من مكتبة مِداد الخطيب

صَلَاحُ الْأُمَّةِ.. فِي زَمَنِ المَادَّةِ وَالشَّهَوَاتِ

مشاركة
🕌 صَلَاحُ الْأُمَّةِ.. فِي زَمَنِ المَادَّةِ وَالشَّهَوَاتِ #خطبة_جمعة #صلاح_الأمة #منهج_السلف #الجيل_الأول #الفتن #التربية #الثبات #عقيدة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ اتِّبَاعَ السَّلَفِ الصَّالِحِ سَبِيلًا لِلنَّجَاةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ وَالْمُدْلَهِمَّاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَقُدْوَةُ السَّالِكِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ هَذَا الْعَالَمَ يَغْرَقُ فِي طُوفَانِ الْمَادِيَّةِ.. لِمَاذَا نَشْعُرُ بِالْغُرْبَةِ؟ وَلِمَاذَا تَتَزَاحَمُ عَلَيْنَا الْهُمُومُ رَغْمَ كَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَتَوَفُّرِ الْمَلَذَّاتِ؟ لِمَاذَا تُمْلَأُ الْبُيُوتُ بِالْأَجْهِزَةِ وَالشَّاشَاتِ، وَتُفْرَغُ الْقُلُوبُ مِنَ السَّكِينَةِ وَالرَّحَمَاتِ؟ هَلْ تَأَمَّلْتُمْ كَيْفَ كَانَ حَالُ الْجِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مَلَأَ الْأَرْضَ عَدْلًا وَنُورًا، وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِعْشَارَ مَا نَمْلِكُ الْيَوْمَ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟ وَاللَّهِ يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّنَا لَفِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ الْيَوْمَ لِنَقِفَ مَعَ كَلِمَةٍ عَظِيمَةٍ، كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا مِنْ خَلْفِ حُجُبِ الْغَيْبِ، يَقُولُ فِيهَا إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ: "لَا يَصْلُحُ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا". كَلِمَةٌ صَغِيرَةٌ فِي حُرُوفِهَا، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ شِفْرَةَ النَّجَاةِ، وَطَوْقَ الْخَلَاصِ لِأُمَّةٍ تَاهَتْ فِي دُرُوبِ الْمَادَّةِ، وَأَنْهَكَتْهَا مَعَارِكُ الشَّهَوَاتِ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، مَا الَّذِي صَلَحَ بِهِ أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ هَلِ انْتَصَرُوا بِكَثْرَةِ الْمَالِ؟ لَا وَاللَّهِ! هَلْ سَادُوا بِالتَّطَوُّرِ الْمَادِيِّ وَالزَّخَارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ؟ كَلَّا! لَقَدْ صَلَحُوا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ.. صَلَحُوا بِعَقِيدَةٍ رَاسِخَةٍ لَا تَتَزَلْزَلُ، وَبِإِيمَانٍ خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ، وَبِيَقِينٍ جَعَلَ الْآخِرَةَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، فَهَانَتْ فِي نُظَرِهِمُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا. يَسْتَمِعُونَ لِقَوْلِ رَبِّهِمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]. فَيَعْلَمُونَ أَنَّ مِفْتَاحَ الرِّضَا هُوَ اتِّبَاعُ ذَلِكَ النَّهْجِ "بِإِحْسَانٍ". وَاسْمَعُوا إِلَى حَدِيثِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي يُبَيِّنُ فِيهِ مِيزَانَ الْخَيْرِيَّةِ، يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). لَمْ يَكُنْ قَرْنُهُ خَيْرَ الْقُرُونِ لِأَنَّ أَرْضَهُمْ كَانَتْ مُعَبَّدَةً، أَوْ قُصُورَهُمْ كَانَتْ مُمَرَّدَةً، بَلْ لِأَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ لِلَّهِ مُجَرَّدَةً. انْظُرُوا إِلَى حَالِنَا الْيَوْمَ.. الْوَاحِدُ مِنَّا يَسْتَيْقِظُ فَأَوَّلُ مَا يَطْلُبُهُ هَاتِفُهُ، يُقَلِّبُ شَاشَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ. صِرْنَا نَقِيسُ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ بِمَا يَلْبَسُ مِنْ مَارِكَاتٍ، وَبِمَا يَرْكَبُ مِنْ سَيَّارَاتٍ، وَبِمَا يَحْصُدُ مِنْ إِعْجَابَاتٍ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ التَّافِهَةِ. أَرَقْنَا الدِّينَ عَلَى عَتَبَاتِ الدُّنْيَا، وَبِعْنَا الْمَبَادِئَ فِي سُوقِ الْمَصَالِحِ. وَاللَّهِ يَا إِخْوَتِي، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَذَّرَنَا مِنْ هَذَا الْمُسْتَنْقَعِ الْمَادِيِّ حِينَ قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). تَعِسَ وَانْتَكَسَ، مَنْ جَعَلَ الْمَادَّةَ مَعْبُودَهُ، وَالشَّهْوَةَ غَايَتَهُ!
