🕌 سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَة... سِرُّ اللَّحْظَةِ الفَاصِلَة
#خطبة_جمعة #المبادرة #علو_الهمة #سبقك_بها_عكاشة #اغتنام_الفرص #المسارعة_في_الخيرات #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ المُسارَعَةَ إلى مَرضاتِهِ دَأبَ الصَّالحين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ أبوابَ الخَيرِ مَفتوحةً للسَّاعين، وأغلقَها دونَ المُتَرَدِّدين والمُسَوِّفين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُبادِرينَ، وقُدوةُ السَّابقين المُقَرَّبين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا معي مَشهداً عَجيباً: بابٌ عظيمٌ من أبوابِ الجنَّةِ يُفتَحُ لثوانٍ مَعدودة... رَجُلٌ واحدٌ لَمَحَ البابَ فانتَفَضَ واقفاً وقَفَزَ إليه فَخَطَفَ المَنزلة، ورَجُلٌ آخَرُ تَرَدَّدَ لَحظةً واحدةً، فكَّرَ، ثمَّ قامَ ليَلحَقَ بالأوَّل، فإذا بالبابِ قد أُغلِق، وإذا بالنِّداءِ يَأتيه: "لقد سُبِقتَ!". هذه اللحظةُ الفارقةُ بينَ الفوزِ والخَسارة، بينَ السَّبقِ والنَّدم، ليست قِصَّةً من نَسجِ الخَيال، بل هي حَقيقةٌ وَقَعَت في مجلسِ رَسولِ اللهِ ﷺ، حَقيقةٌ تَختَصِرُ لنا سِرَّ النَّجاحِ في الدُّنيا والآخرة. فما هو هذا السِّر؟ وكيف نَخطَفُ الفُرَصَ قبلَ فَواتِها؟ الجوابُ بَعدَ قليل.
أيُّها المسلمونَ، أيُّها الأحِبَّة، نحنُ نَعيشُ في دُنيا لا تَعرِفُ التَّوَقُّف، الأيَّامُ فيها تَمضي كَالسِّهام، والعُمُرُ يَتَسَرَّبُ من بينِ أيدينا كَما يَتَسَرَّبُ الرَّملُ من قَبضَةِ اليَد. وفي خِضَمِّ هذا الرَّكضِ المُتَواصِل، تَمُرُّ بنا نَفَحاتٌ رَبَّانيَّة، وفُرَصٌ سَماويَّة، وأبوابٌ تُفتَحُ فجأةً لِعَمَلٍ صالِح، أو تَوبةٍ صادِقَة، أو صِلَةِ رَحِم، أو بابِ رِزقٍ أُخرَويّ. المُشكِلَةُ الكُبرى، والإعاقَةُ العُظمى التي تُدَمِّرُ حَياتَنا ومُستَقبَلَنا عِندَ الله، هي مَرَضٌ خَفيٌّ اسمُهُ "التَّسويف والانتِظار".
اللهُ جَلَّ جَلالُهُ لَم يَأمُرنا في القُرآنِ الكَريمِ بِمُجَرَّدِ "فِعلِ" الخَير، بل أمَرَنا بما هو أبعَدُ وأعمَق. استَمِعوا وتَدَبَّروا كيفَ اختارَ اللهُ الألفاظَ في كِتابِه، يَقولُ سُبحانَهُ وتَعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. لَم يَقُل "امشوا"، بل قال: ﴿وَسَارِعُوا﴾! وفي مَوضِعٍ آخَرَ يَأمُرُنا ربُّنا تَبارَكَ وتَعالى بما هو أَعظَمُ من المُسارَعَة، يَقولُ جَلَّ وعَلا: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21]. المُسابَقَةُ تَقتَضي وُجودَ مُنافِسين، تَقتَضي أن تنظُرَ إلى مَن حَولَك وتَحرِصَ ألَّا يَسبِقَكَ أحَدٌ إلى الله.
ويَقولُ سُبحانَهُ واصِفاً صَفوةَ خَلقِه وأَنبِيائِه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]. المسارعة... هذه هي سِمَةُ الأنبياء. فما الذي جَعَلَنا نحنُ — ونحنُ أفقَرُ النَّاسِ إلى الحَسَناتِ — نَمشي الهُوَينى، ونُؤَجِّلُ التَّوبَة، ونُؤَخِّرُ العَمَل، وكأنَّنا ضَمِنَّا أعمارَنا، أو أخَذنا عَهداً من المَوتِ ألَّا يَزورَنا إلا بَعدَ أن نَفرَغَ من مَشاغِلِنا؟!
