🕌 الغيثُ والمَطَر... رَسائلُ السَّماءِ وحياةُ القُلوب
#خطبة_جمعة #المطر #الغيث #رحمة_الله #حياة_القلوب #التفكر #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي يُنزِلُ الغَيثَ مِن بَعدِ ما قَنَطوا ويَنشُرُ رَحمَتَه، الحمدُ للهِ الذي يُحيي الأرضَ المَيتةَ بالماءِ الزُّلال، فَتَهتَزُّ وتَربو وتُنبِتُ مِن كُلِّ زَوجٍ بَهيج. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، بِيَدِه مَفاتيحُ الخَزائن، ومَقاليدُ السَّماواتِ والأرض. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أبعَثُ النَّاسِ رَحمةً، وأنداهُم يَدًا، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، هل سألتُم أنفُسَكم يومًا وأنتُم تَنظرونَ إلى قَطَراتِ المَطَرِ تَتَساقَطُ على الأرضِ القاحِلَة: ما الرسالةُ الخفيَّةُ في هذه القَطَرات؟ كُلُّنا نَفرَحُ بالغَيثِ لأنَّه يُروي الأرضَ ويَغسِل الشوارع، لكنَّ القليلَ مِنَّا مَن يُدرِكُ أنَّ اللهَ لم يُنزِلهُ لِيَرويَ التُّرابَ فحَسب، بل لِيَرويَ ما هو أَعطَشُ مِن التُّراب... إنَّها قُلوبُنا. هُناكَ رابِطٌ عَجيبٌ بين حَيَاةِ الأرضِ وحَيَاةِ القَلب، ومَن لَم يَعرِف هذه العَلاقَة، فَقَد فاتَهُ نِصفُ دِينِه في التَّدَبُّر. فما هي هذه الرِّسالَةُ السَّماويَّة؟ بَعدَ قَليلٍ سَنَعرِف.
أيها الإخوةُ الكرام، يَمضي على النَّاسِ زمانٌ تَجِفُّ فيهِ الأرض، وتَتَأخَّرُ الأمطار، وتَصفَرُّ الأشجار، ويَنظُرُ الفلَّاحُ إلى السَّماءِ بِعَينٍ يَملَؤُها الرَّجاءُ مَشوبًا بِاليَأس، والحيواناتُ تَبكَمُ مِنَ العَطَش. وفي اللَّحظةِ التي يَبلُغُ فيها اليَأسُ مَبلَغَه، وتَنقَطِعُ حِبالُ الأسبابِ الأرضيَّة، تَتَحَرَّكُ رَحمةُ المَلِكِ الجَبَّار. غَيمةٌ مِن هُنا، وسَحابةٌ مِن هُناك، رِياحٌ تُساق، وسَماءٌ تَتَلَبَّد... ثُمَّ تَنزِلُ الرَّحمَة. واسمعوا إلى هذا الوَصفِ القُرآنيِّ المُذهِل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة الشورى: 28].
تأمَّلوا... لِمَاذا سَمَّاهُ "الغَيث" ولم يُسَمِّهِ هُنا المَطَر؟ لأنَّ الغَيثَ مِنَ الإغاثَة، ولا تَكونُ الإغاثَةُ إلَّا لِمَكروب. ولِمَاذا ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾؟ لِيُذَكِّرَكَ أنَّهُ مهما طالَ جَفافُ رُوحِك، ومهما بَلَغَ اليَأسُ في قَلبِك، فإنَّ رَحمةَ اللهِ تَأتيكَ في اللَّحظةِ التي تَظُنُّ فيها أنَّ الأبوابَ كُلَّها قَد أُغلِقَت.
والنبيُّ ﷺ كان أعمَقَ النَّاسِ فَهمًا لِهذهِ الرِّسالَة. كانَ يَرى في المَطَرِ صِلَةً مُباشِرةً بِرَبِّه. عَن أنَسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ قال: أَصابَنا ونَحنُ مَع رَسولِ اللهِ ﷺ مَطَر، قال: فَحَسَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَوبَهُ — أي كَشَفَ جُزءًا مِن بَدَنِه — حَتَّى أَصابَهُ مِنَ المَطَر. فَقُلنا: يا رَسولَ الله، لِمَ صَنَعتَ هذا؟ قال: «لِأَنَّهُ حَديثُ عَهدٍ بِرَبِّهِ تَعالى» (رواه مسلم).
