🌙 تكريم المرأة في الإسلام من خلال خطبة حجة الوداع العظيمة
#خطبة_عيد #عيد_الأضحى #حجة_الوداع #حقوق_المرأة #الأسرة_المسلمة #القوامة #أخلاق
اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر.
لا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبر، اللهُ أكبر، وللهِ الحمد.
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ يومَ النَّحرِ أعظَمَ الأيَّامِ عندَه، الحمدُ للهِ الذي شَرَعَ لنا مِلَّةَ أبينا إبراهيمَ حنيفًا، وأتَمَّ علينا نِعمَةَ الدِّين، وأكمَلَ لنا الشَّريعَة. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، جَعَلَ الأُسرةَ سَكَنًا ومَوَدَّةً ورَحمة، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أكرَمُ النَّاسِ لأهلِه، وأعظَمُهم رعايةً لأمَّتِه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصَحبِه وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد:
عبادَ الله، تَقَبَّلَ اللهُ طاعاتِكم، وأدامَ مَسَرَّاتِكم. في مِثلِ هذه الأيَّامِ المُبارَكات، قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا، وَقَفَ الحبيبُ المصطفى ﷺ في عَرَفات، في مَشهَدٍ مَهيبٍ يَجمَعُ مِئاتِ الآلافِ من المسلمين، يُوَدِّعُ أمَّتَه، ويَضَعُ تَأسيسًا شامِلًا لِحُقوقِ الإنسانِ، ويَهدِمُ مَبادئَ الجاهليَّة. وفي تِلكَ اللَّحظاتِ الحاسِمَةِ من عُمُرِ الرِّسالة، وفي ذُروةِ الخُطبَةِ الأَعظَمِ في التَّاريخ، لم يَنسَ النَّبيُّ ﷺ أغلَى أمانَةٍ، وأكثَرَ الفِئاتِ استِضعافًا في الجاهليَّة؛ فَوَقَفَ يُوصي بالمرأة، ويُقَرِّرُ لَها حُقوقًا وعليها واجبات، في تَكريمٍ لا نَظيرَ له في تاريخِ البشريَّة.
لقد كانَت خُطبَةُ حَجَّةِ الوَداعِ رَدًّا قاطِعًا، وبُرهانًا ساطِعًا يَصفَعُ وُجوهَ المُرجِفينَ الذين يُحاوِلونَ تَشويهَ صورَةِ الإسلام، ويَتَّهِمونَه بِهَضمِ حُقوقِ المرأة. أولئكَ الذين يَتَّخِذونَ من «حُقوقِ المرأةِ» مَطيَّةً مُزَيَّفَةً لإقناعِ بَناتِ الإسلامِ بِضَرورَةِ الانفِلاتِ من تَعاليمِ دِينِهِنَّ، بِداعي التَّحَرُّرِ والانعِتاق. يَكفي أنَّ أَعظَمَ خُطبَةٍ دَوَّت في سَماءِ الإسلام، نَصَّت على المَرأةِ حَرفيًّا.
قال ﷺ في تِلكَ الخُطبَةِ الخالِدَة: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ...» وقال في المَقطَعِ الثَّاني: «إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا...».
اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبر، وللهِ الحمد.
إخوتي الكرام، تَعالَوا نَقِف مَعَ المَقطَعِ الأوَّلِ من هذه الوَصيَّة: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».
كلمَةٌ تَحمِلُ في طَيَّاتِها أمَانةً ثَقيلة. «استَوصوا» أي: اقبَلوا وَصيَّتي فيهِنَّ، وعاملوهُنَّ بالخَير. هذا الخَيرُ يَعني تَحريمَ الظُّلم، يَعني تَحريمَ أكلِ أموالِهِنَّ في المِيراثِ بالقُوَّة، يَعني تَحريمَ التَّعَدِّي عليهِنَّ بالضَّربِ والإهانَة، يَعني أن تُعطِيها حَقَّها مَوفورًا دونَ أن تَحتاجَ إلى استِجدائِه. قال ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ».
