🕌 إيذاءُ الجيرانِ بالضَّجيج: راحَتُكَ لا تُبيحُ إزعاجَهم
#خطبة_جمعة #حق_الجار #إيذاء_الجيران #الأخلاق_الإسلامية #الآداب_الاجتماعية #فقه_التعايش
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ البُيوتَ سَكَناً، وأسبَغَ على عِبادِهِ نِعَمَ الأمنِ والطُّمأنينةِ سِرّاً وعلَناً، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ حُرمَةَ الجارِ من أعظَمِ الحُرُمات، وتَوَعَّدَ مَن آذاهُ بِسَلبِ البَرَكاتِ في الحَياةِ والمَمات. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ، وأعظَمُ مَن رَعى حُقوقَ الجيرانِ والمُسلِمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخيَّلوا معي رجُلاً يَصومُ النَّهارَ حتَّى تَذبُلَ شَفَتاه، ويَقومُ اللَّيلَ حتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَماه، يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ، ولا يَترُكُ باباً من أبوابِ الخَيرِ إلَّا طَرَقَه. لو سَألتُكُم عن مَصيرِه، لَقُلتُم بصَوتٍ واحِد: هو في أعالي الجِنان! ولكن، ماذا لو أخبَرتُكُم أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَكَمَ على شَخصٍ يَحمِلُ هذه الصِّفاتِ نَفسَها بأنَّهُ في النَّار؟! نَعَم، في النَّارِ بِسَبَبِ ذَنبٍ نَستَهينُ بِهِ كَثيراً، ذَنبٍ نَرتَكِبُهُ داخِلَ جُدرانِ بُيوتِنا ونَظُنُّ أنَّ أحَداً لا يُحاسِبُنا عَليه. ما هذا الذَّنبُ المُهلِك؟ الجَوابُ بَعدَ قَليل.
يا عِبادَ الله، لَقَد خَلَقَ اللهُ الإنسانَ وجَعَلَ لهُ في حَياتِهِ مَلاذاً يَأوي إليهِ بَعدَ عَناءِ يَومِه، مَلاذاً يَخلَعُ فيهِ هُمومَهُ كما يَخلَعُ ثِيابَه. هذا المَلاذُ هو "البَيت". وقَد صَوَّرَ القُرآنُ الكَريمُ هذه النِّعمَةَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ تَحمِلُ في طَيَّاتِها كُلَّ مَعاني الهُدوءِ والرَّاحَة، يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [سورة النحل: 80]. تأمَّلوا كَلِمَةَ (سَكَناً)؛ السَّكَنُ هو الهُدوءُ بَعدَ الحَرَكَة، والاستِقرارُ بَعدَ الاضطِّراب.
ولَكِن، كَيفَ يَكونُ البَيتُ سَكَناً إذا كانَ الجارُ لا يَعرِفُ حُرمَةَ الجِوار؟ كَيفَ يَرتَاحُ المَرءُ في بَيتِهِ إذا كانَتِ الأصواتُ الصَّاخِبَةُ، والمُوسيقَى العالِيَةُ، والأحاديثُ المُرتَفِعَةُ، وضَجيجُ الإصلاحاتِ يَختَرِقُ جُدرانَهُ في أنصافِ اللَّيالي أو أوقاتِ الرَّاحَة؟
أَيُّهَا المُسلِمون، إنَّ الإيذاءَ بالضَّجيجِ وإقلاقَ راحَةِ الجيرانِ لَيسَ مُجَرَّدَ "قِلَّةِ ذَوقٍ" أو "سُوءِ أدَبٍ اجتماعيّ" كَما يُسَمِّيهِ بَعضُ النَّاسِ اليَوم. بَل هو في ميزانِ الشَّريعَةِ مَعصِيَةٌ كَبيرةٌ تَقْدَحُ في صَميمِ الإيمان! واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيمِ الَّذي يَرجُفُ لَهُ القَلبُ؛ يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (متفق عليه).
يَقولُ الإمامُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ في شَرحِ هذا الحَديث: "والوَصِيَّةُ بِالجارِ تَشمَلُ كَفَّ الأذَى عَنهُ، وحِمايَتَهُ، ومُواساتَهُ". ومِن أعظَمِ صُوَرِ كَفِّ الأذَى اليَوم: كَفُّ أذَى الضَّجيجِ وإزعاجِ المَسامِع.
وقَد تَقولونَ: "أنا في بَيتي، أفعَلُ ما أشاء!".. وهنا يَجِبُ أن نَقِفَ وَقفَةً حازِمَة.
