🕌 أعمارنا تُطوى.. اغتنم خمساً قبل خمس (وفضل يوم عرفة)
#خطبة_جمعة #اغتنام_الأوقات #الشباب #يوم_عرفة #محاسبة_النفس #إيمانيات #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ اللَّيلَ والنَّهارَ خِلفَةً لِمَن أرادَ أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكوراً، الحمدُ للهِ الذي طَوى الأعمارَ في صَحائفِ الأيَّام، وجَعَلَ الدُّنيا دارَ مَمَرٍّ ومَزرَعةً للآخِرة، ومَنحَنا مواسِمَ الخَيراتِ لِنَتَدارَكَ ما فاتَ ونَستَبِقَ إلى الجَنَّات. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، مالِكُ المُلكِ ومُقَدِّرُ الأوقات، وأشهَدُ أنَّ نبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ، أحرَصُ النَّاسِ على وَقتِهِ، وأعظَمُهُم بَرَكةً في عُمُرِه، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبَارَكَ عَليهِ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد:
عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكُم يوماً: ما هو أغلَى ما نَملِكُ في هذهِ الدُّنيا؟
ليسَ المالَ المَكنوزَ في المَصارِف، ولا المناصِبَ التي نَتَقاتَلُ عَليها، ولا القُصورَ التي نَبنيها لنَترُكَها. أغلى ما تَملِكُهُ — يا عبدَ الله — هو الشَّيءُ الوَحيدُ الذي إذا ذَهَبَ لا يَعودُ أبداً.. إنَّهُ "عُمُرُك". كلُّ يَومٍ يَمضي، يَأخُذُ مَعَهُ قِطعَةً مِنك. قالَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: «يا ابنَ آدَم، إنَّما أنتَ أيَّام، كُلَّما ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُك».
واسمَعوا لهذا التَّوجيهِ النَّبَويِّ العَظيم، الذي إذا تَأمَّلتَهُ لَن يَبقى حالُكَ كَما كان. نَصيحَةٌ غاليَةٌ مِن أصدَقِ مَن نَطَقَ بالضَّاد، يُوَجِّهُها لِكُلِّ شَابٍّ وكَهل، لِكُلِّ غَنيٍّ وفَقير. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغتَنِم خَمساً قَبلَ خَمس: شَبابَكَ قَبلَ هَرَمِك، وصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِك، وغِناكَ قَبلَ فَقرِك، وفَراغَكَ قَبلَ شُغلِك، وحياتَكَ قَبلَ مَوتِك» [رواه الحاكم وصححه الألباني].
تَأمَّلوا مَعي — يا أُمَّةَ مُحمَّد — كَلِمَةَ "اغتَنِم". النَّبيُّ ﷺ لَم يَقُل "استَمتِع"، ولَم يَقُل "عِش"، بَل قالَ "اغتَنِم". والغَنيمَةُ في اللُّغَةِ هي المَكسَبُ الباردُ الذي تَظفَرُ بهِ في أرضِ المَعرَكَة. فالدُّنيا مَعرَكَةٌ، والأيَّامُ غَنائم، والفائزُ مَن جَمَعَ أكبرَ قَدرٍ مِنها قَبلَ أن يُنادى بالرَّحيل.
الوَصيَّةُ الأولى: "شَبابَكَ قَبلَ هَرَمِك".
مَرحَلَةُ الشَّبابِ هي قِمَّةُ القُوَّةِ بَينَ ضَعفَين: ضَعفِ الطُّفولَةِ وضَعفِ الشَّيخوخَة. الشَّابُّ يَستَطيعُ أن يَصومَ الهَواجِر، ويَقومَ اللَّيالي، ويَضربَ في الأرضِ يَدعو إلى الله، ويَبذُلَ مِن طاقَتِه ما لا يَستَطيعُهُ الشَّيخُ الكَبير.
