قِيمَةُ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ فِي حَيَاةِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَرَفِ الكَسبِ الحَلَالِ وَعِمَارَةِ الأَرضِ وَمُحَارَبَةِ البَطَالَةِ وَالتَّوَاكُلِ فِي الإِسلَامِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي ذَلَّلَ لِعِبَادِهِ مَنَاكِبَ الأَرضِ لِيَسعَوا فِيهَا وَيَعمُرُوهَا، وَفَتَحَ لَهُم خَزَائِنَ الأَرزَاقِ بِالكَسبِ الحَلَالِ وَالإِنتَاجِ لِيَبتَغُوا مِن فَضلِهِ وَيَشكُرُوهَا، وَقَرَنَ بَينَ إِقَامِ الصَّلَاةِ فِي بُيُوتِهِ وَالِانتِشَارِ فِي الأَرضِ لِطَلَبِ المَعَاشِ فِي شَرِيعَةٍ كَامِلَةٍ جَمَعَت بَينَ زَكَاءِ الرُّوحِ وَعِمَارَةِ الحَيَاةِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ أَهلُ الحَمدِ وَالثَّنَاءِ، وَنَشكُرُهُ عَلَى مَا أَولَانَا مِنَ النِّعَمِ وَالآلَاءِ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن أَيقَنَ أَنَّ الإِسلَامَ دِينُ الجِدِّ وَالعَمَلِ وَالبِنَاءِ، لَا دِينُ الكَسَلِ وَالتَّوَاكُلِ وَالعَالَةِ وَالِاستِجدَاءِ، وَأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَد سَوَّى فِي الذِّكرِ القُرآنِيِّ بَينَ الضَّارِبِينَ فِي الأَرضِ لِابتِغَاءِ الرِّزقِ الحَلَالِ وَإِغنَاءِ الأَنفُسِ وَالعِيَالِ، وَبَينَ المُجَاهِدِينَ المُرَابِطِينَ فِي سَبِيلِ ذِي العِزَّةِ وَالجَلَالِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي خِتَامِ سُورَةِ المُزَّمِّلِ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُدوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، إِمَامُ العَامِلِينَ، وَقُدوَةُ الكَاسِبِينَ المُنتِجِينَ، الَّذِي رَعَى الغَنَمَ فِي مَكَّةَ عَلَى قَرَارِيطَ، وَخَرَجَ فِي التِّجَارَةِ بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ، وَحَمَلَ اللَّبِنَ وَالحِجَارَةَ عَلَى عَاتِقِهِ الشَّرِيفِ فِي بِنَاءِ مَسجِدِهِ، وَحَفَرَ الخَندَقَ بِيَدَيهِ الكَرِيمَتَينِ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ بَطنَهُ، وَأَعلَنَ لِلأُمَّةِ أَنَّ أَطيَبَ مَا يَأكُلُهُ الإِنسَانُ مَا كَانَ مِن كَسبِ يَدِهِ وَعَرَقِ جَبِينِهِ، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ فَتَحُوا الأَمصَارَ بِإِيمَانِهِم، وَعَمَرُوا الأَرضَ بِحِرَفِهِم وَزِرَاعَتِهِم وَتِجَارَتِهِم وَإِتقَانِهِم، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَأَن تَعلَمُوا أَنَّ مِن أَعظَمِ شُعَبِ التَّقوَى عِمَارَةَ الأَرضِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ النَّافِعِ، وَالسَّعيَ فِي طَلَبِ الرِّزقِ الحَلَالِ، وَإِعزَازَ النَّفسِ وَالأُمَّةِ بِالإِنتَاجِ وَالاكتِفَاءِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد خَلَقَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الإِنسَانَ، وَاستَخلَفَهُ فِي هَذِهِ الأَرضِ، وَأَودَعَ فِي جَوَارِحِهِ وَعَقلِهِ طَاقَاتٍ عَظِيمَةً، وَسَخَّرَ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ جَمِيعًا مِنهُ؛ لِغَايَتَينِ عَظِيمَتَينِ مُتَلَازِمَتَينِ هُمَا: عِبَادَةُ اللهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعِمَارَةُ الأَرضِ وِفقَ شَرعِهِ وَمَنهَجِهِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَالِحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١].
قَالَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ وَالفِقهِ كَالجَصَّاصِ وَالقُرطُبِيِّ وَابنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُمُ اللهُ: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ عِمَارَةِ الأَرضِ بِالزِّرَاعَةِ وَالغَرسِ وَالبِنَاءِ وَالصِّنَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَاستِخرَاجِ مَنَافِعِهَا؛ لِأَنَّ استِمرَارَ الحَيَاةِ وَقِيَامَ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنيَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِذَلِكَ، وَمَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ!
إِنَّ العَمَلَ وَالإِنتَاجَ فِي مِيزَانِ الإِسلَامِ لَيسَ مُجَرَّدَ ضَرُورَةٍ مَعِيشِيَّةٍ يَلجَأُ إِلَيهَا المُضطَرُّ لِيَسُدَّ رَمَقَهُ، بَل هُوَ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَشَرَفٌ رَفِيعٌ، وَعِفَّةٌ عَنِ المَسأَلَةِ، وَصِيَانَةٌ لِمَاءِ الوَجهِ، وَبِنَاءٌ لِقُوَّةِ الأُمَّةِ وَعِزَّتِهَا حَتَّى لَا تَكُونَ عَالَةً عَلَى غَيرِهَا مِنَ الأُمَمِ فِي مَطعَمِهَا وَمَلبَسِهَا وَدَوَائِهَا وَسِلَاحِهَا! وَأَمَّا القُعُودُ عَنِ العَمَلِ مَعَ القُدرَةِ عَلَيهِ، وَالِاتِّكَالُ عَلَى صَدَقَاتِ النَّاسِ أَو أَعطِيَاتِهِم بِدَعوَى التَّفَرُّغِ لِلعِبَادَةِ أَوِ الزُّهدِ فِي الدُّنيَا، فَهُوَ انحِرَافٌ عَن فِطرَةِ الإِسلَامِ وَهَديِ سَيِّدِ الأَنَامِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
استَمِعُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- إِلَى هَذَا الوِسَامِ النَّبَوِيِّ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَدرِ كُلِّ عَامِلٍ وَصَانِعٍ وَزَارِعٍ وَكَاسِبٍ بِيَدِهِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ المِقدَامِ بنِ مَعدِيكَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيرًا مِن أَن يَأكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ يَأكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ».
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَيضًا مِن حَدِيثِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَن يَأخُذَ أَحَدُكُم حَبلَهُ فَيَأتِيَ بِحُزمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجهَهُ، خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَسأَلَ النَّاسَ أَعطَوهُ أَو مَنَعُوهُ».
اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا كَيفَ ارتَقَى الإِسلَامُ بِقِيمَةِ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ وَإِعَمارِ الكَونِ إِلَى غَايَةٍ لَم تَبلُغهَا فَلسَفَةٌ وَلَا حَضَارَةٌ فِي تَارِيخِ البَشَرِ قَطُّ؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَالأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِن قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُم فَسِيلَةٌ، فَإِنِ استَطَاعَ أَن لَا تَقُومَ حَتَّى يَغرِسَهَا فَلْيَغرِسْهَا»!
قفُوا طَوِيلًا عِندَ هَذَا الحَدِيثِ المُعجِزِ يَا عِبَادَ اللهِ: إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ وَتَصَدَّعَ الكَونُ وَأَزِفَتِ النِّهَايَةُ، فَمَنِ الَّذِي سَيَأكُلُ مِن ثَمَرِ تِلكَ الفَسِيلَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَحتَاجُ إِلَى سِنِينَ حَتَّى تَكبَرَ وَتُثمِرَ؟! لَن يَأكُلَ مِنهَا أَحَدٌ فِي الدُّنيَا! وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ المُسلِمَ أَنَّ العَمَلَ وَالإِنتَاجَ وَالغَرسَ وَالبِنَاءَ قِيمَةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ ذَاتِيَّةٌ يُحِبُّهَا اللهُ لِذَاتِهَا، وَأَنَّ المُؤمِنَ يَظَلُّ مُنتِجًا بَانِيًا غَارِسًا لِلخَيرِ حَتَّى آخِرِ نَفَسٍ مِن أَنفَاسِ الدُّنيَا!
مَعَاشِرَ المُؤمِنِينَ: وَإِذَا أَرَدنَا أَن نَعرِفَ مَوقِعَ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ وَالحِرفَةِ عِندَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَلْنَنظُر إِلَى حَيَاةِ صَفوَةِ الخَلقِ وَسَادَةِ البَشَرِ، وَهُم أَنبِيَاءُ اللهِ وَرُسُلُهُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ فَهَل كَانَ الأَنبِيَاءُ عَاطِلِينَ عَنِ العَمَلِ يَنتَظِرُونَ أَن يَخدِمَهُمُ النَّاسُ وَيُنفِقُوا عَلَيهِم؟ حَاشَاهُم وَاللهِ! بَل مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ عَامِلًا مُنتِجًا صَاحِبَ حِرفَةٍ وَمِهنَةٍ وَكَسبٍ!
هَذَا أَبُو البَشَرِ آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ، أَهبَطَهُ اللهُ إِلَى الأَرضِ وَخَاطَبَهُ مِن أَوَّلِ يَومٍ بِسُنَّةِ الكَدحِ وَالعَمَلِ وَالسَّعيِ لِتَحصِيلِ المَعَاشِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]؛ أَي: فَتَتعَبَ بِيَدِكَ فِي طَلَبِ رِزقِكَ وَزِرَاعَةِ أَرضِكَ وَصِنَاعَةِ قُوتِكَ!
وَهَذَا شَيخُ المُرسَلِينَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ، كَانَ صَانِعًا مَاهِرًا يَعمَلُ بِيَدَيهِ فِي النِّجَارَةِ وَصِنَاعَةِ السُّفُنِ العِملَاقَةِ بِوَحيِ اللهِ وَتَعلِيمِهِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]، فَنَشَرَ الخَشَبَ، وَطَرَقَ الدُّسُرَ وَالمَسَامِيرَ، وَأَتقَنَ الصَّنعَةَ حَتَّى كَانَت سَفِينَتُهُ آيَةً لِلعَالَمِينَ!
وَهَذَا خَلِيلُ الرَّحمَنِ إِبرَاهِيمُ مَعَ وَلَدِهِ إِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، يَقُومَانِ بِنَفسَيهِمَا بِعَمَلِ البِنَاءِ وَالتَّشيِيدِ، فَيَحمِلَانِ الحِجَارَةَ وَيَرفَعَانِ القَوَاعِدَ بِيَدَيهِمَا الشَّرِيفَتَينِ وَهُمَا يَضرَعَانِ إِلَى اللهِ بِقَبُولِ العَمَلِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
وَهَذَا كَلِيمُ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ، يَخرُجُ إِلَى مَديَنَ فَيَسقِي لِلمَرأَتَينِ بِقُوَّةٍ وَشَهَامَةٍ وَعِفَّةٍ، ثُمَّ يَعمَلُ أَجِيرًا فِي رَعيِ الغَنَمِ عَشرَ سِنِينَ كَامِلَةً بِقُوَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ؛ كَمَا خَلَّدَ القُرآنُ الكَرِيمُ شَهَادَةَ تِلكَ الفَتَاةِ العَفِيفَةِ فِيهِ: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [ القصص: ٢٦]. انظُرُوا إِلَى رُكنَيِ الإِنتَاجِ وَالنَّجَاحِ فِي كُلِّ عَمَلٍ وَوَظِيفَةٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: «القَوِيُّ» أَيِ الكَفءُ القَادِرُ المُتقِنُ لِعَمَلِهِ، و«الأَمِينُ» أَيِ التَّقِيُّ العَفِيفُ الَّذِي لَا يَخُونُ وَلَا يَغُشُّ وَلَا يَسرِقُ!