دَعونا نَرجِع إلى المَشهَدِ العَظيمِ الذي ألمَحتُ إليكم بِهِ في بِدايةِ خُطبَتي. المَشهَدُ الذي يَرويهِ لنا ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُما في الحَديثِ المُتَّفَقِ على صِحَّتِه. جَلَسَ النَّبيُّ ﷺ يوماً بَينَ أصحابِه، يُحَدِّثُهُم عن رُؤيا عَظيمَةٍ رآها للأُمَمِ يَومَ القِيامَة. فَذَكَرَ أنَّهُ رأى أُمَّتَهُ قَد سَدَّتِ الأُفُقَ من كَثرَتِهم. ثمَّ ألقى إليهم بالبِشارَةِ الكُبرى، قالَ ﷺ: «ومَعَهُم سَبعونَ ألفاً يَدخُلونَ الجنَّةَ بِغَيرِ حِسابٍ ولا عَذاب».
اللهُ أكبَر! سَبعونَ ألفاً يَتَخَطَّونَ المَحشَر، والميزان، والصِّراط، وتَطايُرَ الصُّحُف، يَدخُلونَ الجنَّةَ دُفعَةً واحِدَةً بِلا حِسابٍ ولا عَذاب. وسَكَتَ النَّبيُّ ﷺ ودَخَلَ مَنزِلَه.
تَخَيَّلوا حَجمَ الذُّهولِ في المَجلِس. الصَّحابَةُ بَدَؤوا يَخوضونَ ويَتَساءَلون: مَن هُم هؤلاء؟ هل هُمُ الذينَ وُلِدوا في الإسلام؟ هل هُمُ الذينَ صَحِبوا رَسولَ الله؟ باتوا لَيلَتَهُم في قَلَقٍ وشَوق، كُلُّ واحِدٍ مِنهُم يَطيلُ التَّفكير: هل أنا مِنهُم؟
فَلَمَّا خَرَجَ عليهمُ النَّبيُّ ﷺ الصَّباحَ، أخبَرَهم بصِفاتِهم وقال: «هُمُ الذينَ لا يَستَرقون، ولا يَتَطَيَّرون، ولا يَكتَوون، وعلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلون».
في تِلكَ اللَّحظَةِ بالذَّات، وفي ذَلِكَ الكَسرِ من الثَّانِيَة، قَبضَ رَجُلٌ واحِدٌ من بَينِ الجُموعِ على الفُرصَةِ قَبلَ أن تَطير. رَجُلٌ اسمُهُ عُكَّاشَةُ بنُ مِحصَن رَضيَ اللهُ عَنه. لَم يَلتَفِت يَميناً ولا شِمالاً، لَم يَقُل في نَفسِهِ: "في المَجلِسِ أبو بَكرٍ وعُمَرُ وهُم أفضَلُ مِنِّي فلأنتَظِر حتَّى يَقوموا". لَم يَقُل: "أنا أقلُّ من هذه المَنزِلَة". بل وَثَبَ واقِفاً كالسَّهم، وقالَ بِصَوتٍ يَملَؤُهُ اليَقين: "يا رَسولَ الله، ادعُ اللهَ أن يَجعَلَني مِنهُم!".
فَنَظَرَ إليهِ النَّبيُّ ﷺ وقضى لهُ بِها في لَحظَتِها، وقالَ: «أنتَ مِنهُم».
يا لَلَهِ العَجَب! كَلِمَتان: "أنتَ مِنهُم". كَلِمَتانِ حَسَمَتا مَصيرَ رَجُلٍ إلى الأبَد، كَلِمَتانِ ضَمِنَ بِهِما أعظمَ دَرَجاتِ الجنَّةِ بِلا مِحنةٍ ولا حِساب. بِماذا نالَها؟ نالَها بالمُبادَرَة. نالَها لأنَّهُ لَم يُفَكِّر مَرَّتَين حينَ لاحَت لَهُ الفُرصَة.
ولَكِنَّ المَشهَدَ لَم يَنتَهِ هُنا. لَمَّا سَمِعَ رَجُلٌ آخَرُ ما حَصَل، وفَهِمَ سُهولَةَ الطَّلَب، قامَ مُتَأخِّراً، وقال: "يا رَسولَ الله، ادعُ اللهَ أن يَجعَلَني مِنهُم". فَماذا كانَ الجَوابُ النَّبَويُّ الحَاسِم؟ قالَ لَهُ ﷺ: «سَبَقَكَ بِها عُكَّاشَة».
