🕌 قَومُ لُوطٍ وعاصِفَةُ العَصْر... كَيفَ نَحمي فِطرَتَنا؟
#خطبة_جمعة #حفظ_الفطرة #الشذوذ #قوم_لوط #تربية_الأبناء #عقيدة #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثى، وأقامَ الكَونَ على فِطرَةٍ سَوِيَّةٍ مَن حادَ عنها هَلَك، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الطَّهارةَ زينةَ المؤمنينَ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أطْهَرُ البَشَرِ قَلباً وقالَباً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخيَّلوا معي جَريمةً بَشِعَة، لم تَجعَل رَبَّنا جَلَّ جلالُه يُرسِلُ على أصحابِها صاعقةً فَحسْب، بل أَمَرَ جِبريلَ عليه السلام أن يَقتَلِعَ قُراهُم من جُذورِها، ويَرفَعَها إلى السَّماءِ حتى سَمِعَت الملائكةُ نُباحَ كِلابِهم، ثم يَقلِبَها عليهم، ثم يُتبِعَهم بحِجارةٍ من سِجِّيل... هل عَرَفتُم ما هي هذه الجريمة؟ وماذا لو قُلتُ لكم إنَّ هذه الجريمةَ نَفسَها لم تَعُد اليومَ ذَنباً يُتخَفَّى به، بل أصبَحَت أجِندَةً عالَميَّةً ومَناهِجَ مَدرسيَّةً تُطرَقُ بها أبوابُ بُيوتِنا وشاشاتُ أطفالِنا؟ الخَطَرُ يَدنو، وبابُ الفِطرَةِ يُكسَر، وسَنَعرِفُ بعدَ قَليلٍ كَيفَ نُدافِع.
أيُّها المؤمنون، دَعوني أسألُكم سُؤالاً يَهُزُّ الوِجدان: متى آخِرُ مرَّةٍ شَكَرتُمُ اللهَ تعالى على نِعمَةِ "الفِطرَة"؟ نِعمَةُ أن تَرى الحقَّ حقّاً والباطلَ باطلاً، نِعمَةُ أن تَشمَئِزَّ نَفسُكَ ممَّا حَرَّمَ الله، وتَميلَ إلى ما أحَلَّ الله؟ نحنُ نَعيشُ اليومَ في زَمَنٍ أصبَحَت فيهِ المُحافَظَةُ على البَديهيَّاتِ والفِطرَةِ السَّليمةِ جِهاداً عظيماً.
يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى، مُحذِّراً ومُنذِراً بقِصَّةٍ تَتكرَّرُ أطوارُها اليوم: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 80-81].
تَأمَّلوا هذه الآيةَ جيِّداً! لم يَقُلْ رَبُّنا إنَّهم أتَوا مَعصيةً أو ذَنباً، بل سَمَّاها "الْفَاحِشَةَ" بالألِفِ واللَّام، كأنَّها أُمُّ الفَواحِشِ وأقذَرُها. والمُصيبَةُ الكُبرى في قَومِ لُوطٍ لم تَكُن في وُقوعِهم في الشُّذوذِ فَحسْب، بل كانَت في الإعلانِ، والاسْتِعراضِ، وفَرضِ هذا الشُّذوذِ على المُجتَمَع، قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت: 29]. كانوا يَفعَلونَ ذلكَ في النَّوادي والمَجالِسِ العامَّة، يَتفاخَرونَ بهِ ولا يَستَترون!
وهُنا نَقِفُ لِنَسأل: كيفَ تَعامَلَ قَومُ لُوطٍ مع النَّبِيِّ الطَّاهِرِ الذي يَدعوهُم للفِطرَة؟ هل قالوا إنَّهُ حُرٌّ في رَأيِه؟ هل احتَرَموا حُقوقَهُ في التَّعبير؟ اسمَعوا جَوابَهُم القَبيح الذي يَحكيهِ القُرآن: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56].
يا سُبحانَ الله! أصبَحَتِ الطَّهارَةُ تُهمَةً يُعاقَبُ عليها صاحِبُها بِالطَّردِ والنَّفي! أصبَحَ المُجرِمُ الشَّاذُّ هو مَن يَحكُم، والمُؤمِنُ الطَّاهِرُ هو المُطارَد.