وقد قَرَّرَ العُلَماءُ أنَّ العِبادَةَ في مَرحَلَةِ الشَّبابِ أعظَمُ أجراً مِن غَيرِها، لِقُوَّةِ الدَّواعي وكَثرَةِ المُغريات ومُزاحَمَةِ الشَّهَوات. ولِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ مِنَ السَّبعَةِ الذينَ يُظِلُّهُم في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: «وشابٌّ نَشَأَ في عِبادَةِ الله». الشَّيخُ الكَبيرُ عادَةً يَأوي إلى المَسجِد، أمَّا الشَّابُّ الذي تَغلي الدِّماءُ في عُروقِه، وتَتَبَرَّجُ الدُّنيا أمامَ عَينَيه، فَيَترُكُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَقِفُ بَينَ يَدَي رَبِّه.. فهَذا هو البَطَلُ الحَقيقي.
فَيا أيُّها الشَّاب، أينَ تَصنَعُ شَبابَك؟ هل تُبليهِ في الشَّاشاتِ والسَّهَرِ على المَعاصي، أم تَجعَلُهُ رَصيداً لَكَ عِندَ الله؟
الوَصيَّةُ الثَّانية: "وصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِك".
كَم مِن صَحيحٍ مَشى عَلى قَدَمَيهِ يَومَهُ، فأمسى في غُرفَةِ العِنايَةِ لا يَستَطيعُ حِراكاً! كَم مِن قَويٍّ كانَ يُسَوِّفُ الصِّيامَ والقيام، فابتُليَ بِمَرَضٍ حَرَمَهُ مِن لَذَّةِ السُّجودِ على الأرض!
كانَ بَعضُ السَّلَفِ يَقول: "الصِّحَّةُ تاجٌ على رُؤوسِ الأصِحَّاءِ لا يَراهُ إلَّا المَرضى". فإن كُنتَ اليومَ تَستَطيعُ أن تَمشيَ إلى المَسجِد، وتَصومَ أيَّامَ النَّوافِل، فافعَل. لا تَقُل: غَداً.. فغَداً قَد تَكونُ الرَّغبَةُ مَوجودَةً والقُدرَةُ مَفقودَة.
الوَصيَّةُ الثَّالثة: "وغِناكَ قَبلَ فَقرِك".
المالُ ظِلٌّ زائل، وعاريَّةٌ مُستَرَدَّة. اليومَ بِيَدِك، وغَداً في يَدِ وَرَثَتِك. يقولُ اللهُ تَعالى مُحَذِّراً مِن ضَياعِ هذهِ الفُرصَة: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10]. لَم يَقُل "فَأُصَلِّي" بَل قالَ "فَأَصَّدَّق"، قالَ العُلَماء: ذَلِكَ لِما يَرى المُحتَضَرُ مِن عَظيمِ أثَرِ الصَّدَقَةِ عِندَ مَوتِه.
أعطِ مِن مالِكَ اليومَ وأنتَ صَحيحٌ شَحيح، تَخشى الفَقرَ وتَأمُلُ الغِنى، ولا تَنتَظِر حَتَّى تَبلوَغَ الرُّوحُ الحُلقوم.
الوَصيَّةُ الرَّابعَة: "وفَراغَكَ قَبلَ شُغلِك".
مَرَضُ هذا العَصرِ هو "الِانشِغالُ الدَّائم". الجَميعُ مَشغولون، والجَميعُ يَركُضون. ولَكِن حينَ نَتَأمَّل.. فيمَ نَحنُ مَشغولون؟
قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "إضاعَةُ الوَقتِ أشَدُّ مِنَ المَوت، لِأنَّ إضاعَةَ الوَقتِ تَقطَعُكَ عَنِ اللهِ والدَّارِ الآخِرَة، والمَوتُ يَقطَعُكَ عَنِ الدُّنيا وأهلِها".
كَم ساعَةً نَقضيها نُقَلِّبُ شاشاتِ الهَواتِفِ بِلا غايَة؟ ولو قيلَ لأحَدِنا: اجلِس مَعَ كِتابِ اللهِ نِصفَ ساعَة، لَقال: لَيسَ عِندي وَقت!
