🕌 إصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ... طَبِيبُ القُلُوبِ وبَابُ المَغْفِرَة
#خطبة_جمعة #إصلاح_ذات_البين #الأخوة #صلة_الرحم #التسامح #أخلاق #الأسرة
الحمدُ للهِ الذي ألَّفَ بينَ قلوبِ المؤمنينَ فأصبحوا بنعمتِهِ إخوانًا، ونزعَ الغِلَّ من صدورهم فكانوا على سُرُرٍ متقابلين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ إصلاحَ القلوبِ والمصالحةَ بين عبادهِ من أعظمِ القربات، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، المبعوثُ بالرحمة، والداعي إلى الألفة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، هناك عملٌ صالحٌ عظيم، أخبرنا حبيبنا ﷺ أنه أفضلُ درجةً من الصيام والصلاة والصدقة! عملٌ نغفل عنه جميعاً بينما ننشغل بنوافل العبادات. وفي المقابل، هناك ذنبٌ خفيّ، يمنع أعمالك الصالحة من الرفع إلى الله، ويحجب عنك المغفرة كل يوم إثنين وخميس، حتى وإن كنت صائماً قائماً. فما هو هذا العمل العظيم الذي يتفوق على النوافل؟ وما هو هذا الذنب الخطير الذي يحبطها؟ الإجابة ليست في السجود والركوع فحسب، بل في قلوبكم تجاه بعضكم البعض. تعالوا لنقف على هذه الحقيقة.
أيها الإخوة الأحبة، تخيلوا معي مشهداً يتكرر في مجتمعاتنا اليوم... أخوان من بطن واحدة، يقفان في صف الصلاة جنباً إلى جنب، وتلامس كتفُ هذا كتفَ ذاك، وتختلط أصواتهما بكلمة "آمين"... لكن بين قلبيهما جدارٌ من الجليد، وقطيعةٌ دامت سنوات لأجل شبرٍ من الأرض أو درهمٍ من المال! جاران يتبادلان النظرات القاسية كل صباح لأجل موقف تافه. أقارب لا يجتمعون في عيد ولا يواسي بعضهم بعضاً في حزن.
يا سبحان الله! أيُعقل أن نُصلح ظاهرنا للناس، ونترك قلوبنا خراباً ينعق فيها الشيطان؟ أيُعقل أن نرجو رحمة الخالق ونحن نقسو على خلقه ونهجر إخواننا؟
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل، مقرراً هذا الأصل العظيم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1].
تأملوا يا عباد الله! الله جل جلاله يقرن التقوى بإصلاح ذات البين. كأن التقوى لا تكتمل، وكأن الإيمان لا يستوي، إلا إذا صلحت القلوب وتصافت النفوس. ويؤكد ربنا هذا المعنى في آية أخرى جاعلاً الأخوة هي الأصل الذي لا يُساوَم عليه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]. فالرحمة الإلهية معلقة بصلاح ذات البين.
واسمعوا لهذا الحديث العظيم، الذي يزلزل القلوب الحية، يقول نبينا ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح).
تحلق الدين! هل استشعرتم الكلمة؟ كما يحلق الموسى الشعر فيتركه أقرع لا شيء فيه، فإن الخصومة والمقاطعة تحلق حسناتك، تحلق صلواتك، تحلق صيامك! تقف يوم القيامة مفلساً لأن "فساد ذات البين" ابتلع دينك وأكل حسناتك كما تأكل النار الحطب.
ولعلكم تسألون الآن: لماذا هذا التشديد؟ أليس يكفي أنني أصلي وأصوم وأزكي وأكف أذاي؟
الجواب في حديث آخر، يقصم الظهر لمن تدبره وعقله. يقول رسول الله ﷺ: «تُفتَحُ أبوابُ الجنةِ يومَ الإثنينِ، ويومَ الخميسِ، فيُغفَرُ لِكُلِّ عبدٍ لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيُقالُ: أَنْظِرُوا هذَينِ حتى يصطلحا، أَنْظِرُوا هذَينِ حتى يصطلحا، أَنْظِرُوا هذَينِ حتى يصطلحا» (رواه مسلم).