اللهُ أكبَر! «سَبَقَكَ بِها عُكَّاشَة»! كَلِمَةٌ تَرِنُّ في أُذُنِ الزَّمان. كَلِمَةٌ تُعلِّمُنا أنَّ الفُرَصَ لا تَنتَظِرُ المُتَرَدِّدين. أبوابُ الفَضلِ تُفتَحُ لِلَحظَة، فَإن لَم تَكُن مُستَعِدّاً لِلقَفز، أُغلِقَت دونَك. الرَّجُلُ الثَّاني طَلَبَ نَفسَ الطَّلَب، بِنَفسِ الكَلِمات، ولِنَفسِ النَّبي، لَكِنَّ الفَرقَ كانَ في "التَّوقيت".
يَقولُ الإمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في شَرحِ هذا الحَديث: "وفي هذا فَضلُ عُكَّاشَةَ، وفَضلُ المُبادَرَةِ إلى الخَيرِ قَبلَ فَواتِه". ويَقولُ بَعضُ العُلَماء: إنَّما مَنَعَهُ النَّبيُّ ﷺ لِئَلَّا يُفتَحَ البابُ لِمَن لا يَستَحِقُّ، ولِئَلَّا يَقومَ مُنافِقٌ فَيَطلُبها. فَكانَ الجَوابُ النَّبَويُّ درعاً لِحِمايَةِ المَقام، وتَكريماً لِمُبادَرَةِ الأوَّل.
أيُّها المُسلِمون، كَم مَرَّةً في حَياتِنا سَمِعنا صَدى هَذِهِ الكَلِمَة: "سَبَقَكَ بِها عُكَّاشَة" ونحنُ لا نَشعُر؟
كَم مَرَّةً جِئتَ إلى المَسجِدِ مُتَأخِّراً، فَنَظَرتَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ فَوَجَدتَهُ مُكتَمِلاً، فَوَقَفتَ في الصَّفِّ الثَّاني والثَّالث؟ لِسانُ حالِ المَلائِكَةِ يَقولُ لك: "سَبَقَكَ بِها عُكَّاشَة"! لقد سَبَقَكَ رِجالٌ جاؤوا مُبَكِّرين.
كَم مَرَّةً رَأيتَ مَشروعاً خَيرِيّاً، أو حالَةً مُحتاجَة، أو باباً للإنفاق، فقُلتَ في نَفسِك: "سَأَتَبَرَّعُ غَداً"، فَلَمَّا جاءَ الغَد، وجَدتَ المُحتاجَ قَد أُغنِي، والمَشروعَ قَد اكتَمَل؟ فَقَدتَ الأجرَ لأنَّ غَيرَكَ قَد سَبَقَك!
يَقولُ الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ الله: "الخَيرُ في تَعجيلِ العَمَل، فإذا هَمَمْتَ بِخَيرٍ فَبادِر بِه، فَإنَّكَ لا تَدري ما يَعْرِضُ لَك". وهَذِهِ الكَلِمَةُ نِبراسٌ حَقيقيّ. أنتَ لا تَدري ما يَعرِضُ لك! قَد تَهمُّ بِصِيامِ الغَد، فَيَأتيكَ مَرَضٌ يُقْعِدُك. قَد تَهمُّ بِزِيارَةِ رَحِمِك، فَيَسبِقُ المَوتُ إليك أو إليهِم.
تَأمَّلوا مَعي سِيَرَ الصَّالِحين، كَيفَ كانَت نَظرَتُهُم لِهَذِهِ الدُّنيا. هُم لَم يَرَوها دارَ استِقرار، بَل مِضمارَ سِباق. أخرَجَ التِّرمِذيُّ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ قال: أمَرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ أن نَتَصَدَّق، فَوافَقَ ذَلِكَ عِندي مالاً، فقُلتُ: اليومَ أسبِقُ أبا بَكرٍ إن سَبَقتُهُ يَوماً! فَجِئتُ بِنِصفِ مالي، فقالَ ﷺ: «ما أبقَيتَ لِأهلِك؟» قُلتُ: مِثلَهُ. وأتى أبو بَكرٍ بِكُلِّ ما عِندَهُ، فقالَ ﷺ: «يا أبا بَكرٍ، ما أبقَيتَ لِأهلِك؟» قال: أبقَيتُ لَهُمُ اللهَ ورَسولَه. عِندَها أدرَكَ عُمَرُ الحَقيقَة، فقالَ كلمَتَهُ الشَّهيرَة: "واللهِ لا أسبِقُهُ إلى شَيءٍ أبداً!".