يَقولُ الشَّاعِرُ مُوقِظاً الغافِلين:
دَقَّاتُ قَلبِ المَرءِ قائلَةٌ لَهُ ... إنَّ الحَياةَ دَقائقٌ وثَوانِ
فارفع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها ... فالذِّكرُ للإنسانِ عُمرٌ ثانِ
الوَصيَّةُ الخامِسَة: "وحياتَكَ قَبلَ مَوتِك".
وهِيَ الجَامِعَةُ لِكُلِّ ما سَبَق. الحَياةُ هي سوقُ العَمَل، فإذا أُغلِقَت السُّوق، انقَطَعَ العَمَلُ وبَقِيَ الحِساب.
اسْتَمِعوا مَعي لِهَذِهِ القِصَّةِ المُبكيَةِ عَن عامِرِ بنِ عَبدِ قَيس، رَحِمَهُ الله، أحَدِ عُبَّادِ التَّابِعين. حِينَ حَضَرَتهُ الوَفاةُ، وَجَدوهُ يَبكي بُكاءً شديداً! قالوا لَهُ: ما يُبكيكَ يا عامِر؟ أتَجزَعُ مِنَ المَوت؟ أتَخافُ الحِساب؟ قالَ كَلِمَةً لا تَخرُجُ إلَّا مِن قَلبٍ عَرَفَ قيمَةَ العُمُر.. قال: "واللهِ ما أبكي جَزَعاً مِنَ المَوت، ولا حِرصاً على الدُّنيا، ولَكِن أبكي على ظَمَأ الهَواجِرِ، وقيامِ لَيلِ الشِّتاء!".
يَبكي لِأنَّهُ لَن يَستَطيعَ بَعدَ دَقائقَ أن يَصومَ في الأيَّامِ الحارَّة، ولَن يَستَطيعَ أن يُصَلِّيَ رَكعَتَينِ في لَيلَةٍ بارِدَة. عَرَفَ أنَّ الحَياةَ رَأسمالٍ لا يُعَوَّض.
عِبادَ الله.. إذا كانَ الحَديثُ الأوَّلُ قَد بَيَّنَ لَنا "الفُرصَة"، فإنَّ الحَديثَ الثَّاني يُبَيِّنُ لَنا "الحِساب".
الفُرصَةُ لا تَمرُّ مَجَّاناً، بَل عليها رَقابَةٌ دَقيقَة. واسمَعوا لِما رَواهُ التِّرمِذيُّ وصَحَّحَهُ الألباني، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تَزولُ قَدَما عَبدٍ يَومَ القيامَةِ حَتَّى يُسأَلَ عَن أربَع: عَن عُمُرِهِ فيمَا أفناه، وعَن شَبابِهِ فيمَا أبلاه، وعَن مالِهِ مِن أينَ اكتَسَبَهُ وفيمَا أنفَقَه، وعَن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيه».
تَأمَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ الرَّهيب.. "لا تَزولُ قَدَما عَبد".. السَّاحَةُ مَحشَرٌ مَهيب، والمَوقِفُ حِسابٌ دَقيق، والشَّمسُ دانِيَة. وأنتَ تُريدُ أن تَعبُرَ، تُريدُ أن تَتَحَرَّكَ، وَلَكِنَّ الأقدامَ مُسَمَّرَةٌ لا تَتَحَرَّك! موقوفٌ بَينَ يَدَي مَلِكِ المُلوك، حَتَّى تُجيبَ عَن هذهِ الأربَع.
السُّؤالُ الأوَّل: (عَن عُمُرِهِ فيما أفناه). سُؤالٌ عامٌّ عَن كُلِّ لَحظَةٍ مُنذُ البُلوغِ حَتَّى خُروجِ الرُّوح. كَيفَ مَرَّت أيَّامُك؟ كَيفَ قَضَيتَ لَياليك؟
السُّؤالُ الثَّاني: (وعَن شَبابِهِ فيمَا أبلاه).