وَهَذَا نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ عَلَيهِ السَّلَامُ، آتَاهُ اللهُ النُّبُوَّةَ وَالمُلكَ العَظِيمَ، فَلَم يَركَن إِلَى خَزَائِنِ المُلكِ لِيَأكُلَ مِنهَا، بَل كَانَ حَدَّادًا يَصنَعُ الدُّرُوعَ السَّابِغَاتِ بِيَدِهِ، وَيُقَدِّرُ حَلَقَاتِ الحَدِيدِ بِدِقَّةٍ وَإِتقَانٍ هَندَسِيٍّ بَدِيعٍ، ثُمَّ يَبِيعُهَا فَيَأكُلُ مِن ثَمَنِهَا؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠-١١]. وَمِن بَعدِهِ وَلَدُهُ نَبِيُّ اللهِ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ، قَادَ نَهضَةً عُمرَانِيَّةً وَصِنَاعِيَّةً هَائِلَةً، وَجَعَلَ اللهُ عُنوَانَ شُكرِ تِلكَ النِّعَمِ هُوَ العَمَلَ وَالإِنتَاجَ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وَهَذَا نَبِيُّ اللهِ زَكَرِيَّاءُ عَلَيهِ السَّلَامُ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا». كَلِمَاتٌ ثَلَاثٌ، لَكِنَّهَا تَهدِمُ كُلَّ كِبرٍ وَاستِعلَاءٍ عَنِ الحِرَفِ وَالمِهَنِ الشَّرِيفَةِ؛ فَنَبِيٌّ مِن أَنبِيَاءِ اللهِ الكِرَامِ يَحمِلُ المِنشَارَ وَالقَدُومَ، وَيَكسِبُ قُوتَهُ بِنِجَارَةِ الخَشَبِ وَعَرَقِ الجَبِينِ!
وَأَمَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَإِمَامُ الأَنبِيَاءِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَت حَيَاتُهُ كُلُّهَا مَلحَمَةَ عَمَلٍ وَإِنتَاجٍ وَكِفَاحٍ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ»، فَقَالَ أَصحَابُهُ: وَأَنتَ؟ فَقَالَ: «نَعَم، كُنتُ أَرعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهلِ مَكَّةَ». ثُمَّ ضَرَبَ فِي الأَرضِ تَاجِرًا أَمِينًا صَدُوقًا حَتَّى عَرَفَتهُ مَكَّةُ كُلُّهَا بِالصَّادِقِ الأَمِينِ، وَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ وَأسَّسَ الدَّولَةَ، لَم يَجلِس عَلَى أَرِيكَةٍ يَأمُرُ النَّاسَ وَهُوَ مُترَفٌ، بَل كَانَ فِي بَيتِهِ فِي مِهنَةِ أَهلِهِ يَخصِفُ نَعلَهُ وَيَرقَعُ ثَوبَهُ وَيَحلُبُ شَاتَهُ كَمَا فِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَصَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَكَانَ مَعَ أَصحَابِهِ يَحمِلُ اللَّبِنَ وَيَحفِرُ الصَّخرَ بِيَدَيهِ الكَرِيمَتَينِ!
وَذَاتَ يَومٍ -كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ- جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ يَسأَلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةً، فَلَم يُعطِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَالًا يَجعَلُهُ يَعتَادُ الكَسَلَ وَالمَسأَلَةَ، بَل حَوَّلَهُ مِن مُتَسَوِّلٍ مُستَهلِكٍ إِلَى عَامِلٍ مُنتِجٍ؛ فَسَأَلَهُ عَمَّا فِي بَيتِهِ، فَجَاءَ بِحِلسٍ وَقَعْبٍ، فَبَاعَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِدِرهَمَينِ، وَقَالَ لَهُ: «اشتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانبِذهُ إِلَى أَهلِكَ، وَاشتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأتِنِي بِهِ»، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اذهَب فَاحتَطِب وَبِع، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا»، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَد أَصَابَ عَشرَةَ دَرَاهِمَ فَاشتَرَى بِبَعضِهَا ثَوبًا وَبِبَعضِهَا طَعَامًا! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا خَيرٌ لَكَ مِن أَن تَجِيءَ المَسأَلَةُ نُكتَةً فِي وَجهِكَ يَومَ القِيَامَةِ»!
عبادَ اللهِ: عَلَى هَذِهِ المَدرَسَةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ تَرَبَّى جِيلُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم؛ فَلَم يَكُن فِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَطَالَةٌ وَلَا تَوَاكُلٌ وَلَا تَكَفُّفٌ؛ بَل كَانُوا فُرسَانًا بِالنَّهَارِ فِي مَيَادِينِ الجِهَادِ وَالعَمَلِ وَالإِنتَاجِ، رُهبَانًا بِاللَّيلِ فِي مَحَارِيبِ القِيَامِ وَالمُنَاجَاةِ!
