🕌 رمضان والبيت: تقاسم الخدمة وتخفيف الأعباء
#خطبة_جمعة #رمضان #الأسرة #خدمة_الأهل #حسن_الخلق #بر_الوالدين #تربية
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ البُيوتَ سَكَناً لِلأرواح، ومَزَجَ بَيْنَ أهلِها بِالمَوَدَّةِ والرَّحمَة، وجَعَلَ الإحسانَ طَريقاً يُوصِلُ إلى رِضوانِه. الحمدُ للهِ الذي بَلَّغَنا شَهرَ الصِّيام والقِيام، وجَعَلَهُ مَوسِماً تَتَضاعَفُ فيهِ الأُجور، وتَتَطَهَّرُ فيهِ القُلوب، وتَتَجَلَّى فيهِ رَحَماتُهُ على العِباد. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، أمَرَ بِالعَدلِ والإحسانِ في كُلِّ حال، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسُولُه، أرحَمُ النَّاسِ بِأهلِه، وأكرَمُ الخَلقِ في بَيتِه، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ:
أيُّها الإخوَةُ الكِرام، هل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً ونحنُ في نَهارِ رَمَضان: ما الذي يَجعَلُ هذا الشَّهرَ شَهرَ رَحمَة؟ هل هي رَحمَةُ اللهِ التي تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ فَقَط، أم هي الرَّحمَةُ التي يَجِبُ أن تَفيضَ مِن قُلوبِنا فَتَملَأَ بُيوتَنا؟
تَخَيَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ الذي يَتَكَرَّرُ في بُيوتِنا كُلَّ يَوم: رَجُلٌ يَجلِسُ في المَسجِدِ المُكَيَّف، يُمَنِّي نَفسَهُ بِختمِ القُرآنِ مَرَّةً بَعدَ مَرَّة، يَستَشعِرُ السَّكينَةَ والهُدوء، ويَنتَظِرُ أذانَ المَغرِبِ بِقَلبٍ مُطمَئِن. وفي نَفسِ اللَّحظَة، هُناكَ في قَلبِ بَيتِه، في مَطبَخٍ ضَيِّق، تَقِفُ أُمٌّ، أو زَوجَةٌ، أو أُختٌ، أو ابنَة... تَقِفُ أمامَ لَهيبِ النَّار، قَد تَصَبَّبَ عَرَقُها، واشتَدَّ عَطَشُها، وتَقَطَّعَ ظَهرُها مِنَ الوُقوفِ مُنذُ صَلاةِ الظُّهرِ إلى قُبَيلِ المَغرِب. تَسعَى لِتُجَهِّزَ المائِدَةَ بِما لَذَّ وطاب، بَينَما المِصحَفُ الذي تَتَمَنَّى أن تَقرَأَ فيهِ مَوضوعٌ عَلى الرَّفِّ يَنتَظِرُ لَحظَةَ فَراغٍ قَد لا تَأتي.
ثُمَّ يَسأَلُها أحَدُنا بِكُلِّ بُرود: "لِمَاذا لَم تَختِمي القُرآنَ كَما فَعَلنا؟".
يا عِبادَ الله، أَيُعقَلُ أن نَجعَلَ رَمَضانَ شَهرَ عِبادَةٍ لِلرِّجال، وشَهرَ شَقاءٍ وتَعَبٍ وعَمَلٍ شاقٍّ لِلنِّساء؟ أَيُعقَلُ أن نَطلُبَ الرَّحمَةَ مِنَ الله، ونَحنُ نَفتَقِدُها مَعَ أقرَبِ النَّاسِ إلَينا؟
يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه في مُحكَمِ تَنزيلِه، مُقَرِّراً مَبدَأَ العَدلِ في العِبادَةِ والأجر: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة غافر: 40]. الأُنثى يا عِبادَ الله، تَحتاجُ إلَى القُرآنِ كَما تَحتاجُ أنت، وتَحتاجُ إلَى الخُشوعِ في الدُّعاءِ قُبَيلَ المَغرِبِ كَما تَحتاجُ أنت، وتَرجو لَيلَةَ القَدرِ وتَتَلَهَّفُ لِقِيامِ اللَّيلِ كَما تَتَلَهَّفُ أنت. فَمَن الذي سَرَقَ مِنها هذِهِ اللَّحَظات؟ إنَّهُ واقِعُنا الذي حَوَّلَ رَمَضانَ مِن شَهرِ صِيامٍ واقتِصاد، إلَى شَهرِ وَلائِمَ واستِهلاك، فَأصبَحَتِ النِّساءُ أسيراتٍ في المَطابِخ، غافِلاتٍ أو مُغَيَّباتٍ عَن مَوائِدِ القُرآنِ بِسَبَبِ مَوائِدِ الطَّعام!