ولنا مَعَ هذا المَقطَعِ وَقَفات:
الوَقفَةُ الأُولى: لِماذا أوصَى النَّبيُّ ﷺ الرَّجُلَ بالمرأةِ، وجَعَلَهُ قَوَّامًا عليها؟
قال اللهُ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. القِوامَةُ — يا عِبادَ اللهِ — لَيسَت سُلطَةَ استِبدادٍ، ولا سَوطَ جَلَّاد! القِوامَةُ رِعايَةٌ، وحِمايَةٌ، ونَفَقَةٌ، وإدارَةٌ بحِكمَة. المَرأةُ في الإسلامِ دُرَّةٌ مَحفوظَة، أَلزَمَ اللهُ الرَّجُلَ — أبًا كانَ أو أخًا أو زَوجًا — أن يَكُدَّ ويَتعَبَ لِيُوَفِّرَ لَها سُبُلَ العَيشِ الكريم، لِتَبقى هي مَصونَةً مُكَرَّمَةً تَرعى مَملَكَتَها.
الوَقفَةُ الثَّانية: كيفَ استَغَلَّ أعداءُ الإسلامِ مَبدَأَ الوَصيَّةِ والقِوامَة؟
لَقَد صَوَّرَ الغَربُ وأذنابُه القِوامَةَ على أنَّها «وَصايَةٌ سُلطَويَّةٌ» و«عُبوديَّةٌ»، وحَرَّضوا المَرأةَ على الخُروجِ من أبويَّةِ الرَّجُلِ ورِعايَتِه. لِماذا؟ لِأنَّهُم يَعلَمونَ يَقينًا أنَّ المَرأةَ إذا تَمَرَّدَت على قِوامَةِ الرَّجُل، تَفَكَّكَت الأُسرة، وإذا تَفَكَّكَت الأُسرَةُ، سَقَطَ المُجتَمَع، وانهارَتِ الأُمَّة. هم لا يُريدونَ حُرِّيَّتَها، بل يُريدونَ سُهولَةَ الوُصولِ إليها.
الوَقفَةُ الثَّالثة: ما هي السُّبُلُ الخَفيَّةُ التي اختَرَقوا بِها فِطرَةَ المَرأة؟
لَقَد أقنَعوا المَرأةَ المُسلِمَةَ بالخُروجِ العَمَليِّ من قِوامَةِ الرَّجُلِ بِسُبُلٍ ناعِمَة:
دَفَعوها إلى زِحامِ سُوقِ العَمَلِ بَحجةِ «تَحقيقِ الذَّات»، فأخَلُّوا بِمَبدَأِ القَرارِ في البَيتِ الذي قالَ اللهُ فيه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. فصارَت تَعمَلُ وتُنفِقُ، وتُوَسوسُ لَها شياطينُ الإنسِ: "أنتِ مُستَقِلَّةٌ ماليًّا، فَلا حاجَةَ لكِ بِرَجُل!".
زَجُّوا بِها في مَواطِنِ الاختِلاطِ بالرِّجالِ الأجانِب، مِمَّا أخرَجَها عن رِقَّةِ فِطرَتِها، فَقَسَت طِباعُها، واستَرجَلَت في أفعالِها، وقَد لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ «الْمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ».
ثمَّ جاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبرى: إقناعُ المَرأةِ بأنَّه لا فَوارِقَ بَينَها وبَينَ الرَّجُل! وأنَّ ما يَفعَلُهُ الرَّجُلُ تَفعَلُهُ هي، فَلِماذا يَكونُ قَوَّامًا عليها؟
اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبر، وللهِ الحمد.
وهنا نَأتي إلى الوَقفَةِ الرَّابعة: حَقيقَةُ الاختِلافِ بَينَ الرَّجُلِ والمَرأةِ في ضَوءِ قَولِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ﴾.