انظُرُوا إِلَى تِلكَ اللُّوحَةِ الخَالِدَةِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ وَقَد تَرَكُوا دِيَارَهُم وَأَموَالَهُم للهِ، آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ القُرَشِيِّ المُهَاجِرِيِّ، وَبَينَ سَعدِ بنِ الرَّبِيعِ الأَنصَارِيِّ؛ فَقَالَ سَعدٌ لِعَبدِ الرَّحمَنِ: أَي أَخِي، أَنَا أَكثَرُ أَهلِ المَدِينَةِ مَالًا، فَانظُر شَطرَ مَالِي فَخُذهُ! فَمَاذَا كَانَ جَوَابُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ وَهُوَ الفَقِيرُ المُهَاجِرُ الَّذِي لَا يَملِكُ شَيئًا؟! أَمدَّ يَدَهُ لِيَأخُذَ نِصفَ ثَروَةِ أَخِيهِ بِلَا تَعَبٍ؟ كَلَّا وَاللهِ! بَل قَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي صَارَت مَثَلًا أَعلَى لِعِزَّةِ النَّفسِ وَشَرَفِ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ»!
فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَينُقَاعَ، فَغَدَا إِلَيهِ فَبَاعَ وَاشتَرَى، فَمَا رَجَعَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضلٌ مِن أَقِطٍ وَسَمنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ وَالرَّوَاحَ فِي التِّجَارَةِ وَالإِنتَاجِ بِيَقَظَةٍ وَأَمَانَةٍ، حَتَّى بَارَكَ اللهُ فِي كَسبِهِ، فَصَارَ مِن أَثرَى العَرَبِ، وَسَخَّرَ تِلكَ الثَّروَةَ الطَّائِلَةَ فِي نُصرَةِ الإِسلَامِ؛ فَتَصَدَّقَ فِي يَومٍ وَاحِدٍ بِعِيرٍ تَحمِلُ البُرَّ وَالدَّقِيقَ وَالطَّعَامَ قِوَامُهَا سَبعُمِائَةِ رَاحِلَةٍ بِأَقتَابِهَا وَأَحمَالِهَا، وَجَهَّزَ الجُيُوشَ فِي سَبِيلِ اللهِ!
وَهَكَذَا كَانَ سَائِرُ أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: فَأَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ تَاجِرًا خَبِيرًا فِي الأَقمِشَةِ وَالبَزِّ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا استُخلِفَ عَلَى المُسلِمِينَ أَصبَحَ مِنَ الغَدِ وَعَلَى سَاعِدِهِ أَبوَابٌ مِنَ القُمَاشِ ذَاهِبًا إِلَى السُّوقِ لِيَكسِبَ لِعِيَالِهِ! فَلَقِيَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَقَالَا لَهُ: أَينَ تُرِيدُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: السُّوقَ! قَالَا: تَصنَعُ مَاذَا وَقَد وَلِيتَ أَمرَ المُسلِمِينَ؟ قَالَ: فَمِن أَينَ أُطعِمُ عِيَالِي؟! فَفَرَضُوا لَهُ كِفَايَتَهُ مِن بَيتِ المَالِ لِيَتَفَرَّغَ لِمَصَالِحِ الأُمَّةِ!
وَكَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَتَنَاوَبُ مَعَ جَارِهِ الأَنصَارِيِّ النُّزُولَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالعَمَلَ فِي المَعَاشِ، وَقَالَ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «أَلهَانِي الصَّفقُ بِالأَسوَاقِ»، يَعنِي الخُرُوجَ إِلَى التِّجَارَةِ! وَكَانَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، وَالزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، وَطَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، وَسَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم مِن كِبَارِ التُّجَّارِ وَالزُّرَّاعِ وَالمُنتِجِينَ، وَكَانَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ قَينًا يَعمَلُ فِي الحِدَادَةِ وَصِنَاعَةِ السُّيُوفِ، وَكَانَ سَلمَانُ الفَارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ -حَتَّى وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى المَدَائِنِ- يَسِفُّ الخُوصَ بِيَدَيهِ وَيَصنَعُ المَكَاتِلَ وَالزَّنَابِيلَ، فَيَبِيعُهَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، فَيَشتَرِي بِدِرهَمٍ خُوصًا يَعمَلُهُ، وَيُنفِقُ دِرهَمًا عَلَى أَهلِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِدِرهَمٍ، وَيَقُولُ كَمَا فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ وَالطَّبَقَاتِ الكُبرَى: «أُحِبُّ أَن آكُلَ مِن عَمَلِ يَدِي»!
