🕌 نَجاةُ الصَّادِقِين.. وَأَوْهَامُ المُزَيَّفِين
#خطبة_جمعة #الصدق #الصحبة_الصالحة #كعب_بن_مالك #التوبة #أخلاق #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصِّدقَ مِنجاةً وبُرهاناً، وجَعَلَ الكَذِبَ مَهلَكَةً وخُسراناً. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، رَفَعَ قَدْرَ الصَّادقينَ في الدُّنيا، وأسكَنَهُم في الآخِرةِ أعلى الجِنان، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا ومُحمَّداً عبدُهُ ورَسولُه، الصَّادقُ المَصدوق، أصدَقُ النَّاسِ لَهجَةً وأطْهَرُهُم قَلباً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهم واقتَفى أثَرَهم إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
أيها الإخوةُ الأحبَّة، هل تَساءَلتُم يوماً: ما هو أشقُّ موقفٍ يمكن أن يَقِفَهُ إنسانٌ في حياتِه؟
ليسَ الوُقوفَ في سَاحاتِ القِتال، ولا الوُقوفَ أمامَ المَصائبِ الكُبرى.. بَل هو الوُقوفُ في مَوقفٍ تَقولُ فيه الحقيقةَ العَارِيَة، الحقيقةَ المُـرَّةَ التي قد تُكَلِّفُكَ سُمعَتَك، ومَكانَتَك، وربَّما كُلَّ ما تَملِك، وأنتَ تَعلَمُ عِلمَ اليَقين أنَّ كِذبَةً واحِدةً.. كِذبَةً صَغيرةً مُزَيَّفة، قَد تُنقِذُكَ من كُلِّ هذا العَناء!
في تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَة، يَسقُطُ الزَّيف، وتُمتَحَنُ المَعادِن، ويَظهَرُ الصَّادقُ مِن المُدَّعي.
واسمَعوا لِهذهِ الآيةِ التي إذا تَأمَّلتُموها لَن تَبقوا كَما كُنتُم، يقولُ رَبُّنا تباركَ وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة: 119].
تَأمَّلوا.. اللهُ عَزَّ وجَلَّ لم يَقُل "وكُونوا صادِقِين" فَحَسب، بل قال: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾! لِماذا؟ لأنَّ الصِّدقَ لَيسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تَقولُها، بل هو بِيئةٌ تَعيشُ فيها، وصُحبَةٌ تَختارُها، ومَنهَجُ حَياةٍ يَصبِغُ قَلبَكَ وقَالَبَك.
عبادَ الله، الصِّدقُ ليسَ مَحطَّةً نَمُرُّ بِها، بل هو الطَّريقُ كُلُّه. واسمَعوا لِهذهِ الكَلِماتِ التي خَرَجَت مِن فَمِ أصدَقِ مَن نَطَقَ بالضَّاد، حَيثُ يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا» (متفق عليه).
يَتَحَرَّى الصِّدق! أي أنَّهُ يَبحَثُ عَنهُ بالمِجهَر في نِيَّتِه، وفي كَلِمَتِه، وفي بَيعِه وشِرائِه، وفي غَضَبِه ورِضاه، حتَّى يَنالَ هذا الوِسامَ العَظيم: (صِدِّيقاً) عندَ الله.
وما قُرِّرَ في هذا الحَديث، صَدَّقَهُ الواقِعُ في قِصَّةٍ عَجيبةٍ، قِصَّةٍ هَزَّت تاريخَ الإسلامِ، وكانتِ السَّببَ المُباشِرَ لِنُزولِ آيةِ خُطبَتِنا اليَوم.
دعونا نَنتَقِل الآنَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرناً إلى الخَلف.. إلى المَدينةِ المُنَوَّرة. النَّبيُّ ﷺ يَعودُ مِن غَزوَةِ تَبوك ظَافِراً، وقد تَخَلَّفَ عَنهُ المُنافِقون. دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ المَسجِد، فَجاءَهُ المُخَلَّفون، يَحلِفونَ لهُ ويَعتَذِرون بِأعذارٍ واهِيَة، والنَّبيُّ ﷺ يَقبَلُ عَلانِيَتَهُم، ويَستَغفِرُ لَهم، ويَكِلُ سَرائِرَهُم إلى الله. كِذبٌ نَجَّاهُم في الدُّنيا، وأهلَكَهُم في الآخِرة.
ثُمَّ يَدخُلُ كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه. رَجُلٌ أُوتِيَ بَلاغَةً وقُوَّةً في الكَلام. تَبَسَّمَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ تَبَسُّمَ المُغضَب، وقال: «ما خَلَّفَك؟».