اسألوا أنفُسَكُم: ما هو المِعيارُ الحَقيقيُّ لِخَيريَّةِ الرَّجُل؟ هل هو في كَثرَةِ صَلاتِهِ أمامَ النَّاس؟ هل هو في صَوتِهِ الجَهوَريِّ بِالتِّلاوَة؟ واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، فَإنَّ فيهِ كَنزاً يَحِلُّ كَثيراً مِن أمورِنا، وَيَضَعُ المِيزانَ الحَقيقيَّ لِلأخلاق. يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رواه الترمذي). مِيزانُ الخَيريَّةِ لا يُنصَبُ في الشَّارِع، ولا في مَكانِ العَمَل، بَل يُنصَبُ خَلفَ أبوابِ البُيوتِ المُغلَقَة.
قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ اللهُ مَعنىً عَظيماً حينَ قال: "كانَ ﷺ ألينَ النَّاسِ في أهلِه، يَضْحَكُ ويَتَبَسَّمُ، ويُعاوِنُهُم في مِهنَتِهِم". تَأمَّلوا أفعالَهُ ﷺ! سُئِلَت أُمُّ المُؤمِنينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها: ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصنَعُ في بَيتِه؟ فَلَم تَقُل كانَ يَعتَكِفُ في مِحرابِهِ لا يُكَلِّمُ أحَداً، ولَم تَقُل كانَ يَأمُرُ ويَنهَى ويَنتَظِرُ الطَّعامَ جاهِزاً! بَل قالَت بِلَفظٍ واضِحٍ صَريح: «كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» (رواه البخاري).
رَسولُ الله، حَبيبُ الحَقّ، سَيِّدُ وُلدِ آدَم، قَائِدُ الجُيوشِ، ومُدَبِّرُ أُمورِ الدَّولَة، الذي تَنزِلُ عَليهِ المَلائِكَةُ مِن سابِعِ سَماء... كانَ يَكْنُسُ بَيتَه، ويَخْصِفُ نَعلَه، ويَرقَعُ ثَوبَه، ويَحْلِبُ شاتَه! كُلُّ ذَلِكَ لِيُخَفِّفَ العِبءَ عَن أهلِ بَيتِه. فَما عُذرُ أحَدِنا اليَومَ وهُوَ يَستَنكِفُ أن يَرفَعَ صَحناً عَنِ المائِدَة، أو يُرَتِّبَ مَكاناً أو يُساعِدَ زَوجَتَهُ أو أُمَّهُ المُتعَبَة؟
وإذا كانَت هذِهِ الآيَةُ قَد قَرَّرَتِ الأَمر، وهذا الحَديثُ قَد زادَهُ وُضوحاً، فَإنَّ واقِعَةً حَصَلَت في بَيتِ النُّبُوَّةِ تُتَرجِمُ لَنا كَيفَ نَتَعامَلُ مَعَ تَعَبِ النِّساءِ في البُيوت.
تَأمَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ الباكي: فاطِمَةُ الزَّهراءُ، بِضعَةُ رَسولِ اللهِ ﷺ وسَيِّدَةُ نِساءِ العالَمين. تَعِبَت مِن طَحنِ الحَبِّ بِالرَّحى، حَتَّى مَجِلَت يَداها (أي تَشَقَّقَت وجَرِحَت)، وعَمِلَت في بَيتِ زَوجِها عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ حَتَّى ظَهَرَ أثَرُ العَمَلِ الشَّاقِّ في جَسَدِها. ذَهَبَت إلَى أبيها، إلَى سَيِّدِ الخَلقِ ﷺ، تَسألُهُ خادِماً يُخَفِّفُ عَنها هذا العِبءَ الثَّقيل. هَل قالَ لَها: هذا واجِبُكِ ولا يَحِقُّ لَكِ الشَّكوى؟ كَلَّا، بَل شَعَرَ بِأَلَمِها، وعَلَّمَها مَعَ زَوجِها أذكاراً قَبلَ النَّومِ تَستَعينُ بِها، والأعظَمُ مِن ذَلِك أنَّهُ رَسَّخَ مَبدَأَ المُعاوَنَةِ والإحساسِ بِالجُهد.
وفي هذا المَقام يَقولُ رَبُّنا سُبحانَه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: 19]. ومِن أَعظَمِ المَعروفِ: أن تَنظُرَ إلَى زَوجَتِكَ أو أُمِّكَ بِعَينِ الرَّحمَة، وأن تَعرِفَ أنَّ طاقَتَها لَها حُدود، وأنَّ اللهَ سُبحانَهُ يَقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: 286]. فَكَيفَ تُكَلِّفُها أنتَ ما لا تُطيق؟
لَكِن دَعونا نَقِف وقفةَ إنصاف. نَعَم، إنَّ صُنعَ المَرأةِ لِطَعامِ أهلِها وتَفطيرَها لِلصَّائِمينَ هُوَ مِن أعظَمِ القُرُباتِ إلَى الله، ولَها فيهِ أجرٌ لا يَعلَمُهُ إلَّا الله. يَقولُ الإمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الله: "مُعاوَنَةُ المُسلِمِ والسَّعيُ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، وخِدْمَةُ الصَّائِمين، مِن أرجَى الأعمالِ عِندَ الله". وفي الحَديثِ الصَّحيح أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ في سَفَرٍ، فَصامَ قَومٌ وأفطَرَ آخَرون، فَسَقَطَ الصُّوَّامُ مِنَ التَّعَب، وقامَ المُفطِرونَ فَضَرَبوا الخِيامَ وسَقَوُا الرِّكابَ وخَدَموا الصَّائِمين. فَلَمَّا رَأى النَّبيُّ ﷺ جُهدَهُم وخِدمَتَهُم، أطلَقَ كَلِمَتَهُ العَظيمَة: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ» (رواه مسلم).
فَإذا كانَ المُفطِرُ قَد ذَهَبَ بِالأجرِ لِخِدمَتِهِ الصَّائِم، فَمَا ظَنُّكُم بِأُمٍّ أو زَوجَةٍ صائِمَةٍ تَتَضَوَّرُ جُوعاً وعَطَشاً، وهيَ تَخدِمُ صائِمينَ آخَرين؟ واللَّهِ إنَّ أجرَها لَعَظيم، وإنَّ جَزاءَها عِندَ رَبِّها غَيرُ مَمنون. ولَكِن! هل هذا يَعني أن نَستَغِلَّ هذا الفَضلَ لِنَزيدَ العِبءَ عَلَيها؟ هل جَزاءُ الإحسانِ أن نُثقِلَ كاهِلَها؟ يَقُولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [سورة الرحمن: 60]. إحسانُها في الخِدمَةِ يُقابَلُ بِإحسانِكَ في التَّخفيف، ومَشَقَّتُها لِتُسعِدَك، تُقابَلُ بِمُعاوَنَتِكَ لِتُسعِدَها.
تَأمَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ المَألوفَ في رَمَضان: يُؤَذِّنُ المَغرِب، فَيَجلِسُ الجَميعُ إلَى المائِدَة، يَأكُلونَ ويَشرَبونَ هَنيئاً مَريئاً. أمَّا الأُمُّ، فَتَبقى واقِفَةً؛ تَسكُبُ لِهذا، وتُناوِلُ هذا، وتُنَظِّفُ ما انتَثَرَ هُنا. وقَد يَنتَهي النَّاسُ مِن طَعامِهِم وهيَ لَم تَكَد تَذُق إلَّا تَمرَةً وشَربَةَ ماء، ثُمَّ تُسارِعُ لِغَسلِ الأواني وَتَرتيبِ المَكان، وقَد تَسمَعُ كَلِمَةَ تَبَرُّمٍ لِأنَّ صِنفاً مِنَ الطَّعامِ لَم يَكُن مالِحاً بِما يَكفي!