وَكَانَ الأَنصَارُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَربَابَ النَّخِيلِ وَالزَّرعِ وَالفِلَاحَةِ، يَعمَلُونَ فِي حَوَائِطِهِم وَمَزَارِعِهِم بِأَنفُسِهِم؛ كَمَا قَالَت عَائِشَةُ أُمُّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عُمَّالَ أَنفُسِهِم، فَكَانَ يَكُونُ لَهُم أَروَاحٌ، فَقِيلَ لَهُم: لَوِ اغتَسَلتُم»؛ يَعنِي يَحضُرُونَ الجُمُعَةَ مِن مَزَارِعِهِم وَعَلَى أَجسَادِهِم عَرَقُ العَمَلِ وَالكَدحِ وَالبِنَاءِ!
وَلَقَد وَقَفَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِحَزمِهِ المَعهُودِ ضِدَّ كُلِّ مَظهَرٍ مِن مَظَاهِرِ البَطَالَةِ وَالتَّوَاكُلِ تَحتَ ستَارِ الدِّينِ؛ فَرَأَى قَومًا قَاعِدِينَ فِي المَسجِدِ بَعدَ الصَّلَاةِ لَا يَسعَونَ فِي مَعَاشٍ وَلَا صَنعَةٍ، فَسَأَلَهُم: مَن أَنتُم؟ قَالُوا: نَحنُ المُتَوَكِّلُونَ! فَعَلَاهُم بِدِرَّتِهِ وَزَجَرَهُم وَقَالَ لَهُم كَمَا أَورَدَهُ ابنُ أَبِي الدُّنيَا وَالغَزَالِيُّ: «كَلَّا، بَل أَنتُمُ المُتَأَكِّلُونَ! إِنَّمَا المُتَوَكِّلُ رَجُلٌ أَلقَى حَبَّهُ فِي الأَرضِ ثُمَّ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ عزَّ وَجَلَّ»، ثُمَّ أَطلَقَ كَلِمَتَهُ المَشهُورَةَ: «لَا يَقعُدَنَّ أَحَدُكُم عَن طَلَبِ الرِّزقِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ ارزُقنِي، وَقَد عَلِمَ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً»! وَكَانَ يَقُولُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنِّي لَأَرَى الرَّجُلَ فَيُعجِبُنِي، فَأَقُولُ: أَلَهُ حِرفَةٌ؟ فَإِن قَالُوا: لَا، سَقَطَ مِن عَينِي»!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَبِسِيرَةِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي يُحِبُّ مِن عَبدِهِ المُؤمِنِ المُحتَرِفِ أَن يُتقِنَ عَمَلَهُ وَيُحسِنَ صَنعَتَهُ، وَيُبغِضُ البطَالَةَ وَالكَسَلَ وَمَسأَلَةَ النَّاسِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الحَكِيمُ الخَبِيرُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ البَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ المُنِيرُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَصِيرِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مَدرَسَةَ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَحِمَهُمُ اللهُ قَد سَارَت عَلَى خُطَى الأَنبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ الكِرَامِ فِي تَعظِيمِ قِيمَةِ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ؛ فَلَم يَكُن عُلَمَاءُ التَّابِعِينَ وَعُبَّادُهُم عَالَةً عَلَى أَثريَاءِ النَّاسِ أَو أَبوَابِ السَّلَاطِينِ، بَل كَانُوا يَرَونَ الكَسبَ الحَلَالَ وَالحِرفَةَ وَالتِّجَارَةَ سِيَاجًا يَحمِي دِينَهُم وَعِلمَهُم وَكَرَامَتَهُم مِنَ الذِّلَّةِ وَالمُدَاهَنَةِ!