هَذا هو السِّباقُ المَشروع! يَقولُ سُبحانَهُ وتَعالى عَن أَمثالِ هَؤلاء: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11]. المَنزِلَةُ العُليا عِندَ اللهِ لَيست لِمَن سارَ، بل لِمَن سَبَق. ويَقولُ جَلَّ جَلالُهُ مُحَفِّزاً الهِمَم: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
ويَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "مَن نافَسَكَ في دينِكَ فَنافِسه، ومَن نافَسَكَ في دُنياكَ فَألقِها في نَحرِه!". هذه هي الرُّجولَةُ الحَقيقيَّة، هَذا هو العُلوُّ. أمَّا أن نَتَنافَسَ في مَقاعِدِ الدُّنيا، وفي الماركات، وفي المَراكِب والمَساكِن، ثُمَّ إذا جاءَ أمرُ الآخِرَةِ قُلنا: "رَحْمَةُ اللهِ واسِعَة"... فهَذا هو الغُرورُ والغَفلة.
يا مَن تَسمَعُني الآن، اسأل نَفسَك بِصِدق: كَم مَرَّةً هَمَمتَ أن تَقومَ في جَوفِ اللَّيلِ لِتُصَلِّيَ رَكعَتَين، فَأتاكَ الشَّيطانُ فَقال: "الَّليلُ طَويلٌ، ارقُد قَليلاً"، فاستَجَبتَ لَهُ، فَلَم تَستَيقِظ إلا ومَلائِكَةُ النَّهارِ قَد صَعِدَت بِصُحُفِ المُتَهَجِّدينَ وأنتَ في الفِراش غارِق؟ لقد سَبَقَكَ العُبَّاد!
كَم مَرَّةً حَدَّثتَكَ نَفسُكَ أن تَترُكَ هَذا الذَّنب، وهَذِهِ المَعصِيَةَ السِّرِّيَّةَ التي لا يَعلَمُها إلَّا الله، فقُلتَ: "غَداً أتوب، الأُسبوعَ القادِمَ أنتَهي"، ثُمَّ مَرَّ الأُسبوعُ والشَّهرُ وأنتَ مُقيمٌ على قاذوراتِكَ الذَّنبِيَّة؟
يَقولُ العَلَّامَةُ ابنُ الجَوزيِّ رَحِمَهُ الله: "إيَّاكُم والتَّسويف؛ فَإنَّهُ أغلَبُ جُندِ إبليس". الشَّيطانُ لا يَأتيكَ في الغالِبِ لِيَقولَ لكَ: "لا تُصَلِّ، لا تَتُب". هُوَ أذكى من هَذا! بَل يَأتيكَ فَيَقول: "صَلِّ وتُب لَكِن لَيسَ الآن... غَداً". لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ غَداً يَومٌ لا يَأتي أبداً.
واسمَعوا لِهَذا المَثَلِ الشِّعريِّ البَديع، الذي نَظَمَهُ بَعضُ الصَّالِحين ليُذَكِّرَ نَفسَهُ ويُذَكِّرَنا بِقانونِ السَّبقِ واغتِنامِ اللَّحَظات. إنَّ الرِّياحَ إذا هَبَّت لا تَدوم، كَذَلِكَ رِقَّةُ القَلبِ ونَفَحاتُ الإيمان. يَقولُ الشَّاعِر:
إذا هَبَّت رِياحُكَ فَاغتَنِمها ... فَإنَّ لِكُلِّ خافِقَةٍ سُكونُ
ولا تَغفُل عَنِ الإحسانِ فيها ... فَما تَدري السُّكونُ مَتى يَكونُ
وإن دَرَّت نِياقُكَ فَاحتَلِبها ... فَما تَدري الفَصيلُ لِمَن يَكونُ!
