من مكتبة مِداد الخطيب

غُثائيَّةُ الأُمَّة... المَرَضُ والعِلاج

مشاركة
🕌 غُثائيَّةُ الأُمَّة... المَرَضُ والعِلاج #خطبة_جمعة #غثائية_الأمة #حال_الأمة #الوهن #العودة_إلى_الله #إيمانيات #واقع_المسلمين الحمدُ للهِ الذي أعَزَّ مَن أطاعَهُ واتَّبَعَ هُداه، وأذَلَّ مَن خالَفَ أمرَهُ واتَّبَعَ هَواه، أحمَدُهُ سبحانَهُ جَعَلَ العِزَّةَ للهِ ولرسولِهِ وللمؤمنين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَبتَلي أمَّةَ الإسلامِ ليُمَحِّصَها ويَرفَعَ دَرَجاتِها، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ مَن أنذَرَ وبَشَّر، وبَيَّنَ أسبابَ النَّصرِ والهَزيمة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيرًا. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، خُذوا خَريطةَ العالَمِ وانشُروها أمامَ أعيُنِكم. تَأمَّلوا في مساحاتِ الأرضِ التي يَسكُنُها المُسلمون؛ من مُحيطٍ إلى مُحيط، ثَرَواتٌ تَفيض، وبحارٌ ومضايقُ ومَواقِعُ، ورَقَمٌ بَشَريٌّ يَتجاوزُ المليارَين. رُبُعُ سُكَّانِ الأرضِ يَدينونَ بدينِ مُحمَّدٍ ﷺ. لو نَظَرَ مُحَلِّلٌ عسكريٌّ أو سياسيٌّ إلى هذه الخَريطةِ الماديَّة، لَقالَ قَطعًا: هذه هي الأمَّةُ التي تَحكُمُ العالَم. هذه هي الأمَّةُ التي لا يُكسَرُ لها سَيف، ولا يُرَدُّ لها قَرار، ولا يُسفَكُ لها دَمٌ إلَّا وقامَت الدُّنيا ولم تَقعُد. لكنَّكم — يا عبادَ الله — تَرَونَ الواقِع. أُمَّةٌ مُمَزَّقة، دِماؤُها أرخَصُ الدِّماء، ديارُها مُستباحَة، صَرَخاتُ حَرائرِها ومُستَضعَفيها تَملأُ الآفاقَ فلا تَجِدُ مُجيبًا، قَرارُها مَسلوب، وأعداؤُها يَتَكالَبونَ عليها كما تَتَكالَبُ السِّباعُ على فريستِها. كيفَ يَحدُثُ هذا؟ كيفَ يَكونُ الملياران أضعَفَ مَن في الأرض؟ وكيفَ تَكونُ الجُموعُ الغفيرةُ عاجزةً عن نُصرةِ مَظلومٍ واحدٍ في أطرافِ بلادِ المسلمين؟ واللهِ، إنَّ الجوابَ لم يُكتَب في تُقاريرِ السياسة، ولم يُصَغ في غُرَفِ التَّحليلِ العسكريّ، بل صاغَهُ الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ في مَجلسٍ مع أصحابِه قبلَ ألفٍ وأربعمائةِ عام، بكلماتٍ كأنَّها تُوصِّفُ حالَنا صبيحةَ هذا اليوم. واسمعوا لهذا الحديثِ العظيم، الذي إذا تأمَّلتموه لَن يَبقى في قُلوبكم شَكٌّ ولا حِيرة. يقولُ النبيُّ ﷺ في الحديثِ الذي رواهُ أبو داود بإسنادٍ صحيح: «يُوشِكُ الأمَمُ أن تَداعى عليكم كما تَداعى الأكَلَةُ إلى قَصعَتِها». فقالَ قائلٌ: ومِن قِلَّةٍ نحنُ يومئذٍ؟ قال ﷺ: «بَل أنتم يومئذٍ كثير، ولَكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيل، ولَيَنزَعَنَّ اللهُ من صُدورِ عَدُوِّكم المَهابَةَ منكم، ولَيَقذِفَنَّ اللهُ في قُلوبكمُ الوَهَن». فقالَ قائلٌ: يا رسولَ الله، وما الوَهَن؟ قال: «حُبُّ الدُّنيا، وكراهيَةُ الموت». يا الله! انظُروا إلى دِقَّةِ التَّصويرِ النَّبَويّ. الأمَمُ تَتَداعى — أي يَدعو بعضُهم بعضًا — إلى قَصعَة. والقَصعَةُ هي الإناءُ المليءُ بالطَّعام. الأمَّةُ الإسلاميَّةُ اليومَ أصبَحَت كالمائدةِ المفتوحة، الأعداءُ يَدعونَ بعضَهم لافتِراسِها واقتِسامِ ثَرَواتِها واستِباحَةِ أراضيها. تَعَجَّبَ الصَّحابة! صَحابةٌ يَنتَصرونَ في بَدرٍ بثلاثمائةِ رَجُل، كيفَ تُستَباحُ أمَّتُهم وهم كثير؟ فظَنُّوا أنَّ السَّببَ هو قِلَّةُ العَدَد. فسَألوا: أمِن قِلَّةٍ نَحنُ يومئذٍ؟ وهنا جاءَت الكلمةُ الصَّاعقة: «بل أنتُم يومئذٍ كثير، ولَكِنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيل». تَأمَّلوا معي — يا عبادَ الله — هذا التَّشبيهَ الرَّبَّاني. ما هو الغُثاء؟ الغُثاءُ هو الرَّغوَةُ والزَّبَدُ والأعوادُ المَيِّتَةُ والورَقُ الجافُّ الذي يَحملُهُ السَّيلُ العَنيفُ على سَطحِه. ما صِفاتُ هذا الغُثاء؟ حَجمُهُ كبير، ويَملأُ عَينَ النَّاظر، لكنْ لا وَزنَ له! خَفيفٌ تَطيرُ بهِ النَّسمة. لا جُذورَ له، فلا يَثبُتُ في أرض. لا وِجهةَ له، فلا يَسيرُ بإرادتِه، بل يَسوقُهُ السَّيلُ حَيثُ شاء، يُلَقِّيهِ يَمينًا وشِمالًا. هذه هي الغُثائيَّةُ التي أصابَت جَسَدَ الأمَّة. غُثائيَّةُ العَدَدِ بلا فَاعِليَّة. مَساجدُنا مَليئة، أسواقُنا مُزدَحِمة، جامعاتُنا تَفيض، لكنَّ تأثيرَنا في ميزانِ الأمَمِ لا يَكادُ يُرى. صِرنا نُعَدُّ بالمليارات، لكنَّنا مليارُ غُثاء! وقد قَرَّرَ القُرآنُ هذه الحقيقةَ الجوهريَّة؛ أنَّ العِبرَةَ بالوَزنِ الإيمانيِّ لا بالحَجمِ البَشَري. يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: 4]. ويقولُ سبحانَه: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: 160]. كيفَ نَزَلْنا إلى هذه المنزلة؟ كيفَ تَحَوَّلنا من أُمَّةٍ قائِدةٍ إلى أُمَّةٍ مَقودَة؟ وكيفَ نُزِعَت مَهابَتُنا من صُدورِ أعدائِنا حتى صاروا يَستبيحونَ دماءَ إخوانِنا جِهارًا نَهارًا ولا يَحسِبونَ لنا حِسابًا؟
الجَوابُ في ذاتِ الحديث: «ولَيَقذِفَنَّ اللهُ في قُلوبكمُ الوَهَن... حُبُّ الدُّنيا، وكراهيَةُ الموت». أخطرُ مَرَضٍ يُصيبُ أُمَّةً من الأمَمِ هو "الوَهَن". الوَهَنُ ليسَ ضَعفَ السِّلاح، ولا ضَعفَ الاقتصاد، ولا ضَعفَ التكنولوجيا. الوَهَنُ مَرَضٌ قَلبيٌّ بَحت. هو أن يَتَعَلَّقَ القَلبُ بالدُّنيا حتى تَصيرَ هي المَبلَغَ والمُنتهى، وأن يَكرَهَ الموتَ لأنَّهُ سيَنقُلُهُ من دارٍ عَمَّرَها إلى دارٍ خَرَّبَها. عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا نَخاف؟ لماذا نَصمُتُ عن الحق؟ لماذا نَتخاذَلُ عن نُصرَةِ المظلوم؟ لأنَّنا خائِفون على "الدُّنيا". خائِفون على الرَّاتب، خائِفون على الوظيفة، خائِفون على المَنزِل، خائِفون على المَكانَةِ بين النَّاس. صارَت التَّضحيَةُ من أجلِ الدِّينِ جُنونًا في قواميسِنا، وصارَ التَّمَسُّكُ بالدُّنيا هو العَقل! قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمَهُ اللهُ في كَلمةٍ تَكتُبُ بماءِ الذَّهب: «القلبُ في سَيرِهِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بِمَنزلةِ الطَّائر؛ فالمحبَّةُ رأسُه، والخوفُ والرَّجاءُ جَناحاه. فمتى سَلِمَ الرَّأسُ والجَناحانِ، فالطَّائرُ جَيِّدُ الطَّيران، ومتى قُطِعَ الرَّأسُ ماتَ الطَّائر، ومتى فُقِدَ الجَناحانِ صارَ عُرضَةً لِكُلِّ صائِدٍ وكاسِر». وقلوبُ كثيرٍ مِنَّا اليومَ قد تَعَلَّقَت بأرضِ الدُّنيا، وقُصَّت أجنِحَتُها، فصارَت عُرضَةً لِكُلِّ كاسِر. تأمَّلوا معي — إخوتي — هذا المشهدَ العظيمَ الذي يَكشِفُ الفَرقَ بين الغُثائيَّةِ وبين الوَزنِ الإيماني. عُودوا معي إلى زَمَنِ الفُتوحاتِ المُباركة، في مَعركةِ القادِسيَّة. اختارَ المُسلمونَ رَجلًا واحدًا ليُقابِلَ رُستُم، قائِدَ جُيوشِ الفُرس. اختاروا رِبعيَّ بنَ عامِر رضيَ اللهُ عنه. كانَ رِبعيٌّ رَجُلًا بَسيطًا، يَرلَبسُ ثيابًا خَشِنة، ويَركَبُ فَرَسًا قَصيرة. بينما كانَ رُستُم يَجلِسُ على سَريرٍ من ذَهَب، وبساطٍ من حَرير، وحَولَهُ الفِيَلَةُ والجُيوشُ المَدَجَّجَةُ بالسِّلاح. بِمِقياسِ الغُثائيَّةِ الماديَّة، رِبعيٌّ لا يُساوي شيئًا. دخلَ رِبعيٌّ على رُستُم، بفرَسِه، فوَطِئَ البُسُطَ الفاخِرة. قالَ لهُ رُستُم بِغرورٍ واسْتِعلاء: ما جاءَ بِكم؟ فماذا قالَ هذا الرَّجُلُ الذي لا يَملِكُ سِوى سَيفٍ وإيمان؟ قالَ كلمةً زَلزَلَت إمبراطوريَّةَ الفُرس: «اللهُ ابتَعَثَنا لنُخرِجَ مَن شاءَ من عِبادَةِ العِبادِ إلى عِبادةِ رَبِّ العِباد، ومِن ضِيقِ الدُّنيا إلى سَعَةِ الدُّنيا والآخِرة، ومِن جَورِ الأديانِ إلى عَدلِ الإسلام». اللهُ أكبر! هذا هو الوَزن. هذا هو المُسلِمُ الذي نُزِعَ من قَلبِهِ "الوَهَن"، فقَذَفَ اللهُ الرُّعبَ في قلبِ إمبراطوريَّةٍ بأكملِها. رِبعيٌّ لم يَكُن يَخافُ على "دُنيا" يَخسَرُها، وكانَ يُحِبُّ "الموتَ" في سبيلِ اللهِ كما يُحِبُّ الفُرسُ شُربَ الخَمر. فلذلكَ انْتَصَر. وعندما نَقَلَبنا نَحنُ المعادلةَ، وأحبَبنا الدُّنيا، وكَرِهنا الموتَ، صِرنا غُثاءً تَطَأُه الأقدام. أيها الإخوة، ليسَت الدُّنيا وَحدَها سببَ الغُثائيَّة. بل إنَّ من أضخَمِ أسبابِ ذُلِّ الأمَّةِ اليومَ وتَفرُّقِها: التَّخَلِّي عن شَريعةِ اللهِ، والمُجاهَرَةِ بالمَعاصي. نَحنُ أُمَّةٌ لا تَنتَصِرُ بعَدَدٍ ولا عُدَّة، بل تَنتَصِرُ بطاعتِها للهِ وعصيانِ عَدُوِّها له. فإذا استَوَينا نَحنُ وعَدُوُّنا في المَعصيَة، غَلَبَنا عَدُوُّنا بعُدَّتِه وعَتادِه! قال الفاروقُ عمرُ بنُ الخطَّاب رضيَ اللهُ عنه — وهو الخبيرُ بصناعةِ العِزَّة — في رسالتِهِ المشهورةِ لِسَعدِ بنِ أبي وَقَّاص رضيَ الله عنه وجيشِه: «أمَّا بعد، فإني آمُرُكَ ومَن مَعَكَ من الأجنادِ بتقوى اللهِ على كُلِّ حال، فإنَّ تَقوى اللهِ أفضَلُ العُدَّةِ على العدو، وأقوى المَكيدةِ في الحَرب. وآمُرُكَ ومَن مَعَكَ أن تَكونوا أَشَدَّ احتراسًا من المعاصي مِنكم من عَدُوِّكم، فإنَّ ذُنوبَ الجَيشِ أخوَفُ عليهم من عَدُوِّهم... فاعطوا اللهَ من أنفسِكم، وتَقرَّبوا إليهِ في جِهادكم، ولا تَقولوا إنَّ عَدُوَّنا شَرٌّ مِنَّا فلَن يُسَلَّطَ علينا... فَرُبَّ قَومٍ سُلِّطَ عليهم شَرٌّ منهم، كما سُلِّطَ على بني إسرائيلَ لَمَّا عَمِلوا بِمَساخِطِ اللهِ كُفَّارُ المَجوس». هذا هو الفِقهُ العميق. ذُنوبُ الجَيشِ — وذُنوبُ الأمَّة — أخوَفُ عليها من سِلاحِ أعدائِها. حين تَنشُرُ أمَّةٌ ما التَّفاهة، وتُحارِبُ العَفاف، وتأكُلُ الرِّبا، وتَظلِمُ العِباد، وتَترُكُ فريضةَ الفجرِ تَشكو الهُجران — هل تَنتظرُ بعدَ ذلك أن تَتَنَزَّلَ عليها مَلائكةُ النَّصر؟ قالَ اللهُ تعالى، والقَولُ قَولُه: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. ونُصرَةُ اللهِ تَبدأُ بِنُصرَةِ دينِهِ في نَفسِك وفي بَيتِك وفي عَمَلِك. والسَّببُ الثَّالثُ المُرَوِّع لغُثائيَّة الأمَّة: التَّنازُعُ والفُرقَةُ والاقتتالُ الدَّاخلي.
يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. تأمَّلوا لَفظَةَ ﴿تَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ أي تَذهَبَ قُوَّتُكم ومَهابَتُكم. وكم مِن صِراعٍ بين المُسلمينَ أراقَ دِماءهم، وبَدَّدَ ثَرَواتِهم، وأضعَفَ شَوكَتَهم، وجَعَلهم يَستقوُونَ بالعَدُوِّ الكافِرِ على الأخِ المُسلِم! هذه الفُرقةُ هي التي جَعَلَت العَدُوَّ يَنفرِدُ بكلِّ جُزءٍ مِن جَسدِ الأمَّةِ وَحدَه، والأجزاءُ الأخرى تَتَفَرَّجُ أو تَشجُب. إخوتي الكرام، لو قَلَّبنا صَفحاتِ التاريخِ، لوَجدنا صُورةً مُرعبةً للغُثائيَّةِ تُشبهُ زمانَنا، لَعلَّنا نَعتَبِر. في القرنِ السَّابعِ الهِجري، حين اجتاحَ التَّتارُ بلادَ المسلمين. وَصَلَ المُسلمونَ إلى حالةٍ مِن الوَهَنِ والغُثائيَّةِ تَفضُلُ الوَصف. كانت أعدادُ المُسلمينَ في بغداد بالملايين، لكنَّ الهَزيمةَ النفسيَّةَ مَزَّقَتهم. يَرَوي ابنُ الأثيرِ وابنُ كثيرٍ في تَواريخِهم عجائبَ من هذا الوَهَن: كان التَّتَريُّ الواحدُ يَدخلُ زُقاقًا فيه مئةُ مُسلِم، فيَقتُلُهم واحدًا واحدًا، ولا يَرفَعُ أحدٌ يَدَهُ لِيَدفَعَ عن نَفسِه! بل بلغَ الأمرُ أن يَلتقيَ التَّتَريُّ بالمُسلِم، ولا يَكونُ مع التَّتريِّ سلاح، فيقولُ للمُسلِم: "ضَع رأسَكَ هنا حتى أذهبَ فأُحضِرَ سَيفًا لأقتُلَك"، فيَنتَظِرُهُ المُسلِمُ حتى يَرجعَ ويَذبَحَه! كيفَ يَحدثُ هذا؟! هل نَسوا كيفَ يُمسِكون السِّلاح؟ لا. بَل لأنَّ اللهَ نَزَعَ المَهابةَ من قُلوبِ الأعداء، وقَذَفَ في قُلوبِ المُسلمينَ الرُّعبَ والوَهَن. لكن... هل ماتَتِ الأمَّةُ يومَها؟ هل كانَت نهايةَ الإسلام؟ أبدًا والله! دينُ اللهِ لا يَموت. لَمَّا تَمَحَّصَتِ الأمَّة، وعادَت إلى ربِّها، وتَجَمَّعَت قُواها تحتَ رايةٍ صادقةٍ في معركةِ عينِ جالوت، صَرَخَ القائدُ صَرخَتَهُ المدوِّيَة: "وا إسلاماه!". فارتَجَّت الأرض، وتَكَسَّرَت جُيوشُ التَّتارِ التي قيلَ إنَّها لا تُقهَر، وعادَتِ العِزَّة. الفَرقُ بينَ بغدادَ وعينِ جالوت هو الفَرقُ بين الغُثائيَّةِ والوَزنِ الإيماني. ولعلَّ قائِلاً يقول: وما ذَنبي أنا؟ أنا مُواطِنٌ بسيط، لا أملِكُ قَرارًا سِياسيًّا، ولا أملِكُ جَيشًا، ولا أستطيعُ تَغييرَ حالِ الأمَّة! أقولُ لك: بلى. أنتَ جُزءٌ من المُشكلةِ أو جُزءٌ من الحَلّ. هل تَعلمُ مَن هو العِبءُ على الأمَّة اليوم؟ هو الشَّابُّ الذي يَبكي إذا سَمِعَ الأخبارَ ورأى الدِّماء، ثم إذا جاءَت صلاةُ الفجرِ غَطَّ في نَومٍ عَميق! هي المَرأةُ التي تَتَحَسَّرُ على أحوالِ المُستَضعفين، لكنَّها لا تَستطيعُ أن تَنتَصِرَ على شَهوَةِ لِباسٍ يُسخِطُ الله! هو التَّاجِرُ الذي يَدعو بالنَّصرِ على المنابر، ويأكُلُ أموالَ النَّاسِ بالباطِلِ في سُوقِه! كلُّ مَعصيةٍ تُصرُّ عليها، وكلُّ فَريضةٍ تُضَيِّعُها، هي طَعنَةٌ في خِياطِ الأمَّة. قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمَهُ الله: «فإنَّ المؤمنينَ تتكافأُ دِماؤهم، وهم يَدٌ على مَن سِواهم، يَسعى بذمَّتِهم أدناهم، فإذا تَرَكَ بَعضُهم ما أمَرَ اللهُ به، وَقَعَت العَداوةُ والبَغضاءُ بَينَهم، وإذا تَفَرَّقوا فَسَدوا وهَلَكوا، وإذا اجتَمَعوا صَلَحوا ومَلَكوا». إخوتي في الله، رُغمَ ظَلامِ الواقِع، ورُغمَ الدِّماءِ التي تُسفَك في فِلسطين وفي السُّودان وفي غَيرِها من بقاعِ الأرض... إلَّا أنَّنا لا نَيأَس أبدًا. لا نَيأَسُ لأنَّنا نَقرأُ قولَ الله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. واللهِ، إنَّ هذه الابتلاءاتِ هي ألمُ المَخاضِ لِمِيلادٍ جديد، وهي مِحرَقَةُ التَّمحيصِ التي تَحرِقُ الغُثاءَ لِيَبقى الخالِصُ الصُّلب. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتنا الأولى عن حديثِ النَّبيِّ ﷺ وعن الغُثائيَّةِ التي أصابَت أمَّتَنا، ووَقَفنا على أسبابِها من حُبِّ الدُّنيا، وكراهيَةِ الموت، والمُجاهَرَةِ بالمَعاصي، والفُرقَة. ورَأينا كيفَ أنَّ الأمَّةَ التي تَتَخَلَّى عن دِينها تَصيرُ كزَبَدِ البَحرِ لا وَزنَ لها. والآن، وبَعدَ هذا التَّشخيصِ المُؤلِم، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأهَم: ما هو العِلاج؟ وكيفَ نَخرُجُ من غُثائيَّتِنا إلى وَزنِنا الحقيقي؟ أوصيكم بخَمسِ خُطُواتٍ عَمَليَّةٍ قبلَ أن نَنزِلَ مِن هذا المِنبَر:
الأولى (قَلبيَّة): نَظِّف قَلبَكَ من "الوَهَن" وتَعَلُّقِ الدُّنيا. لا أقُولُ لا تَعمَل ولا تَكسِب، بل اجعَلِ الدُّنيا في يَدِكَ لا في قَلبِك. كُن مُستَعِدًّا للقاءِ الله، مُحِبًّا له، ولا تَجعَل حِساباتِ المَنصِبِ والمالِ تُطغي على حِساباتِ الحَلالِ والحَرام. الثانية (لِسانيَّة): كُفَّ لِسانَكَ عن تَمزيقِ الأمَّة. لا تَكُن مِعوَلَ هَدمٍ يَنشُرُ التَّيئيسَ والإحباط. استَخدِم لِسانَكَ في الدُّعاءِ للمُستَضعَفين في سُجودِك، وفي بَثِّ الأمَل، وفي كَلِمَةِ الحق. ولا تُسَلِّط لِسانَكَ على إخوانِكَ من المُسلمينَ تَخوينًا وتَفسيقًا فتَزيدَ الطِّينَ بِلَّة. الثالثة (عَمَليَّة): احرُس ثَغرَك. الأمَّةُ لا تَقومُ بِخُطَبٍ عَصماء فقط، بَل بِمُسلِمٍ يُتقِنُ عَمَلَه، وطالِبٍ يَتَفَوَّقُ في دِراستِه، وأبٍ يُحافِظُ على صَلاةِ الفَجرِ في جَماعَة. إذا طَبَّقَ كُلُّ مُسلِمٍ دينَهُ في دائرتِهِ الصَّغيرة، صَلَحَت الدَّائرةُ الكُبرى. الرابعة (اجتماعيَّة): رَبُّوا أبناءَكم على الرُّجولةِ والقُوَّةِ وحَمْلِ الهَمّ. الأسَرُ التي تُرَبِّي أبناءَها على التَّفاهةِ ونُعومةِ العَيشِ والجُبنِ عن الحَق، تُخَرِّجُ جِيلًا غُثائيًّا يَنكسِرُ عند أوَّلِ أزمَة. عَلِّموهم صَلابَةَ رِبعيِّ بنِ عامِر، وشَجاعَةَ الصَّحابة. الخامسة (موضوعيَّة): ادعَموا قَضايا أُمَّتِكُم بِكُلِّ ما تَستطيعون. المُقاطَعَةُ الاقتصاديَّةُ لِمَن يَسفِكُ دِماءَنا ليست خِيارًا ثانَويًّا بل سِلاح، والدَّعمُ الماليُّ لِلمُحتاجينَ والمُحاصَرين فَريضَة، ونَشرُ قَضيَّتِهم في كُلِّ مَنصَّةٍ جِهادٌ بالكلمة. لا تَستَصغِروا أيَّ فِعل، فالجِبالُ مِنَ الحَصى. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ النَّصرَ ليسَ مُستَحيلًا، بَل هو وَعدُ اللهِ القاطِع: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عليه، عمَلاً بقولِ ربِّكم جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تَرفَعَ عَنَّا الوَهَن، وأن تَنزِعَ حُبَّ الدُّنيا وكَراهيَةَ الموتِ مِن قُلوبِنا. اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، ودمِّر أعداءَكَ أعداءَ الدِّين. اللَّهُمَّ كُن للمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ منَ المُسلمينَ في فِلَسطين، وفي السُّودان، وفي كُلِّ بُقعَةٍ يُراقُ فيها دَمٌ مُسلِم بغيرِ حَق. اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِهم، وثَبِّت أقدامَهم، وانصُرهم على مَن بَغى عليهم. اللَّهُمَّ رُدَّ أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ إلى دينِكَ رَدًّا جَميلًا. اللَّهُمَّ وَحِّد صُفوفَنا، واجمَع كَلِمَتَنا على الحق، ولا تَجعَل بأسَنا بَينَنا شَديدًا. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أحسَنَه. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.