يا لَعَظَمَةِ هذا المَعنى! قَطرةُ الماءِ هذه، قَبلَ لَحَظاتٍ لَم تَكُن شَيئًا، خَلَقَها اللهُ السَّاعَة، وأنزَلَها السَّاعَة، فَهي طازَجَةٌ مِن رَحمَةِ الله، فَأَرادَ النَّبيُّ ﷺ أن تَمَسَّ جَسَدَهُ الشَّريف. هَل نَشعُرُ نحنُ بِهذا عِندَما يَنزِلُ الغَيث؟ أم نُسرِعُ بالاختِباءِ ونَشكُو مِن بَلَلِ ثِيابِنا؟
ولكن، لِنَسأل أنفُسَنا سُؤالًا أعمَق: كَيفَ يُحيي هذا المَطَرُ الأرض؟ المَطَرُ يَنزِلُ فَيَختَلِطُ بِبُذورٍ مَيِّتَةٍ في جَوفِ الأرض، فَتَنشَقُّ وتَخرُجُ حَياةً ونَباتًا. وكَذَلِكَ الوَحيُ — القُرآنُ والمَوعِظَة — يَنزِلُ على القَلبِ المَيِّت، فَيُحييه.
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "شَبَّهَ اللهُ الوَحيَ الذي أنزَلَهُ لِحَياةِ القُلوبِ، بالغَيثِ الذي أنزَلَهُ لِحَياةِ الأرض. فكَما أنَّ الأرضَ لا تَحيا إلا بالغَيث، فكَذلِكَ القُلوبُ لا تَحيا إلا بالوَحي".
اقرَأوا إن شِئتُم قَولَ الحَقِّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحديد: 17]. هذه الآيةُ جاءَت مُباشَرَةً بَعدَ الآيةِ التي تَلومُ المُؤمِنينَ على قَسوَةِ قُلوبِهم ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. كَأنَّ اللهَ يَقولُ لَنا: يا مَن قَسَت قُلوبُكُم وجَفَّت، لا تَيأَسُوا، فالذي يُحيي التُّرابَ المَيِّتَ بالمَطَر، قادِرٌ على أن يُحييَ قُلوبَكُم القاسِيَةَ بالقُرآن!
ولَعَلَّكُم تَسألون: هل يُمكِنُ لِهذا الغَيثِ أن يَتَحَرَّكَ بِدُعاءِ رَجُلٍ واحِد؟ هل يُمكِنُ لِلسَّحابِ أن يَسيرَ بأمرِ اللهِ لِيَسقيَ أرضَ رَجُلٍ صالِح؟
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الذي يَرويهِ النَّبيُّ ﷺ عن رَجُلٍ عاشَ قَبلَنا، لِنَعرِفَ كَيفَ تُدارُ السَّماواتُ والأرض. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «بَيْنا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ. فَتَنَحَّى ذلكَ السَّحابُ، فأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ (أرض صخرية)، فإذا شَرْجَةٌ (مَسيل ماء) مِن تِلْكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذلكَ الماءَ كُلَّهُ. فَتَتَبَّعَ الماءَ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحاتِهِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ ما اسْمُكَ؟ قال: فُلانٌ — لِلاسْمِ الذي سَمِعَ في السَّحابَةِ — فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الذي هذا ماؤُهُ يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ لِلاسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فيها؟ قال: أمَّا إذْ قُلْتَ هذا، فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأَرُدُّ فِيها ثُلُثَهُ» (رواه مسلم).
تأمَّلوا يا عِبادَ الله! سَحابَةٌ كامِلَة، يَقودُها مَلَكٌ مِنَ السَّماء، لِيُفرِغَ ماءَها في مَزرَعَةِ رَجُلٍ واحِد! لِماذا؟ لأنَّهُ رَجُلٌ عَرَفَ حَقَّ اللهِ في مالِه، فَتَصَدَّقَ وأطعَمَ المَساكين. الصَّدَقَةُ — يا كِرام — تَستَنزِلُ الغَيثَ، وتَجلِبُ السَّحاب، وتَجعَلُ العَبدَ مَعروفًا في السَّماءِ باسمِه!