وهُنا يَقِفُ طُلَّابُ العِلمِ والمُتَأمِّلون.. لِماذا خَصَّ الشَّبابَ بالسُّؤالِ وقَد دَخَلَ في السُّؤالِ الأوَّلِ عَنِ العُمُر؟
هَذا مِن بابِ عَطفِ الخاصِّ على العامِّ لِأهَمِّيَّتِه. العُمُرُ كُلُّهُ مَسؤولٌ عَنه، ولَكِنَّ فَترَةَ الشَّبابِ لَها حِسابٌ مُزدوَج، لِأنَّها مَرحَلَةُ القُوَّةِ والعَطاء. ما عُذرُكَ يا شَاب إذا رَأيتَ أصحابَ العُكَّازاتِ يَسبِقونَكَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ وأنتَ نائم؟ ما عُذرُكَ وقَد وَهَبَكَ اللهُ عَيناً قَويَّة، وعَقلاً مُتَوَقِّداً، وجَسَداً صَحيحاً، فَسَخَّرتَ ذَلِكَ في مُتابَعَةِ التَّوافِهِ ومُقاطِعِ اللَّهو، وتَرَكتَ مُصحَفَكَ يَعلوهُ الغُبار؟
السُّؤالُ الثَّالث: (وعَن مالِهِ مِن أينَ اكتَسَبَهُ وفيمَا أنفَقَه).
المالُ هُوَ الشَّيءُ الوَحيدُ الذي يُسألُ عَنهُ العَبدُ سُؤالَين: مِن أين؟ وإلى أين؟
لَيسَ الفَخرُ أن تَجمَعَ المِليارات، بَلِ الفَخرُ أن تَأتِيَ يَومَ القيامَةِ بِمالٍ حَلالٍ أنفَقتَهُ في حَلال. فَيا وَيلَ مَن جَمَعَهُ مِن غِشٍّ، أو رِبا، أو رِشوَة، ثُمَّ تَرَكَهُ لِوَرَثَتِهِ يَتَنَعَّمونَ بِه، وَيُحاسَبُ هُوَ في قَبرِه!
السُّؤالُ الرَّابع: (وعَن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيه).
كَم سَمِعنا مِنَ الخُطَب؟ كَم حَفِظنا مِنَ الآيات؟ نَحنُ لا نَشكُو نَقصاً في العِلمِ والمَعرِفَة، بَل نَشكُو شَلَلاً في العَمَل. العِلمُ حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيك، ولِذَلِكَ كانَ عَذابُ العالِمِ الذي لا يَعمَلُ بِعِلمِهِ أسبَقَ وأشَدّ.
كانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ يَقول: "ما نَدِمتُ عَلى شَيءٍ نَدَمي على يَومٍ غَرَبَت شَمسُه، نَقَصَ فيهِ أجَلي، ولَم يَزِد فيهِ عَمَلي".
يَتَحَسَّرُ الصَّحابيُّ عَلى يَومٍ لَم يَزدَد فيهِ عَمَلُه، فَماذا نَقولُ نَحنُ عَن أيَّامٍ وسَنواتٍ ذَهَبَت في اللَّهوِ والغَفلَة؟!
أخوتي الأحبَّة.. إنَّ اللهَ تَعالى برَحمَتِه، جَعَلَ لَنا مَحَطَّاتٍ نَغسِلُ فيها ذُنوبَ هذا العُمُر، ومَواسِمَ نَستَدرِكُ فيها ما فات. ونَحنُ اليومَ نَعيشُ في أظلالِ أيَّامٍ عَظيمَة، ونَقترِبُ مِن يَومٍ هُوَ مِن أعظَمِ أيَّامِ الدُّنيا.. إنَّهُ "يَومُ عَرَفَة".
هذا اليَومُ الذي قالَ فيهِ النَّبيُّ ﷺ: «ما مِن يَومٍ أكثَرَ مِن أن يُعتِقَ اللهُ فيهِ عَبداً مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَة» [رواه مسلم].
هوَ اليَومُ الذي يَدنو فيهِ الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ مِن عِبادِه، فَيُباهي بِهِمُ المَلائكَة، يَقُول: انظُروا إلى عِبادي أَتَوني شُعثاً غُبراً، يُريدونَ رَحمَتي.