فَهَذَا سَيِّدُ التَّابِعِينَ الإِمَامُ سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللهُ، عَالِمُ المَدِينَةِ وَفَقِيهُهَا الأَوَّلُ، كَانَ يَتَّجِرُ فِي الزَّيتِ وَلَهُ رَأسُ مَالٍ يُقَلِّبُهُ بِيَدِهِ، وَكَانَ يَقُولُ كَمَا فِي الطَّبَقَاتِ الكُبرَى لِابنِ سَعدٍ وَسِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ: «مَا تِجَارَتِي بِالزَّيتِ إِلَّا لِأَستَغنِيَ عَن هَؤُلَاءِ الأُمَرَاءِ»! وَكَانَ يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ: «لَا خَيرَ فِيمَن لَا يُحِبُّ جَمعَ المَالِ مِن حَلَالٍ؛ يَكُفُّ بِهِ وَجهَهُ عَنِ النَّاسِ، وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ، وَيُؤَدِّي بِهِ حَقَّهُ»!
وَكَانَ الإِمَامُ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وَالإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعمَانُ رَحِمَهُمَا اللهُ مِن كِبَارِ تُجَّارِ البَزِّ وَالأَقمِشَةِ، جَمَعُوا بَينَ إِمَامَةِ العِلمِ وَالفِقهِ وَالوَرَعِ، وَبَينَ الأَمَانَةِ وَالنُّصحِ وَالإِنتَاجِ فِي السُّوقِ! وَكَانَ الإِمَامُ أَيُّوبُ السَّختِيَانِيُّ سَيِّدُ شبَابِ أَهلِ البَصرَةِ فِي العِلمِ وَالعِبَادَةِ يَعمَلُ وَيَتَّجِرُ فِي الجُلُودِ المَدبُوغَةِ الَّتِي تُسمَّى السَّختِيَانَ فَنُسِبَ إِلَيهَا!
وَكَانَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ فِي الحَدِيثِ الإِمَامُ سُفيَانُ الثَّورِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَحرِصُ عَلَى تنمِيَةِ بِضَاعَتِهِ وَمَالِهِ الحَلَالِ، وَإِذَا سُئِلَ عَن ذَلِكَ قَالَ كَمَا فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ: «لَولَا هَذِهِ الدَّنَانِيرُ لَتَمَندَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ المُلُوكُ»؛ أَي: لَاتَّخَذُونَا كَالمَنَادِيلِ يَمسَحُونَ بِهَا أَيدِيَهُم لَوِ احتَجنَا إِلَى أَموالِهِم! وَكَانَ يَقُولُ لِأَصحَابِهِ وَتَلَامِيذِهِ: «عَلَيكُم بِعَمَلِ الأَبطَالِ: الكَسبِ مِنَ الحَلَالِ وَالإِنفَاقِ عَلَى العِيَالِ»!
وَهَذَا الإِمَامُ المُجَاهِدُ العَالِمُ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ كَانَ تَاجِرًا كَبِيرًا يَضرِبُ فِي الأَرضِ، فَيُنفِقُ مِن أَربَاحِ تِجَارَتِهِ عَلَى الفُقَرَاءِ وَطَلَبَةِ العِلمِ وَأَهلِ الحَدِيثِ وَالثُّغُورِ، وَيَقُولُ: «لَولَا أَنتَ وَأَصحَابُكَ مَا اتَّجَرتُ»! وَكَانَ الإِمَامُ الزَّاهِدُ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ يَعمَلُ بِيَدِهِ فِي حَصَادِ الزَّرعِ وَحِرَاسَةِ البَسَاتِينِ وَطَحنِ الحِنطَةِ بِالنَّهَارِ، وَيَقُومُ اللَّيلَ، ثُمَّ يَجمَعُ أُجرَتَهُ الحَلَالَ فَيُطعِمُ مِنهَا إِخوَانَهُ، وَيَقُولُ: «مَا أَدرَكَ مَن أَدرَكَ مِنَ الصَّالِحِينَ إِلَّا بِطِيبِ المَطعَمِ»!