لِنَرْجِعْ قَلِيلًا إِلَى الْوَرَاءِ، لِنَرَى كَيْفَ كَانَ الْجِيلُ الْأَوَّلُ يَتَعَامَلُ مَعَ فِتْنَةِ الدُّنْيَا. تَخَيَّلُوا مَعِي قِصَّةَ ذَلِكَ الشَّابِّ الْمُدَلَّلِ، الَّذِي كَانَ أَعْطَرَ شَبَابِ مَكَّةَ وَأَغْنَاهُمْ، مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. كَانَ يَلْبَسُ أَفْخَرَ الثِّيَابِ، وَتُطْعِمُهُ أُمُّهُ أَطْيَبَ الطَّعَامِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، مَاذَا فَعَلَ؟ هَلْ وَاءَمَ بَيْنَ إِيمَانِهِ وَشَهَوَاتِهِ؟ لَا! بَلْ هَجَرَ كُلَّ شَيْءٍ لِلَّهِ. حُرِمَ مِنَ الْمَالِ، وَطُرِدَ مِنَ الْبَيْتِ، وَتَخَشَّنَ جِلْدُهُ، حَتَّى صَارَ يَلْبَسُ جِلْدَ الْكَبْشِ! يَمُرُّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَبْكِي لِحَالِهِ رَحْمَةً بِهِ.. وَيَوْمَ أُحُدٍ، يَسْتُشْهَدُ هَذَا الْبَطَلُ، فَلَا يَجِدُونَ مَا يُكَفِّنُونَهُ بِهِ إِلَّا بُرْدَةً صَغِيرَةً، إِنْ غَطَّوْا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ قَدَمَاهُ، وَإِنْ غَطَّوْا قَدَمَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ! فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَيَجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ (نَبَاتِ الْأَرْضِ). سُبْحَانَ اللَّهِ! شَابٌّ تَرَكَ مَلَذَّاتِ الدُّنْيَا كُلَّهَا، وَمَاتَ لَا يَجِدُ كَفَنًا يَسْتُرُ جَسَدَهُ، لَكِنَّهُ تَرَكَ خَلْفَهُ مَجْدًا لَا يُمْحَى، وَدِينًا لَا يَبْلَى. هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. وَتَأَمَّلُوا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ إِلَى مَشْهَدٍ آخَرَ يَقْصِمُ ظَهْرَ الْمَادِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ.. مَشْهَدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَاتِحًا مُنْتَصِرًا. لَمْ يَدْخُلْ عَلَى سَيَّارَةٍ فَارِهَةٍ أَوْ فَرَسٍ مُذَهَّبَةٍ، بَلْ دَخَلَ يَتَنَاوَبُ رُكُوبَ الدَّابَّةِ مَعَ خَادِمِهِ، وَثَوْبُهُ فِيهِ الرِّقَاعُ! فَلَمَّا رَآهُ أَبُو عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَشْفَقَ مِنْ شَكْلِهِ أَمَامَ عُظَمَاءِ الرُّومِ، فَقَالَ عُمَرُ كَلِمَتَهُ التَّارِيخِيَّةَ الَّتِي حَفِظَهَا الزَّمَانُ: "نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، فَمَهْمَا ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ فِي غَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ". هَذَا هُوَ سِرُّ الْخَلَاصِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! الْعِزَّةُ لَيْسَتْ فِي نَسْخِ حَضَارَةِ الْغَرْبِ، وَلَا فِي الذَّوَبَانِ فِي مِلَلِ الْكُفْرِ وَالشَّهَوَاتِ، الْعِزَّةُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْمَنْبَعِ الصَّافِي، إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلَى أَخْلَاقِ ذَلِكَ الْجِيلِ الْفَرِيدِ. وَلِذَلِكَ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُحَذِّرُ مِنْ الرُّكُونِ إِلَى الدُّنْيَا وَيَقُولُ: "أَهِينُوا الدُّنْيَا، فَوَاللَّهِ لَمْ تَكُنِ الدُّنْيَا قَطُّ أَهْوَنَ مِنْهَا حِينَ تُهَانُ". إِنَّ مُشْكِلَتَنَا الْيَوْمَ لَيْسَتْ فِي نَقْصِ الْأَمْوَالِ أَوْ تَأَخُّرِ التِّقْنِيَّةِ، مُشْكِلَتُنَا هِيَ تَسَلُّلُ "الْوَهْنِ" إِلَى الْقُلُوبِ؛ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ. أَصْبَحْنَا نُقَدِّمُ الشَّهْوَةَ الْعَاجِلَةَ عَلَى الْوَعْدِ الصَّادِقِ فِي الْآخِرَةِ، مَعَ أَنَّ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا يُحَذِّرُنَا قَائِلًا: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17]. كَيْفَ نُؤْثِرُ فَانِيًا عَلَى بَاقٍ؟ وَكَيْفَ نَسْتَبْدِلُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟ يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الثَّبَاتَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، زَمَانِ الْقَابِضِ فِيهِ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، يَحْتَاجُ إِلَى عُدَّةٍ مَتِينَةٍ. يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذِرًا وَمُبَشِّرًا فِي آنٍ وَاحِدٍ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). مَنْ هُمُ الْغُرَبَاءُ؟ هُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ. هُمُ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِمَا صَلَحَ بِهِ الْأَوَّلُونَ، حِينَ يَتَخَلَّطُ الْآخَرُونَ بِالْبِدَعِ وَالشَّهَوَاتِ.
أَلَا تُدْرِكُونَ أَنَّ هَذَا الْكَوْنَ مَا خُلِقَ لِلَّعِبِ؟ يَقُولُ مَوْلَانَا سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. وَالْعِبَادَةُ هُنَا لَيْسَتْ حَرَكَاتٍ جَوْفَاءَ، بَلْ هِيَ خُضُوعٌ شَامِلٌ لِمَنْهَجِ اللَّهِ. وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقَرِّرُ قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً فِي إِصْلَاحِ الْقَلْبِ حِينَمَا قَالَ: "وَالْقَلْبُ لَا يَصْلُحُ، وَلَا يُفْلِحُ، وَلَا يَلْتَذُّ، وَلَا يُسَرُّ، وَلَا يَطْمَئِنُّ، وَلَا يَسْكُنُ؛ إِلَّا بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَحُبِّهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ". فَكُلَّمَا بَحَثْتَ عَنِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الشَّاشَاتِ أَوِ الْأَمْوَالِ زِدْتَ ضَيَاعًا، لِأَنَّ الرُّوحَ مَنْبَعُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا تَرْتَوِي بِمَلَذَّاتِ الْأَرْضِ. فَأَيْنَ الْمَفَرُّ يَا إِخْوَتِي؟ الْمَفَرُّ إِلَى اعْتِصَامٍ حَقِيقِيٍّ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَبِسُنَّةِ رَسُولِهِ. نَحْتَاجُ أَنْ نُعِيدَ بِبِنَاءِ الْيَقِينِ فِي قُلُوبِ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا، أَنْ نُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي فَتَحَتِ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا بِقُوَّةِ اتِّصَالِهَا بِخَالِقِهَا. يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ آمِرًا نَبِيَّهُ وَأُمَّتَهُ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43]. وَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَوْ جَمَعْنَا أَمْوَالَ الدُّنْيَا وَتَقْنِيَاتِهَا كُلَّهَا، وَخَلَتْ قُلُوبُنَا مِنَ التَّقْوَى، لَكُنَّا أَضْعَفَ الْأُمَمِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْمَعُوا لِنِدَاءِ رَبِّكُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. وَاسْمَعُوا لِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تَزِنُ الْحَيَاةَ، حَيْثُ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ). فَيَا لَضَيْعَةِ مَنْ جَعَلَ هَمَّهُ سَرَابًا، وَتَرَكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ! أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. --- الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى عَنْ تَشْخِيصِ الدَّاءِ الَّذِي أَصَابَ أُمَّتَنَا بِسَبَبِ طُغْيَانِ الْمَادَّةِ وَتَغَلْغُلِ الشَّهَوَاتِ فِي الْقُلُوبِ، وَعَرَفْنَا مَعًا كَيْفَ كَانَ الْجِيلُ الْأَوَّلُ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ يَنْظُرُونَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا نَظَرَةَ الْمُفَارِقِ لَا نَظَرَةَ الْمُخَلِّدِ، فَسَادُوا وَقَادُوا. وَأَنَّ صَلَاحَنَا الْيَوْمَ لَا يَكُونُ بِأَفْكَارٍ مُسْتَوْرَدَةٍ، بَلْ بِالْعَوْدَةِ الصَّادِقَةِ لِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْآنَ، يَبْقَى السُّؤَالُ الْأَهَمُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِينَا: كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا إِلَى وَاقِعٍ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ؟ أُوصِيكُمْ يَا رِعَاكُمُ اللَّهُ بِخَمْسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي: الْأُولَى (وَصِيَّةٌ قَلْبِيَّةٌ): نَقِّ قَلْبَكَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالْمَادِيَّاتِ، وَاسْتَحْضِرْ نِيَّةَ الْآخِرَةِ فِي كُلِّ عَمَلٍ. عِنْدَمَا تَخْرُجُ لِرِزْقِكَ، انْوِ أَنَّكَ تَعِفُّ نَفْسَكَ لِتَعْبُدَ رَبَّكَ، لَا لِتَتَبَاهَى عَلَى خَلْقِهِ. الثَّانِيَةُ (وَصِيَّةٌ لِسَانِيَّةٌ): طَهِّرْ لِسَانَكَ مِنْ أَحَادِيثِ الدُّنْيَا الْفَارِغَةِ، وَاجْعَلْ لِرَبِّكَ مِنْ يَوْمِكَ نَصِيبًا لَا تُسَاوِمْ عَلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ اللِّسَانَ إِذَا تَعَوَّدَ الْخَوْضَ فِي سَفَاسِفِ الدُّنْيَا نَسِيَ حَلَاوَةَ مُنَاجَاةِ الْخَالِقِ.
الثَّالِثَةُ (وَصِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ): لَا تُفَرِّطْ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا، فَهِيَ حَبْلُ النَّجَاةِ فِي زَحْمَةِ الْمَادَّةِ. اقْرَأْ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ وِرْدًا صَغِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، لِيُذَكِّرَكَ بِحَقِيقَةِ الْوُجُودِ وَسُرْعَةِ الرَّحِيلِ. الرَّابِعَةُ (وَصِيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ): رَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى قِصَصِ السَّلَفِ. حَدِّثُوهُمْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، حَدِّثُوهُمْ عَنْ صَبْرِ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ. اجْعَلُوا قُدْوَتَهُمْ رِجَالَ التَّارِيخِ وَنِسَاءَهُ، لَا مَشَاهِيرَ التَّفَاهَةِ فِي شَاشَاتِ الْهَوَاتِفِ. الْخَامِسَةُ (وَصِيَّةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ): صُومُوا عَنِ اسْتِهْلَاكِ الْمَادَّةِ الْمُفْرِطِ! خَصِّصُوا أَوْقَاتًا تَبْتَعِدُونَ فِيهَا عَنِ الشَّاشَاتِ وَالْأَجْهِزَةِ لِتَتَأَمَّلُوا فِي أَنْفُسِكُمْ وَفِي عَائِلَاتِكُمْ. لَا تَجْعَلُوا الْأَشْيَاءَ هِيَ الَّتِي تَمْلِكُكُمْ، بَلْ كُونُوا أَنْتُمْ سَادَةً عَلَيْهَا تَسْتَخْدِمُونَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّجَاةَ بِاتِّبَاعِ خِيَارِ مَنْ سَلَفَ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ إِيمَانًا كَإِيمَانِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَيَقِينًا يُبَاشِرُ قُلُوبَنَا، حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُصِيبُنَا إِلَّا مَا كَتَبْتَ لَنَا. اللَّهُمَّ اكْفِنَا شَرَّ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا. اللَّهُمَّ رُدَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ إِلَى دِينِهَا رَدًّا جَمِيلًا، وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَ سُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَالِاقْتِدَاءَ بِصَحَابَتِهِ الْكِرَامِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا رُشْدَنَا، وَقِنَا شَرَّ أَنْفُسِنَا، وَأَعِنَّا عَلَى تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا عَلَى الْحَقِّ الَّذِي يُرْضِيكَ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. أَقِمِ الصَّلَاةَ. --- ✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.