ولِنَلتَفِت الآنَ إلى واقِعِنا. في هذا العَصرِ، صِرنا نَملِكُ التَّطبيقاتِ المَناخيَّة، والأقمارَ الصِّناعِيَّة، والرَّاداراتِ التي تَتَبَّعُ حَرَكَةَ الغُيوم. نَفتَحُ هَواتِفَنا لِنَعرِفَ مَتى سَيَنزِلُ المَطَر، وكَم ستَكونُ نِسبَتُه، ومتى سَيَتَوَقَّف. هذا مِن عِلمِ اللهِ الذي عَلَّمَهُ لِلبَشَر، ولكنَّ المُصيبَةَ أنَّ بَعضَنا — وهو يَنظُرُ في الشَّاشَة — قَد يَنسى خالِقَ السَّحاب! نُتابِعُ الرِّياحَ ونَنسى مَن يُصَرِّفُها. نَفحَصُ نِسَبَ الرُّطوبَةِ ونَنسى الذي يَقولُ لِلشَّيءِ كُن فَيَكون!
ولِذلِكَ قالَ اللهُ مُحَذِّرًا إيَّانا مِن هذا الرُّكونِ المادِّيِّ البَحْت: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [سورة الواقعة: 68-69].
وقد صَلَّى النَّبيُّ ﷺ يَومًا بأصحابِهِ الصُّبحَ على إثرِ سَماءٍ (أي مَطَر) كانَت مِنَ اللَّيل، فَلَمَّا انصَرَفَ أقبَلَ على النَّاسِ فَقال: «هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ. قالَ: «أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ، فأمَّا مَن قالَ: مُطِرْنا بفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَذلكَ مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ بالكَوْكَبِ، وأَمَّا مَن قالَ: بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَذلكَ كافِرٌ بي ومُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ» (متفق عليه). الكَوْكَبُ اليومَ قَد يكونُ المُنخَفَضَ الجَوِّي، أو التَّيَّارَ الهَوائي، نَعم هي أسباب، لكنَّ المُؤمِنَ لا يَنسى أنَّ فَوقَ الأسبابِ مُسَبِّبًا سُبحانَه.
أيها المُسلِمون، وإذا كانَ المَطَرُ رِسالَةَ رَحمَة، فَهُوَ أيضًا رِسالةُ يَقينٍ باليَومِ الآخِر. كَيفَ يُنكِرُ إنسانٌ البَعثَ، وهو يَرى الأرضَ قَد صارَت حَجَرًا جافًّا لا حَياةَ فيه، تَدوسُها الأقدام، ثُمَّ يَنزِلُ عليها الماء، فإذا بها تَنتَفِضُ حَياةً، وتَتَشَقَّقُ عَن زُهورٍ وثِمار؟
قالَ رَبُّنا تَعالى، وهُوَ يُقَرِّرُ هذا المَعنى المَشهود: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة فصلت: 39]. وفي مَوضِعٍ آخَر: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ... رِزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [سورة ق: 9-11].
يَقولُ الإمامُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِه: "جَعَلَ اللهُ إحياءَ الأرضِ دَليلًا على البَعث، لِيَرى العِبادُ بِأعيُنِهم ما وَعَدَهُم بِهِ في دِينِه". ففي كُلِّ قَطرَةِ مَطَرٍ تُحيي بُذورَ الأرض، قَطرةُ مَعرفَةٍ تُحيي إيمانَكَ بِأنَّكَ سَتَخرُجُ مِن قَبرِكَ يَومَ القِيامَة.