يا مصيبة المتقاطعين! ترفع أعمال الخلائق، تتنزل الرحمات، يعتق الله الرقاب، وأنت واقفٌ بباب المغفرة... فيردك الله! لماذا؟ لأن قلبك مليء بالغل، ولأنك هاجر لأخيك. عملك موقوف، توبتك معلقة، حتى تنزع هذا الحقد من صدرك وتصطلح مع أخيك. فهل يستحق شبرٌ من الأرض، أو درهمٌ من المال، أو كلمةٌ طائشة عابرة، أن تُحرم من مغفرة رب العالمين أسبوعاً تلو أسبوع؟
وقد أدرك سلفنا الصالح هذا المعنى العظيم، فكانوا يسارعون إلى سلامة الصدور قبل كثرة العمل. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعماله وقضاته: "رُدُّوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس".
ولله در الإمام الأوزاعي رحمه الله حين قال: "ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين".
هؤلاء هم الرجال الذين فهموا أن الدين ليس مجرد ركعات وحركات، بل هو "سلامة الصدر" ونقاء السريرة.
ولنتأمل معاً هذا الموقف القرآني المهيب. موقفٌ لو كُتب بماء الذهب لكان قليلاً، وفيه تتجلى قمة السمو البشري أمام النداء الإلهي.
تخيلوا رجلاً ينفق على قريبه الفقير لسنوات طوال. يكفله، ويطعمه، ويؤويه، ولا يبخل عليه بشيء. ثم ماذا يفعل هذا القريب؟ يخوض في عِرض ابنة هذا الرجل المحسن! يتكلم في شرفها الطاهر، في حادثة الإفك.
هذا ما حدث بالضبط مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومسطح بن أثاثة. مسطح كان قريباً فقيراً ينفق عليه أبو بكر، وتورط مسطح في الكلام عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فلما برأ الله عائشة من فوق سبع سماوات بآيات تتلى إلى يوم القيامة، غضب أبو بكر بحق، وقال: "والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة".
موقف بشري طبيعي جداً! رجل طعن في شرف ابنتك البريئة، فكيف تنفق عليه بعد ذلك؟
لكن الله عز وجل، الذي يريد تصفية القلوب، والذي يريد من عباده أن يرتقوا في سماء العفو فوق حظوظ أنفسهم، أنزل آية تهز الوجدان، وتذيب الجليد، قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22].
تأملوا اللحظة الدرامية... لما قرأها رسول الله ﷺ على أبي بكر، ووصل إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾... بكى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وانتفض، وقال كلمته الخالدة: "بلى والله، إنا لنحب أن تغفر لنا يا ربنا!". وأعاد النفقة إلى مسطح، وقال: "والله لا أنزعها منه أبداً".
هذا هو الدين الحقيقي! التنازل عن حظ النفس وكبريائها لأجل الله. أن تدوس على غضبك المبرر، لأنك تريد مغفرة الخالق. فأين نحن من أبي بكر؟ يتقاطع الأخوان اليوم على أمور تافهة، على كلمة قيلت في مجلس، على رسالة في هاتف، على ميراث من حطام الدنيا، ولا يرضى أحدهما أن يتنازل! بل يكابر ويقول: كرامتي لا تسمح. وهل كرامتك أغلى من مغفرة الله؟
ولم يكتفِ نبينا ﷺ بالوعظ والتوجيه، بل كان ينزل بنفسه إلى الميدان ليصلح بين الناس.
واسمعوا لهذه القصة العجيبة: في يوم من الأيام، تشاجر أهل قُباء، واشتد بينهم الخلاف حتى تراموا بالحجارة! فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ، هل جلس في مسجده وقال هذه مشكلتهم؟ لا! بل قال لأصحابه: «اذهبوا بنا نصلح بينهم». ترك النبي ﷺ مشاغله العظيمة، وخرج بنفسه ليمشي بين طائفتين من أمته ليعيد إليهما لحمة الأخوة. لأن القطيعة جرح في جسد الأمة يجب أن يُنزف له دم المصلحين.