نَعَم يا عَبدَ الله! إذا هَبَّت رِياحُكَ... إذا رَقَّ قَلبُكَ في مَجلِسٍ كَهَذا، إذا دَمَعَت عَينُكَ من خَشيَةِ الله، إذا شَعَرتَ بِرَغبَةٍ عارِمَةٍ في التَّوبَة، فإيَّاكَ إيَّاكَ أن تُؤَجِّل! "فاغتَنِمها". قُم فَوراً، تُب في لَحظَتِك، تَصَدَّق في ساعَتِك، اعفُ عَمَّن ظَلَمَكَ الآن. فَإنَّ السُّكونَ قادِم. ذَلِكَ التَّحَفُّزُ الإيمانيُّ سَيَبرُدُ بَعدَ أن تَخرُجَ وتَختَلِطَ بِأهلِكَ وتَرى مَشاغِلَ الدُّنيا. فَاغتَنِمِ اللَّحظَةَ قَبلَ أن تَموتَ الفِكرَة.
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ كما في الحَديثِ الصَّحيحِ الذي رَواهُ الحاكِم: «اغتَنِم خَمساً قَبلَ خَمس: شَبابَكَ قَبلَ هَرَمِك، وصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِك، وغِناكَ قَبلَ فَقرِك، وفَراغَكَ قَبلَ شُغلِك، وحَياتَكَ قَبلَ مَوتِك». تأمَّلوا كَلِمَةَ «اغتَنِم»... الغَنيمَةُ هِيَ المَكسَبُ البارِدُ الذي يُؤخَذُ بِسُرعَة. كَأنَّ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ لك: حَياتُكَ وصِحَّتُكَ غَنيمَةٌ مَطروحَةٌ أمامَك، فإن لَم تَأخُذها أنت، سَرَقَها الزَّمانُ مِنك!
ولِتَروا المِثالَ المُعاصِرَ أمامَ أعيُنِكُم، انظُروا إلى حالِنا مَعَ هَواتِفِنا المَطوِيَّةِ في جُيوبِنا. الرَّجُلُ مِنَّا يَسمَعُ رَنَّةَ إشعارٍ واحِدَة، رِسالَةً في مَجموعَة، أو تَعليقاً على صورَة، فَيَنتَفِضُ من مَكانِه، ويَقطَعُ نَومَتَه، ويَترُكُ طَعامَه، لِيُسارِعَ بالرَّدِّ والتَّفاعُل. لا يُؤَجِّلُ ثانِيَة! بَينَما يَسمَعُ النِّداءَ العُلويَّ في كُلِّ يَومٍ خَمسَ مَرَّات: "حَيَّ على الصَّلاة، حَيَّ على الفَلاح"، فَيَتَمَلمَل، ويَتَثاقَل، ويَقول: الصَّلاةُ مَمدودَة، والإمامُ يُطيل، سَألْحَقُ بِالرَّكعَةِ الثَّانيَة. فَأينَ المُسارَعَة؟ وكَيفَ نَكونُ مِن السَّابِقينَ ونَحنُ نَستَثقِلُ الخُطوَةَ إلى بَيتِ المَلِك؟
بَل واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ الخَطيرِ الذي رَواهُ الإمامُ مُسلِم، يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ لمَّا رَأى في أصحابِه تَأخُّراً: «تَقَدَّموا فأتَمُّوا بي، ولْيَأتَمَّ بِكُم مَن بَعدَكُم... لا يَزالُ قَومٌ يَتَأخَّرونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله». اللهُ أكبَر! «يَتأخَّرونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله»! تَبدأُ القِصَّةُ بِخُطوَةٍ بطيئةٍ إلى المَسجِد، وتَنظُرُ فَإذا بِكَ تَتأخَّرُ عَنِ العَمَلِ الصَّالِح، وتَتأخَّرُ عَنِ التَّوبَة، ثُمَّ تُعاقَبُ عُقوبَةً رَبَّانِيَّةً قَدَرِيَّة... أن يَطويكَ اللهُ في صُفوفِ المُؤَخَّرينَ في الدُّنيا وفي الآخِرَة. عُقوبَةُ التَّأخيرِ هِيَ التَّأخير!
ويَقولُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ واصِفاً قَلبَ المُؤمِنِ المُبادِر: "والقَلبُ في سَيرِهِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَنزِلَةِ الطَّائِر؛ فَالمَحَبَّةُ رَأسُه، والخَوفُ والرَّجاءُ جَناحاه". فالطَّائِرُ لا يَمشي عَلى الأرضِ مُتَثاقِلاً، الطَّائِرُ يَحتاجُ إلى أن يَخفِقَ بِجَناحَيهِ لِيَرتَفِع. هَكَذا القَلبُ السَّبَّاق... لا يَستَطيعُ أن يَجلِسَ ساكِناً وهُناكَ خَيرٌ يُوزَّع.