ولكِن، والسُّؤالُ الذي يَطرَحُ نَفسَهُ الآن: إذا كانَ المَطَرُ رَحمَة، فَلِماذا يُحبَسُ عَنَّا أحيانًا؟ لِماذا تَمُرُّ الأشهُرُ ولا نَرى غَيمة؟
الجوابُ الواضِحُ الذي لا مُداهَنَةَ فيه، هو أنَّ ذُنوبَنا هي التي تَحبِسُ الغَيث. المَعاصي قَبلَ أن تُهلِكَ أصحابَها، تُفسِدُ البِيئَة، وتَمنَعُ بَرَكاتِ السَّماء. قالَ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ الجامِع: «ولَمْ يَمْنَعُوا زَكاةَ أَمْوالِهِمْ إلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، وَلَوْلا البَهائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (رواه ابن ماجه).
يا الله! لَولا البَهائِمُ لَم يُمطَروا! قَد يَنزِلُ المَطَرُ لَيسَ إكرامًا لنا، بَل إكرامًا لِقِطَّةٍ في الشَّارِع، أو طائِرٍ في السَّماء، أو شاةٍ في البَرِّيَّة. بِذُنوبِنا حَبَسنا الرَّحمَة، وبِضَعفِ الحَيَواناتِ نَزَلَت! فكيفَ نَرضى أن نَكونَ عِبئًا على بَرَكةِ الأرض؟
لقد جاءَ أعرابيٌّ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ الجُمُعَةِ وهو يَخطُب، فدَخَلَ مِن بابِ المَسجِدِ وقال: يا رَسولَ اللهِ! هَلَكَتِ الأموالُ، وانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادعُ اللهَ يُغِثنا. قال: فَرَفَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَيهِ، ثُمَّ قال: «اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا». يَقولُ أنَسٌ راوي الحَديث: "وَاللَّهِ ما نَرَى فِي السَّماءِ مِن سَحابَةٍ ولا قَزَعَةً... فَطَلَعَتْ مِن وَرائِهِ سَحابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أمْطَرَتْ... فَواللَّهِ ما رَأَيْنا الشَّمْسَ سِبْتًا (أي أسبوعاً كاملاً)" (رواه البخاري).
اللهُ أكبَر! بِمُجَرَّدِ أن رَفَعَ يَدَيهِ الشَّريفَتَين، استَجابَتِ السَّماء. ولَم يَكُن هذا خاصًّا بِالنَّبيِّ ﷺ فَحَسب، بَل لِأُمَّتِهِ إن صَدَقَت. أتى رَجُلٌ إلى الحَسَنِ البَصريِّ رَحِمَهُ اللهُ يَشكُو إلَيهِ الجَدبَ وانقِطاعَ المَطَر، فَقالَ لَه: "استَغفِرِ الله". وجاءَ آخَرُ يَشكُو الفَقرَ، فَقالَ لَه: "استَغفِرِ الله". وجاءَ ثالِثٌ يَشكُو جَفافَ بُستانِه، فَقالَ لَه: "استَغفِرِ الله". فَقيلَ لَهُ في ذَلِك، فَقرَأَ قَولَ الحَقِّ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [سورة نوح: 10-11].
الاستِغفارُ يا عِبادَ الله. الاستِغفارُ مِفتاحُ السَّماء، وبَوَّابَةُ الرَّحمَة. وكَما قالَ اللهُ سُبحانَه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [سورة الجن: 16].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن المطر والغيث كرسالة رحمة ربانية، وكيف أن إحياء الأرض الخاشعة هو تذكير بليغ بإحياء القلوب الميتة بالوحي، ودليل مشاهد على بعث الأجساد يوم القيامة، ووقفنا مع أثر الصدقة والاستغفار في استنزال بركات السماء. والآن، إخواني، بقي السؤال العملي الأهم: كيف نستقبل هذه الرسائل الربانية؟ وكيف نترجم هذا الفهم إلى واقع في حياتنا عند نزول الغيث؟
أوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ من الغِلِّ والحَسَدِ مع كُلِّ قَطرةِ مَطَر. كما أنَّ اللهَ يَغسِلُ هَواءَنا وأرضَنا بالماءِ الطَّهور، فاغسِل أنتَ قَلبَكَ بِالعَفو والتَّسامُح. إنَّ القَلبَ القاسي لا يَنفَعُهُ مَطَرُ السَّماء، بَل تَحتاجُ رَحمَةُ اللهِ إلى قَلبٍ ليِّنٍ لِتَستَقِرَّ فيه.
