من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

ذكر الموت بلا يأس: حياة أشد صدقًا وأحسن عملًا

مشاركة
🕌 ذكر الموت بلا يأس: حياة أشد صدقًا وأحسن عملًا #خطبة_جمعة #ذكر_الموت #الاستعداد_للآخرة #حسن_الخاتمة #الأمل #العمل_الصالح #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الموتَ قَنطرةً للعُبورِ إلى دارِ البقاء، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، قَهَرَ عِبادَهُ بالموت، وجَعَلَهُ مَوعظةً للأحياءِ وسَبيلًا لِلِّقاء، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ، وأصدَقُ مَنِ استَعَدَّ لِيَومِ الجَزاء، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، لَو قيلَ لأحَدِنا الآن: "إنَّ في هذه الخُطبةِ سِرًّا سَيَجعَلُكَ تَستَيقِظُ غَدًا نَشيطًا، وتَعمَلُ بإتقان، وتَحضُنُ أبناءَكَ بحُبٍّ، وتَعفو عَمَّن ظَلَمَك، وتَعيشُ يَومَكَ كأنَّهُ أجمَلُ أيَّامِ عُمُرِك"... لهَفَتَتِ القُلوبُ وانتَبَهَتِ الآذان. ماذا لَو أخبَرتُكم أنَّ هذا السِّرَّ ليسَ وَصفةً سِحرية، بل هو حقيقةٌ نَهرُبُ مِنها جَميعًا؟ حقيقةٌ نَظُنُّ أنَّ ذِكرَها يَجلِبُ الاكتِئابَ واليَأس، بَينَما هو في دينِنا أَعظَمُ مُحَرِّكٍ للحياة! اليومَ، لن نَتَحَدَّثَ عن الموتِ لِنَبكيَ يأسًا، بل سَنَتَحَدَّثُ عنه لِنَعيشَ صِدقًا. أيها الإخوةُ المؤمنون، كثيرًا ما نَهرُبُ من سيرةِ الموت، وإذا ذُكِرَ في مَجلسٍ قالَ قائلُنا: "غيِّروا المَوضوع، لا تُنكِّدوا علينا مَجالسَنا". نَظُنُّ أنَّ الموتَ وَحشٌ كاسرٌ جاءَ لِيَسرِقَ مِنَّا مُتعَةَ الحياة. ولكنْ، هل سَأَلتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا خَلَقَ اللهُ الموتَ أصلًا؟ اسمعوا إلى هذا البيانِ الإلهيِّ العظيم، يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]. تَأمَّلوا معي يا رعاكم الله... قدَّمَ اللهُ ذِكرَ الموتِ على الحياة، وجَعَلَ الغايةَ مِنهُما ليسَ الخَوف، ولا شَلَّ الأركان، بل قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾! الموتُ في تَصَوُّرِ المُسلِمِ ليسَ جِدارًا مَسدودًا نَرتَطِمُ به، بل هو "مِيزانٌ" نَزِنُ بهِ أعمالَنا، و"مُنَبِّهٌ" يُوقِظُنا كُلَّما غَطَطنا في نَومِ الغَفلة، لِنَقومَ ونُحسِنَ العَمَل. هل يُعقَلُ أن يَجعَلَنا ذِكرُ الموتِ أُناسًا مُنعَزِلينَ مُحبطين؟ يقولُ الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ مُوَجِّهًا أمَّتَه: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» (رواه الترمذي). كلمةٌ واحدةٌ في هذا الحديثِ تَحتاجُ إلى وُقوف... "هاذِم". الهاذِمُ هو القاطِعُ الكاسِر. والموتُ لا يَهذِمُ لَذَّاتِ الطَّاعة، ولا يَهذِمُ فَرحَةَ المُؤمِنِ برَبِّه، ولا يَهذِمُ السَّكينة، إنَّما يَهذِمُ اللَّذَّاتِ المُحَرَّمَة، يَهذِمُ التَّعَلُّقَ المَرضيَّ بالدُّنيا، يَهذِمُ الغُرورَ والكِبرَ الذي يَسكُنُ الصُّدور. قال الإمامُ أبو عليٍّ الدَّقَّاقُ رحمه الله، في قَولٍ يُكتَبُ بِماءِ الذَّهب: "مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَعْجِيلِ التَّوْبَةِ، وَقَنَاعَةِ الْقَلْبِ، وَنَشَاطِ الْعِبَادَةِ. وَمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ عُوقِبَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ، وَتَرْكِ الرِّضَا بِالْكَفَافِ، وَالتَّكَاسُلِ فِي الْعِبَادَةِ". فيا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ذِكرُ الموتِ يُعطيكَ "نَشاطًا في العبادة" و"قَناعةً في القلب"، بَينَما نِسيانُه يُورِثُ الكَسَلَ والهَمَّ والطَّمَع! ألا تُلاحِظونَ في واقِعِنا اليَومَ مُفارَقَةً عَجيبة؟ تَجِدُ الشَّخصَ يَعمَلُ في شَرِكة، ويَعلَمُ أنَّ عَقدَهُ سَيَنتَهي بَعدَ شَهر، فماذا يَصنَع؟ هل يَجلِسُ يَبكي ويَكتَئِب؟ لا، بل يَعمَلُ بِكُلِّ جُهدِهِ، ويُحسِّنُ سِيرَتَهُ، ويَحرِصُ على أن يَخرُجَ بِسُمعَةٍ طَيِّبةٍ لِيَجِدَ وَظيفةً أفضَل. نَحنُ كَذلِك في هذهِ الدُّنيا، عُقودُنا مُؤَقَّتة. يَقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]. إذا كُنتَ لا تَدري مَتى يَنتَهي عَقدُك، فالمنطقُ والعَقلُ والحِكمةُ أن تَكونَ في أعلى دَرَجاتِ الاستِعداد. ولعلَّكُم تَسأَلون: كيفَ نَذكُرُ الموتَ دونَ أن نَيأَس؟ كيفَ نَستَعِدُّ لِلقاءٍ نَهابُهُ ونَخافُه؟ اسمعوا إلى هذا المَشهدِ النَّبويِّ الذي يَفيضُ بالرَّحمة. دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ على شابٍّ وهو في الموتِ، يَلْفِظُ أنفاسَهُ الأخيرة، فَقالَ له النَّبيُّ ﷺ الرَّحيم: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» قالَ الشَّابُ بِصِدقٍ يُمَثِّلُ حالَنا جَميعًا: "وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي". خَوفٌ من التَّقصير، ورَجاءٌ في رَبِّ العالمين. فَماذا قالَ له الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ؟ قال: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» (رواه الترمذي وحسنه). اللهُ أكبر! الموتُ للمؤمنِ ليسَ قَفزَةً في مَجهولٍ مُظلِم، بل هو قُدومٌ على رَبٍّ رَحيمٍ غَفور. هو التَّخَلُّصُ من سِجنِ الدُّنيا ونَصَبِها، إلى سَعَةِ الآخرةِ ورَوحِها. يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله مُشَخِّصًا حَقيقَتَنا: "يا ابنَ آدم، إنَّما أنتَ أيَّام، كُلَّما ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُك". وهذه الأيَّامُ التي تَذهَب، تَأخُذُنا في طَريقٍ نهايَتُهُ إمَّا إلى جَنَّةٍ أو نار. وما قَرَّرَهُ الوَحيُ في هذا، يُتَرجِمُهُ مَوقِفٌ عَجيبٌ من حياةِ سَلَفِنا الصَّالح. كانَ حمَّادُ بنُ سَلَمةَ رحمه الله رَجُلًا قَد عَمَرَ وَقتَهُ بالصَّلاةِ، وتلاوةِ القُرآن، ونَشرِ العِلم، والعَمَلِ الصَّالح. قال عنه تلميذُه عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدي: "لو قيلَ لِحَمَّادِ بنِ سَلَمة: إنَّكَ تَموتُ غَدًا، ما قَدِرَ أن يَزيدَ في عَمَلِهِ شَيئًا!". تَخَيَّلوا! جَدوَلُهُ مُمتَلِئٌ بالخَير، قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالله، لا تُوجَدُ في حياتِهِ زَاويةٌ للتَّسويف. الموتُ عندَهُ ضَيفٌ يُمكِنُ أن يَطْرُقَ البابَ الآن، والبيتُ مُرَتَّبٌ، ومائِدَةُ الأعمالِ الصَّالحةِ مَبسوطَة، فَلْيَأتِ مَتى شاء! ألا يُشبِهُ هذا حالَ كثيرٍ مِنَّا... بِصُورَةٍ مَعكوسة؟ لو قيلَ لأحَدِنا الآن: بَقِيَ في عُمُرِكَ يَومان... ماذا سَتَفعَل؟ واللهِ، لَتَغَيَّرَت حَياتُنا كُلِّيًّا! لاتَّصَلَ الأخُ المُقاطِعُ بِأخيهِ يَبكي ويَطلُبُ العَفو! ولَمُسِحَت كُلُّ ضَغينةٍ من القُلوب! ولَقامَ التَّارِكُ لِلصَّلاةِ يَبكي في سُجودِهِ نَدَمًا! ولَرَدَّ آكِلُ الميراثِ الأموالَ إلى أصحابها قَبلَ غُروبِ الشَّمس! فلماذا نَنتَظِرُ اللَّحظةَ الأخيرة؟ لماذا نُعَلِّقُ التَّوبةَ على غَدٍ لا نَملِكُه؟ يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100]. "لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا"... أُمنيَةُ كُلِّ مَيِّت. لم يَقُل: رَبِّ ارجِعني لأَبنِيَ قَصرًا، أو لأَزيدَ في رَصيدي، أو لأنتَقِمَ مِمَّن ظَلَمَني. بَل: "لأعمَلَ صالِحًا". فها أنتَ حَيٌّ تُرزَق، والمُهنلَةُ بَينَ يَدَيك، فلماذا التَّسويف؟ قال النَّبيُّ ﷺ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» (رواه الترمذي وحسنه). وهنا مَلمَحٌ في غايةِ الدِّقَّة، بَعضُ النَّاسِ يَظُنُّ أنَّ ذِكرَ الموتِ يَعني أن نَترُكَ أعمالَنا، وأرزاقَنا، وزَوجاتِنا وأبناءَنا، ونَنعَزِلَ في مَسجِدٍ نَبكي. وهذا فَهمٌ سَقيم! انظُروا إلى النَّبيِّ ﷺ، كانَ أذكَرَ النَّاسِ لِلموت، لكنَّهُ كان يَبني أمَّة، ويُجَهِّزُ جُيوشًا، ويَتَبَسَّمُ في وُجوهِ أصحابِه، ويُلاعِبُ أحفادَه، ويَعدِلُ بَينَ زَوجاتِه. بل اسمعوا لِهذا الحديثِ الذي يَجمَعُ بَينَ حُضورِ النِّهايةِ وقُوَّةِ العَمَل، قال ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» (رواه أحمد). السَّاعَةُ تَقوم... الكَونُ يَتَدَمَّر... النِّهايةُ حَلَّت... ومعَ ذلِك، إن كانَ في يَدِكَ نَبتَةٌ صَغيرة (فَسيلة)، فازرَعها! لماذا؟ لأنَّ الإسلامَ دِينُ عَمَل. ذِكرُ الموتِ لا يُوقِفُ يَدَكَ عن الزِّراعَة والبِناء، بَل يَجعَلُكَ تَزرَعُ وأنْتَ تَنتَظِرُ الأجرَ من الله، لا من النَّاس. ذِكرُ الموتِ يُصَحِّحُ "النِّيَّة"، ولا يُوقِفُ "الحَرَكة". قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله مُبَيِّنًا أثَرَ هذا الاستِعداد: "القَلبُ في سَيرِهِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَنزلةِ الطَّائر؛ فَالمَحَبَّةُ رَأسُه، والخَوفُ والرَّجاءُ جَناحاه، فَمَتى سَلِمَ الرَّأسُ والجَناحانِ فالطَّائرُ جَيِّدُ الطَّيران". ونَحنُ نَطيرُ إلى اللهِ بِرَجاءِ رَحمَتِه، وخَوفِ الموتِ على مَعصيَتِه. أيها المُسلِمون، الموتُ أصدَقُ واعظ، وأَعظَمُ مُعَلِّم. إنَّهُ يُعَلِّمُنا أنَّ هذه الدُّنيا التي نَتَقاتَلُ عليها، ونَقْطَعُ أرحامَنا بِسَبَبِها، ونَأكُلُ الحَرامَ لِتَكثيرِها، لا تُساوي عِندَ اللهِ جَناحَ بَعوضة. يُعَلِّمُنا أن نَقولَ لِمَن نُحِبُّهُم: "نُحِبُّكم" قَبلَ الفِراق، وأن نَتَسامَحَ قَبلَ الرَّحيل. يُعَلِّمُنا أن نَجعَلَ بَينَنا وبَينَ اللهِ خَبيئَةً من عَمَلٍ صالِح، رَكعَتَينِ في اللَّيل، دَمعَةً في خَلوة، صَدَقةً لا يَعلَمُها إلَّا هو، لِتَكونَ لنا أُنسًا يَومَ الوَحشة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. يا من غرّته الدنيا وألهته الأماني! يا من يتأخر عن صلاته ويؤجل توبته! إلى متى؟ أما علمنا أن الموت يأتي بغتة؟ وأن القبر صندوق العمل؟ فمن قدم خيراً وجد خيراً، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، عَرَفنا في خُطبَتِنا الأولى كيفَ أنَّ ذِكرَ الموتِ ليسَ دَعوةً لِليَأسِ والعُزلَة، بَل هو أعظَمُ مُنَبِّهٍ لِصِناعةِ حَياةٍ أفضَل. وَقَفنا مع حَقيقَةِ أنَّ المُؤمِنَ يَنتَظِرُ لِقاءَ رَبٍّ رَحيم، وأنَّ الاستِعدادَ للرَّحيلِ يَعني الزِّراعَةَ والبِناءَ بِنيَّةٍ صادِقة، لا التَّوَقُّفَ عن العَمَل. والآن، إخوتي، بَقِيَ السُّؤالُ الأهمُّ الذي يُحَدِّدُ إن كانت هذه الخُطبةُ سَتَمُرُّ مُرورَ الرِّياح أم سَتُثمِرُ في حياتِنا: كيفَ نَستَعِدُّ عَمَليًّا؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري، تَجعَلونَها زادًا لكم من هذا اليَوم: الأولى (قلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ كُلَّ لَيلةٍ قَبلَ أن تَنام. عوِّد نَفسَكَ ألا تَنامَ وفي قَلبِكَ حِقدٌ أو حَسَدٌ أو ضَغينَةٌ على مُسلِم. سامِح لله، واعفُ لله، فلعلَّ النَّومةَ التي تَنامُها تَكونُ هي النَّومةَ الَّتي لا صَحوةَ بَعدَها في الدُّنيا، فَتَلقى اللهَ بِقَلبٍ سَليم. الثانية (لسانيَّة): اجعَل آخِرَ كَلِماتِكَ قَبلَ النَّوم دائمًا: "لا إله إلا الله، أستغفرك وأتوب إليك". مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ من الدُّنيا لا إله إلا الله دَخَلَ الجَنَّة. فَدَرِّب لِسانَكَ عليها في كُلِّ حين. الثالثة (عَمَليَّة): اكتب وَصيَّتَكَ وأَدِّ الحُقوق. قال النبي ﷺ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (متفق عليه). إن كان عليكَ دَينٌ فاكتُبه، إن كان لَديكَ حَقٌّ فَبَيِّنه. الموتُ يَأتي فَجأة، فلا تَترُك وَرَثَتَكَ في ضَياعٍ أو خُصومة. الرابعة (اجتماعيَّة): صِل رَحِمًا مَقطوعةً، وبادِر بالخَير. إن كان بَينَكَ وبَينَ أخيِكَ أو ذَوي قَرابَتِكَ هَجرٌ أو قَطيعة، فبادِر اليومَ بالاتِّصال. قُل: سامَحتُك. لا تَسمَح لِلموتِ أن يَخطَفَ أحَدَكُما وأنتُما مُتَهاجِران، فالنَّدَمُ بَعدَها مُحْرِق. الخامسة (موضوعيَّة): عِش حَياتَكَ بِطَبيعِيَّةٍ، اذهَب إلى عَمَلِك، رَبِّ أبناءَك، استَمتِع بِما أَحَلَّ اللهُ لك، لَكِن بـ "نِيَّةِ المُسافِر". المُسافِرُ يَستَمِعُ بالمَحَطَّة، لَكِنَّهُ لا يَنسى أبدًا أنَّ وراءَهُ رِحلَةً إلى وَطَنِهِ الأصليِّ... الجَنَّة. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي الزَّادُ الحَقيقيُّ لِيَومِ المَعاد، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أعمارِنا أواخِرَها، وخَيرَ أعمالِنا خَواتيمَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. اللَّهُمَّ إنَّا نَسأَلُكَ تَوبَةً نَصوحًا قَبلَ الموت، وراحَةً عِندَ الموت، ومَغفِرَةً ورَحمَةً بَعدَ الموت. اللَّهُمَّ لا تَقبِض أرواحَنا إلَّا وأنتَ راضٍ عَنَّا، غَيرَ غَضبان، اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ الخاتِمة، واجعَل آخِرَ كَلامِنا من الدُّنيا شَهادَةَ أن لا إلهَ إلَّا أنت، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُكَ ورَسولُك. اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ المُصابين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمين، اللَّهُمَّ نَوِّر لَهُم قُبورَهُم، واجعَلها رِياضًا من رِياضِ الجَنَّة. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا ذُكِّرَ تَذَكَّر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربىٰ، ويَنهىٰ عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروه على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أکبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.