يَومُ عَرَفَةَ لَيسَ لِلحُجَّاجِ فَقَط، بَل هو فُرصَةُ العُمُرِ لِكُلِّ مُسلِمٍ في بِقاعِ الأرض. مَن صامَهُ — كَما أخبَرَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ — كُفِّرَت عَنهُ ذُنوبُ سَنَتَين: سَنَةٍ ماضِيَة، وسَنَةٍ باقِيَة! أرأيتم عُمُراً يُبارَكُ فيهِ كَهذا؟! تَصومُ عِدَّةَ ساعات، فَيُغفَرُ لَكَ خَطايا أربَعٍ وعِشرينَ شَهراً.
كانَ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رَحِمَهُ اللهُ واقِفاً بِعَرَفَة، فَنَظَرَ إلى بُكاءِ النَّاسِ وتَضَرُّعِهِم، فَبَكى بُكاءً شديداً، وقَبَضَ عَلى لِحيَتِهِ ورفع رأسه إلى السماء وقال كَلِمَةً تَقطَعُ القُلوب: "وا سَوأَتاهُ وَإِنْ عَفَوت!". يَبكي خَجَلاً مِن تَقصيرِهِ في عُمُرِهِ حَتَّى وإن غَفَرَ اللهُ لَه. فكَيفَ بِمَن لا يَبكي، ولا يَستَغفِر، ولا يَصوم، ويُمضي يَومَ عَرَفَةَ نائِماً أو لاهِياً في الأسواق؟!
بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبَارَكَ عَليه، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ قِيمَةِ العُمُرِ وكَيفَ أنَّهُ رَأسمالِ المُؤمِن، وتَأمَّلنا الخَمسَ التي أمَرَنا النَّبيُّ ﷺ باغتِنامِها، والأربَعَ التي سَنُسألُ عَنها قَبلَ أن تَزولَ أقدامُنا، وكَيفَ أنَّ اللهَ جَعَلَ لَنا مِن يَومِ عَرَفَةَ مَحَطَّةً لِغَسلِ ذُنوبِ السِّنين. والآن أيُّها الأحبَّة، السُّؤالُ الأكثَرُ إلحاحاً: كَيفَ نُحَوِّلُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَعيشُه؟ كَيفَ نَستَقبِلُ أفضَلَ أيَّامِ الدُّنيا؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، نَستَثمِرُ بِها ما بَقِيَ مِن أعمارِنا في هذا المَوسِمِ العَظيم:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد تَوبَتَكَ اليومَ ومَعَ إشراقَةِ يَومِ عَرَفَة. صَفِّ قَلبَكَ مِن شَوائبِ الدُّنيا. إن كانَ في قَلبِكَ كِبرٌ أو حَسَدٌ أو إصرارٌ عَلى مَعصِيَة، فانتَزِعهُ الآن. فإنَّ اللهَ يَطَّلِعُ على القُلوبِ يَومَ عَرَفَة، فاستَحيِ أن يَنظُرَ اللهُ في قَلبِكَ فَيَرى فيهِ غيرَه أو يَرى فيهِ إصراراً على قَبيح.
الثَّانية (لِسانيَّة): رَطِّب لِسانَكَ في يَومِ عَرَفَةَ بِأفضَلِ الدُّعاء. قالَ ﷺ: «خَيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يَومِ عَرَفَة، وخَيرُ ما قُلتُ أنا والنَّبيُّونَ مِن قَبلي: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمد، وهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدير». اجعَل هذهِ الكَلِماتِ وِردَكَ طَوالَ اليَوم، وأكثِر مِنَ التَّكبيرِ والذِّكر.
الثَّالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): بَيِّتُوا النِّيَّةَ مِن هَذِهِ اللَّحظَةِ عَلى صِيامِ يَومِ عَرَفَة. لا تَجعَلوهُ يَمُرُّ مِثلَ أيِّ يَوم. الصِّيامُ فيهِ يَومٌ واحِدٌ فَقَط، ويَدفَعُ عَنكَ ذُنوبَ سَنتَين. أيُّ تِجارَةٍ أربَحُ مِن هَذِه؟ أيقِظوا أهلَكُم وأبناءَكُم، وشَجِّعوهُم على صِيامِه، واعكُفوا بَعدَ العَصرِ حَتَّى المَغرِبِ في مُصَلَّاكُم، فَهيَ ساعَةُ العِتقِ الكُبرى.