الثانية (لِسانيَّة): أحيوا سُنَّةَ النَّبيِّ ﷺ في الدُّعاء. إذا رَأيتُمُ المَطَرَ فَقولوا: "اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا"، وإذا انتَهى فَقولوا: "مُطِرنا بِفَضلِ اللهِ ورَحمَتِه". ولا تَنسَوا أنَّ الدُّعاءَ عِندَ نُزولِ المَطَرِ مُستَجاب. قال ﷺ: «ثِنْتانِ ما تُرَدَّانِ: الدُّعاءُ عِنْدَ النِّداءِ، وتَحْتَ المَطَرِ» (رواه الحاكم وحسنه الألباني)، فاستَغِلُّوا هذه اللَّحَظاتِ بِالدُّعاءِ لأنفُسِكُم ولِأهلِكُم ولأُمَّتِكُم.
الثالثة (عَمَليَّة): كُن أنتَ كالغَيثِ أينَما وَقَعَ نَفَع. تَصَدَّق اليومَ بِصَدَقةٍ ولو يَسيرة، نِيَّةَ شُكرِ اللهِ على نِعمَةِ الماء. فكما أغاثَكَ اللهُ مِن فَضلِه، أغِث مَلهوفًا، وسُدَّ حَاجَةَ فَقير، فَإنَّ الجَزاءَ مِن جِنسِ العَمَل.
الرابعة (اجتماعيَّة): تَذَكَّروا إخوانًا لَكُم في العَراءِ، وفي خِيامِ اللُّجوءِ، ومَن دُمِّرَت بُيوتُهُم. وأنتَ في بَيتِكَ الدَّافِئ، تَسمَعُ صَوتَ المَطَرِ فتَشعُرُ بالسَّكينَة، هُناكَ مَن يَسمَعُهُ فَيَرتَجِفُ بَردًا وخَوفًا على صِغارِه. ادعُ لَهُم، وتَفَقَّد جِيرانَكَ والمُحتاجينَ في حَيِّك، فَالرَّاحِمونَ يَرحَمُهُمُ الرَّحمن.
الخامسة (موضوعيَّة): اسقِ قَلبَكَ بالقُرآنِ اليَوم. كما فَرِحتَ بِسُقيا الأرض، فإنَّ رُوحَكَ تَنتَظِرُ سُقياها. اجعَل لَكَ وِردًا ثابِتًا لا تَترُكُه، فَإنَّ الأرضَ إذا طالَ عَنها الماءُ تَشَقَّقَت، وكَذَلِكَ القُلوبُ إذا طالَ هَجرُها لِكِتابِ اللهِ قَسَت وماتَت.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن تقوى الله هي أصل كل بركة، وبها تفتح أبواب السماوات والأرض. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، استجابة لأمر ربكم جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطيَ شَكَر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر.
اللَّهُمَّ كما أغَثتَ أرضَنا بِالمَطَر، أغِث قُلوبَنا بِالإيمانِ واليَقين، واغسِل حَوبَتَنا، وطَهِّر صَحائِفَنا.
اللَّهُمَّ صَيِّباً نافِعاً، سَحّاً عامّاً، غَدَقاً مُجَلِّلاً، تُحيي بِهِ البِلاد، وتَرحَمُ بِهِ العِباد.
اللَّهُمَّ ارفَع عَنَّا الجَهدَ والجوعَ والعُري، واكشِف عَنَّا مِن البَلاءِ ما لا يَكشِفُهُ غَيرُك.
اللَّهُمَّ كُن لِلمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ أنزِل عَلَيهِم دِفئاً وسَلاماً وأمناً، وَرُدَّ عَنهُم بَأسَ الظَّالِمين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَستَغفِرُكَ إنَّكَ كُنتَ غَفَّارًا، فَأرسِلِ السَّماءَ عَلَينا مِدرارًا.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالغيث والمطر: بشائر الرحمة وإحياء الأرض الميتة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.