قَبلَ الحَديثِ عن الاختِلاف، يَجِبُ أن نَصدَعَ بِحَقيقَةٍ أخفاها الأعداء: الإسلامُ جَعَلَ الرَّجُلَ والمَرأةَ سَواءً في التَّكليفِ، والجَزاءِ، والعُقوبَةِ، والمَكانَةِ عِندَ الله. قال ﷺ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ». وقال تَعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. هذا اشتِراكٌ في الأَصلِ العَظيم! فَلِماذا يُهْمِلُ الكُفَّارُ هذا الأَصلَ ويُرَكِّزونَ فَقَط على التَّفاصيلِ المُختَلِفَة، وكأنَّ الإسلامَ لم يَجعَل بَينَهُما إلَّا الاختِلاف؟
أمَّا الاختِلافُ، فَهُوَ اختِلافُ أفضَليَّةٍ في المَهامِّ، واختِلافُ خَصائِص.
الأَصلُ أنَّ اللهَ فَضَّلَ جِنسَ الرِّجالِ في مَواطِنِ القِيادَةِ والقِوامَة، قال تَعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. هُوَ تَفضيلُ مَسؤوليَّةٍ لا تَفضيلُ تَشريفٍ أجوَف. لكنَّ الأعداءَ صَوَّروا هذا التَّفضيلَ إهانَةً، فدَفَعوا المَرأةَ لِمُنافَسَةِ الرَّجُلِ في خَصائِصِه، والانسِلاخِ من هُوِيَّتِها، حتَّى وَصَلَ الحالُ ببَعضِ النِّساءِ المُغتَرَّاتِ إلى الاستِهزاءِ بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ والكُفرانِ بِها!
فرَأينا مَن تَتَعَرَّى وتَلبَسُ كَما يَلبَسُ الرِّجال، وتَقولُ مُستَهزِئةً: "المَرأةُ لَيسَت عَورَة!" مُعَرِّضَةً بِقولِ سَيِّدِ الخَلقِ ﷺ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، وَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ». ورَأينا مَن تَشمَئِزُّ من حَديثِ «نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»، وتَستَهزِئُ بِهِ من غَيرِ فَهمٍ لِحَقيقَتِه؛ إذْ نُقصانُ الدِّينِ هو رُخصَةُ اللهِ لَها في تَركِ الصَّلاةِ أيَّامَ حَيضِها، ونُقصانُ العَقلِ هو غَلَبَةُ عاطِفَتِها وحَنانِها الذي جَعَلَهُ اللهُ فيها لِتَقومَ بِأعظَمِ مُهِمَّةٍ وهي الأُمومَة. هو اختِلافٌ في الخَصائِصِ يُناسِبُ فِطرَتَها!
لَقَد خَصَّ الإسلامُ الرَّجُلَ بأُمورٍ لِخُشونَتِه وقُوَّتِه، وخَصَّ المَرأةَ بأُمورٍ لِرِقَّتِها وعاطِفَتِها. وهذا هو العَدلُ المُطلَق؛ إذْ لَيسَ من العَدلِ التَّسويَةُ بَينَ المُختَلِفين! وما فَعَلَهُ الغَربُ هو "تَذويبٌ" لِهذِهِ الخَصائِص، حتَّى جَعَلوا العَدلَ والمُساواةَ شَيئًا واحِدًا، فَأخَلُّوا بالتَّوازُن، وظَهَرَتِ الآثارُ التَّدميريَّةُ في مُجتَمَعاتِهِم من تَحَطُّمِ الأُسرَةِ، وضَياعِ النَّسَب، وتَشَوُّهِ الفِطرَة.
اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبر، وللهِ الحمد.
وهنا نَنتَقِلُ إلى المَقطَعِ الثَّاني من حَجَّةِ الوَداع: «إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا».
هذِهِ هي المُعادَلَةُ الشَّرعيَّةُ العادِلَة: حُقوقٌ مُتَبادَلَة. قال تَعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. النَّبيُّ ﷺ أجمَلَ هُنا، وفَصَّلَ في أحاديثَ أُخرى: حَقُّها في المَهرِ، والنَّفَقَةِ، والكِسوَةِ، والمُعاشَرَةِ بالحُسنى. وحَقُّهُ في القِوامَةِ، والطَّاعَةِ في المَعروفِ، وحِفظِ البَيت.
