من مكتبة مِداد الخطيب

رِعَايَةُ اليَتِيمِ مِنَ الكَفَالَةِ المَالِيَّةِ إِلَى الِاحتِوَاءِ التَّربَوِيِّ: صِيَانَةُ مَالِ اليتَامَى وَجَبرُ قُلُوبِهِم

مشاركة
رِعَايَةُ اليَتِيمِ مِنَ الكَفَالَةِ المَالِيَّةِ إِلَى الِاحتِوَاءِ التَّربَوِيِّ: صِيَانَةُ مَالِ اليتَامَى وَجَبرُ قُلُوبِهِم الحَمدُ للهِ الرَّحِيمِ الرَّحمَنِ، الجَبَّارِ لِكُلِّ قَلبٍ كَسِيرٍ وَمَلجَأِ كُلِّ ضَعِيفٍ وَحَيرَانَ، الَّذِي آوَى نَبِيَّهُ يَتِيمًا فَأَعَزَّ بِهِ الإِسلَامَ وَالإِيمَانَ، وَجَعَلَ الإِحسَانَ إِلَى اليَتَامَى قَرنًا لِلتَّوحِيدِ وَعِنوَانًا لِأَهلِ البِرِّ وَالإِحسَانِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ لِمَن فَقَدَ الأَبَ وَالسَّنَدَ وَالأَمَانَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حَرَّمَ قَهرَ اليَتِيمِ وَأَكلَ مَالِهِ وَتَوَعَّدَ ظَالِمَهُ بِنَارٍ تَلَظَّى وَتَصطَلِي بِهَا الأَبدَانُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيرُ مَن مَسَحَ رَأسَ يَتِيمٍ، وَضَمَّهُ إِلَى صَدرِهِ الحَنُونِ فَأَنسَاهُ لَوعَةَ الفُقدَانِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ المَرحَمَةِ وَالحَنَانِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي اليَتَامَى الَّذِينَ غَيَّبَ المَوتُ آبَاءَهُم وَبَقُوا بَينَ أَظهُرِكُم أَمَانَةً فِي أَعنَاقِكُم، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الضُّحَى مُذكِّرًا نَبِيَّهُ ﷺ وَأُمَّتَهُ بِمَقَامِ اليَتِيمِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، ثُمَّ أَتبَعَ هَذَا الامتِنَانَ بِالأَمرِ المَحكَمِ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ مَوتَ الأَبِ فِي حَيَاةِ الطِّفلِ الصَّغِيرِ لَيسَ مُجَرَّدَ انقِطَاعِ مَصدَرٍ مَالِيٍّ كَانَ يَجلِبُ الخُبزَ وَالكِسوَةَ إِلَى البَيتِ؛ بَل هُوَ زِلزَالٌ نَفسِيٌّ وَوجدَانِيٌّ يَهدِمُ السَّقفَ الَّذِي كَانَ يَستَظِلُّ بِهِ الصَّبِيُّ مِن هَوَاجِسِ الخَوفِ! فَالطِّفلُ اليَتِيمُ حِينَ يَخرُجُ إِلَى المَدرَسَةِ أَوِ المَسجِدِ أَوِ الطَّرِيقِ، فَيَرَى كُلَّ صَبِيٍّ مَمسِكًا بِيَدِ أَبِيهِ، يَشتَرِي لَهُ، وَيُدَافِعُ عَنهُ، وَيُشَجِّعُهُ عِندَ نَجَاحِهِ، وَيَحتَضِنُهُ عِندَ فَزَعِهِ، ثُمَّ يَلتَفِتُ هُوَ عَن يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فَلَا يَجِدُ تِلكَ الكَفَّ الدَّافِئَةَ وَلَا ذَلِكَ الصَّوتَ الحَانِيَ؛ يَشعُرُ بِغُربَةٍ قَاسِيَةٍ، وَفَرَاغٍ عَمِيقٍ فِي صَدرِهِ لَا يَملَؤُهُ دِرهَمٌ وَلَا دِينَارٌ! وَمِن هُنَا وَقَعَ فِي أَذهَانِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ اليَومَ قُصُورٌ فِي فَهمِ مَعنَى «كَفَالَةِ اليَتِيمِ»؛ حَيثُ اختُزِلَتِ الكَفَالَةُ عِندَ بَعضِنَا فِي تَحوِيلٍ مَالِيٍّ شَهرِيٍّ يُرسَلُ عَبرَ الهَاتِفِ، أَو كِسوَةٍ تُشتَرَى فِي مَوسِمِ العِيدِ، ثُمَّ يُترَكُ اليَتِيمُ - وَلَو كَانَ ابنَ أَخٍ أَوِ ابنَ أُختٍ أَو قَرِيبًا أَو جَارًا - وَحِيدًا بِلَا سُؤَالٍ عَن