ولعلَّكم تَسألونَ الآن: لِماذا نَتذَكَّرُ هذه القِصَّةَ اليوم؟
يا عِبادَ الله... لأنَّ ما فَعَلَهُ قَومُ لُوطٍ في قَريَةٍ صَغيرَةٍ قَبلَ آلافِ السِّنين، يَفعَلُهُ العالَمُ الغَربيُّ اليومَ على مُستَوى الكُرَةِ الأرضيَّةِ كُلِّها! نحنُ أمامَ أخطَرِ هَجمَةٍ في تاريخِ البَشَريَّةِ لِمَسخِ هُوِيَّةِ الإنسانِ وطَمسِ فِطرَتِه. إنَّهُم لا يُريدونَ مُجَرَّدَ مُمارَسَةِ الرَّذيلَةِ في السِّرّ، بل يُريدونَ كَسْرَ القُلوبِ الطَّاهِرَة، وفَرْضَ هذهِ الفاحِشَةِ جَبراً على البَشَر.
واسمَعوا لهذا النَّقلِ العَجيب.. قال الخليفةُ الأُمَويُّ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ رَحِمَهُ الله: "لولا أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَصَّ علينا قِصَّةَ قَومِ لُوطٍ في القُرآن، ما ظَنَنتُ أنَّ ذَكَراً يَعلو ذَكَراً!". انظُروا كَيفَ كانَتِ الفِطرَةُ نَقيَّةً حتى إنَّ العُقولَ تَرفُضُ مُجَرَّدَ تَصَوُّرِ الفِعل، أمَّا اليوم، فَقَد أُشبِعَت أعيُنُ النَّاسِ وأسماعُهم بِهذا الخَبَث.
يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ، التَّحَدِّي الأكبَرُ اليوم ليسَ في وُجودِ الشُّذوذ، فهُوَ مَوجودٌ مُنذُ قَديمِ الزَّمان كَمَرَضٍ وانتِكاسَة. التَّحَدِّي أنَّ الغَربَ أخرَجَهُ من دائِرَةِ "الشُّذوذِ والمَرَض" إلى دائِرَةِ "الحُقوقِ والهُوِيَّة"، وأصبَحَ لَهُم أساليبُ شَيطانِيَّةٌ لِنَشرِهِ وتَطبيعِه، يَجِبُ أن نَعرِفَها لِنَحميَ أبناءَنا:
الأسلوبُ الأوَّلُ: التَّلاعُبُ اللُّغَويُّ وسَرِقَةُ المُصطَلَحات.
الشَّيطانُ ذَكيّ، يَعلَمُ أنَّ النُّفوسَ تَنفِرُ من كَلِمَة "شُذوذ" أو "فاحِشَة". فماذا فَعَلوا؟ استَبدَلوها بكَلِمَة "مِثلِيَّة" لِتَبدوَ كَلِمَةً عِلميَّةً مُحايِدَة، واستَخدَموا مُصطَلَحاتٍ مِثل "الحُبّ" و"التَّسَامُح" و"حُقوقِ الإنسان". بل سَرَقوا قَوسَ قُزَح، الذي هو آيَةٌ من آياتِ اللهِ في جَمالِ الطَّبيعَة، وجَعَلوهُ عَلَماً لِقَذارَتِهم وشِعاراً لِفاحِشَتِهم! حتى أصبَحَ الطِّفلُ المُسلِمُ إذا رَأى الألوانَ تَداعَت إلى ذِهنِهِ هذه الرَّذيلَة.
الأسلوبُ الثَّاني: غَسيلُ أدمِغَةِ الأطفالِ عَبْرَ الشَّاشات.
وهُنا الطَّامَّةُ الكُبرى! إنَّهم يَعلَمونَ أنَّ الشَّخصَ البالِغَ صَعبُ الاختِراق، فَوَجَّهوا سِهامَهُم إلى الأطفالِ الصِّغار الذين تَتَشَكَّلُ عُقولُهم. عَبْرَ أفلامِ "الكارتون"، وشَرِكاتِ التَّرفيهِ العالَميَّة مِثل ديزني وغيرها، والألعابِ الإلكترونيَّة، والبرامِجِ المَدرَسيَّة. يُدسُّ الشَّاذُّ في القِصَّةِ كَشَخصيَّةٍ طَيِّبةٍ لَطيفَةٍ يُحِبُّها الطِّفل، بِمَشاهِدَ عابِرَةٍ في الخَلفيَّة، لتُمَرَّر الفِكرَةُ قَطرَةً قَطرَة، حتى يَفقِدَ الطِّفلُ حَساسيَّتَهُ تُجاهَ هذا المُنكَر.
قَرَّرَ الإمامُ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ قاعدَةً نَفسيَّةً عَظيمَةً حينَ قال: "إنَّ النَّفسَ إذا اعتادَت رُؤيَةَ المُنكَر، زالَ من القَلبِ إنكارُه، حتى يَصيرَ مَعروفاً". وهذا هو هَدَفُهم الضَّبط: كَثرَةُ المِساسِ تُفقِدُ الإحساس.
الأسلوبُ الثَّالث: الإرهابُ الفِكريُّ والقانوني.