حَتَّى إِنَّكَ لَو تَصَفَّحتَ تَرَاجِمَ عُلَمَاءِ الإِسلَامِ وَأَئِمَّتِهِ عَبرَ القُرُونِ، لَوَجَدتَ فِي أَلقَابِهِم أَسمَاءَ الحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ الَّتِي كَانُوا يَعمَلُونَ بِهَا وَيَفتَخِرُونَ بِالِانتِسَابِ إِلَيهَا: فَمِنهُمُ الجَصَّاصُ، وَالخَرَّازُ، وَالقَفَّالُ، وَالبَزَّارُ، وَالزَّجَّاجُ، وَالحَدَّادُ، وَالخَوَّاصُ، وَالصَّبَّاغُ، وَالوَرَّاقُ، وَالسَّاعَاتِي؛ لِتَعلَمَ الدُّنيَا أَنَّ حَضَارَةَ الإِسلَامِ قامَت عَلَى سَوَاعِدِ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، وَالعُبَّادِ المُنتِجِينَ، الَّذِينَ مَلَؤُوا المسَاجِدَ عِلمًا وَذِكرًا، وَمَلَؤُوا الأَسوَاقَ وَالمَصَانِعَ وَالمَزَارِعَ إِنتَاجًا وَبِرًّا!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّنَا اليَومَ أَحوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى إِحيَاءِ هَذِهِ الرُّوحِ الإِنتَاجِيَّةِ العَالِيَةِ فِي نُفُوسِنَا وَنُفُوسِ شَبَابِنَا وَأَبنَائِنَا، مَعَ التَّمسُّكِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرعِيَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَعلُو بِهَا العَمَلُ وَيُبَارَكُ فِيهِ:
أَوَّلُهَا: إِتقَانُ العَمَلِ وَتَجوِيدُ الصَّنعَةِ وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ الوَظِيفِيَّةِ وَالمِهنِيَّةِ كَامِلَةً غَيرَ مَنقُوصَةٍ؛ فَفِي مُسنَدِ أَبِي يَعلَى وَشُعَبِ الإِيمَانِ لِلبَيهَقِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ». فَالغِشُّ فِي الصَّنعَةِ، وَالتَّسيُّبُ فِي سَاعَاتِ الدَّوَامِ، وَإِهمَالُ مَصَالِحِ المُرَاجِعِينَ، خِيَانَةٌ لِلأَمَانَةِ وَمَحقٌ لِبَرَكَةِ الرِّزقِ!
وَثَانِيهَا: تَحَرِّي الحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَإِيفَاءُ العُمَّالِ وَالأُجَرَاءِ حُقُوقَهُم وَأُجُورَهُم بِالعَدلِ وَالكَرَمِ دُونَ مَطلٍ أَو بَخسٍ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصمُهُم يَومَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ استَأجَرَ أَجِيرًا فَاستَوفَى مِنهُ وَلَم يُعطِ أَجرَهُ».
وَثَالِثُهَا: أَلَّا يَشغَلَ العَمَلُ وَالكَسبُ صَاحِبَهُ عَن طَاعَةِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَبِرِّ الوَالِدَينِ وَرِعَايَةِ الأَهلِ وَالأَولَادِ؛ بَل يَكُونُ مِمَّن أَثنَى اللهُ عَلَيهِم فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٧-٣٨].
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَإِمَامِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُمُ الكَرِيمُ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجزِ وَالكَسَلِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبنِ وَالبُخلِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن غَلَبَةِ الدَّينِ وَقَهرِ الرِّجَالِ، اللَّهُمَّ اكفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ، وَبَارِك لَنَا فِي أَعمَارِنَا وَأَعمَالِنَا وَأَرزَاقِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.
اللَّهُمَّ وَفِّق شَبَابَ المُسلِمِينَ وَرِجَالَهُم وَنِسَاءَهُم لِلعَمَلِ الصَّالِحِ النَّافِعِ وَالكَسبِ الحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَافتَح لَهُم أَبوَابَ رِزقِكَ وَفَضلِكَ، وَاجعَل أُمَّةَ الإِسلَامِ أُمَّةً عَامِلَةً مُنتِجَةً عَزِيزَةً مُستَغنِيَةً بِفَضلِكَ عَن سِوَاكَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
قِيمَةُ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ فِي حَيَاةِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَرَفِ الكَسبِ الحَلَالِ وَعِمَارَةِ الأَرضِ وَمُحَارَبَةِ البَطَالَةِ وَالتَّوَاكُلِ فِي الإِسلَامِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.