ولَنا مَعَ هذا المَقطَعِ وَقفَتان:
الوَقفَةُ الأُولى: بَينَ الحُقوقِ الشَّرعيَّةِ والحُقوقِ الوَضعيَّة.
هل هَضَمَتِ الشَّريعَةُ حُقوقَ المَرأةِ حتَّى تَحتاجَ إلى جَمْعِيَّاتٍ غَربيَّةٍ تَرسُمُ لَها حُقوقًا جَديدة؟ هل ظَلَمَها رَبُّها وأنصَفَها البَشَر؟! حاشا وكَلَّا.
اسألوا أنفُسَكم: ماذا حَصَدنا حينَ تَمَسَّكَ أجدادُنا وأبآؤُنا بالحُقوقِ الشَّرعيَّةِ للمَرأة؟ حَصَدنا بُيوتًا مُطمَئنَّة، وأُسَرًا مُتَماسِكَة، وأُمَّهاتٍ أخرَجنَ للعالَمِ أبطالًا وعُلَماء. وماذا حَصَدَتِ المُجتَمَعاتُ التي حَكَّمَتِ القَوانينَ الوَضعيَّة؟ تَسليعٌ للمَرأة، جَعلُها مادَّةً دِعائيَّة، أُسَرٌ مُمَزَّقَة، وأمراضٌ نَفسيَّة.
وإن أخلَّ رَجُلٌ مُسلِمٌ بِحُقوقِ زَوجَتِه أو ابنَتِه، فَهَل هذا خَلَلٌ في الشَّريعَة أم في تَطبيقِ الرَّجُل؟ لِماذا يُلصَقُ تَقصيرُ الرِّجالِ وطُغيانُهُم في بَعضِ الأحيانِ بالإسلام؟ الغايَةُ واضِحَة: إبعادُ المَرأةِ عن دِينِها بِحُجَّةِ أنَّهُ سَبَبُ شَقائِها.
الوَقفَةُ الثَّانية: التَّطفيفُ في الحُقوقِ بَينَ الرَّجُلِ والمَرأة.
قال تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾. والتَّطفيفُ لا يَكونُ في المِيزانِ التِّجاريِّ فَحَسْب، بَل في مِيزانِ الحُقوقِ الزَّوجيَّة!
مِن مَظاهِرِ تَطفيفِ الرَّجُل: أن يَحرِصَ على استِيفاءِ حُقوقِهِ كامِلَةً مِن زَوجَتِه دونَ نُقصان؛ يُقيمُ الدُّنيا ولا يُقعِدُها إن أخلَّت بِشَيءٍ من حَقِّه، وفي المُقابِل، يَأكُلُ حُقوقَها، ويُقَصِّرُ في نَفَقَتِها، ويُهينُ كَرامَتَها! يُجيدُ الأَخذَ، ولا يَعرِفُ العَطاء.
ومِن مَظاهِرِ تَطفيفِ المَرأةِ في عَصرِنا: نِساءٌ ابتُلينا بِهِنَّ، يُرِدنَ من الرَّجُلِ كلَّ شَيء، ويُكَلِّفنَهُ بِما لم يُكَلِّفهُ بهِ الشَّرع، ولا يَحتَمِلُهُ جَيبُه. يُثقِلنَ كَواهِلَ الرِّجالِ بالأحمالِ، ويُنَغِّصنَ مَعيشَتَهُم بالطَّلَباتِ التَّافِهَةِ لِمُجاراةِ فُلانَة وعَلَّانَة. فَإن لم يَستَطِعِ الرَّجُلُ شَيئًا مِنها، اعتَبَرَتهُ مُخِلًّا بِحُقوقِها، ومُفَرِّطًا في جَنبِها! وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبر، وللهِ الحمد.