الرَّابعة (اجتِماعيَّة): طَهِّروا سِجِلَّاتِكُم مِنَ الخُصوماتِ والمُقاطَعات قَبلَ أن تَقِفوا بَينَ يَدَيِ اللهِ بالدُّعاء. إن كانَ بَينَكَ وبَينَ أرحامِكَ قَطيعَة، أو بَينَكَ وبَينَ أخيِكَ خُصومَة، فبادِر أنتَ بالسَّلام. المُتَخاصِمانِ تُوقَفُ أعمالُهُما ويُقال: «أنظِروا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحا». لا تَجعَل صِيامَكَ ودُعاءَكَ يَومَ عَرَفَةَ مَحجوباً بِسَبَبِ قَطيعَةِ رَحِمٍ أو حِقدٍ عَلى مُسلِم.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): ضَع في يَومِ عَرَفَةَ خُطَّةً لِما بَقِيَ مِن شَبابِكَ وعُمُرِك. اكتُب دَعَواتِكَ في وَرَقَة.. ادعُ اللهَ أن يُبارِكَ في وَقتِك، وأن يَرزُقَكَ عَمَلاً صالِحاً تَنفَعُ بِهِ أمَّتَك. اجعَل يَومَ عَرَفَةَ مِيلاداً جَديداً لَك، تَتَخَلَّى فيهِ عَن كُلِّ عادَةٍ سَيِّئَة، وتَبدَأُ فيهِ طَريقاً واضِحاً نَحوَ الجَنَّة.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعرِفوا لِلعُمُرِ قَدرَه، وللأيَّامِ الفاضِلَةِ حَقَّها، فَإنَّ السِّياقَ سَريع، والمَوتَ يَأتي بَغتَة، والصُّنُدوقَ يُغلَقُ بِلا سابِقِ إنذار.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَلَيهِ فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين، وارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدين، أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وعَليّ، وعَن سائرِ الصَّحابَةِ والتَّابِعين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَغتَنِمونَ أعمارَهُم في طاعَتِك، ولا تَجعَلنا مِمَّن أضاعوا شَبابَهُم في الغَفلَةِ وسوءِ العَمَل.
اللَّهُمَّ بارِك لَنا في أسماعِنا وأبصارِنا وقُوَّاتِنا أبَداً ما أحيَيتَنا، واجعَلهُ الوارِثَ مِنَّا، ولا تَجعَل مُصيبَتَنا في دينِنا.
اللَّهُمَّ اجعَل حَياتَنا زِيادَةً لَنا في كُلِّ خَير، ومَوتَنا راحَةً لَنا مِن كُلِّ شَرّ.
اللَّهُمَّ بَلِّغنا يَومَ عَرَفَة، واجعَلنا فيهِ مِنَ المَقبولينَ الفائزين. اللَّهُمَّ أعتِق رِقابَنا ورِقابَ آبائنا وأمَّهاتِنا مِنَ النَّار.
اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعفُ عَنَّا.
اللَّهُمَّ ارزُقنا فِيهِ دُعاءً مُستَجاباً، وعَمَلاً صالِحاً مَرفوعاً، وتَوبَةً مَقبولَةً نَصوحاً تَمحو بِها ما سَلَفَ مِن ذُنوبِنا وتَستُرُ بِها عُيوبَنا.
اللَّهُمَّ كُن لِإخوانِنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لِأهلِ فِلِسطينَ وغَزَّة، اللَّهُمَّ انصُرهُم نَصراً مُؤَزَّراً، واربُط عَلى قُلوبِهِم، وانزِلِ السَّكينَةَ عَلَيهِم، واحقِن دِماءَهُم يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
اللَّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح أحوالَ المُسلِمينَ عامَّة، واجمَع كَلِمَتَهُم على التَّقوى والهُدى.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.