أيها المؤمنون، إن الخصومة هي أكبر مشروع استثماري للشيطان. يقول النبي ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (رواه مسلم). هذا هو هدفه الأسمى! يحرش بين الزوج وزوجته، وبين الأخ وأخيه، وبين الجار وجاره. يضخم الكلمة العابرة، ويفسر النظرة تفسيراً سيئاً، ويزين القطيعة بأنها عزة وكرامة. فإذا اصطلحتم وتصافحتم، كسرتم ظهر الشيطان ورددتم كيده في نحره.
ولأجل خطورة هذا الأمر، عظّم الله أجر "المصلح". المصلح الذي يمشي بين المتخاصمين، يلين القلوب، وينقل الكلام الطيب، حتى لو اضطر للمبالغة فيه لإصلاح ما أفسده الشيطان! نعم، رخص النبي ﷺ في الكذب لإصلاح ذات البين، لخطورة القطيعة وعظيم شرها. قالت أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها: "ولم أسمعه يُرخِّص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها" (رواه مسلم). وفي رواية قال ﷺ: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيراً، أو يقول خيراً».
طوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر. طوبى لمن مشى بين أخوين متقاطعين، أو زوجين متنافرين فأصلح بينهما. قال الله تعالى مبيناً عِظم هذا الأجر: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]. أجر عظيم مطلق، لأنك أنقذت دين أخويك من الحَلْق والدمار، وجمعت ما فرقه حظ النفس.
انظروا إلى حالنا اليوم، بواقعية مؤلمة. الواحد منا يحمل في هاتفه آلاف الأرقام، يتواصل مع أناس في أقصى الأرض، يتابع أخبار العالم لحظة بلحظة، لكنه عامل "حظر" (Block) لأخيه من لحمه ودمه! نعيش في عالم متصل تقنياً، وممزق ومتقاطع شعورياً.
كم من بيوت دمرت بسبب سوء ظن لم يُستفسر عنه؟ كم من عائلات تمزقت بسبب ميراث حوّل الدم إلى ماء بارد؟ يموت الأب، فيتصارع الإخوة في المحاكم على تركة فانية سيتركونها هم أيضاً يوماً ما، ويقاطعون بعضهم بعضاً لسنوات. هل هذا ما يرضي الله؟ هل تظن أن الله سيبارك لك في قرشٍ قطعت لأجله رحمك وأغضبت ربك؟
قال الحسن البصري رحمه الله في وصية تكتب بماء العين: "أحب مكارم الأخلاق إلى الله: العفو عن الناس، والائتلاف، والإصلاح بينهم".
فيا من خاصمت أخاك.. ويا من قاطعت أختك.. ويا من هجرت جارك.. إلى متى هذا الجفاء؟ الدنيا والله أقصر من أن نقضيها في الضغائن والأحقاد. الموت يأتي بغتة، ولا يستأذن الخصوم حتى يصطلحوا. ماذا لو جاءك اليوم خبر وفاة من تخاصمه وتهجره منذ سنوات؟ هل ستبكي عند قبره ندماً؟ وماذا ينفع البكاء بعد أن طويت الصحائف؟ بل ماذا لو كنت أنت الذي يفجؤك الموت الليلة؟ بماذا ستلقى الله؟ بقلب مليء بالغل والشحناء؟ ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
فبادروا بالصلح يا عباد الله. تنازلوا عن كبريائكم الزائف. واعملوا بقول النبي ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (متفق عليه).