هُنا لَحظَةُ الذِّروَة! كَعبٌ يَعلَمُ أنَّهُ لَو كَذَب، لَنَجا. لَو قالَ: كُنتُ مَريضاً، أو ضَلَّت راحِلَتي، لَقَبِلَ النَّبيُّ ﷺ عُذرَه.
لكنَّ قَلبَ الصَّادِقِ انتَفَض، وقالَ كَلِمَةً خَلَّدَها التَّاريخ: «يا رَسولَ الله، إنِّي وَاللهِ لَو جَلَستُ عِندَ غَيرِكَ مِن أهلِ الدُّنيا، لَرَأيتُ أَنِّي سَأَخرُجُ مِن سَخَطِهِ بِعُذر، ولَقَد أُعطيتُ جَدَلًا (أي فَصاحَة)، ولَكِنِّي وَاللهِ لَقَد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ حَديثَ كَذِبٍ تَرضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِن حَدَّثتُكَ حَديثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ (أي تَغضَب)، إِنِّي لَأَرجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ.. وَاللَّهِ ما كانَ لي مِن عُذر!».
يا الله! أيُّ صِدقٍ هذا؟ «واللهِ ما كان لي مِن عُذر!». فَقالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: «أَمَّا هَذَا فَقَد صَدَق، فَقُم حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ».
وبَدَأتِ المِحنَة. أمرَ النَّبيُّ ﷺ الصَّحابَةَ بِمُقاطَعَةِ كَعبٍ وصاحِبَيه. تَخَيَّلوا، مَسجِدٌ بِأكمَلِهِ لا يُكَلِّمُه! يَمشي في الطُّرُقات، يُسَلِّمُ على أقرَبِ النَّاسِ إلَيه، بَل ويُسَلِّمُ على رَسولِ اللهِ ﷺ، فَلا يَدري هَل حَرَّكَ شَفَتَيهِ بِرَدِّ السَّلامِ أم لا؟ خَمسونَ يَوماً طَويلَة، حتَّى زَوجَتُهُ أُمِرَت باعتِزالِه.
يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ واصِفاً هذا الضِّيقَ المُرعِب: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [سورة التوبة: 118].
وفي قِمَّةِ هذا الضِّيق، تَأتيهِ رِسالَةٌ مِن مَلِكِ غَسَّان (مَلِكٍ كافِر)، يَقولُ لَه: «قَد بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قَد جَفاك، فَالحَق بِنا نُواسِك!». مِحنَةٌ داخِلَ المِحنَة! مُحاوَلَةٌ لاختِراقِ صِدقِهِ ووَلاءِه. فماذا فَعَلَ كَعب؟ أخَذَ الرِّسالَةَ وأحرَقَها في التَّنُّور.. لأنَّ الصِّدقَ مَعَ اللهِ لا يَتَجَزَّأ.
فَلَمَّا صَدَقوا.. وبَلَغَتِ القُلوبُ الحَناجِر، نَزَلَ الفَرَجُ مِن فَوقِ سَبعِ سَماوات. وتَقَدَّمَ النَّبيُّ ﷺ ووَجهُهُ يَستَنيرُ كَأنَّهُ قِطعَةُ قَمَر، وقالَ لِكَعب: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ!». نَزَلَتِ التَّوبَة. وعَقِبَها مُباشَرَةً، جاءَ التَّوجيهُ الرَّبَّانيُّ الخالِدُ للأُمَّةِ كُلِّها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة: 119].
تَأمَّلوا مَعي يا عِبادَ الله، ألم يَقُل أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنه: "لَأَن يَضَعَني الصِّدقُ - وقَلَّ ما يَفعَل - أحَبُّ إلَيَّ مِن أن يَرفَعَني الكَذِبُ - وقَلَّ ما يَفعَل".