أيُّها المُسلِمون، ونَحنُ في خِتامِ هذِهِ الخُطبَة، أُوَجِّهُ رِسالتَين، واحِدَةً للرِّجال، وأُخرى للنِّساء:
يا مَعشَرَ الرِّجال:
استَوصوا بالنِّساءِ خَيرًا. صِراعُكُم اليَومَ في حِفظِ بُيوتِكُم لَيسَ صِراعًا مَعَ المَرأةِ كَما يُصَوِّرُهُ الغَرب، بَل هُوَ صِراعٌ بَينَ "رَجُلٍ" و"ذَكَر"؛ صِراعٌ بَينَ رَجُلٍ كَريمٍ وذَكَرٍ لَئيم! الرَّجُلُ الكَريمُ هو الذي يَصونُ أهلَهُ، ويَحمي حِماهُم، ويُرَبِّيهِم على الدِّينِ والطَّهارَةِ والعَفاف، ويَقومُ بِقِوامَتِهِ التي كَلَّفَهُ اللهُ بِها. والذَّكَرُ اللَّئيمُ هو الذي يُضَيِّعُ أمانَتَه، ويَترُكُ أهلَهُ لِمَهَبِّ الفِتَن!
ولِذلِكَ، أوَّلُ ما تَرى انفِلاتَ المَرأةِ في مُجتَمَعِنا، وتَبَرُّجَها في أسواقِنا، تَسألُ في نَفسِك: "أخُلِقَت هذِهِ مِن غَيرِ أبٍ ولا أخٍ ولا زَوج؟ أينَ الرِّجال؟". قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.
ويا مَعشَرَ النِّساء:
يا بَناتِ الإسلام، يا حَفيداتِ خَديجَةَ وعائِشَة... لا يَنقُصُ مِن قَدرِكُنَّ أن جَعَلَكُنَّ اللهُ أمانَةً مُوصًى بِها في أعناقِ الرِّجال، ولا يَعني ذلِكَ ضَعفًا يُعابُ عليكُنَّ. حَربُكُنَّ الحَقيقيَّةُ لَيسَت مَعَ آبائِكُنَّ وأزواجِكُنَّ، بَل حَربُكُنَّ مَعَ الشَّياطينِ الذينَ يَستَغِلُّونَكُنَّ لِضَربِ الأُمَّةِ وإسقاطِ الإسلام!
إن تَمَسَّكتِ بِدِينِكِ، وبِحِجابِكِ، وبِحَيائِكِ، وبِمَملَكَتِكِ في بَيتِك — كانَ لَكِ الخَيرُ العَميمُ في الدُّنيا والآخِرَة. وإن تَكَسَّرتِ أمامَ شُبُهاتِهِم، وتَرَكتِ دِينَكِ، كانَ شَرُّكِ مُستَطيرًا، وفِتنَتُكِ عَظيمَة. وقَد حَذَّرَ النَّبيُّ ﷺ مِن هذِهِ الفِتنَةِ حينَ قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ». فَلا تَكوني أنتِ السَّهمَ الذي تُطعَنُ بِهِ أُمَّتُك!
ويا أيُّها المُؤمِنونَ والمُؤمِنات:
تَمَسَّكوا بِدِينِكُم، واتَّقوا اللهَ في بَعضِكُم، ولْيُؤَدِّ كُلٌّ مِنكُم حَقَّ الآخَرِ الذي عَلَيه، واعرِفوا عَدُوَّكُم وما يُعِدُّ لَكُم مِنَ المَكائِدِ العِظام.
اللَّهُمَّ احفَظ بُيوتَ المُسلمين، اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِ الرِّجالِ والنِّساءِ على طاعَتِك.
اللَّهُمَّ استُر عوراتِنا، وآمِن رَوعاتِنا، واحفَظ بَناتِ المُسلمينَ وشَبابَهُم من مُضِلَّاتِ الفِتَن، ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن.
اللَّهُمَّ اجعَلْنا مِمَّن يَستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أحسَنَه.
اللَّهُمَّ تَقَبَّل منَّا ومنكم صالحَ الأعمال، وأعِد علينا هذا العيدَ باليُمنِ والإيمانِ والسَّلامَةِ والإسلام.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبر، اللهُ أكبر، وللهِ الحمد.
تَقَبَّلَ اللهُ منَّا ومنكم، وكلُّ عامٍ وأنتم إلى الله أقرب.
والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.