أيُّها الإخوَةُ الكِرام، لَيسَتِ المَسألَةُ مَسألَةَ سِباقٍ رِياضيّ، المَسألَةُ مَسألَةُ مَصيرٍ أبَديّ. كُلُّ يَومٍ تَطلُعُ فيهِ الشَّمسُ هو بابٌ جَديدٌ لِمُساهَمَةٍ في نُصرَةِ مَظلوم، أو قِراءَةِ آيَة، أو دَعمِ جِهادٍ بالدُّعاءِ والمُقاطَعَة، أو إغاثَةِ مَلهوف. البابُ مَفتوحٌ الآن... ولَكِنَّهُ لَن يَبقى كَذَلِك. قَريباً جِدّاً سيُغْلَق.
يُغْلَقُ بِمَوتِكَ أنت.
أو بِفَواتِ الفُرصَةِ وانقِضاءِ الحاجَة.
أو بِزَوالِ نِعمَةِ الصِّحَّةِ مِن جَسَدِك.
يَقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61]. لِمِثلِ الجَنَّة، لِمِثلِ النَّجاةِ من النَّار، لِمِثلِ رُؤيَةِ وَجهِ الله... لِهَذا نُبادِر، ولِهَذا نَعمَل، ولِهَذا نَتسابق.
فَيا أخي الحَبيب، إن رَأيتَ في نَفسِكَ رَغبَةً في خَير، فَلا تَقُل: كَيف؟ ومَتى؟ ولِماذا؟ قُل كَما قالَ عُكَّاشَة: "يا رَسولَ الله، ادعُ اللهَ أن يَجعَلَني مِنهُم!". خُذ الخُطوَةَ الأُولى، واللهُ يَتَكفَّلُ بِالباقي.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بِجَلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، بِيَدِهِ مَقاليدُ السَّمَاواتِ والأرض، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، النَّبيُّ الأمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ عَلى نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن سِرِّ المُبادَرَة، ووَقَفنا مَعَ عُكَّاشَةَ رَضيَ اللهُ عَنهُ وكَيفَ خَطَفَ الجَنَّةَ وأعلى مَنازِلَها بِلَحظَةِ صِدقٍ وعَزمٍ حَاسِمَة، ولَم يَتَرَدَّد حينَ سَمِعَ البِشارَة. عَرَفنا أنَّ اللهَ جَعَلَ جَزاءَ السَّابِقينَ القُربَ مِنهُ سُبحانَه، وأنَّ التَّسويفَ هُوَ جُنديٌّ مَلعونٌ من جُنودِ إبليس لِيَسرِقَ أعمارَنا. والآن، أيُّها الأحِبَّة، بَعدَ أن سَمِعنا ذَلِك، ماذا نَصنَعُ بما سَمِعنا؟ كَيفَ نُتَرجِمُ هَذِهِ المَعاني إلى واقِعٍ نَمشيهِ عَلى قَدَمَين؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ خِطَّةَ عَمَلٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَّا:
الأُولى (قَلبيَّة): اعقِد نيَّةً صادِقَةً حازِمَةً الآن، وأنتَ في مَكانِك، أنَّكَ لَن تَرى بابَ خَيرٍ يُفتَحُ لَكَ إلَّا دَخَلتَ فيه بِيَقين. عاهِدِ اللهَ في قَلبِكَ ألَّا تُؤَجِّلَ تَوبَةً، ولا تُسَوِّفَ أوبَة. قُل في نَفسِك: يا رَبِّ، اجعَلني مِن السَّابِقين. هذا الدُّعاءُ الصَّادِقُ سَيَبعَثُ اللهُ لَهُ في قَلبِكَ نوراً يَدفَعُك.