واللهِ، إنَّنا في أَمَسِّ الحَاجَةِ لِهذا المَعنى اليَوم. انظُروا إلى حالِنا.. كَم مِنَّا مَن يَكذِبُ كُلَّ يَومٍ لِيُحافِظَ على مَكانَتِهِ أمامَ مُديرِه؟ كَم مِنَّا مَن يَكذِبُ على زَوجَتِهِ وأبنائِهِ لِيَهرُبَ مِن المَسؤوليَّة؟
نَحنُ نَعيشُ اليَومَ في عَصرِ «الأقنِعَةِ المُزَيَّفة»، عَصرِ الشَّاشاتِ التي تُظهِرُ السَّعادَةَ وتُخفي الشَّقاء. أُناسٌ يَكذِبونَ لَيلَ نَهار لِيَجمَعوا إعجاباتٍ وَهمِيَّة في مَواقِعِ التَّواصُل. نَدَّعي أنَّنا نَملِكُ ما لا نَملِك، ونَتَظاهَرُ بِما لا نُبطِن! فأينَ نَحنُ مِن قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [سورة محمد: 21]؟
إنَّ الصِّدقَ لَيسَ صِفَةً ثانَوِيَّة، إنَّهُ مِعيارُ الإيمانِ وأساسُه. استَمِعوا إلى الإمامِ ابنِ القَيِّم رَحِمَهُ اللهُ كَيفَ يَصِفُ هذا المَقام، يَقول: "الصِّدقُ سَيفُ اللهِ في أرضِه، الذي ما وُضِعَ على شَيءٍ إلا قَطَعَه، ولا واجَهَ باطِلاً إلا أرداهُ وصَرَعَه، مَن صالَ بِهِ لَم تُرَدَّ صَولَتُه، ومَن نَطَقَ بِهِ عَلَت عَلى الخُصومِ كَلِمَتُه".
ومِن عَجائِبِ الدِّين، أنَّ القُرآنَ حينَ وَصَفَ الصَّفوةَ المُختارَةَ مِن عِبادِ الله، لم يَصِفهُم بِكَثرَةِ الصَّلاةِ ولا الصِّيام، بَل وَصَفَهُم بالصِّدق! يقول جل وعلا: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [سورة الأحزاب: 23].
وقالَ سُبحانَهُ في بَيانِ جَزائِهِم يَومَ القِيامة: ﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة المائدة: 119].
أيُّها الإخوة، الصِّدقُ طُمَأنِينَةٌ عَجيبة، والكَذِبُ رِيبَةٌ وقَلَق. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» (رواهُ التِّرمذي). المُخادِعُ والكَذَّابُ يَعيشُ في جَحيمٍ داخِليّ، يَخافُ دائِماً أن يَنكَشِفَ أَمْرُه، ويَحتاجُ لِكِذبَةٍ أُخرى لِيُدارِيَ بِها الأولى، ثُمَّ ثالِثَة، حتَّى يُبنَى لَهُ سِجنٌ مِنَ الزَّيفِ لا يَستَطيعُ الخُروجَ مِنه!
وَقَفَ الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنبَل رَحِمَهُ اللهُ أيَّامَ المِحنَة، والسَّيفُ مُسَلَّطٌ على عُنُقِه، والعُلَماءُ يُجلَدون. قيلَ لَه: قُل كَلِمَةً واحِدَة، قُلْها تقيَّةً (أو تَورِيَةً) لِتَنجوَ بِنَفسِك! فَكانَ جَوابُهُ الذي حَفِظَ للإسلامِ هَيبَتَه: "إذا سَكَتَ العالِمُ تَقِيَّة، والجاهِلُ يَجهَل، فَمَتى يُعرَفُ الحَقُّ؟". صَدَقَ اللهَ فَرَفَعَ ذِكرَهُ حَتَّى يُبعَث! وكان الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "إنَّ مِن عَلامَةِ الصِّدقِ أن تَكونَ كَلِمَتُكَ وعَمَلُكَ وسَريرَتُكَ واحِدة".
فيا مَنِ اعتادَ على تَلوينِ الكَلِماتِ، وتَزويقِ الأعذار، ويا مَن يَعيشُ بوَجهٍ مَعَ أصدِقائِه ووُجوهٍ مَعَ عائِلَتِه.. متى آخِرُ مَرَّةٍ راجَعتَ فيها قَلبَك؟ هل سَألتَ نَفسَكَ يوماً: ماذا لَو جاءَني المَوتُ وأنا ألبَسُ قِناعاً مُزَيَّفاً لم أخلَعهُ بَعد؟
تُوبوا إلَى اللهِ توبَةً نَصوحاً، وارجِعوا إِليه رُجوعاً صَحيحاً، وعاهِدوا رَبَّكم على الصِّدقِ ظاهِراً وباطِناً.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمّا بعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَع حَقيقَةِ الصِّدق، وكَيفَ أنجاهُ اللهُ بِكَعبِ بنِ مالك رَضيَ اللهُ عَنهُ مِن أضْيَقِ المِحَن، وعَرَفنا كَيفَ أنَّ الصِّدقَ مَعَ اللهِ هو أساسُ النَّجاة، وأنَّ كُلَّ شَيءٍ مَبنيٍّ على زَيفٍ مَصيرُهُ إلى زَوال. والآن، إخوَتي، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمّ، السُّؤالِ العَمَلِيِّ الذي يَجِبُ أن نَخرُجَ بِه: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا في واقِعِنا وحَياتِنا المُعاصِرة؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): كُن صادِقاً مَعَ اللهِ في خَلَواتِك، فَإنَّ النِّفاقَ يَبدَأُ حِينَ يَتَجَمَّلُ العَبدُ للخَلقِ ويَنسى الخالِق. يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر: 19]. والخُطوَةُ العَمَليَّة: اللَّيلَة، وفي ظُلمَةِ غُرفَتِك، قُم وافعَل طاعَةً واحِدَةً (سَجدَةً أو دَمعَةً أو دُعاءً) لا يَعلَمُ بِها أحَدٌ في الأرضِ سِوى الله، لِتَكونَ خَبيئَةَ صِدقٍ بَينَكَ وبَينَه.