مَن قالَ لَكَ إنَّ حُرِّيَّتَكَ في بَيتِكَ مُطلَقَة؟ إنَّ حُرِّيَّتَكَ تَنتَهي عِندَما تَبدأُ حُدودُ راحَةِ جارِك. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في القاعِدَةِ الفِقهيَّةِ الذَّهَبيَّةِ الَّتي تَحفَظُ حُقوقَ المُجتَمَع: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (رواه ابن ماجه). الضَّرَرُ مَرفوضٌ في الإسلامِ، سَواءٌ كانَ ضَرَراً بَدَنِيّاً أو نَفسِيّاً، وهَل هُناكَ ضَرَرٌ نَفسِيٌّ وعَصَبِيٌّ أشَدُّ مِن حِرمانِ النَّاسِ مِن نَومِهِم وراحَتِهِم؟
لَقَد قَرَّرَ العُلَماءُ، مِنهُم شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ الله، أنَّ الرَّجُلَ يُمنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في مِلكِهِ الخَاصِّ إذا كانَ هذا التَّصَرُّفُ يُلحِقُ ضَرَراً بَيِّناً بِجارِه. فَكَيفَ بِمَن يَجلِبُ الآلاتِ المُزعِجَة، أو يَترُكُ أبناءَهُ يَقفِزونَ ويَصرُخونَ فَوقَ رُؤوسِ الجيرانِ في الشُّقَقِ السَّكَنِيَّةِ دُونَ حَسيبٍ أو رَقيب، مُتَعَلِّلاً بأنَّهُ في شِقَّتِه؟
عِبادَ الله، نَعودُ الآنَ إلى السُّؤالِ الَّذي بَدَأنا بِهِ خُطبَتَنا. مَن هو هذا الشَّخصُ الَّذي يَعبُدُ اللهَ ويَدخُلُ النَّار؟
رَوى الإمامُ أحمَدُ في مُسنَدِهِ بسندٍ صحيحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةً تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَتَصَدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ».
قَالُوا: وَفُلَانَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَتَصَدَّقُ بِأَثْوَارٍ مِنْ الْأَقِطِ (قِطَع جُبنٍ صَغيرة)، وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
تَأمَّلوا! صَلاةُ اللَّيلِ المُمِضَّة، وصِيامُ النَّهارِ المُرهِق، وصَدَقاتٌ كَثيرة.. كُلُّ هذا الجَبَلِ مِن الحَسَناتِ نَسَفَهُ شَيءٌ واحِد: إيذاءُ الجِيران! وإذا كانَت قَد آذَتهُم بِلِسانِها فَاستَحَقَّتِ النَّار، فَكَيفَ بِمَن يُؤذي جيرانَهُ بالضَّجيجِ المُستَمِرِّ، وإحياءِ الحَفَلاتِ الصَّاخِبَةِ إلى الفَجر، وإزعاجِ المَرضَى وكِبارِ السِّنِّ والأطفالِ الرُّضَّع الَّذي لا يَستَطيعونَ النَّوم؟
يَقولُ اللهُ تَعالى مُحَذِّراً مِن كُلِّ صُوَرِ الأذَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [سورة الأحزاب: 58]. وأيُّ أذىً أشَدُّ مِن أن يَدخُلَ المُسلِمُ بَيتَهُ لِيَرتاحَ فَيَجِدَ ضَجيجَ جارِهِ يَقتَحِمُ عَلَيهِ حُرمَةَ بَيتِه؟
وقَد يَتَساءَلُ بَعضُنا: "ولَكِنَّنا نَسكُنُ في شُقَقٍ ضَيِّقَة، وجُدرانُها رَقيقَة، ولا يُمكِنُنا مَنعُ الأصواتِ تَماماً!".
نَعَم، الشَّريعَةُ لا تُكَلِّفُ نَفساً إلَّا وُسعَها، والأصواتُ الطَّبيعِيَّةُ للحَياةِ لا تَدخُلُ في الإيذاءِ المُتَعَمَّد. ولَكِنَّنا نَتَحَدَّثُ عَن اللَّامُبالاة! نَتَحَدَّثُ عَن الَّذي يَرفَعُ صَوتَ المِذياعِ أو التِّلفازِ بِلا مُبَرِّر. نَتَحَدَّثُ عَن الَّذي يَختارُ مُنتَصَفَ اللَّيلِ لِيَطرُقَ المَساميرَ أو يُحَرِّكَ الأثاث. نَتَحَدَّثُ عَن الَّذي يَصطَحِبُ مَوكِباً للأفراحِ فَيَطلِقُ أبواقَ السَّيَّاراتِ المُرعِبَةَ في الشَّوارعِ السَّكَنِيَّةِ المُكتَظَّة، غَيرَ مُبالٍ بِمَريضٍ يَتَألَّم، أو شَيخٍ كَبيرٍ يَغفو، أو طِفلٍ يَفزَعُ مِن نَومِه!