كن أنت الأفضل. كن أنت الأعظم عند الله. كن أنت الذي يبدأ بالسلام ليفوز بالمغفرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، والمبعوث لجمع الكلمة وتأليف القلوب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن خطورة قطيعة الرحم وفساد ذات البين، وكيف أنها الحالقة التي تحلق الدين، وتمنع رفع الأعمال الصالحة والمغفرة الأسبوعية. ووقفنا متأملين مع موقف الصديق رضي الله عنه وكيف تنازل عن غضبه لأجل أن يغفر الله له. وذكرنا فضل المصلح الذي يسعى بين الناس بالخير وكسر حظوظ النفس. والآن، إخوتي، بقي السؤال الأهم والذي سنسأل عنه يوم القيامة: كيف نحول هذا الكلام إلى واقع ونصلح ما فسد من علاقاتنا اليوم؟
أوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري، لتكونوا من المصلحين، ولتُفتح لكم أبواب الجنة:
الأولى (قَلبيَّة): نقِّ قلبك وصفِّ نيتك من الغل. اعفُ عمن ظلمك في داخلك الآن، لا لأجله، ولا لضعف فيك، بل لأجل الله الذي قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. احتسب أجر عفوك عند من لا تضيع عنده الودائع، ونم الليلة وليس في قلبك حقد على مسلم.
الثانية (لِسانيَّة): احفظ لسانك من نقل الكلام المفسد للقلوب. لا تكن "نماماً" يشعل النيران بين الناس. بل كن مفتاحاً للخير، وانقل الكلام الطيب، وإذا جلست في مجلس يُذكر فيه أخواك بسوء، فذُبَّ عن عرضهما، وانقل محاسنهما لتُطفئ نار الشحناء.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): خذ المبادرة اليوم وفوراً. لا تقل: "هو الذي أخطأ فليأتِ هو ليعتذر". هذا ميزان الكبر، أما ميزان الشرع فهو "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". ارفع هاتفك اليوم، بعد الصلاة مباشرة، وأرسل رسالة سلام أو اتصل بمن بينك وبينه شحناء. هذه الخطوة البسيطة جداً في عينك، قد تكون سبب عتقك من النار.
الرابعة (اجتماعيَّة): كُن مصلحاً في بيتك وعائلتك. إذا رأيت أخوين متقاطعين، أو زوجين متنازعين، أو قريبين متباعدين، فلا تقف متفرجاً، ولا تكن من محبي نقل الأخبار السيئة، بل تدخل بالحسنى، واجمع الكلمة، ولن ينسى الله لك هذا السعي، ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
الخامسة (موضوعيَّة): تغافلوا لتعيشوا. تسعة أعشار العافية والمودة في التغافل. لا تقفوا عند كل كلمة تقال، ولا تحللوا كل نظرة. سامحوا زلات الأقارب والإخوان، والتمسوا لهم الأعذار، فإن سفينة الأسرة والمجتمع لا تمضي بالتدقيق والمحاسبة على الزلات، بل بالتغاضي والمسامحة وطول البال. عسى الله أن يصلح أحوالنا ويقول: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: 7].
فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي الميزان الذي به تنقاد القلوب للعفو، وهي العاصم من الانجرار خلف نزغات الشياطين.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه، فقال في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك أن تؤلف بين قلوبنا، وتصلح ذات بيننا، وتهدينا سبل السلام، وتخرجنا من الظلمات إلى النور.
اللهم انزع الغل والحقد والحسد من صدورنا، واجعلنا إخوة متحابين في جلالك، مجتمعين على طاعتك.
اللهم من كان منّا قاطعاً لرحمه فاهده ورُدّه إلى رشده، ومن كان بينه وبين أخيه شحناء فألّف بين قلبيهما، واجمع كلمتهما على الحق.
اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم.
اللهم وفقنا لأن نكون مفاتيح للخير مغاليق للشر، واجعلنا ممن يسعون في إصلاح ذات البين ابتغاء مرضاتك يا أرحم الراحمين.
اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين.
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وارفع عنهم الظلم والبلاء، واجمع كلمتهم على الحق والتقوى.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
إصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ... طَبِيبُ القُلُوبِ وبَابُ المَغْفِرَة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.