يا سُبحانَ الله! يَحرِصُ أحَدُنا عَلَى أن لا يَخدِشَ صِيامَهُ بِكَلِمَة، ثُمَّ لا يُبالي أن يَخدِشَ قَلبَ زَوجَتِهِ أو أُمِّهِ بِكَلِمَةٍ قاسِيَة! أيُّ صِيامٍ هذا يا مَعشَرَ الصَّائِمين؟ يَقولُ اللهُ تَعالى في غايَةِ الصِّيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: 183]. التَّقوى هي المِقْياس. وهل مِنَ التَّقوى إرهاقُ ضَعيف، أو نُكرانُ جَميل؟ قالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ الله: "لَيسَ الصِّيامُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، وإنَّما الصِّيامُ مِنَ اللَّغوِ والرَّفَث، ومِنَ الظُّلمِ والأَذى".
ولَعَلَّكُم تَسأَلون: كَيفَ كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مَعَ بُيوتِهِم وتَخفيفِ الأعباءِ عَن ضُعَفائِهِم؟ واسمَعوا لِهذِهِ القِصَّةِ العَجيبَة. كانَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ — قَبلَ أن يَلِيَ الخِلافَة — يَحلِبُ لِحَيٍّ مِن أحياءِ العَرَبِ أغنامَهُم. فَلَمَّا صَارَ خَليفَةَ المُسلِمين، وأميرَ المُؤمِنين، قالَت جارِيَةٌ مِن ذَلِكَ الحَيِّ بِحُزن: "الآنَ لا يَحلِبُ لَنا!". فَسَمِعَها أبو بَكر، وقالَ كَلِمَةً تَقطُرُ رَحمَةً وتَواضُعاً: "بَلَى لَعَمري لأَحلِبَنَّها لَكُم، وإنِّي لأَرجو ألَّا يُغَيِّرَني المَنصِبُ عَمَّا كُنتُ عَلَيه".
خَليفَةُ المُسلِمينَ الأَوَّل، يَقومُ بِنَفسِهِ لِيَحلِبَ الشِّياهُ لِلنِّساءِ والعَجائِز! فَمَا بالُ أحَدِنا إذا طُلِبَ مِنهُ أن يَحمِلَ طَبَقاً إلَى المَطبَخِ، أو يُجَهِّزَ السُّحورَ مَرَّةً، رَأى أنَّ رُجولَتَهُ تُنتَقَص، ومَكانَتَهُ تُمتَهَن؟
إنَّ كُلَّ دَقيقَةٍ تُوفِّرُها لِأُمِّكَ أو زَوجَتِكَ أو أُختِكَ في رَمَضان، لِتَقِفَ بَينَ يَدَيِ الله، أو تَقرَأَ وِرداً مِنَ القُرآن، لَكَ فيها أجرٌ كَأجرِها أو يَزيد. يَقولُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: 2]. وهَل هُناكَ بِرٌّ أَعظَمُ مِن إعانَةِ أهلِكَ عَلَى طاعَةِ الله؟ ويَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (رواه مسلم). فإذا كانَ اللهُ في عَونِكَ لِمُساعَدَتِكَ أخاك الغَريب، فَمَا ظَنُّكَ بِعَونِهِ لَكَ وأنتَ تُساعِدُ أُمَّكَ أو زَوجَتَكَ أو بِنْتَك؟
إخوَتي في الله... إنِّي أتَوَجَّهُ إلَيكُم ونحنُ في هذِهِ الأيَّامِ المُبارَكات: رَمَضانُ شَهرُ الجُود، والجُودُ لا يَكونُ بِالمالِ فَحَسب؛ بَل الجُودُ بِالوَقت، والجُودُ بِالرَّحمَة، والجُودُ بِتَخفيفِ المَشَقَّة. كُلُّنَا نُريدُ عِتقاً مِنَ النَّار، وكُلُّنَا نُريدُ الجَنَّة، ولَكِنَّ الجَنَّةَ تَحتاجُ إلَى قُلوبٍ رَحيمَة. فَهَلّا جَعَلنا رَمَضانَ هذا العامِ مُختَلِفاً؟ هَلّا رَحِمنا مَن في بُيوتِنا لِيَرحَمَنا مَن في السَّماء؟