الثَّانيَة (لِسانيَّة): اجعَلِ الاستِغفارَ زادَكَ الذي لا يُفارِقُ لِسانَك. المُسارَعَةُ تَتَطلَّبُ خِفَّةً، والذُّنوبُ تُثَقِّلُ كاهِلَ المُؤمِن. فكُلَّما أكثَرتَ من الاستِغفار — اليَومَ، ومَعَ كُلِّ مَجلِس — خَفَّ حِملُكَ، وصارَت خُطوَتُكَ إلى الطَّاعَةِ أسرَع. لا تَمشِ بِلِسانٍ صامِت، بَل حَرِّكهُ بِذِكرِ اللهِ كَي تَبقى في حِفظِه.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): بَرنِج مُبادَرَتَكَ في الفَرائِضِ أوَّلاً. اختَبِر قُوَّتَكَ هَذا الأُسبوعَ في الصَّلاة. إذا سَمِعتَ النِّداءَ لِصَلاةِ الجَماعَة، قُم فَوراً. لا تَنتَظِر حَتَّى يُقامَ لِلصَّلاة. قُم وتَوَضَّأ واخْرُج. هَذِهِ المُبادَرَةُ الفِعليَّةُ الجَسَديَّةُ هِيَ أعظَمُ عِلاجٍ لِداءِ الكَسَل، وهِيَ البُرهانُ العَمَليُّ عَلى أنَّكَ جاهِزٌ لِلسِّباق.
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): بادِر بِالصُّلحِ والعَفوِ عَمَّن بَينَكَ وبَينَهُ قَطيعَة. لا تَنتَظِر أن يَأتِيَ هو لِيَعتَذِر. كُن أنتَ "عُكَّاشَة" في هذا المَيدان! امسَك هاتِفَكَ هَذا المَساء، وارسِل رِسالَةً واحِدَة: "عَفا اللهُ عَنِّي وعَنك". مَن بَدَأ بِالسَّلامِ، سَبَقَ إلى رِضوانِ الله، وطَهَّرَ قَلبَهُ لِيَكونَ أهلاً لِلأعمالِ الكُبرى.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): تَأَمَّل حَياتَكَ وابحَث عَن "الفُرصَةِ المُغادِرَة". هَل أُمُّكَ كَبيرَةٌ في السِّن؟ هذه فُرصَةٌ مُغادِرَة، سارِع بِبِرِّها اليَوم. هل أنتَ في شَبابِكَ وقُوَّتِك؟ هذا وَقتٌ مُغادِر، سارِع بِالصِّيامِ والقِيامِ قَبلَ الضَّعف. كُلُّ شَيءٍ يَحتاجُ إلى قَرارِ لَحظَة... فخُذِ القَرارَ قَبلَ أن يوضَعَ في حُفرَتِك!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. التَّقوى هِيَ المِفتاحُ الذي يَجعَلُ بَصيرَتَكَ تَلْتَقِطُ الفُرَص، وهِيَ النُّورُ الذي يَقودُكَ في ظُلُماتِ التَّرَدُّد.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَليه، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم جَلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ والتَّابِعينَ لَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن السَّابِقينَ إلى طاعَتِك، والمُسارِعينَ في مَرضاتِك، والآخِذينَ بِحُظوظِهِم مِن دِينِكَ قَبلَ فَواتِ الأوان.
اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِن المُسَوِّفينَ المُغْتَرِّين، ولا مِن المُتَأخِّرينَ المَحرومين.
اللَّهُمَّ نَقِّ قُلوبَنا مِن الكَسَلِ والضَّعفِ والعَجز، وابعَث فيها هِمَّةً تُعانِقُ السَّماء، ويَقيناً يُزِلزِلُ الجِبال.
اللَّهُمَّ افتَح لنا أبوابَ الخَيرِ ولا تُغلِقها دونَنا، وإذا هَيَّأتَ لنا فُرصَةً للتقَرُّبِ إليكَ فأعِنَّا عَلى اغتِنامِها، ولا تَكِلنا إلى أنفُسِنا طَرفَةَ عَين.
اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلِمين، واخذُل الشِّركَ والمُشرِكين.
اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ والمُجاهِدينَ في فِلَسطينَ وفي كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ أفرِغ عليهم صَبراً، وثَبِّت أقدامَهُم، وانصُرهُم عَلى مَن بَغى عَليهم.
اللَّهُمَّ كُن لَهُم ناصِراً ومُعيناً، ومُؤيِّداً وظَهيراً، سُبحانَكَ أنتَ وَليُّهُم وأنتَ مَولاهُم ونِعمَ النَّصير.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورُدَّنا إليكَ رَدّاً جَميلاً.
اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أعمارِنا أواخِرَها، وخَيرَ أعمالِنا خَواتيمَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.