من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

الاعتذار بلا تبرير: كيف نرد الاعتبار لمن أخطأنا بحقه؟

مشاركة
🕌 الاعتذار بلا تبرير: كيف نرد الاعتبار لمن أخطأنا بحقه؟ #خطبة_جمعة #الاعتذار #التوبة #رد_المظالم #سلامة_الصدر #أخلاق #حقوق_العباد #الغرور الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ التَّوبةَ مَلاذًا للمُذنبين، والاعتذارَ مِفتاحًا لِقُلوبِ المُتَخاصِمين. الحمدُ لله الذي أَلانَ القُلوبَ القاسيةَ بالاعتراف، ورَفَعَ قَدْرَ مَن تَواضَعَ للحقِّ والإنصاف، وجَعَلَ رَدَّ المَظالمِ إلى أهلِها شَرطًا لِقَبولِ العِباداتِ والمَعاذير. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، العَدلُ الحَكَمُ، الذي لا يَضيعُ عندَهُ حَقُّ مَظلومٍ، ولا يَخفى عليهِ كِبرُ مُتكَبِّر. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أطوَلُ الناسِ عُذرًا، وأَسرَعُهم حَقًّا، وأطيَبُهم نَفسًا، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعدُ: أيُّها الإخوةُ المؤمنون، هل سَمِعتُم يَومًا شَخصًا يَقولُ لكم بعدَ أن أوجَعَ قلوبَكم: "أنا آسفٌ... ولَكِنَّكَ أنتَ من استَفَزَّني"؟ أو يقول: "أعتَذِرُ إن كُنتَ قد فَهِمْتَ كلامي خَطأً"؟ أو يَقول: "حَقُّكَ عَلَيَّ، ولَكِنَّ الظُّروفَ جَعَلَتني أَفعَلُ ذلك"؟ كيفَ وَقَعَت كلمةُ "لَكِن" على قلوبِكم في تِلك اللحظة؟ هل شَعَرتُم أنَّ الجُرحَ قد الْتَأَم؟ أم شَعَرتُم أنَّ هذا الاعتذارَ كانَ إهانةً جَديدة، وجُرحًا فَوقَ الجُرح؟ إنَّ كَلِمةَ "لَكِن" — يا عبادَ الله — هي المِمحاةُ الخَبيثَةُ التي تَمسَحُ كُلَّ صِدقٍ في كَلِمَةِ "آسف". هي الحِجابُ الذي نَضَعُهُ لِنَحميَ غُرورَنا من الانكسارِ أمامَ الحق. هي الطَّريقَةُ المُلتَويَةُ لِنَقولَ للمَظلوم: "أنا أعتَذِرُ لكَ شَكلًا، لَكِنِّي لَستُ مُخطِئًا حَقيقةً، بل أنتَ السَّبَب، أو الظُّروفُ هي السَّبَب". مَوضُوعُنا اليومَ ليسَ عن الكَلِمَةِ البارِدَةِ التي نُلقيها بِطَرَفِ اللِّسانِ لِنُسكتَ بها غَضَبَ الآخَرين. مَوضُوعُنا عن "الاعتذارِ الشُّجاع"، الاعتذارِ المُتَجَرِّدِ من الأنا، الاعتذارِ الذي يَرُدُّ الاعتبارَ لِمَن كَسَرنا قَلبَهُ، أو سَفَكنا ماءَ وَجهِهِ، أو تَطاوَلنا على حَقِّه. مَوضُوعُنا عن الاعترافِ الحُرِّ الذي لا تَتْبَعُهُ تبريراتٌ واهية. تَأمَّلوا مَعي يا عبادَ الله، إلى أصلِ الخِلقَة، وإلى أوَّلِ مَعصيَةٍ عُرِفَت في المَلَأِ الأعلى، لِنَفهَمَ الفَرقَ الهائلَ بينَ "الاعتراف" وبينَ "التَّبرير". حينَ أخطَأَ أبونا آدَمُ عليهِ السَّلامُ وأَكَلَ من الشَّجَرَة، ماذا فَعَل؟ هل بَرَّرَ مَوقِفَه؟ هل قال: يا رَبِّ، إنَّ الشَّيطانَ قَد غَرَّني؟ هل قال: يا رَبِّ، إنَّ حَوَّاءَ هي التي زَيَّنَت لي؟ لا والله. لَقَد وَقَفَ هو وزَوجُهُ مَوقِفَ العَبدِ المُنكَسِرِ المُتَحَمِّلِ لِمَسؤوليَّتِهِ الكامِلَة، وقالا كَلِماتٍ خَلَّدَها القُرآن: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]. اعترافٌ مُطلَق. لا شُروط، لا أَعذار، لا إلقاءٌ للَّومِ على الآخَرين. وفي المُقابِل، حينَ عَصى إبليسُ رَبَّهُ ورَفَضَ السُّجود، هل اعتَرَف؟ لا، بَل دَخَلَ في دائِرَةِ "التَّبريرِ" الخَبيثة. بَرَّرَ أوَّلًا بالعُنصُريَّة: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]. ثُمَّ حينَ طُرِدَ، ألقى باللَّومِ على رَبِّه — والعياذُ بالله — فَقال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16]. لم يَقُل "بِما غَوَيت"، بَل قال "بِما أَغوَيتَني"! أنتَ السَّبَبُ يا رَبّ في ضَلالي! ولِذلكَ، يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "فَمَن أذنَبَ فاعتَرَفَ وتابَ ونَدِمَ، فَقَد أَشبَهَ أباهُ آدَم. ومَن أذنَبَ فأصَرَّ واحتَجَّ وبَرَّر، فَقَد أَشبَهَ إبليس!". والسُّؤالُ الذي يَطرَحُ نَفسَهُ الآن: كَم مَرَّةً في حَياتِنا كُنَّا إبليسيِّينَ في تبريرِ أخطائِنا مَعَ البَشَر؟ حينَ تَظلِمُ زَوجَتَكَ وتَصرُخُ في وَجهِها، ثُمَّ تَقولُ لها: "أنا أخطَأتُ، ولَكِنَّ استِفزازَكِ هو السَّبَب" — هذا تَبريرٌ إبليسيٌّ، يَسلُبُ الاعتذارَ رُوحَه. حينَ تَخونُ أمانَةَ صَديقِك، وتَقولُ له: "أنا آسف، لَكِنَّ الظُّروفَ المادِّيَّةَ ضَغَطَت عَلَيَّ" — أنتَ هُنا لا تَعتَذِر، أنتَ تَطلُبُ منهُ أن يَتَعاطَفَ مَعَ خِيانَتِك! واسمَعوا لهذا الهَديِ النَّبَويِّ العَظيم، لِتَرَوا كَيفَ يُرَبِّي الإسلامُ رِجالًا لا يَعرِفونَ عُقدَةَ الكِبرِ عِندَ الخَطَأ. في يَومٍ من الأيَّام، وقَعَ خِلافٌ حادٌّ بينَ الصَّحابيِّ الجَليلِ أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ، وبَينَ الصَّحابيِّ الجَليلِ بِلالِ بنِ رَباح رَضيَ اللهُ عَنهُما. واشتَدَّ الغَضَبُ في قَلبِ أبي ذَرّ، فانفَلَتَت من لِسانِهِ كَلِمَةٌ في ساعَةِ غَضَب، وقال لِبِلال: "يا ابنَ السَّوداء!". كَلِمَةٌ جارِحَة! كَلِمَةٌ تَمَسُّ العِرقَ والأُمَّ والكَرامة. غَضِبَ بِلالٌ غَضَبًا شَديدًا، وشَكاهُ إلى النَّبيِّ ﷺ. فاسْتَدعى النَّبيُّ ﷺ أبا ذَرّ، ولم يُدارِهِ، ولم يَلتَمِس لهُ عُذرًا بَل واجَهَهُ بِحَزمٍ قائِلًا: «يا أبا ذَرّ، أَعَيَّرتَهُ بأُمِّه؟ إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّة»! تَوقَّفوا هُنا! رَجُلٌ من ساداتِ الصَّحابَة، يُقالُ لَهُ من رَسولِ اللهِ: "فيكَ جاهِليَّة"! كَيفَ كانَ رَدُّ فِعلِ أبي ذَرّ؟ هل بَرَّرَ فِعلَتَه؟ هل قال: "يا رَسولَ الله، إنَّهُ هو الذي بَدَأَ باستفزازي"؟ هل قال: "لقد أخرَجَني عن طَوري"؟ هل استَخدَمَ تِلكَ الأعذارَ التي نَعلُكُها نَحنُ صَباحَ مَساء؟ أبَدًا! لَقَد فَهِمَ أبو ذَرٍّ أنَّ الخَطَأَ قَد وَقَع، وأنَّ الاعتذارَ يَجِبُ أن يَكونَ بِحَجمِ الجُرح. ذَهَبَ أبو ذَرٍّ يَبحَثُ عن بِلال، وحينَ وَجَدَه، لم يَكتَفِ بِكَلِمَةِ "آسف" بارِدَة، بَل ألقى بِنَفسِهِ على الأرض، ووَضَعَ خَدَّهُ على التُّرابِ أمامَ قَدَمَي بِلال، وقال بِنَبرَةِ المُنكَسِرِ لِلحَقّ: "واللهِ يا بِلالُ لا أَرفَعُ خَدِّي عن التُّرابِ حتَّى تَطَأَهُ بِقَدَمِك... أنتَ الكَريمُ وأنا المُهان!". يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لَشَجاعَةِ هؤلاءِ الرِّجال! يَعلَمونَ أنَّ الكَرامَةَ الحَقيقيَّةَ لَيسَت في المُكابَرَة، بَل في الرُّجوعِ إلى الحَقِّ وإنكارِ الذَّات. بَكى بِلالٌ، وانكَبَّ على أبي ذَرٍّ يُقَبِّلُهُ، وقال: "واللهِ لا أَطَأُ وَجهًا سَجَدَ للهِ سَجدَةً واحِدة". وعانَقَهُ وقامَا أخوانِ مُتَحابَّان. الاعتذارُ الشُّجاعُ — يا كرام — هو الذي يَرُدُّ للمَظلومِ اعتِبارَه. إذا جَرَحتَ شَخصًا أمامَ النَّاس، فَلا يَكفي أن تَعتَذِرَ لهُ في غُرفَةٍ مُغلَقَة. إنَّكَ أَرَقتَ ماءَ وَجهِهِ عَلَنًا، فَيَجِبُ أن تَرُدَّ لَهُ اعتباره عَلَنًا. يَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُبَيِّنًا شُروطَ التَّوبَةِ الحَقَّة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 160]. تَأمَّلوا: تابُوا، وأصلَحوا ما أفسَدوا، وبيَّنوا الحَقَّ الذي أَنكَروه. التَّوبَةُ باللِّسانِ لا تَكفي ما لم يُرافِقها إصلاحٌ لِما انكَسَر. ولَعَلَّكُم تَسألون: لِماذا يَستَثقِلُ كَثيرٌ منَّا كَلِمَةَ "أنا مُخطِئ"؟ لِماذا نَلتَوِي ونَدورُ ونَستَخدِمُ كُلَّ حِيَلِ اللُّغَةِ لِكَي لا نَقولَها صَريحَةً واضِحة؟ إنَّهُ داءٌ واحدٌ يَنخَرُ في صُدورِنا: الگِبر. نَحنُ نَتَوَهَّمُ أنَّ الاعتذارَ انتِقاصٌ لِقَدْرِنا، وصِغَرٌ في أعيُنِ النَّاس. نَظُنُّ أنَّ الزَّوجَ إذا اعتَذَرَ لِزَوجَتِهِ بقُوَّةٍ ووضوح، سَقَطَت هَيبَتُه. ونَظُنُّ أنَّ المُديرَ إذا اعتَذَرَ لِمُوَظَّفِهِ، انكَسَرَت إدارَتُه. ونَظُنُّ أنَّ الأبَ إذا اعتَذَرَ لابنِهِ عن قَسوَتِهِ، ضاعَ احتِرامُه! وهذا وَهمٌ شَيطانيٌّ خَبيث. لَقَد بَيَّنَ النَّبيُّ ﷺ حَقيقَةَ الكِبرِ بِكَلِمَتَينِ جامِعَتَين، فَقال: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» [رواهُ مُسلم]. بَطَرُ الحَقّ: أي دَفعُهُ ورَدُّهُ وعَدَمُ قَبولِه. وغَمطُ النَّاس: أي احتِقارُهُم واستِصغارُ شُعورِهِم. فَعِندَما تَرفُضُ الاعتذارَ الصَّريح، أنتَ تُمَلِّكُ الكِبرَ قِيادَةَ قَلبِك. وقد كانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "إنَّ المُؤمِنَ قَوَّامٌ على نَفسِه، يُحاسِبُ نَفسَهُ لله، وإنَّما خَفَّ الحِسابُ يَومَ القِيامَةِ على قَومٍ حاسَبوا أنفُسَهُم في الدُّنيا، وإنَّما شَقَّ الحِسابُ يَومَ القِيامَةِ على قَومٍ أَخَذوا هذا الأمرَ من غَيرِ مُحاسَبَة". واسمَعوا لهذا المَوقِفِ العَجيبِ بَينَ رَجُلَينِ هُما أفضَلُ الأُمَّةِ بَعدَ نَبيِّها: أبو بَكرٍ وعُمَر، رَضيَ اللهُ عَنهُما. وَقَعَت بَينَهُما مُحاوَرَةٌ في أمْرٍ، فَاغتاظَ أبو بَكرٍ وقَالَ كَلِمَةً أغضَبَت عُمَر. فَانصَرَفَ عُمَرُ غاضِبًا. أدرَكَ أبو بَكرٍ خَطَأَهُ فَورًا، فَلَحِقَ بِعُمَرَ يَطلُبُ مِنهُ المَغفِرَةَ ويَعتَذِرُ إليه، ولَكِنَّ عُمَرَ — من شِدَّةِ غَضَبِهِ — رَفَضَ أن يَقبَلَ العُذر، وأغلَقَ بابَهُ في وَجهِ أبي بَكر! تَخَيَّلوا المَوقِف! الصِّدِّيقُ الأكبَرُ يُغلَقُ البابُ في وَجهِه؟ ماذا فَعَل؟ هل قال: كَرامَتي! أنا أفضَلُ مِنهُ، وقَد ذَهَبتُ إليهِ فَرَفَض، فَلْيَذهَبْ غَضَبُهُ إلى الجَحيم؟ لا! بَل ذَهَبَ أبو بَكرٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، وقد رَفَعَ طَرَفَ ثَوبِهِ حتَّى بَدَت رُكبَتُهُ (مِن شِدَّةِ استِعجالِه وتَأثُّرِه). فَلَمَّا رَآهُ النَّبيُّ ﷺ قال: «أمَّا صاحِبُكُم فَقَد غامَر» (أي دَخَلَ في خُصومَة). سَرَدَ أبو بَكرٍ القِصَّةَ للنَّبيِّ ﷺ. وفي هذه الأثناء، نَدِمَ عُمَرُ أنَّهُ رَدَّ أبا بَكر، فَذَهَبَ إلى بَيتِ أبي بَكرٍ فَلَم يَجِده، فجاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ. فَلَمَّا رَأى النَّبيُّ ﷺ عُمَرَ، تَمَعَّرَ وَجهُ رَسولِ اللهِ ﷺ وغَضِبَ لِأبي بَكر، حتَّى خافَ أبو بَكرٍ على عُمَرَ من غَضَبِ النَّبيِّ ﷺ! تَأمَّلوا الآنَ ذُروَةَ شَرَفِ النَّفسِ وإنكارِ الذَّات! أبو بَكرٍ — الذي أُغلِقَ البابُ في وَجهِه — يَجثو على رُكبَتَيهِ أمامَ رَسولِ اللهِ ﷺ، ويَقولُ مُدافِعًا عن عُمَر، ومُعتَرِفًا بِخَطَئِهِ هو: "يا رَسولَ الله، واللهِ أنا كُنتُ أظلَم! واللهِ أنا كُنتُ أظلَم!". اللهُ أكبَر! أيُّ نُفوسٍ هذه؟ المَظلومُ بالرَّفضِ يَتَوَسَّلُ ويَقول: "أنا كُنتُ أظلَم". لم يَسمَح للانتصارِ النَّفسيِّ أن يُطغِيَه، بَل رَدَّ الحَقَّ كامِلًا. فَقال النَّبيُّ ﷺ كَلِمَتَهُ الفاصِلة: «إنَّ اللهَ بَعَثَني إليكُم، فَقُلتُم: كَذَبتَ، وقالَ أبو بكرٍ: صَدَقَ... فَهل أنتم تارِكوا لي صاحِبي؟». يومَ نَتَعَلَّمُ أن نَقولَ: "أنا كُنتُ أظلَم" دُونَ لَفٍّ ولا دَوران، ستُشفَى بُيوتُنا من نِصفِ مَشاكِلِها. سَتَلتَئِمُ الجُروحُ بَينَ الإخوَة. ستَتَماسَكُ عَلاقاتُ الأرحام. أيُّها الإخوَةُ الكِرام، إنَّ حُقوقَ العِبادِ مَبنيَّةٌ على المُشاحَّةِ والمُطالَبَة، وحُقوقَ اللهِ مَبنيَّةٌ على المُسامَحَة. اللهُ جَلَّ جَلالُهُ قَد يَغفِرُ لَكَ ما بَينَكَ وبَينَهُ من ذُنوبٍ بِمُجَرَّدِ دَمعَةِ نَدَمٍ في جَوفِ اللَّيل. ولَكِنَّ حَقَّ أخيكَ المُسلِم، وحَقَّ زَوجَتِك، وحَقَّ جارِك، وحَقَّ شَريكِك في العَمَل، الذي ظَلَمتَهُ أو أهَنتَهُ أو سَلَبتَهُ — لا يَغفِرُهُ اللهُ لَكَ حتَّى يَغفِرَهُ لَكَ صاحِبُ الحَقّ! يَقولُ رَبُّنا تَعالى مُحَذِّرًا من هذا اليَومِ العَصيب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]. مِثقالُ حَبَّةٍ من خَردَل! كَلِمَةٌ جارِحَةٌ ألقَيتَها ومَضَيت... نَظرَةُ احتِقارٍ... تَكذيبٌ لِبَريء... اتِّهامٌ في عِرض... كُلُّهُ مَحسوبٌ مَوزون. ولِذلك، كانَ التَّحذيرُ النَّبَويُّ صاعِقًا. قال رَسولُ الله ﷺ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» [رواهُ البُخاري]. هل تَتَخَيَّلونَ المَشهَد؟ تَأتي يَومَ القِيامَةِ بِصَلاةٍ وصِيامٍ وحَجّ، وقَد تَعِبتَ فيها طَوالَ عُمُرِك، فَتَجِدُ جِبالًا من الحَسَنات. ثُمَّ يَأتي شَخصٌ قَد كَسَرتَ نَفسَهُ ولَم تَعتَذِر، وشَخصٌ اتَّهَمتَهُ باطِلًا ولَم تَرُدَّ اعتِبارَه، وشَخصٌ أهَنتَهُ أمامَ النَّاسِ وتَكَبَّرتَ عن التَّأسُّفِ لَه — فَيَقِفون طابورًا طَويلًا! يَأخُذُ هذا من حَسَناتِكَ، وهذا من حَسَناتِك، حتَّى تَفنى حَسَناتُك! ثُمَّ تُؤخَذُ من ذُنوبِهِم فَتُرمى على ظَهرِك، ثُمَّ تُطرَحُ في النَّار! هذا هو المُفلِسُ الحَقيقيّ. أفلَسَ لا لِأنَّهُ لَم يَعبُدِ الله، بَل لِأنَّ غُرورَهُ مَنَعَهُ من أن يَقولَ كَلِمَةَ "أنا مُخطِئ، سامِحني" في الدُّنيا، فَدَفَعَ ثَمَنَها من جَنَّتِهِ يَومَ القِيامَة. يَقولُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ في رِسالَتِهِ المَشهورَةِ لأبي مُوسى الأشعَريّ: "ولا يَمنَعَنَّكَ قَضاءٌ قَضَيتَهُ بِالأمسِ، فراجَعتَ فيهِ نَفسَك، وهُديتَ فيهِ لِرُشدِك — أن تَرجِعَ إلى الحَقّ؛ فإنَّ الحَقَّ قَديمٌ لا يُبطِلُهُ شَيء، ومُراجَعَةُ الحَقِّ خَيرٌ مِنَ التَّمادي في الباطِل". فَيا عبادَ الله... إنَّ الرُّجوعَ إلى الحَقِّ شَرَف، والاعتذارَ نُبْل، ورَدَّ المَظالِمِ كَرامَة. لا تَلتَمِسوا لِأخطائِكُم أعذارًا، ولا تَدفَعوا بآلامِ النَّاسِ إلى مُستَنقَعِ التَّبريرات. كُونوا شُجعانًا في أخطائِكُم، كَما تَوَدُّونَ أن يَكونَ النَّاسُ مُتسامِحينَ في عَفْوِهِم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ وتَقصير، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمْدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أرسَلَهُ رَبُّهُ رَحمَةً للعالَمين ومُتَمِّمًا لِمَكارِمِ الأخلاق، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ المَعنى العَظيمِ لِلاعتذارِ المُتَجَرِّد، ورَأَينا كَيفَ أنَّ الاعترافَ شِيمَةُ الأنبياءِ كآدَم، والتَّبريرَ سُنَّةُ المُتَكَبِّرينَ كإبليس. وعَرَفنا كَيفَ ضَرَبَ لنا الصَّحابَةُ أروَعَ الأمثِلَةِ في دَهسِ الغُرورِ ورَدِّ الاعتِبار. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في بُيوتِنا ومَكاتِبِنا وحَياتِنا اليَوميَّة؟ أُوصيكُم — وأُوصي نَفسي أوَّلًا — بِخَمسِ وَصايا عَمَليَّةٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكُم: الأولى (قَلبيَّة): اقتُلوا جُرثومَةَ الكِبرِ في نُفوسِكُم. إذا أخطَأتَ، فاعتَرِف لِنَفسِكَ أوَّلًا أنَّكَ مُخطِئ، دُونَ أن تُبَرِّرَ لَها. النَّفسُ الأمَّارَةُ بِالسُّوءِ سَتَقولُ لك: "أنتَ على حَقّ، هُم مَن أجبَروك". أخرِس هذا الصَّوت، وتَذَكَّر أنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُورتِك، بَل إلى قَلبِك، وأنَّ ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. الثَّانيَة (لِسانيَّة): احذِفوا كَلِمَةَ "لَكِن" من قاموسِ اعتذاراتِكُم تَمامًا. إذا أردتَ أن تَعتَذِر، فَقُل: "أنا آسف، لَقَد أخطَأتُ بِحَقِّك، وأطلُبُ مِنكَ المُسامَحَة". نُقطَة. لا تَشْرَح أسبابًا تُحَمِّلُ فيها الطَّرَفَ الآخَرَ المَسؤوليَّة. الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ المُجَرَّدَةُ هِيَ التي تَغسِلُ القُلوب، وكَما أمَرَنا الله: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. الثَّالثَة (عَمَليَّة): الاعتذارُ مَوقِفٌ لا مُجَرَّدُ كَلِمَة. إذا اغتَبتَ شَخصًا في مَجلِس، فَلا يَكفي أن تَعتَذِرَ لَهُ سِرًّا، بَل دافِع عنهُ في نَفسِ المَجلِسِ الذي طَعَنتَهُ فيه. هذا هو الإصلاحُ الحَقيقيُّ الذي يُرافِقُ التَّوبَة. الرَّابعَة (اجتِماعيَّة): ابدَؤوا بِالأقَرَبين. الزَّوجُ الذي يَعتَذِرُ لِزَوجَتِهِ عِندَ الخَطَأ لَيسَ ضَعيفًا، بَل هو رَجُلٌ حَقيقيٌّ يَقتَدي بِرَسولِ الله ﷺ. والأبُ الذي يَقولُ لابنِهِ الصَّغير: "أنا آسفٌ يا بُنَيّ، لَقَد قَسَوتُ عَلَيكَ خَطَأً"، يُرَبِّي في ابنِهِ عِزَّةَ النَّفسِ واحترامَ الحَقِّ أكثرَ من ألفِ دَرسٍ مُلَقَّن. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): افعَلوها اليوم! اليَوم يا عِبادَ الله. مَن كانَ بَينَهُ وبَينَ أُختِه قَطيعَة، أو بَينَهُ وبَينَ جارِهِ خُصومَة، أو يَعرِفُ أنَّهُ جَرَحَ شَخصًا ومَضى — فَلْيُمسِك بِهاتِفِهِ بَعدَ الصَّلاةِ مُباشَرَةً، ولْيَبعَث رِسالَةً أو يَتَّصِل ويَقول: "سامِحني". لا تُؤَجِّلوا، فَالمَوتُ يَأتي بَغتَة، ومَحاكِمُ الآخِرَةِ قُضاتُها المَلائِكَةُ وشُهودُها الجَوارِح. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العَفوَ والاعتذارَ صِفَةُ المُتَّقين، الذين قال اللهُ فيهِم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَد قال اللهُ جَلَّ في عُلاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. 🤲 الدعاء اللَّهُمَّ إنَّا نَسأَلُكَ أن تُطَهِّرَ قُلوبَنا من الكِبر، وألسِنَتَنا من الكَذِب والمُكابَرَة، ونُفوسَنا من الغُرور. اللَّهُمَّ ارزُقنا شَجاعَةَ الاعترافِ بالخَطَأ، وقُوَّةَ الرُّجوعِ إلى الحَقّ، وتَواضُعَ المُنكَسِرينَ لِعَظَمَتِك. اللَّهُمَّ مَن ظَلَمناهُ من خَلقِكَ بِقَصدٍ أو بِغَيرِ قَصد، في مالٍ أو عِرضٍ أو نَفس — فاللَّهُمَّ رُدَّ إليهِ مَظلَمَتَه، واجعَلهُ راضيًا عنَّا في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة. اللَّهُمَّ ومَن ظَلَمَنا من عِبادِكَ، فَقَد عَفَونا عنهُ ابتِغاءَ مَرضاتِك، فَاعفُ عنَّا كَما عَفَونا عَنهُم، واغفِر لنا كَما غَفَرنا لَهُم، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِنا، وأصلِح ذاتَ بَينِنا، واهدِنا سُبُلَ السَّلام، ونَجِّنا من الظُّلُماتِ إلى النُّور. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ عامَّة، واحقِن دِماءَهُم، وارحَم مُستَضعَفيهِم في كُلِّ مَكان، يا رَبَّ العالَمين. عبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. 🌿 إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.