تَذَكَّروا ذَلِكَ اليَومَ العَظيم، يَومَ يُعرَضُ كُلُّ شَيءٍ عَلَى المِيزان، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ [سورة آل عمران: 30]. قَطرَةُ العَرَقِ التي تَسقُطُ مِن وَجهِ تِلكَ الصَّائِمَةِ المُتعَبَةِ مَحفوظَة، وحَرَكَتُكَ وأنتَ تَرفَعُ عَنها بَعضَ العِبءِ مَحفوظَةٌ عِندَ اللهِ لَن تَضيع.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضَى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسُولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، عَرَفنا في خُطبَتِنا الأُولَى كيفَ أنَّ رَمَضانَ شَهرٌ لِلعِبادَةِ لِلجَميع، ووَقَفنا مَعَ ظُلمِ واقِعِنا حِينَ نُلقي الحِملَ كُلَّهُ عَلَى النِّساءِ، وسَمِعتُم قَبلَ قَليلٍ هَديَ النَّبيِّ ﷺ في خِدمَةِ أهلِ بَيتِه. بَيَّنَ لَنا القُرآنُ غايَةَ الأُسرَةِ بِقولِه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سورة الروم: 21]. والمَوَدَّةُ لَيسَت كَلِماتٍ تُقال، بَل هيَ مَواقِفُ تُفعَل. والآن، إخوَتي، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَلِيُّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلَى واقِعٍ في بُيوتِنا قَبلَ أن نَفقِدَ بَرَكَةَ الشَّهر؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لَعَلَّ اللهَ أن يَجعَلَ فيها صَلاحَ بُيوتِنا:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ اليَوم. عِندَما تَقومُ مِن مائِدَةِ الإفطارِ وتَرفَعُ الطَّبَقَ مَعَ زَوجَتِكَ أو أُمِّك، لا تَفعَل ذَلِكَ مُجَرَّدَ عادَة، بَل استَحضِر في قَلبِكَ أنَّكَ تَفعَلُ ذَلِكَ اقْتِداءً بِالنَّبيِّ ﷺ الذي كانَ "في مِهنَةِ أهلِه". بِهذِهِ النِّيَّة، يَتَحَوَّلُ التَّنظيفُ والتَّرتيبُ إلَى عِبادَةٍ مَأجورَة، ويُذهِبُ عَنكَ شُعورَ الثِّقَلِ بَعدَ الإفطار.
الثانية (لِسانيَّة): اشكُر مَن في بَيتِكَ، ولا تَبخَل بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَة. الكَثيرُ مِنَ الأُمَّهاتِ والزَّوجاتِ يَتَطوعنَ بِأعمالٍ شاقَّة، فَيَقابَلنَ بِالجُحود، أو بِشَكوى أنَّ الطَّعامَ ناقِصٌ أو بارِد! قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ» (رواه الترمذي). قُل لَها عِندَ الفِطر: "جَزاكِ اللهُ خَيراً، تَعِبتِ مَعَنا، أطعَمَكِ اللهُ مِن ثِمارِ الجَنَّة". كَلِمَةٌ واحِدَةٌ مِنكَ، تَمسَحُ تَعَبَ سِتِّ ساعاتٍ مِنَ الوُقوف!
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): تَبَنَّ أداءَ مُهِمَّةٍ ثابِتَةٍ في رَمَضان. أَيُّها الرَّجُل، وأيُّها الشَّاب... خُذ عَلَى عاتِقِكَ مُهِمَّةً واحِدَةً تُخَفِّفُ بِها عَن نِساءِ البَيت؛ كَأن تَتَكَفَّلَ أنتَ بِتَجهيزِ السُّحورِ يَومِيّاً، أو بِغَسلِ أواني الإفطار، أو بِمُساعَدَةِ الأبناءِ في المَدارِس. خُطوَةٌ مُحَدَّدَةٌ تَبدَأُ بِها اللَّيلَة، فَتُدخِلُ الفَرَحَ عَلَى قَلبٍ أرهَقَهُ الجُهد.
الرابعة (اجتماعيَّة أُسَرِيَّة): اتَّفِقوا كَأُسرَةٍ عَلَى الاقتِصادِ في تَنوُّعِ الأطْعِمَة. مَن قالَ إنَّ المائِدَةَ الرَّمَضانِيَّةَ يَجِبُ أن تَحتَويَ عَلَى خَمسَةِ أصناف؟ يَقولُ الإمامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: "مَا شَبِعْتُ مُنْذُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، لِأَنَّ الشِّبَعَ يُثْقِلُ الْبَدَنَ، وَيُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُزِيلُ الْفِطْنَةَ، وَيُكْسِلُ عَنِ الْعِبَادَةِ". قَلِّلوا الأصناف، لِتُوَفِّروا الوَقتَ لِلعِبادَةِ، ولِتُريحوا الأُمَّ مِن وُقوفٍ لا داعِيَ لَه.
الخامسة (مَوضوعِيَّة): امنَح زَوجَتَكَ أو أُمَّكَ "ساعَةً ذَهَبِيَّةً" لِلعِبادَة. خُذِ الأطفالَ عَنها قُبَيلَ المَغرِب، أو كُن أنتَ في البَيتِ وَقتَ صَلاةِ التَّراويحِ لِتَذهَبَ هيَ إلَى المَسجِد. أَعطِها الفُرصَةَ لِتَعيشَ رَمَضان كَما تَعيشُهُ أنت. استَجيبوا لِنِداءِ الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران: 133]. والمُسارَعَةُ لا تَكونُ لَكَ وَحدَك، بَل لَكَ ولِأهلِك.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ التَّقوى هيَ التي تَحمِلُكُم عَلَى الرَّحمَةِ بِمَن تَحتَ رِعايَتِكُم، وتَحمِلُكُم عَلَى التَّنازُلِ عَن حُظوظِ النَّفسِ ابتِغاءَ وَجهِ الله.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلَى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائِلُ سُبحانَهُ في مُحكَمِ كِتابِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلَى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر، وإذا رَأى ضَعيفاً رَحِمَهُ وأعانَه.
اللَّهُمَّ بارِك في بُيوتِنا، واجعَلها بُيوتَ رَحمَةٍ ومَوَدَّةٍ وسَكينَة، واصرِف عَنها الشِّقاقَ والنِّزاع.
اللَّهُمَّ ارحَم أُمَّهاتِنا وزَوجاتِنا وأخواتِنا وبَناتِنا، اللَّهُمَّ اكتُب أجرَهُنَّ في هذا الشَّهرِ الفَضيلِ مُضاعَفاً، واجزِهِنَّ عَن صَبرِهِنَّ وتَعَبِهِنَّ وعَرَقِهِنَّ نُوراً في قُلوبِهِنَّ، وعِتقاً مِنَ النَّار، وقُصوراً في أعالِي الجِنان.
اللَّهُمَّ لا تَحرِمهُنَّ لَذَّةَ العِبادَة، ولا أجرَ الصِّيامِ والقِيام، واجعَلنا عوناً لَهُنَّ عَلَى طاعَتِك.
اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجاً.
اللَّهُمَّ اختِم لَنا شَهرَ رَمَضانَ بِرِضوانِك، والعِتقِ مِن نِيرانِك، ولا تَجعَلنا فيهِ مِنَ المَحرومين.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركم، واشكُروهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبرمضان والبيت: تقاسم الخدمة وتخفيف الأعباء
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.