِيَّةِ.
الثَّانِيَةُ (وَصِيَّةٌ لِسَانِيَّةٌ): لَا تَكُنْ مِنَ الشَّاكِينَ دَائِمًا. اِجْعَلِ اللَّيْلَةَ عَلَى لِسَانِكَ ذِكْرًا جَدِيدًا: كُلَّمَا رَأَيْتَ ثَلَّاجَتَكَ، أَوْ نَظَرْتَ إِلَى قُفْلِ بَابِكَ، قُلْ بِيَقِينٍ حَاضِرٍ لَا بِتَعَوُّدٍ غَافِلٍ: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا مِنْ جُوعٍ وَآمَنَنَا مِنْ خَوْفٍ". فَإِنَّ الْحَمْدَ الْحَاضِرَ يَرْبِطُ النِّعَمَ فَلَا تَفِرُّ.
الثَّالِثَةُ (وَصِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ): حَافِظْ عَلَى الصَّلَاةِ بِخُشُوعِهَا الْمَطْلُوبِ. أَنْتَ تَقْرَأُ سُورَةَ قُرَيْشٍ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ ذُرْوَةُ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾. قَرِّرْ مِنَ الْيَوْمِ أَنْ لَا تُؤَخِّرَ صَلَاةً عَنْ وَقْتِهَا مَهْمَا كَانَتْ أَشْغَالُ الدُّنْيَا؛ فَالرِّزْقُ الَّذِي تَلْهَثُ خَلْفَهُ، تَرْكُ الصَّلَاةِ يَمْحَقُ بَرَكَتَهُ تَمَامًا.
الرَّابِعَةُ (وَصِيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ): كُنْ سَبَبًا فِي إِطْعَامِ جَائِعٍ أَوْ تَأْمِينِ خَائِفٍ. اِبْحَثْ هَذَا الْأُسْبُوعَ عَنْ مُحْتَاجٍ لَا يَجِدُ قُوتَهُ، أَوْ مَكْرُوبٍ خَائِفٍ مِنْ دَيْنٍ يُلَاحِقُهُ. أَطْعِمْهُ مِمَّا أَطْعَمَكَ اللهُ، وَسَاعِدْهُ فِي زَوَالِ خَوْفِهِ؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَمَنْ نَفَّسَ كُرْبَةً نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ.
الْخَامِسَةُ (وَصِيَّةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ رَاسِخَةٌ): فِي سَجْدَتِكَ الْقَادِمَةِ، اِسْأَلِ اللهَ أَنْ يَرْزُقَكَ «الْبَصِيرَةَ فِي النِّعْمَةِ» قَبْلَ زَوَالِهَا. دَعْ قَلْبَكَ يَتَدَبَّرُ صِحَّةَ حَوَاسِّكَ كُلَّ صَبَاحٍ. قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَعْتَادَ نِعَمَكَ حَتَّى أَنْسَى شُكْرَكَ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ لِمَنْ خَافَ حَوَادِثَ الزَّمَانِ، وَهِيَ الْمِفْتَاحُ الْمَضْمُونُ لِكُلِّ بَابٍ مُغْلَقٍ، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ جَلَّ فِي عُلَاهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَصَحَابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَقَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ كَفَرَ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَقْتَهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ.
اللَّهُمَّ يَا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، يَا مَنْ أَطْعَمْتَنَا مِنْ جُوعٍ وَآمَنْتَنَا مِنْ خَوْفٍ، أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ فِي أَوْطَانِنَا، وَالسَّكِينَةَ فِي بُيُوتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا وَأَوْلَادِنَا. اللَّهُمَّ نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ.
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنَّا خَائِفًا فَآمِنْ رَوْعَتَهُ، وَمَنْ كَانَ مَكْرُوبًا فَفَرِّجْ هَمَّهُ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنِهِ بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ وَحِّدْ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَانْصُرِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ إِخْوَانِنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَارْفَعْ عَنْهُمُ الظُّلْمَ وَالْجُوعَ وَالْخَوْفَ يَا قَوِيُّ يَا جَبَّارُ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجُ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.