في الغَرب، إذا انتَقَدتَ دينَ اللهِ أو سَبَبتَ الأنبياء، سَمَّوا ذلكَ "حُريَّةَ تَعبير". أمَّا إذا قُلتَ إنَّ الشُّذوذَ مَرَضٌ وخِلافُ الفِطرَة، أصبَحتَ "مُتَخَلِّفاً رَجعِيّاً" وتُحاكَمُ بتُهمَةِ نَشرِ الكَراهيَة، ويُفصَلُ المُوظَّفُ من عَمَلِه، ويُطرَدُ اللَّاعِبُ من ناديهِ إن رَفَضَ دَعمَهُم! ألَيسَ هذا هو نَفسَ مَنطِقِ قَومِ لُوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؟ المَنطِقُ الشَّيطانيُّ لا يَتغيَّر.
الأسلوبُ الرَّابع: تَوظيفُ المَشاهيرِ والأسواق.
لا يَكادُ يَخلو حَدَثٌ رِياضِيٌّ عالَمي، ولا مُباراةٌ شَهيرَة، إلَّا وتُرفَعُ فيها شِعاراتُهم. يُجبَرُ اللَّاعِبونَ الذينَ يَعتَبِرُهم شَبابُنا قُدُوات، على وَضعِ شاراتِ الدَّعم. والشَّرِكاتُ التِّجاريَّةُ الكُبرى تُغَيِّرُ شِعاراتِها في شَهرٍ مُعَيَّنٍ من السَّنَةِ استِعراضاً لِوَلائِهِم لِهذه الفاحِشَة. كُلُّ هذا ليَقولوا للشباب: "العالَمُ كُلُّهُ مَعَنا، فَهَل سَتَكونُ أنتَ الشَّاذَّ عن العالَم وتَرفُضُنا؟".
يا إخوَةَ الإيمان، إنَّ الخَطَرَ لم يَعُد بَعيداً وراءَ المُحيطات، الخَطَرُ في كَفِّ ابنِكَ وابنَتِكَ، في الهاتِفِ الذي يَحمِلانِه، في المِقاطِعِ التي يُشاهِدانِها.
تَأمَّلوا مَعي مشهداً درامياً من سورة هود.. حينمَا جاءَتِ الملائكةُ بصورةِ شَبابٍ حِسانٍ إلى لُوطٍ عليهِ السَّلام لِيَختَبِروا قَومَه، هَجَمَ القَومُ على بَيتِ النَّبيِّ يُريدونَ الفاحِشَةَ بضيوفِه! وَقَفَ لُوطٌ وَحيداً، يَتَألَّمُ ويَتَمزَّق، ويُنادي فيهم: ﴿يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: 78].
لكنَّ الفِطرَةَ عِندَهُم كانَت قَد ماتَت، فأجابوهُ بِصَفاقَة: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
في تِلكَ اللَّحظَةِ الخانِقَة، أطلَقَ لُوطٌ صَرخَةَ المُؤمِنِ المُحاصَر: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾!
فَجاءَهُ الفَرَجُ مُباشَرَةً من السماء: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾!
ثمَّ جاءَ العِقابُ الذي يَقشَعِرُّ لَهُ البَدَن: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ [هود: 82].
يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله في سِرِّ هذا العِقابِ العَجيب: "عاقَبَهُمُ اللهُ بأن قَلَبَ دِيارَهُم وجَعَلَ عاليَها سافِلَها، جَزاءً وِفاقاً، لَمَّا قَلَبوا فِطرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عليها، فَعُوقِبوا بالقَلب!". القَلبُ بالقَلبِ، والمَسخُ بالمَسخ.
ويقولُ الصَّادِقُ المَصدوق ﷺ بِصيغَةٍ لا لَبسَ فيها: «لَعَنَ اللهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوط، لَعَنَ اللهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوط، لَعَنَ اللهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَومِ لُوط» رَواهُ أحمَد. ثَلاثَ مرَّاتٍ يُلِحنُ بها رَسولُ الرَّحمَة، لِيُبيِّنَ غَلظَةَ هذه الجَريمةِ وشَناعَتَها عندَ الله.