دِرَاسَتِهِ، وَلَا إِنصَاتٍ إِلَى هُمُومِهِ، وَلَا تَوجِيهٍ فِي مَرَاحِلِ نُمُوِّهِ وَمُرَاهَقَتِهِ، وَلَا دَمجٍ لَهُ فِي مَجَالِسِ الأُسرَةِ! بَل رُبَّمَا كَانَ اليَتِيمُ غَنِيًّا قَد وَرِثَ مِن أَبِيهِ مَالًا وَعَقَارًا، فَيَظُنُّ أَعمَامُهُ وَأَخوَالُهُ أَنَّهُ لَا يَحتَاجُ إِلَى كَفَالَةٍ لِأَنَّ عِندَهُ مَالًا! وَهَذَا غَفلةٌ عَن حَقِيقَةِ الكَفَالَةِ فِي شَرِيعَةِ الإِسلَامِ! استَمِعُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - إِلَى البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ العُظمَى الَّتِي تَهفُو إِلَيهَا أَروَاحُ المُشتَاقِينَ إِلَى جِوَارِ سَيِّدِ المَرسَلِينَ ﷺ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسطَى وَفَرَّجَ بَينَهُمَا شَيئًا! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَافِلُ اليَتِيمِ لَهُ أَو لِغَيرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَينِ فِي الجَنَّةِ». فَمَا مَعنَى «كَافِلِ اليَتِيمِ لَهُ أَو لِغَيرِهِ»؟ قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي «شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ»: «كَافِلُ اليَتِيمِ: هُوَ القَائِمُ بِأُمُورِهِ مِن نَفَقَةٍ وَكِسوَةٍ وَتَأدِيبٍ وَتَربِيَةٍ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الفَضِيلَةُ تَحصُلُ لِمَن كَفَلَهُ مِن مَالِ نَفسِهِ أَو مِن مَالِ اليَتِيمِ بِوِلَايَةٍ شَرعِيَّةٍ»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا كَلامَ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: «مِن نَفَقَةٍ، وَكِسوَةٍ، وَتَأدِيبٍ، وَتَربِيَةٍ، وَغَيرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَفَلَهُ مِن مَالِ نَفسِهِ أَو مِن مَالِ اليَتِيمِ»! إِذَن فَالرِّعَايَةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تُبَلِّغُكَ مُرَافَقَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الجَنَّةِ لَيسَت إِطعَامَ البَدَنِ وَحدَهُ، بَل هِيَ «الِاحتِوَاءُ الشَّامِلُ»؛ أَن تَكُونَ لِليَتِيمِ أَبًا رَحِيمًا، وَمُرَبِّيًا حَكِيمًا، وَأُذُنًا صَاغِيَةً، وَصَدرًا دَافِئًا يَأوِي إِلَيهِ إِذَا ضَاقَت بِهِ الدُّنيَا! وَلِتَرَوا كَيفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحتَوِي اليَتَامَى احتِوَاءً يَمسَحُ عَن قُلُوبِهِم غُبَارَ اليُتمِ، تَأَمَّلُوا هَذَا المَشهَدَ النَّبَوِيَّ الخَالِدَ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ جَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: لَمَّا استُشهِدَ جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي غَزوَةِ مُؤتَةَ، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى زَوجَتِهِ أَسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ، وَدَعَا بِأَولَادِ جَعفَرٍ الصِّغَارِ، فَشَمَّهُم وَقَبَّلَهُم وَذَرَفَت عَينَاهُ ﷺ! وَأَمَرَ الصَّحَابَةَ أَن يَصنَعُوا لِآلِ جَعفَرٍ طَعَامًا، ثُمَّ أَمهَلَهُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى هَدَأَتِ الصَّدمَةُ الأُولَى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيتِهِم بِنَفسِهِ فَقَالَ: «لَا تَبكُوا عَلَى أَخِي بَعدَ اليَومِ، ادعُوا لِي بَنِي أَخِي»! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ: فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفرُخٌ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالحَلَّاقِ فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا - تَنظِيفًا لَهُم وَإِخرَاجًا لَهُم مِن هَيئَةِ الحُزنِ وَالإِهمَالِ - ثُمَّ أَخَذَ يَمسَحُ عَلَى قُلُوبِهِم بِأَعظَمِ كَلِمَاتِ الفَخرِ وَالجَبرِ، فَقَالَ: «أَمَّا مُحَمَّدٌ فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا عَبدُ اللهِ فَشَبِيهُ خَلقِي وَخُلُقِي»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَبدِ اللهِ فَرَفَعَهَا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اخلُف جَعفَرًا فِي أَهلِهِ، وَبَارِك لِعَبدِ اللهِ فِي صَفقَةِ يَمِينِهِ» ثَلَاثَ مِرَارٍ! فَلَمَّا ذَكَرَت أُمُّهُم يُتمَهُم وَخَوفَهَا عَلَيهِم مِنَ الفَقرِ، قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «العَيلَةَ تَخَافِينَ عَلَيهِم وَأَنَا وَلِيُّهُم فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ؟!»! يَا اللهُ! انظُرُوا إِلَى دِقَّةِ الِاحتِوَاءِ النَّبَوِيِّ: لَم يَكتَفِ ﷺ بِإِرسَالِ الطَّعَامِ وَالمَالِ إِلَى بَيتِ الأَيتَامِ، بَل ذَهَبَ إِلَيهِم، وَتَفَقَّدَ نَظَافَتَهُم وَمَظهَرَهُم، وَعَزَّزَ ثِقَتَهُم بِأَنفُسِهِم، وَدَعَا لِمُستَقبَلِهِم، وَأَردَفَ عَبدَ اللهِ بنَ جَعفَرٍ خَلفَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَطَمأَنَ قَلبَ أُمِّهِمُ الأَرمَلَةِ! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قَد رَسَمَ لَنَا مَنهَجًا مُتكامِلًا فِي التَّعَامُلِ مَعَ اليَتِيمِ، يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ دَعَائِمَ عُظمَى: الدِّعَامَةُ الأُولَى: «الدَّمجُ الأُسرِيُّ وَالإِصلاحُ التَّربَوِيُّ»؛ فَفِي سُورَةِ البَقَرَةِ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. فَاليتِيمُ لَا يُعزَلُ كَأَنَّهُ غَرِيبٌ مَنبُوذٌ، وَلَا يُعَامَلُ فِي بَيتِ عَمِّهِ أَو خَالِهِ أَو زَوجِ أُمِّهِ مُعَامَلَةَ الدَّخِيلِ الثَّقِيلِ الَّذِي يُفرَّقُ بَينَهُ وَبَينَ أَولَادِ البَيتِ فِي المَطعمِ وَالمَلبَسِ وَالبَسمَةِ؛ بَل يُخَالَطُ مُخَالَطَةَ الأَخِ الشَّقِيقِ وَالِابنِ الحَبِيبِ! وَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ المُفرَدِ» بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا «كَانَ لَا يَأكُلُ طَعَامًا إِلَّا وَعَلَى خِوَانِهِ يَتِيمٌ»! وَمَعَ هَذَا الحَنَانِ، لَا يُترَكُ اليَتِيمُ بِلَا تَوجِيهٍ وَلَا تَأدِيبٍ حَكِيمٍ بِحُجَّةِ أَنَّهُ يَتِيمٌ فَيَفسُدَ خُلُقُهُ وَتَضِيعَ صَلَاتُهُ وَدِرَاسَتُهُ، بَل يُربَّى بِالحُبِّ وَالحَزمِ الرَّحِيمِ كَمَا قَالَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ: «كُن لِليَتِيمِ كَالأَبِ الرَّحِيمِ»! وَالدِّعَامَةُ الثَّانِيَةُ: «جَبرُ الخَاطِرِ وَحِفظُ الكَرَامَةِ مِنَ القَهرِ وَالإِذلَالِ»؛ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ المَاعُونِ جَاعِلًا إِهَانَةَ اليَتِيمِ وَدَفعَهُ عَن حَقِّهِ مِن صِفَاتِ المُكَذِّبِينَ بِيَومِ الدِّينِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۝ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾! وَكم مِن يَتِيمٍ اليَومَ يُقهَرُ بِنَظرَةِ ازدِرَاءٍ، أَو كَلِمَةٍ جَارِحَةٍ تُشعِرُهُ بِأَنَّهُ عَالَةٌ عَلَى مَن يَكفُلُهُ، أَوِ استِغلَالٍ لِصُورَتِهِ فِي حَفَلَاتِ الدِّعَايَةِ وَالتَّبرُّعَاتِ! وَمَن أَرَادَ دَوَاءً لِقَسوَةِ قَلبِهِ وَتَيسِيرًا لِحَوَائِجِهِ فَعَلَيهِ بِرَحمَةِ اليَتِيمِ؛ فَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَمُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَسوَةَ قَلبِهِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ: «أَتحِبُّ أَن يَلِينَ قَلبُكَ وَتُدرِكَ حَاجَتَكَ؟ ارحَمِ اليَتِيمَ، وَامسَح رَأسَهُ، وَأَطعِمهُ مِن طَعَامِكَ، يَلِنْ قَلبُكَ وَتُدرِكْ حَاجَتَكَ»! وَالدِّعَامَةُ الثَّالِثَةُ: «الأَمَانَةُ الصَّارِمَةُ فِي حِفظِ مَالِ اليَتِيمِ وَتَنمِيَتِهِ حَتَّى يَرشُدَ»؛ فَقَد حَاطَ اللهُ مَالَ اليَتِيمِ بِسِيَاجٍ مِنَ النُّصُوصِ المَهِيبَةِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾، وَأَمرَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بِاختِبَارِ الأَيتَامِ وَتَدرِيبِهِم عَلَى حُسنِ التَّصَرُّفِ المَالِيِّ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ وَآنَسَ الوَلِيُّ مِنهُم رُشدًا دَفَعَ إِلَيهِم أَموَالَهُم كَامِلَةً بِالإِشهَادِ وَالتَّوثِيقِ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّحِيحَينِ «أَكلَ مَالِ اليَتِيمِ» مِنَ السَّبعِ المُوبِقَاتِ المُهلِكَاتِ! وَللهِ دَرُّ الشَّاعِرِ الحَكِيمِ حِينَ قَالَ: وَامسَحْ بِكَفِّكَ رَأسَ كُلِّ مُيَتَّمٍ ... وَاجبُر فُؤَادًا قَد كَوَاهُ الفَاقِدُ مَن كَانَ لِلأَيتَامِ حِصنًا حَانِيًا ... آوَاهُ فِي الفِردَوسِ رَبٌّ وَاحِدُ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَعظَمِ مَا يَجلِبُ الأَمَانَ لِأَولَادِنَا مِن بَعدِنَا أَن نَرحَمَ أَيتَامَ المُسلِمِينَ فِي حَيَاتِنَا، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. وَحَتَّى نَرتَقِيَ بِرِعَايَةِ اليَتِيمِ مِن مُجَرَّدِ الدَّفعِ المَالِيِّ إِلَى الِاحتِوَاءِ الشَّامِلِ، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ: الأُولَى: تَقدِيمُ أَيتَامِ الأَقَارِبِ وَالجِيرَانِ بِالاحتِوَاءِ وَالتَّفَقُّدِ المباشِرِ؛ فَعَلَى العَمِّ وَالخَالِ وَالجَدِّ وَالقَرِيبِ أَلَّا يَترُكَ أَولَادَ أَخِيهِ أَو أُختِهِ المُتَوَفَّى فَرِيسَةً لِلوَحدَةِ، بَل يَجعَلَ لَهُم نَصِيبًا ثَابِتًا مِن وَقتِهِ، فَيَزُورَهُم، وَيَسأَلَ عَن مَدَارِسِهِم، وَيَصطَحِبَهُم مَعَ أَولَادِهِ إِلَى المَسجِدِ وَالنُّزهَةِ، وَيُنصِتَ إِلَى مَشَاعِرِهِم وَحَاجَاتِهِم. الثَّانِيَةُ: إِعَانَةُ الأُمِّ الأَرمَلَةِ عَلَى عِبءِ التَّربِيَةِ؛ فَالمرأَةُ الَّتِي تَرمَّلَت وَتَفَرَّغَت لِتَربِيَةِ أَيتَامِهَا تَقُومُ بِجِهَادٍ عَظِيمٍ، وَلَكِنَّ الصَّبِيَّ إِذَا كَبُرَ وَدَخَلَ سِنَّ المُرَاهَقَةِ احتَاجَ إِلَى قُدوَةٍ رِجَالِيَّةٍ صَالِحَةٍ تَسُدُّ غِيَابَ الأَبِ بِالحِكمَةِ وَالنُّصحِ وَالصُّحبَةِ الطَّيِّبَةِ، فَوَاجِبُ الأَعمَامِ وَالأَخوَالِ أَن يَكُونُوا عَونًا لِلأُمِّ لَا عِبئًا عَلَيهَا. الثَّالِثَةُ: التَّسوِيَةُ فِي المَعَامَلَةِ وَالبَسمَةِ وَالعَطِيَّةِ دَاخِلَ البَيتِ الوَاحِدِ؛ فَمَن ضَمَّ يَتِيمًا إِلَى بَيتِهِ أَو تَزَوَّجَ أُمَّ أَيتَامٍ، فَعَلَيهِ أَن يَتَّقِيَ اللهَ فَلَا يَكسِرَ قَلبَ اليَتِيمِ بِتَميِيزِ أَولَادِهِ عَلَيهِ فِي مَأكَلٍ أَو مَلبَسٍ أَو حَفَاوَةٍ، وَأَن يَمنَعَ أَولَادَهُ مِن مُعَايَرَتِهِ أَوِ استِضعَافِهِ، بَل يَجعَلَهُم إِخوَةً مُتَحَابِّينَ. الرَّابِعَةُ: التَّأهِيلُ العِلمِيُّ وَالمِهنِيُّ لِليَتِيمِ حَتَّى يَستَقِلَّ بِنَفسِهِ؛ فَمِن أَعظَمِ الإِحسَانِ فِي الكَفَالَةِ المَالِيَّةِ وَالمؤسَّسِيَّةِ أَلَّا تَقِفَ عِندَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَل تَمتَدَّ إِلَى تَعليمِ اليَتِيمِ، وَتَنمِيَةِ مَوَاهِبِهِ، وَتَدرِيبِهِ عَلَى مِهنَةٍ أَو صَنعَةٍ شَرِيفَةٍ تَنقُلُهُ مِن يَدٍ آخِذَةٍ إِلَى يَدٍ مُنتِجَةٍ مُعطِيَةٍ عَزِيزَةٍ. الخَامِسَةُ: الضَّبطُ الدَّقِيقُ لِأَموَالِ القُصَّرِ وَتَسلِيمُهَا إِلَيهِم عِندَ الرُّشدِ؛ فَعَلَى كُلِّ وَصِيٍّ أَو وَلِيٍّ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ أَن يَفصِلَ ذِمَّةَ اليَتِيمِ المَالِيَّةَ وَيوَثِّقَ كُلَّ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ مِنهَا، وَيَتَّجِرَ فِيهَا بِالأَحوَطِ وَالأَصلَحِ حَتَّى لَا تَأكُلَهَا النَّفَقَةُ، ثُمَّ يُبَادِرَ إِلَى تَسلِيمِهَا لِليَتِيمِ كَامِلَةً مَتَى بَلَغَ وَظَهَرَ رُشدُهُ دُونَ مُمَاطَلَةٍ أَو طَمَعٍ. اللَّهُمَّ يَا جَابِرَ كُلِّ كَسِيرٍ، وَيَا مُغنِيَ كُلِّ فَقِيرٍ، وَيَا صَاحِبَ كُلِّ غَرِيبٍ، وَيَا مُؤنِسَ كُلِّ وَحِيدٍ، اللَّهُمَّ احفَظ أَيتَامَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَكُن لَهُم وَلِيًّا وَنَصِيرًا وَحَافِظًا وَمُعِينًا، وَسَخِّر لَهُم مِن عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ مَن يَرحَمُ ضَعفَهُم وَيَصُونُ حُقُوقَهُم يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ لَيِّن قُلُوبَنَا بِرَحمَةِ اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ، وَاحشُرنَا فِي زُمرَةِ نَبِيِّكَ الكَرِيمِ ﷺ فِي أَعلَى عِلِّيِّينَ. اللَّهُمَّ احفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ، وَوَفِّق وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ خَيرُ العِبَادِ وَالبِلَادِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.