لَقَد بَلَغَ حِرصُ النَّبيِّ ﷺ عَلَى عَدَمِ الإزعاجِ مَبلَغاً عَجيباً، حَتَّى في أطْهَرِ البِقاع، وفي أعظَمِ الأعمال! واسمَعوا لِهذا المَوقِفِ العَظيمِ الَّذي يُؤَسِّسُ لِفِقهِ "مُراعاةِ الآخَرين".
اعتَكَفَ النَّبيُّ ﷺ في المَسجِدِ، فَسَمِعَ الصَّحابَةَ يَجهَرونَ بِقِراءَةِ القُرآن، فكشَفَ السِّتارَ وقالَ لَهُم حازِماً: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ» (رواه أبو داود بسند صحيح).
يا سُبحانَ الله! يَقرَؤونَ القُرآن! كَلامَ الله! في مَسجِدِ رَسولِ الله! وفي العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمَضان! ومَعَ ذَلِكَ يَقولُ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ: "لَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا". فإذا كانَ رَفعُ الصَّوتِ بِكِتابِ اللهِ يُعَدُّ إيذاءً إذا شَوَّشَ عَلَى الآخَرين، فَكَيفَ بِمَن يَرفَعُ صَوتَهُ بِالمَعازِفِ والمُوسيقَى والأغاني؟! كَيفَ بِمَن يَرفَعُ صَوتَهُ بالصُّراخِ والخِصام؟! كَيفَ بِمَن يُزعِجُ الجِيرانَ بِمُحَرِّكاتِ السَّيَّاراتِ والدَّرَّاجاتِ النَّاريَّةِ في أنصافِ اللَّيالي؟! إنَّ الخَطْبَ لَجَلَل، وإنَّ الحِسابَ لَعَسير.
أَيُّهَا الإِخوَة، إنَّ رُقِيَّ المُسلِمِ لا يُقاسُ بِمَظهَرِهِ، بَل بِحَسَسِيَّتِهِ تُجاهَ حُقوقِ الآخَرين. يَقولُ اللهُ تَعالى على لِسانِ لُقمانَ الحَكيمِ وَهوَ يُؤَدِّبُ ابنَه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [سورة لقمان: 19]. الغَضُّ مِن الصَّوتِ هُنا لَيسَ مَقصوراً على حِبالِكَ الصَّوتِيَّة، بَل يَشمَلُ كُلَّ صَوتٍ يَصدُرُ عَنكَ أو عَن بَيتِكَ أو سَيَّارَتِك ويُؤذي إخوانَك.
كانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "لَيسَ حُسنُ الجِوارِ كَفَّ الأذَى، بَل حُسنُ الجِوارِ الصَّبرُ على الأذَى". هَذِهِ هي الدَّرَجَةُ العُلْيا، أن تَصبِرَ على أذَى جارِك. ولَكِنَّ الدَّرَجَةَ الواجِبَةَ الَّتي يَأثَمُ تارِكُها هي أن تَكُفَّ أنتَ أذاكَ عَنه!
ولَعَلَّ بَعضَكُم يَقولُ الآن: "يا أخي، النَّاسُ أصبَحَت ضَيِّقَةَ الصُّدور، لا يَتَحَمَّلونَ شَيئاً!". وأقولُ لَك: بَل نَحنُ الَّذي فَقَدنا فِقهَ الذَّوقِ الإسلاميِّ الرَّفيع. لَم يَعُد أحَدُنا يُفَكِّرُ إلَّا في راحَتِهِ، وسَعادَتِهِ، ومُناسَبَتِهِ الخَاصَّة، ولْيَذهَبِ الآخَرونَ إلى الجَحيم! هذا المَنطِقُ الأنانِيُّ لَيسَ مِن الإسلامِ في شَيء.
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رَحِمَهُ الله: "مِن فِقهِ الرَّجُلِ ومُروءَتِهِ أن لا يُؤذيَ جيرانَهُ ولا يُسْمِعَهُم ما يَكرَهون".
ألا فَلنَتَّقِ اللهَ في جيرانِنا، ولنَتَفَقَّد بُيوتَنا وأصواتَنا، ولنَعلَم أنَّ رَكعَتَينِ في اللَّيلِ مَعَ حِفظِ حُقوقِ النَّاسِ، خَيرٌ مِن قِيامِ اللَّيلِ كُلِّهِ مَعَ إيذاءِ الجِيرانِ وإقلاقِ راحَتِهِم.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضَى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولَى عَن القَداسَةِ الَّتي أحاطَ بِها الإسلامُ راحَةَ الجارِ وحُرمَةَ بَيتِه، وكَيفَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَذَّرَ مِن إيذاءِ الجِيرانِ حتَّى بِقِراءَةِ القُرآنِ في المَسجِد، فَضلاً عَن إيذائِهِم بالضَّجيجِ والأصواتِ المُنكَرَة. وعَرَفنا أنَّ الإيذاءَ قَد يُحبِطُ جِبالاً مِن صِيامٍ وقِيام. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ بُيوتُنا مَنازِلَ رَحمَةٍ لا مَصادِرَ شَقاء:
الأولى (قَلبِيَّة): انْوِ في قَلبِكَ وأنتَ تَمشي بِهُدوءٍ، وأنتَ تُغْلِقُ بابَ بَيتِكَ بِرِفقٍ، أنَّكَ تَتَصَدَّقُ عَلَى جيرانِكَ بِكَفِّ أذاكَ عَنهُم. قالَ النَّبيُّ ﷺ لأبي ذَرٍّ حِينَ سَألَهُ عَن أيسَرِ الأعمال: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» (متفق عليه). فاجعَل هُدوءَكَ صَدَقَة.
الثَّانِيَة (لِسانِيَّة): اخفِض صَوتَكَ وصَوتَ أهلِ بَيتِك، خُصوصاً في أوقاتِ اللَّيلِ المُتَأخِّرَةِ وأوقاتِ القَيلولَة. لا تَجعَل مُكالماتِكَ الهاتِفيَّةَ الصَّاخِبَةَ، أو صُراخَكَ مَعَ أبنائِك، مَشاعاً يَسمَعُهُ الجارُ مِن وَراءِ الجِدار. سِرُّ بَيتِكَ يَجِبُ أن يَبقى في بَيتِك.
الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): اختَر الأوقاتَ المُناسِبَةَ للأعمالِ المَنزِليَّةِ المُزعِجَة. إذا أرَدتَ إصلاحَ شَيءٍ، أو ثَقْبَ جِدارٍ، أو نَقلَ أثاث ثَقيل، فَاجعَل ذَلِكَ في النَّهارِ وفي أوقاتِ نَشاطِ النَّاس. إيَّاكَ أن تُفَكِّرَ في إنجازِ أعمالِكَ المُزعِجَةِ والجِيرانُ نِيام، فَإنَّكَ تَقتَحِمُ عَلَيهِم راحَتَهُم، واللهُ جَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً لَهُم، ﴿وَجَعَلْنَا النَّوْمَ سُبَاتًا﴾ [النبأ: 9].
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): رَبِّ أبناءَكَ عَلى حُقوقِ الجِيران. طِفلُكَ الَّذي يَصرُخُ ويَقفِزُ ويَضربُ الجُدرانَ هُوَ انعِكاسٌ لِتَربِيَتِك. قُل لَهُ: "يا بُنَيّ، اخفِض صَوتَك، جارُنا مَريض، جارُنا نائِم، وجِبريلُ أوصَى بالجار". اذرَع هذا الخُلُقَ في نُفوسِهِم لِيَكونوا شَرائِحَ بَقاءٍ ورَحمَةٍ في مُجتَمَعِهِم لا مَصادِرَ أذى.
الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): إذا اضطُرِرتَ لإحداثِ ضَجيجٍ خارِجٍ عَن المَألوف — كَوُجودِ حَفلَةِ عُرسٍ عِندَك، أو أعمالِ صِيانَةٍ ضَروريَّة — فَمِنَ المُرُوءَةِ والدِّينِ أن تَستَأذِنَ جِيرانَكَ قَبلَها، وتَعتَذِرَ إلَيهِم مُقَدَّماً، وتُطْلِعَهُم على وَقتِ البِدايَةِ والنِّهايَة. الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تَمسَحُ كُلَّ ضيق، والجارُ الكَريمُ إذا رَأى مِنكَ الاحتِرامَ صَبَرَ وتَحَمَّل.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ راحَتَكُم لا تُبيحُ إزعاجَ مَن حَولَكُم، وأنَّ الجَنَّةَ قَريبَةٌ مِمَّن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِهِ ويَدِه، ومِن بَيتِهِ وضَجيجِه.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيهِ فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبِيِّنا مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ اجعَل بُيوتَنا مَنازِلَ سَكينَةٍ ورَحمَة، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر.
اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن يُؤذي عِبادَك، ولا مِمَّن يُرَوِّعُ آمِناً، ولا مِمَّن يُقْلِقُ نائِماً أو مَريضاً.
اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ الخُلُق، ولِينَ الجانِب، وحُسنَ الجِوار، واجعَلنا مِمَّن يَأمَنُ جيرانُهُم بَوائِقَهُم.
اللَّهُمَّ اغفِر لِجيرانِنا ولِكُلِّ مَن لَهُ حَقٌّ عَلَينا، واجمَع قُلوبَ المُسلِمينَ عَلى المَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ في الله.
اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، والمُسلِمينَ والمُسلِمات، الأحياءِ مِنهُم والأموات.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعون.
وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبإيذاء الجيران بالضجيج: راحتك لا تبيح إزعاجهم
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.