من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

صلة الرحم بعد الخصومة: أول خطوة لكسر القطيعة

مشاركة
🕌 صلة الرحم بعد الخصومة: أول خطوة لكسر القطيعة #خطبة_جمعة #صلة_الرحم #العفو #الأسرة #أخلاق #القطيعة #إصلاح_ذات_البين الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ صِلَةَ الأرحامِ مِن أعظَمِ القُربات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، أمَرَ بالعَفوِ والصَّفحِ وجَعَلَهُ سِيمَاءَ المؤمنينَ الصَّادقين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أندَى النَّاسِ كَفًّا، وأوسَعُهم صَدرًا، وأوصَلُهم لِرَحِمِه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا مَعي مَشهدًا يَتَكَرَّرُ في مَقابِرنا كَثيرًا؛ جِنازةٌ تُدفَن، ورَجُلٌ يَقِفُ على حافَّةِ القَبرِ يَبكي بِحُرقَة. هذا الرَّجُلُ هو أخو المَيِّت. بَينَهُما خُصومَةٌ ومُقاطَعَةٌ دامت سَبعَ سَنواتٍ لِخِلافٍ ماليٍّ بَسيط. اليوم، يُريدُ أن يَعتَذِر، يُريدُ أن يَقولَ لأخيهِ سامِحني، لكنَّ التُّرابَ حالَ بَينَهُما، وانقَطَعَ الصَّوت. لماذا نَنتَظِرُ الموتَ لِيَكسِرَ كِبرياءَنا؟ وما هي الكَلِمَتانِ اللَّتانِ قالَهُما أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ فَقَلَبَتا تاريخَ الخُصوماتِ إلى الأبد؟ وكيفَ تَكونُ أنتَ الرَّابحَ الأكبرَ حينَ تَتَنازَلُ أوَّلًا؟ مَعانٍ إن أدرَكناها اليوم، رُبَّما تَتَغَيَّرُ حَياةُ أُسَرٍ بِأكمَلِها قَبلَ غُروبِ شَمسِ هذه الجُمُعَة. أَيُّها المُؤمِنون، إِنَّ النَّاظِرَ في بُيوتِ المُسلِمينَ اليومَ يَرى ظاهِرَةً تُدمي القَلبَ وتُغضِبُ الرَّب. بُيوتٌ مُمَزَّقَة، وإخوَةٌ مِن أُمٍّ وأَبٍ يَلتَقونَ في المَسجِدِ أو في الطَّريقِ فَيُشيحُ كُلٌّ مِنهُما بِوَجهِهِ عَن أخيه! أَخواتٌ كُنَّ يَقتَسِمنَ اللُّقمَةَ في الصِّغَر، وَقَعَت بَينَهُنَّ كَلِمَةٌ أو سُوءُ فَهم، فَمَرَّت الأعيادُ والمُناسَباتُ وهُنَّ كالأغراب! أَبناءُ عُمومَةٍ لا يَعرِفُ بَعضُهُم وُجوهَ بَعضٍ لِخِلافٍ وَقَعَ بَينَ الآباءِ عَلى أَمتارٍ مِنَ الأرضِ أو حَفنَةٍ مِنَ المِيراث. لَقَد صَارَتِ "القَطيعَةُ" عِندَ بَعضِ النَّاسِ أسهَلَ الخِيارات. كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لا تُعجِبُه، مَوقِفٌ واحِدٌ يُغضِبُه، فَيُصدِرُ حُكمَهُ القاطِع: "لا أُكَلِّمُهُ إلى يومِ الدِّين". أَيُّها المِسكين، هَل ضَمِنتَ يَومَ الدِّينِ حَتَّى تَجعَلَهُ مَوعِدًا لِخُصومَتِك؟ واسمَعوا لِهَذِه الآيَةِ الَّتي إِذا تَأَمَّلناها حَقَّ التَّأَمُّلِ لَطَارَ النَّومُ مِن أعيُنِنا. يَقُولُ رَبُّنا تَبَارَكَ وتَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23]. تَأَمَّلوا هَذا الرَّبطَ العَجيب! قَرَنَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ فَسادَ الأرضِ بِقَطيعَةِ الرَّحِم، ثُمَّ أَنزَلَ الحُكمَ القاسي: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾. واللَّعنَةُ هي الطَّردُ والإبعادُ عَن رَحمَةِ الله. فَلِماذا تَستَغرِبُ بَعدَ ذَلِكَ ضِيقَ رِزقِك، وتَعسيرَ أُمورِك، واكتِئابَ نَفسِك، وأنتَ مَطرودٌ مِن رَحمَةِ اللهِ بِسَبَبِ قَطيعَتِكَ لِرَحِمِك؟ يَقُولُ الإِمامُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِهِ: "الرَّحِمُ مُشتَقَّةٌ مِنِ اسمِ الرَّحمَن، فَمَن وَصَلَها وَصَلَهُ الله، ومَن قَطَعَها قَطَعَهُ الله، وَقَطعُها مِن كَبائِرِ الذُّنوبِ الَّتي تُوجِبُ اللَّعنَةَ وسُوءَ الدَّار". عِبادَ الله، قَد يَقولُ قائِلٌ في نَفسِهِ الآن: "أنتَ لا تَعرِفُ حَجمَ الخَطَأِ الَّذي ارتَكَبوهُ في حَقِّي! لَقَد ظَلَموني، أَكلوا حَقِّي، شَتَموني، طَعَنوا في عِرضي، وكَرامَتي لا تَسمَحُ لي بِأن أَبدَأَ أَنا". إِلَيكَ هَذا الحَديثَ الَّذي يَحسِمُ هَذِهِ المَعَرَكَةَ النَّفسيَّة. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الحَديثِ المُتَّفَقِ عَلَيه: «لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أن يَهجُرَ أَخاهُ فَوقَ ثَلاثِ لَيالٍ، يَلتَقِيانِ فَيُعرِضُ هَذا ويُعرِضُ هَذا، وخَيرُهُما الَّذي يَبدَأُ بِالسَّلام». تَوَقَّفوا مَعي عِندَ كَلِمَة: «وخَيرُهُما». النَّبيُّ ﷺ يَعلَمُ يَقينًا أَنَّ هُناكَ مَظلومًا وظالِمًا، ومُخطِئًا ومُصيبًا، لَكِنَّهُ لَم يَقُل: "ليَبدَأ الظَّالِمُ بِالاعتِذار"، بَل قَالَ: «خَيرُهُما». مَقامُ الخَيريَّةِ عِندَ اللهِ لَيسَ لِمَن يَنتَصِرُ لِنَفسِهِ، بَل لِمَن يَدوسُ عَلى حَظِّ نَفسِهِ ويَرفَعُ سَمَّاعَةَ الهاتِفِ ويَقول: "السَّلامُ عَلَيكُم". هَل سَأَلتَ نَفسَكَ يَومًا: هَل مَدُّ يَدِ الصُّلحِ يُنقِصُ مِن كَرامَتِك؟ هَل التَّنازُلُ لِأَخيكَ أو عَمِّكَ أو أُختِكَ ضَعفٌ؟ لَقَد حَسَمَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ هَذا الوَهمَ الشَّيطانيَّ بِقاعِدَةٍ قاطِعَةٍ حِينَ قَالَ: «وَما زادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلَّا عِزًّا» [رواهُ مُسلم]. صَدِّقوني يَا كِرام، الشَّيطانُ يُصَوِّرُ لَكَ أَنَّكَ إِن بادَرتَ بِالسَّلامِ سَتَبدو ضَعيفًا ذَليلًا، واللهُ يَعدُكَ بِأنَّكَ إِن عَفَوتَ زادَكَ عِزًّا ومَهابَةً في الأَرضِ وفي السَّماء. وإِذا كُنتَ تَظُنُّ أَنَّ مَظلَمَتَكَ كَبيرَةٌ لا تُغتَفَر، فَدَعني أَنقُلُكَ إِلى مَشهَدٍ صَنَعَهُ خَيرُ البَشَرِ بَعدَ الأَنبِياء؛ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنه. تَخَيَّلوا مَعي حَجمَ المَظلَمَة: رَجُلٌ مِن أقارِبِ أبي بَكر، اسمُهُ مِسطَحُ بنُ أُثاثَة. رَجُلٌ يَتيمٌ فَقير، كانَ أبو بَكرٍ يُنفِقُ عَلَيهِ ويتَكَفَّلُ بِطَعامِهِ وشَرابِه مُنذُ سَنوات. وفي حادِثَةِ الإِفك، حينَ طُعِنَ في عِرضِ السَّيِّدَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها أَطهرِ نِساءِ العالَمين، كانَ مِسطَحٌ هَذا مِمَّن خاضَ في الكَلامِ ونَقَلَ الشَّائِعَة! قَريبُك، ويَأكُلُ مِن مالِك، ثُمَّ يَطعَنُ في شَرَفِ ابنَتِكَ الطَّاهِرَة زَوجَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ! أَيُّ ظُلمٍ أَقسَى مِن هَذا؟ فَلَمَّا نَزَلَت بَراءَةُ عائِشَةَ مِنَ السَّماء، أَقسَمَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ قَسَمًا يَتَّفِقُ مَعَ طَبيعَةِ البَشَر، قَالَ: "واللهِ لا أُنفِقُ عَلى مِسطَحٍ شَيئًا أَبَدًا". حَقُّهُ أَم لَيسَ بِحَقِّه؟ هو مالُه، وهَذا الرَّجُلُ طَعَنَ في عِرضِه. لَكِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَرادَ أَن يُرَبِّيَ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى مَقامٍ أَعلى مِن مَقامِ العَدل، مَقامِ الفَضل. فَنَزَلَت الآيَةُ العَظيمَةُ تُخاطِبُ قَلبَ أبي بَكر: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. أَوَقَفتُم عِندَ قَولِهِ تَعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؟ هَذِهِ هي المُعادَلَة! لَيسَ الأَمرُ بَينَكَ وبَينَ مَن ظَلَمَك، الأَمرُ بَينَكَ وبَينَ الله! إِن عَفَوتَ عَن عِبادِهِ عَفَا عَنك. فماذا كانَ جَوابُ أبي بَكر؟ هَل كابَرَ؟ هَل قَالَ كَرامَتي؟ بَكى رَضِيَ اللهُ عَنهُ وقال: "بَلى واللهِ يَا رَبَّنا، إِنَّا لَنُحِبُّ أَن تَغفِرَ لَنا". ورَدَّ النَّفَقَةَ عَلى مِسطَحٍ وقال: "واللهِ لا أَنزِعُها مِنهُ أَبَدًا". يَا أُمَّةَ مُحَمَّد، إِن كانَ أبو بَكرٍ قَد عَفا عَمَّن خاضَ في عِرضِ ابنَتِهِ الطَّاهِرَةِ رَغبَةً في مَغفِرَةِ الله، فَما هي خُصوماتُنا نَحن؟ اختِلافٌ عَلى حُدودِ أَرض؟ خِلافٌ بَينَ الأَطفالِ تَطَوَّرَ إِلى قَطيعَةٍ بَينَ الآباء؟ كَلِمَةٌ جارِحَةٌ قالَها أَخوكَ في لَحظَةِ غَضَب؟ غِيبَةٌ سَمِعتَ أَنَّ ابنَ عَمِّكَ تَنَاوَلَكَ بِها؟ هَل هَذِهِ الأُمورُ أغلى عِندَكَ مِن أَن يَغفِرَ اللهُ لَك؟ واسمَعوا إِلى الخَطَرِ الأَكبَرِ الَّذي يَعيشُهُ المُتَخاصِمون. الكَثيرُ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي، ويَصوم، ويَتَصَدَّق، ويَبكي في قِيامِ اللَّيل، لَكِنَّ هُناكَ سَدًّا مَنيعًا يَمنَعُ أَعْمَالَهُ مِنَ الوُصولِ إِلى السَّماء. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تُفتَحُ أَبوابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثنَينِ ويَومَ الخَميس، فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا، إِلَّا رَجُلًا كانَت بَينَهُ وبَينَ أَخيهِ شَحناء، فَيُقال: أَنظِروا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحا، أَنظِروا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحا، أَنظِروا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحا» [رواهُ مُسلم]. يَا لَها مِن حَسرَة! أَعمالُكَ مُعَلَّقَة، وصِيامُكَ مَوقوف، ومَغفِرَتُكَ مُؤَجَّلَة... لِماذا؟ لِأَنَّ في قَلبِكَ غِلًّا عَلى أَخيكَ أو رَحِمِك. تَأتي الرَّحمَةُ لِتَتَنَزَّلَ فَتَجِدُ القَلبَ مُغلَقًا بِأَقفالِ الكِبرِ والخُصومَة. يَقُولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "بِئسَ الصَّاحِبُ الغِلّ، يَحرِمُ صاحِبَهُ المَغفِرَة، ويُورِدُهُ المَهلَكَة". ولا يُمكِنُ لِقَلبٍ أَن يَذوقَ نَعيمَ الجَنَّةِ وفيهِ ذَرَّةٌ مِن حِقد، لِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَن أَهلِ الجَنَّة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]. الجَنَّةُ دارُ الطَّيِّبين، ولا يَدخُلُها مَن يَحمِلُ في صَدرِهِ جَهَنَّمَ الأَحقادِ والضَّغائِن. عِبادَ الله، قَد يَقولُ بَعضُ النَّاس: "أنا كُنتُ أَصِلُهُم وهُم لا يَصِلونَني، أَزُورُهُم فَيُغلِقونَ أَبوابَهُم، أُحسِنُ إِلَيهِم فَيُسيئونَ إِلَيّ، فَكَيَفَ أَصِلُ مَن يَقطَعُني؟". إِنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ الدَّارِجَةَ قَد عَالَجَها النَّبيُّ ﷺ قَبلَ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا لِيَضَعَ لَنا مِيزانَ العَلاقَةِ مَعَ اللهِ لا مَعَ النَّاس. قَالَ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيح: «لَيسَ الواصِلُ بِالمُكافِئ، ولَكِنَّ الواصِلَ الَّذي إِذا قُطِعَت رَحِمُهُ وَصَلَها» [رواهُ البُخاري]. المُكافِئُ هُوَ الَّذي يَقول: زارَني فَأَزورُه، أَعطاني فَأُعطيه، ابتَسَمَ لي فَأَبتَسِمُ لَه. هَذا لَيسَ واصِلًا لِلرَّحِم، هَذا تاجِرٌ يَرُدُّ البِضاعَةَ بِمِثلِها! أمَّا الواصِلُ الحَقيقيُّ الَّذي يَستَحِقُّ الأَجرَ العَظيم، هُوَ الَّذي إِذا انقَطَعَتِ الحِبالُ رَبَطَها، وإِذا أُسيءَ إِلَيهِ أَحسَن، لِأَنَّهُ لا يَتَعامَلُ مَعَ لَئيمِ طِباعِهِم، بَل يَتَعامَلُ مَعَ كَريمِ عَطاءِ رَبِّه. واسْمَعوا لِهَذا المَوقِفِ العَجيبِ الَّذي يُمَثِّلُ واقِعَ الكَثيرينَ اليَوم. جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبيِّ ﷺ يَشكو أَلَمَ الخُذلانِ مِن أَقارِبِه، فَقال: يا رَسولَ اللهِ، إِنَّ لي قَرابَةً أَصِلُهُم ويَقطَعونَني، وأُحسِنُ إِلَيهِم ويُسيئونَ إِلَيَّ، وأَحلُمُ عَنهُم ويَجهَلونَ عَلَيّ! فَماذا أَجابَهُ المُرَبِّي الأَعظَم ﷺ؟ هَل قَالَ لَهُ: اترُكهُم؟ هَل قَالَ: كَرامَتُكَ أَولى؟ قال ﷺ: «لَئِن كُنتَ كَما قُلتَ، فَكَأَنَّما تُسِفُّهُمُ المَلَّ، ولا يَزالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهيرٌ عَلَيهِم ما دُمتَ عَلى ذَلِك» [رواهُ مُسلم]. يَقُولُ الإِمامُ النَّوَويُّ رَحِمَهُ اللهُ في شَرحِهِ لِكَلامِ النَّبيِّ ﷺ: "(تُسِفُّهُمُ المَلَّ) أَي تُطعِمُهُمُ الرَّمادَ الحارّ، وهُوَ تَشبيهٌ لِما يَلحَقُهُم مِنَ الأَلَمِ والإِثمِ بِما يَأكُلونَهُ مِنَ الرَّمادِ الحارّ، ولا يَنالُ هَذا المُحسِنَ شَيءٌ مِن أَلَمٍ، بَل هُمُ الآثِمونَ القاطِعون". يَا لَهُ مِن وَعدٍ رَبَّاني! أنتَ لَستَ وَحدَك، «ولا يَزالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهير»؛ أَي مُعينٌ ونَصيرٌ وحافِظ. إِذا كانَ اللهُ ظَهيرَكَ ونَصيرَك، فَما ضَرَّكَ جَفاءُ البَشَر؟ المُهِمُّ أَن يَبقى قَلبُكَ نَظيفًا، وأَن تَبقى صَحيفَتُكَ بَيضاءَ مِن قَطيعَةِ الرَّحِم. أَيُّها الإِخوَة، إِنَّ كَسرَ حَواجِزِ القَطيعَةِ يَحتاجُ إِلى نَفسٍ عَظيمَةٍ تَتَمَثَّلُ أَمرَ اللهِ القائِل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ۝ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35]. ذو حَظٍّ عَظِيم! نَعَم، لَيسَ كُلُّ إِنسانٍ يَقدِرُ عَلى أَن يَنحَني لِيُعانِقَ مَن هَجَرَه. المَغارِمُ في الصُّلحِ أَثقَلُ مِن أَن تَحمِلَها النُّفوسُ الصَّغيرَة، ولا يَحمِلُها إِلَّا مَن عَرَفَ قَدرَ الجَنَّة. يَقُولُ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "صِلَةُ الرَّحِمِ لا تَكونُ فَقَط بِبَذلِ المال، بَل مِن أَعظَمِ الصِّلَةِ: الصَّبرُ عَلى أَذاهُم، واحتِمالُ جَفوتِهِم، والتَّغافُلُ عَن زَلَّاتِهِم لِوَجهِ الله". فالتَّغافُلُ يا كِرامُ نِصفُ العافِيَة، ومَن دَقَّقَ في كُلِّ كَلِمَةٍ قالَها أَخوهُ أَو قَريبُه، عاشَ وَحيدًا، وماتَ وَحيدًا، ولَقِيَ اللهَ بِقَلبٍ مَملوءٍ بِالعُقَد. إِخوَتي الأَحِبَّة، هَل فَكَّرتُم يَومًا أَنَّ خُصومَةً صَغيرَةً اليَوم، قَد تَتَحَوَّلُ إِلى قَطيعَةٍ تَتَوارَثُها الأَجيال؟ كَم مِن عائِلَتَينِ لا تَتَزاوَرانِ اليَوم، ولَو سَأَلتَ الأَبناءَ عَنِ السَّبَب، لَقالوا: "لا نَدري، وَجَدنا آباءَنا عَلى ذَلِك"! أَتَرضى أَن تَكونَ مُؤَسِّسًا لِقَطيعَةٍ يَستَمِرُّ إِثمُها في مِيزانِكَ بَعدَ مَوتِك؟ عِبادَ الله، السَّلامُ كَلِمَة، والابتِسامَةُ صَدَقَة، والهِجرانُ نِيرانٌ تَأكُلُ حَسَناتِنا ونَحنُ لا نَشعُر. فَأَينَ العُقَلاء؟ أَينَ مَن يَشتَري مَغفِرَةَ اللهِ بِالتَّنازُلِ عَن حَقِّ نَفسِه؟ أَقولُ قَولي هَذا وأَستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، جَعَلَ العَفوَ مِفتاحًا لِلرَّحمَة، وأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُهُ، إِمامُ المَعصومينَ وقُدوَةُ الصَّافِحين، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ وأَتباعِهِ إِلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن لَعنَةِ قَطيعَةِ الرَّحِمِ وخَطَرِها عَلى مَغفِرَةِ الذُّنوب، ووَقَفنا مَعَ وَهمِ الكِبرياءِ الَّذي يَمنَعُنا مِنَ المُبادَرَة، وتَدَبَّرنا عَفْوَ الصِّدِّيقِ عَمَّن طَعَنَ في عِرضِه، وَعَرَفنا أَنَّ الواصِلَ الحَقيقيَّ هُوَ مَن يَصِلُ مَن قَطَعَه. والآن، نَحنُ أَمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الكَلامَ إِلى واقِع؟ كَيفَ نَكسِرُ الجَليدَ الَّذي تَرَاكَمَ لِسَنَوات؟ إِخوَتي، النَّوايَا الحَسَنَةُ وَحدَها لا تَبني الجُسور، لا بُدَّ مِن خُطواتٍ عَمَليَّة. ولِذا، أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أَن أَنزِلَ مِن مِنبَري، لَعَلَّ اللهَ أَن يَجعَلَها مِفتاحًا لِصُلحٍ طالَ انتِظارُه: الأُولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ الآن وأنت في مَكانِك، واعلُ بِنِيَّتِكَ إِلى الله. قُل في نَفسِك: "يَا رَبِّ، إِنِّي قَد عَفَوتُ عَن كُلِّ مَن ظَلَمَني مِن أَرحامي طَمَعًا في عَفْوِك". نَحتاجُ إِلى هَذِهِ النِّيَّةِ لِأَنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إِلى خُطواتِ الجَسَدِ قَبلَ خُطواتِ القَلب. حَتَّى وإِن كانَ الأَلَمُ عَميقًا، سامِحهُم لِوَجهِ الله، فَاللهُ يَغفِرُ لِمَن يَغفِر. الثَّانيَة (لِسانيَّة): التَقِط هاتِفَكَ هَذا اليَوم، وابعَث رِسالَةً واحِدَةً قَصيرَة: "السَّلامُ عَلَيكُم، اشتَقتُ إِلَيكُم، غَفَرَ اللهُ لَنا ولَكُم". لِماذا؟ لِتَكونَ أَنتَ "خَيرَهُما الَّذي يَبدَأُ بِالسَّلام". لا تَنتَظِر مُناسَبَةً أَو عيدًا، بَلِ اكسِر حَواجِزَ السِّنينَ اليَوم، فَكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ واحِدَةٌ قادِرَةٌ عَلى إِذابَةِ جِبالٍ مِنَ الجَفاء. الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): إِذا كانَتِ الفَجوَةُ واسِعَةً جِدًّا والنُّفوسُ مَشحونَة، فاستَعِن بِوَسيطٍ خَيِّر. اتَّصِل بِخالٍ حَكيمٍ أو عَمٍّ عاقِلٍ أَو صَديقٍ مُشتَرَك، واطلُب مِنهُ أَن يَجمَعَكُم هَذا الأُسبوع. فإصلاحُ ذاتِ البَينِ أَفضَلُ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ كَما أَخبَرَ الصَّادِقُ المُصَدَّق ﷺ. بَعضُ الكِبرياءِ لا يَسقُطُ إِلَّا بِقَنطَرَةٍ مِن أَهلِ الفَضل. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): لا تُوَرِّثوا عَداواتِكُم لِأَبنائِكُم! الأَطفالُ أَبرِياء، ولا يَحِلُّ لَكَ أَن تَمنَعَ ابنَكَ مِن زِيارَةِ عَمِّهِ لِأَنَّكَ غاضِبٌ مِن أَخيك. افصِلوا الخِلافاتِ عَنِ الأَجيالِ القادِمَة. قُل لِابنِك: "يا بُنَيّ، عَمُّكَ في مَقامِ أَبيك، سَلِّم عَلَيهِ واحتَرِمهُ مَهما كانَ بَيني وبَينَه". لا تَصنَعوا قَطيعَةً مُمتَدَّةَ الجُذور. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): تَهَيَّأ لِرَدَّةِ فِعلٍ بارِدَة، واصْبِر! قَد تَتَّصِلُ فَلا يَرُدّ، وقَد تَزورُهُ فَيُقابِلُكَ بِجَفاء. لِماذا الصَّبر؟ لِأَنَّكَ تَتَعامَلُ مَعَ اللهِ لا مَعَه! إِذا رَدَّكَ بَقَسوَة، فابتَسِم وقُل: "الحَمدُ لله، لَقَد أَدَّيتُ ما عَلَيَّ وبرِئَت ذِمَّتي أَمامَ الله". قَد يَرفُضُكَ أَخوك، ولَكِنَّ اللهَ سَيَقبَلُك، وهَذا هُوَ المَكسَبُ الأَعظَم. فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أَنَّ العُمُرَ قَصير، وأَنَّ شَمسَنا آيِلَةٌ لِلغُروب، فَبادِروا بِالصُّلحِ قَبلَ أَن نَتَمَنَّى لَحظَةً مِنَ الحَياةِ لِنَعتَذِرَ فَلا نَجِدُها.﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَقالَ عَزَّ مِن قائِل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ وأَتباعِهِ إِلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ قُلوبًا سَليمَة، ونُفوسًا صَافِيَة، وعَزائِمَ عَلى الرُّشدِ ثابِتَة. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَد، واجعَلنا مِمَّن يَغفِرُ الزَّلَّاتِ ويَدفَعُ بِالَّتي هي أَحسَن. اللَّهُمَّ أَصلِح ذاتَ بَينِنا، وأَلِّف بَينَ قُلوبِنا، واهدِنا سُبُلَ السَّلام، ونَجِّنا مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّور. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا قاطِعًا لِرَحِمِهِ فَرُدَّهُ إِلَيها رَدًّا جَميلًا، وَمَن كانَ مَهجورًا مَظلومًا فامسَح عَلى قَلبِهِ وارزُقهُ أُجورَ الصَّابِرين. اللَّهُمَّ اجمَع شَملَ الأُسَرِ المُتَفَرِّقَة، وأَعِدِ المَحَبَّةَ إِلى البُيوتِ المُتَخاصِمَة، وَحَبِّب إِلَينا العَفوَ والصَّفحَ والمُغفَرَة. اللَّهُمَّ ارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمين، واغفِر لِمَن ماتَ وفي قَلبِهِ قَطيعَةٌ وعاجَلَهُ الأَجَلُ قَبلَ الصُّلح، واشمَلهُم بِرَحمَتِكَ وعَفوِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ آمِنَّا في أَوطانِنا، وأَصلِح أَحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، وَارزُقنا العَفوَ والعافيَةَ في الدِّينِ والدُّنيا والآخِرَة. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أَكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.