الثانية (لِسانيَّة): طَهِّر لِسانَكَ مِن أوهامِ "الكِذبَةِ البَيضاء" أو الكَذِبِ مِن أجلِ الضَّحِك والمُزاح! فهذهِ الثَّغَراتُ تُفسِدُ القُلوب. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» (رواهُ أبو داود). والخُطوَةُ العَمَليَّة: عاهِد نَفسَكَ اليَومَ فَقَط ألَّا تَنطِقَ بِحَرفٍ يُخالِفُ الحَقيقَة، حتَّى ولَو كُنتَ مازِحاً أو مُجامِلاً.
الثالثة (عَمَليَّة): الصِّدقُ في البَيعِ والشِّراءِ والعَمَل! قَد تَكذِبُ لِتَبيعَ سِلعَتَك، فَتَكسِبَ مالاً وتَخسَرَ البَرَكة. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (متفق عليه). والخُطوَةُ العَمَليَّة: في مِهَنَتِك، لا تُخفِ عَيباً في سِلعَة، ولا تُزَوِّر تَقريراً لِتُرضِيَ مَسؤولاً.. فَرزقُكَ بِيَدِ الله، لا بِيَدِهِم.
الرابعة (اجتماعيَّة): الصِّدقُ مَعَ زَوجَتِكَ وأبنائِك. مَن مِنَّا لا يَكذِبُ على طِفلِهِ الصَّغيرِ لِيُسكِتَه؟ تَعَلَّموا أنَّ الطِّفلَ يَلتَقِطُ أفعالَكُم قَبلَ أقوالِكُم. والخُطوَةُ العَمَليَّة: لا تَعِد زَوجَتَكَ أو ابنَكَ بِوَعدٍ وأنتَ تُضمِرُ في قَلبِكَ أنَّكَ لَن تَفِيَ بِه. اجعَل كَلِمَتَكَ مِيثاقاً في بَيتِك.
الخامسة (موضوعيَّة): تَطبيقاً لِقَولِهِ تَعالى ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، راجِع مَن تُصاحِب، ومَن تُتابِع في مَواقِعِ التَّواصُل! الصُّحبَةُ المُزَيَّفةُ التَّافِهَةُ تَجرُّكَ إلى زَيفِها، قال ﷺ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (رواهُ أبو داود). والخُطوَةُ العَمَليَّة: اليَومَ، نَظِّف قائِمَةَ مَن تُتابِعُهُم، احذِف كُلَّ مَن يُرَوِّجُ للتَّفاهَةِ والزَّيفِ والأقنِعَة، ولا تَصطَحِب إلا مَن يُذَكِّرُكَ صِدقُهُ بِالله.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ تَقوى اللهِ هي التي تَحمِلُكُم على الصِّدقِ حِينَ يَكونُ الصِّدقُ جَمرَةً حارِقَة.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ قُلوباً صادِقَة، وألسِنَةً ذاكِرَة.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ الصَّادِقينَ الذينَ يَقولونَ الحَقَّ ولا يَخافونَ فيكَ لَومَةَ لائِم.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وأعيُنَنا مِنَ الخِيانَة، فَإنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدُور.
اللَّهُمَّ ارزُقنا صُحبَةَ الصَّادِقين الأبرار، ولا تَجعَلنا مِنَ المُخادِعينَ المُغْتَرِّين.
اللَّهُمَّ انصُر المُستَضعَفينَ مِنَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لَهم مُؤيِّداً ونَصيراً.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَأتيكَ يَومَ القِيامَةِ بِقَلبٍ سَليم، ويُحشَرُ في زُمرَةِ الصِّدِّيقينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحين، وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفيقا.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
نَجاةُ الصَّادِقِين.. وَأَوْهَامُ المُزَيَّفِين
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.