عبادَ الله، المعركَةُ اليومَ مَعركةُ عَقيدَةٍ وأخلاقٍ ووُجود. فَمَن لم يُحصِّن بَيتَهُ، دَخَلَت عَلَيهِ العاصِفَةُ وهو غافِل.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن جَريمةِ قَومِ لُوط، وكَيفَ أنَّ العالَمَ الغَربيَّ اليومَ لا يَكتَفي بِمُمارَسَتِها، بَل يَفرِضُها بأساليبَ شَيطانيَّةٍ عَبْرَ اللُّغَةِ والشَّاشاتِ والقَوانين، لِمَسخِ فِطرَةِ أبنائِنا. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأكثَر إلحاحاً: كَيفَ نُدافِع؟ وماذا نَفعَلُ لِحِمايَةِ أُسَرِنا من هذا السَّيلِ الجارِف؟
وأُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري، هِيَ طَوقُ النَّجاةِ لَنا ولأولادِنا:
الأولى (قَلبيَّة): أَبغِضوا هذه الفاحِشَةَ بقُلوبِكُم، واجعَلوا أبناءَكُم يَرونَ شِدَّةَ بُغضِكُم لَها ومَقتِكُم لأصحابِها. كُونوا كَلُوطٍ عليهِ السَّلامُ حين أعلَنَها بِصَراحَة: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾ أي: من المُبغِضينَ الكارِهينَ الشَّانِئين. الكُرهُ الشَّرعيُّ لِلمُنكَرِ حَصانَةٌ للقَلب.
الثانية (لِسانيَّة): ارفُضوا مُصطَلَحاتِهِم المَسمومَة. لا تَقولوا "مِثلِيَّة"، ولا تَقولوا "مُيول"، بَل سَمُّوها كما سَمَّاها القُرآن: "فاحِشَة" و"شُذوذ". السَّيطَرَةُ على اللِّسانِ هي السَّيطَرَةُ على العَقل. ولا تَسخَروا إذا رَأيتُم مُبتَلىً، بَل اسألوا اللهَ العافيَة، وأنكِروا الفِعلَ والجَريمَة.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): راقِبوا ما يُشاهِدُهُ أبناؤُكُم. اللَّيلَةَ، افتَح جِهازَ ابنِكَ الذَّكي، وتَفَقَّد ما يُتابِعُه. أنتَ الرَّاعي وأنتَ المَسؤول. قال ﷺ: «كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه». لا تَتساهَلوا في إدخالِ شَبَكاتِ الأفلامِ والمَسخِ إلى غُرَفِ أبنائِكُم وتَترُكوهُم لها وَحدَهم. المَنعُ الحازِمُ اليَوم أسهَلُ من عِلاجِ الفِطرَةِ المُنتَكِسَةِ غَداً.
الرابعة (اجتماعيَّة): شَجِّعوا أبناءَكم وبَناتِكم على الزَّواجِ المُبَكِّر، ويَسِّروا المُهور، وابنوا أُسَراً قَويَّةً قائِمَةً على مَوَدَّةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ للمَرأةِ الصَّالِحَة. صُورَةُ الأسرةِ السَّويَّة المتماسكة أمام الطِّفل هي أعظَمُ رَدٍّ عَمَليٍّ على شُذوذِهِم.
الخامسة (موضوعيَّة): اجلِس مَع أولادِكَ في البَيت، واقصُص عَلَيهِم قِصَّةَ قَومِ لُوط، بَيِّن لَهُم لِماذا عَذَّبَهُمُ الله. أَعطِهِم المَصلَ والتَّطعيمَ الفِكريَّ والعَقَديَّ قَبلَ أن يَصِلَ إلَيهِمُ المَرَضُ من وُحوشِ الشَّاشاتِ وأروِقَةِ الإنتَرنِت.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن تَمَسَّكَ بِفِطرَتِهِ ودينِهِ في هذا الزَّمان، فَلَهُ أجرٌ عَظيمٌ ومَنزِلَةٌ رَفيعَة.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تَحفَظَ عَلَينا فِطرَتَنا التي فَطَرتَنا عَلَيها.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا، وحَصِّن فُروجَنا، واحفَظ أبناءَنا وبَناتِنا من الفِتَنِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن.
اللَّهُمَّ مَن أرادَ بِأُسَرِ المُسلمينَ وأطفالِهِم سُوءاً وانحِرافاً وشُذوذاً، فاشغَلهُ في نَفسِه، واجعَل كَيدَهُ في نَحرِه، واكفِناهُم بِما شِئتَ يا سَميعَ الدُّعاء.
اللَّهُمَّ اجعَل بُيوتَنا مَحاضِنَ للإيمان، وقِلاعاً للطُّهرِ والعَفاف، واجعَلنا من المُتَطَهِّرينَ الذين تُحِبُّهُم ويُحِبُّونَك.
اللَّهُمَّ رُدَّ كَيدَ شَياطينِ الإنسِ والجِنِّ عَن ذُرِّيَّاتِنا، وارزُقنا البَصيرَةَ في زَمَنِ العَمى، والثَّباتَ في زَمَنِ الزَّلَل.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي، يعظُكم لعلَّكم تذكَّرون. فاذكروا الله العظيمَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
قَومُ لُوطٍ وعاصِفَةُ العَصْر... كَيفَ نَحمي فِطرَتَنا؟
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.