من مكتبة مِداد الخطيب

أدبُ الاستغفارِ والتَّوبَةِ الصَّادِقَة

مشاركة
🕌 أدبُ الاستغفارِ والتَّوبَةِ الصَّادِقَة #خطبة_جمعة #الاستغفار #التوبة #التوبة_النصوح #مغفرة_الذنوب #رقائق #إيمانيات الحمدُ للهِ التَّوَّابِ الرَّحيم، غافِرِ الذَّنبِ وقابِلِ التَّوبِ شَديدِ العِقابِ ذي الطَّول، الذي لا إلهَ إلَّا هُوَ إليهِ المَصير. الحمدُ للهِ الذي بَسَطَ يدَهُ باللَّيلِ لِيَتوبَ مُسيءُ النَّهار، وبَسَطَ يَدَهُ بالنَّهارِ لِيَتوبَ مُسيءُ اللَّيل، حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِها. سُبحانَهُ وَسِعَت رَحمَتُهُ مَن تابَ وأناب، وفَتَحَ للمُستَغفِرينَ أبوابَ الرِّضا والإجابَةِ وحُسنِ المَآب، يُنادِي عِبادَهُ بالرَّأفَةِ والمَودَّةِ وهُم لَه عاصُون، ويَكلَؤُهُم برِعايَتِهِ وهُم عن شُكرِهِ غافِلون. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، إلَهُ الأوَّلينَ والآخِرين، ومَلاذُ التَّائبين، وأمانُ الخائفين، كَتَبَ على نَفسِهِ الرَّحمَةَ فقالَ وقَولُهُ الحَقّ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وحَبيبَنا وقُدوَتَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، وصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وخَليلُه، غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وما تَأخَّر، وكانَ أَكثَرَ النَّاسِ استِغفاراً وتَوبَةً وإنابَةً في كُلِّ مَشهَدٍ ومَخبَر، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأبرار، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً مَديداً إلى يَومِ اللِّقاءِ والقَرار. أمَّا بعد: فيا عِبادَ الله، ألا ما أجمَلَ دَمعَةَ التَّائبِ حينَ تَسقُطُ في هَزيعِ اللَّيلِ نَدَماً وانكِساراً! وما أعذَبَ أنينَ المُعتَرِفِ بذَنبِهِ وهو يَقِفُ على عَتَبَةِ مَولاه، خاضِعَ الرَّأس، كَسيرَ الجَنان، مُتَبَرِّئاً مِن حَولِهِ وقُوَّتِه، يُلِحُّ في الرَّجاءِ قائلاً: "يا رَبِّ، ظَلَمتُ نَفسي فاغفِر لي، فإنَّهُ لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنت"! تَأمَّلوا مَعاشِرَ المُصلِّين في جَلالِ هذا الرَّبِّ الرَّحيم، ومَا أكرَمَهُ على عِبادِه؛ نَعصِيهِ ويَستُرُنا، ونُجاهِرُهُ ويُمهِلُنا، ونُدبِرُ عنهُ فيُنادينا، فإذا ما رَجَعنا إليهِ لَحظَةً واحِدَةً صَادِقَة، تَلَقَّانا بفَيضِ عَفْوِهِ وغُفرانِه، وبَدَّلَ سَيِّئاتِنا حَسَنات! عَجَباً لقَلبٍ يَعْرِفُ سَعَةَ رَحمَةِ اللهِ ثمَّ يَقْنَط! وعَجَباً لمَكروبٍ تُثقِلُهُ الأوزارُ وبابُ التَّوبَةِ مَفتوحٌ لا يُغلَقُ في وَجهِ قاصِدٍ أبداً! أينَ يَذهبُ التَّائهون في حَمْأَةِ الشَّهَوات، وهذا نِداءُ المَلِكِ الدَّيَّانِ يَمْلأُ الآفاقَ أَمَلاً ورَجاءً وضِياء؟ يقولُ رَبُّكم جلَّ في عُلاه في كِتابِهِ الحَكيم، مُنادِياً أهْلَ الإيمانِ جَميعاً — لا العُصاةَ وَحدَهم، بل خِيارَ الخَلقِ وأولياءَهُ المُؤمِنين — فقالَ سُبحانَه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. تَأمَّلوا في هذا النِّداءِ القُرآنيِّ العَجيب: لم يَقُل: "توبوا أيُّها المُذنِبون"، ولا "توبوا أيُّها المُقَصِّرون"، بل قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾! ليَعلَمَ كُلُّ رَجُلٍ وكُلُّ امرَأَةٍ مِنَّا أنَّ التَّوبَةَ لَيسَت مَحَطَّةً عابِرَةً يَمرُّ بها الفاسِقُ لِيَدخُلَ في عِدادِ الصَّالِحين، ثمَّ يَستَغني عنها بعدَ ذلك؛ كَلَّا والله! بل التَّوبَةُ هيَ وَظيفَةُ العُمُرِ كُلِّه، وهيَ لِباسُ المُؤمِنِ في كُلِّ نَفَسٍ يَخرُجُ مِن صَدرِه! فالمُؤمِنُ يَتوبُ مِنَ المَعصيَةِ إذا وَقَعَ فيها، ويَتوبُ مِنَ الغَفلَةِ إذا طَرَقَت قَلبَه، ويَتوبُ مِن تَقصيرِهِ في شُكرِ النِّعَمِ وحَقِّ العِبادَة، ويَتوبُ رَجاءَ أن يَرتَفِعَ إلى مَقامٍ أعلَى عِندَ رَبِّه. ولِذلكَ عَلَّقَ اللهُ الفَلاحَ كُلَّهُ بالتَّوبَةِ فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ فمَن لم يَتُب، فليسَ بمُفلِحٍ وإن مَلَكَ الدُّنيا بأسرِها! ثمَّ يُنادي سُبحانَهُ عِبادَهُ بنداءِ الوِدادِ والإرشادِ إلى التَّوبَةِ الكامِلَةِ المَقبولَة، فيقولُ عزَّ مِن قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: 8]. تَأمَّلوا وَصفَ التَّوبَةِ بأنَّها ﴿نَّصُوحًا﴾؛ قالَ أهلُ اللُّغَةِ والتَّفسير: "النُّصوحُ مَأخوذٌ مِن نَصَحَ الثَّوبَ إذا خاطَهُ وأصلَحَ خَرقَه". فكأنَّ الذُّنوبَ والمَعاصيَ تُخَرِّقُ ثَوبَ دِينِكَ وتُمَزِّقُه، وتَأتي التَّوبَةُ النَّصوحُ لِتَخيطَ ذلكَ التَّمَزُّق، وتُصلِحَ ذلكَ الخَرق، فيَعودُ الثَّوبُ نَقِيّاً جَميلاً كأن لم يُصِبهُ دَنَس! وقالَ أميرُ المُؤمِنينَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه حينَ سُئِلَ عن التَّوبَةِ النَّصوح: "التَّوبَةُ النَّصوحُ يَجمَعُها سِتَّةُ أشياء: النَّدَمُ على ما مَضى، وإعادَةُ الفَرائض، ورَدُّ المَظالِم، واستِحلالُ الخُصوم، وإذَابَةُ كُلِّ لَحمٍ ونَبْتٍ نَبَتَ على الحَرامِ في طاعَةِ الله، وإذاقَةُ النَّفسِ مَرارَةَ الطَّاعَةِ كما أذَقتَها حَلاوَةَ المَعصيَة". ويَفتَحُ اللهُ مَصاريعَ الأملِ لِكُلِّ مَن حَمَلَ في صَدرِهِ ثِقَلَ خَطيئَةٍ أضْنَتْه، فيقولُ جَلَّ في عُلاه في سُورَةِ النِّساء: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]. تَأمَّلوا قَولَهُ سُبحانَه: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾؛ لم يَقُل: "يَرجُو غُفرانَ الله"، بل ﴿يَجِدِ اللَّهَ﴾! تَجِدُ مَغفِرَةَ رَبِّكَ كأنَّها شَيءٌ حاضِرٌ مَلموسٌ مُهَيَّأٌ يَنتَظِرُ رُجوعَك! تَجِدُهُ غَفوراً لذَنبِكَ المَاضي، رَحيماً بحالِكَ الآتي، يَحتَضِنُ انكسارَكَ ويَغسِلُ أوحالَ سَيرِك. ويَقولُ في صِفاتِ المُتَّقينَ الأبرارِ الذينَ أُعِدَّت لَهُمُ الجَنَّةُ في سُورَةِ آلِ عِمران: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. سُبحانَ الله! يَذكُرُ الفاحِشَةَ وظُلمَ النَّفس، ثمَّ يَجعَلُ أصحابَها مِن أهْلِ الجَنَّة! لماذا؟ لأنَّهُم مَلَكوا مِفتاحَ النَّجاة: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾! لم يَتَكَبَّروا، ولم يُصِرُّوا، بل طَرَقوا بابَ الغَفَّارِ في ساعَتِها، فعَفَا وتَجاوَزَ وسَتَر! واسمَعوا معاشِرَ المُصلِّين إلى هَدْيِ إمامِ التَّائبينَ وقُدوَةِ المُستَغفِرين ﷺ؛ روى البُخاريُّ في صَحيحِهِ عن أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «واللهِ إنِّي لأَستَغفِرُ اللهَ وأتُوبُ إليهِ في اليَومِ أَكثَرَ مِن سَبعِينَ مَرَّة»! وفي صَحيحِ مُسلِمٍ عن الأغَرِّ المُزَنِيِّ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّهُ لَيُغانُ على قَلبي، وإنِّي لأَستَغفِرُ اللهَ في اليَومِ مِائَةَ مَرَّة»! يا سُبحانَ الله! مُحمَّدٌ ﷺ! الذي خَرَقَ الحُجُب، ودَنا فتدَلَّى فكانَ قابَ قَوسَينِ أو أدنَى، الذي غَفَرَ اللهُ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وما تَأخَّر، يَستَغفِرُ في اليَومِ مِائَةَ مَرَّة؟! فماذا نَقولُ نَحنُ الذينَ غَرِقنا في الذُّنوبِ إلى الآذان، وثَقُلَت مَوازينُنا بالخَطايا والآثام؟! كم مَرَّةً نَستَغفِرُ اللهَ في يَومِنا؟ هل تَبْلُغُ استِغفاراتُنا عَشراً، أم نَقومُ ونَقعُدُ وتَمُرُّ الأيَّامُ والأسابيعُ والشُّهورُ ونَحنُ في غَفلَةٍ لا نَذكُرُ فيها حَقيقَةَ الاستغفار؟! ثمَّ استَمِعوا إلى هذا الحديثِ المَهيبِ الذي يَخلَعُ القُلوبَ فَرَحاً برَحمَةِ الله، ويَهدِمُ كُلَّ يَأسٍ تَسَرَّبَ إلى صَدرِ مُبتَلى؛ روى الإمامانِ البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما، عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه، قال: قالَ رسولَ اللهِ ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بتَوبَةِ عَبدِهِ حينَ يَتُوبُ إليهِ مِن أحَدِكُم كانَ على رَاحِلَتِهِ بأرضِ فَلاة، فانفَلَتَتْ مِنهُ وعليها طَعامُهُ وشَرابُه، فأَيِسَ مِنها، فأتَى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّها قد أيِسَ مِن رَاحِلَتِه، فبَينا هوَ كذلكَ إذا هُوَ بها قَائِمَةً عِندَه، فأخَذَ بخِطامِها، ثمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَح: اللَّهُمَّ أنتَ عَبدي وأنا رَبُّك! أَخطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَح»! اللهُ أكبر! اللهُ أكبر! تَصَوَّروا هذا المَشهَدَ البَشريَّ رَحِمَكُمُ الله: رَجُلٌ في وَسَطِ صَحراءَ مُهلِكَة، انقَطَعَت بهِ السُّبُل، ضاعَت راحِلَتُهُ وفيها طَعامُهُ وشَرابُه، أيْ: حُكِمَ عليهِ بالمَوتِ قَطعاً! استَسلَمَ للمَنيَّة، ووَضَعَ رَأسَهُ يَنتَظِرُ مَلَكَ المَوت... ثمَّ فَتَحَ عَينَيهِ فإذا النَّجاةُ قَائِمَةٌ على رَأسِه! أيُّ فَرحَةٍ هذه؟! فَرحَةُ رُجوعِ الحَياةِ بعدَ المَوت! النَّبيُّ ﷺ يُقسِمُ ويُقَرِّر: أنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُه — الغَنِيَّ عن عِبادِهِ وعَن عِبادَتِهم كلِّها — أفرَحُ بتَوبَتِكَ أنت، وانكِسارِكَ أنت، ورُجوعِكَ إلى بابِهِ أنت، مِن هذا الرَّجُلِ بعَودَةِ حَياتِه! فلماذا تَتَأخَّر؟ وعَمَّن تَهرُب؟ وإلى مَن تَلجَأ، ورَبُّكَ الكَريمُ يَنتَظِرُ رُجوعَكَ لِيَفرَحَ بتَوبَتِك ويُكرِمَ مَثواك؟! وقد عَلَّمَنا الحَبيبُ ﷺ كَلِماتِ التَّاجِ في الاستغفار، التي لا يَقرَؤُها عَبدٌ بِيَقينٍ إلَّا وَجَبَت لهُ الجَنَّة؛ روى البُخاريُّ في صَحيحِهِ عن شَدَّادِ بنِ أوسٍ رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ قال: «سَيِّدُ الاستِغفارِ أن تَقول: اللَّهُمَّ أنتَ رَبِّي لا إلهَ إلا أنت، خَلَقتَني وأنا عَبدُك، وأنا على عَهدِكَ ووَعْدِكَ ما استَطَعت، أعوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعت، أبوءُ لَكَ بنِعمَتِكَ عَلَيَّ، وأبوءُ بذَنبي فاغفِر لي، فإنَّهُ لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنت. مَن قالَها مِنَ النَّهارِ مُوقِناً بها فماتَ مِن يَومِهِ قبلَ أن يُمسي فهوَ مِن أهْلِ الجَنَّة، ومَن قالَها مِنَ اللَّيلِ وهوَ مُوقِنٌ بها فماتَ قبلَ أن يُصبِحَ فهوَ مِن أهْلِ الجَنَّة». إنَّهُ سَيِّدُ الاستغفارِ لأنَّهُ بَدَأَ بالتَّوحيد، وثَنَّى بالاعتِرافِ بالعُبوديَّة، وأقَرَّ بالعَجزِ والتَّقصير، ثمَّ جَمَعَ بينَ مُشاهَدَةِ المِنَّةِ وشُهودِ الذَّنب: «أبوءُ لكَ بنِعمَتِكَ عَلَيَّ، وأبوءُ بذَنبي»، وانْتَهى بسُؤالِ الغُفرانِ المَحضِ مِنَ الذي لا يَغفِرُ الذُّنوبَ سِواه. وروى الترمذيُّ وابنُ ماجه عن أنسٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ ابنِ آدَمَ خَطَّاء، وخَيرُ الخَطَّائينَ التَّوَّابون»؛ فقَد حَكَمَ النَّبيُّ بالخَطأِ على جِنسِ البَشَر، ولكنَّ الفَرقَ بينَ شَقِيٍّ ومَرحوم، أنَّ المَرحومَ يَستَغفِرُ كُلَّما عَثَر، والشَّقِيَّ يَستَكْبِرُ ويَستَمِرّ. وقد بَيَّنَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ تعالى في كِتابِهِ العَظيمِ «مدارج السالكين» حَقيقَةَ هذا المَقامِ الجَليلِ فقال: "التَّوبَةُ هيَ أوَّلُ مَنازِلِ السَّالِكين، وأوسَطُها، وآخِرُها؛ لا يُفارِقُها العَبدُ ولا يَنفَكُّ عنها حتَّى يَموت. وإنَّما كانتِ التَّوبَةُ نِهايَةَ الكَمالِ لأنَّ حَقيقَتَها الرُّجوعُ إلى اللهِ بمَحبَّتِهِ وخَشيَتِهِ والإنابَةِ إليه، وهذا هُوَ الدِّينُ كُلُّه". وقالَ الإمامُ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رحمه الله مُحَذِّراً مِن استِغفارِ اللِّسانِ الخالي عن حَقيقَةِ النَّدَمِ وتَركِ المَعصيَة: "استِغفارٌ بلا إقلاعٍ تَوبَةُ الكَذَّابين! مَن قالَ: أستَغفِرُ اللهَ، وهوَ مُصِرٌّ على ذَنبِه، فاستِغفارُهُ ذلكَ ذَنبٌ يَحتاجُ إلى استِغفار!". وقالَ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله: "تَركُ الذَّنبِ أيسَرُ مِن طَلَبِ التَّوبَة، وكم مِن شَخصٍ ظَنَّ أنَّهُ قادِرٌ على التَّوبَةِ غَداً، فباغَتَهُ الأجَلُ اليَوم!". عِبادَ الله، واسمَعوا إلى هذهِ القِصَّةِ العَظيمَةِ التي قَصَّها علينا رَسولُ اللهِ ﷺ في صَحيحِ مُسلِم، لِتَعلَموا أنَّ كُلَّ ذَنبٍ — مَهما عَظُمَ وتَكاثَفَ وتَعاظَم — يَتَلاشى ويَضمَحِلُّ أمامَ صِدقِ التَّوبَةِ وحُسنِ الإنابَة؛ ذَكَرَ ﷺ أنَّ رَجُلاً فيمَن كانَ قَبلَكُم قَتَلَ تِسعَةً وتِسعينَ نَفساً! تِسعَةً وتِسعينَ بَريئاً أزهَقَ أرواحَهُم! ثمَّ تَحَرَّكَ في صَدرِهِ بَصيصٌ مِن حَياةِ القَلب، فسَألَ عن أعلَمِ أهْلِ الأرض، فدُلَّ على رَاهِبٍ عابِدٍ بلا عِلم، فقالَ له: "إنِّي قَتَلتُ تِسعَةً وتِسعينَ نَفساً، فهل لي مِن تَوبَة؟" فنَظَرَ الرَّاهِبُ بعَينِ العابِدِ القاصِرَةِ الضَّيِّقَةِ فقال: "قَتَلتَ تِسعَةً وتِسعينَ نَفساً وتَسألُ عنِ التَّوبَة؟! لا، ليسَت لكَ تَوبَة!" فأظلَمَتِ الدُّنيا في عَينِ الرَّجُل، ورَكِبَهُ اليَأس، فكَمَّلَ بهِ المِائَة! ولكنَّ القَلبَ الذي ذاقَ لَوعَةَ الخَوفِ لم يَهدَأ؛ فسَألَ مَرَّةً أُخرى عن أعلَمِ أهْلِ الأرض، فدُلَّ هذهِ المَرَّةَ على عالِمٍ بَصيرٍ بفِقهِ الشَّريعَةِ وسَعَةِ رَحمَةِ الله، فقالَ له: "إنِّي قَتَلتُ مِائَةَ نَفْس، فهل لي مِن تَوبَة؟" فقالَ لهُ العالِمُ بكُلِّ ثِقَةٍ ويَقين: "نَعَم! ومَن يَحولُ بَينَكَ وبَينَ التَّوبَة؟! مَن ذا الذي يَقدِرُ أن يُغلِقَ باباً فَتَحَهُ اللهُ لعِبادِه؟! ولكِنَّ العالِمَ لم يُعطِهِ كَلاماً نَظريّاً يَبقى حِبراً على وَرَق، بل أعطاهُ الشَّرطَ الحَاسِمَ والعِلاجَ القاطِعَ للثَّبات، فقالَ له: "انطَلِقْ إلى أرضِ كَذا وكَذا، فإنَّ بها أُناساً يَعبُدونَ اللهَ فاعبُدِ اللهَ مَعهُم، ولا تَرجِعْ إلى أرضِكَ فإنَّها أرضُ سُوء!" فخَرَجَ الرَّجُلُ مُهاجِراً تائِباً، حتَّى إذا كانَ في مُنتَصَفِ الطَّريقِ نَزَلَ بهِ الأجَلُ ومَات! فاختَصَمَت فيهِ مَلائكَةُ الرَّحمَةِ ومَلائكَةُ العَذاب؛ قالَت مَلائكَةُ العَذاب: "إنَّهُ لم يَعمَلْ خَيراً قَطّ، قَتَلَ مِائَةَ نَفْس!" وقالَت مَلائكَةُ الرَّحمَة: "إنَّهُ جاءَ تائِباً مُقبِلاً بقَلبِهِ إلى الله!" فبَعَثَ اللهُ مَلَكاً في صُورَةِ رَجُلٍ يَحكُمُ بَينَهُم، فقال: "قِيسُوا ما بينَ الأرضَين، فإلى أيَّتِهما كانَ أدنَى فأَلحِقُوهُ بها". فقاسوا، فَوَجَدوهُ أدنَى إلى الأرضِ التي خَرَجَ إليها بشِبْرٍ واحِد! وفي رِوايَة: "فأوحى اللهُ إلى هذهِ أن تَباعَدي، وإلى هذهِ أن تَقَرَّبي"، فقَبَضَتهُ مَلائكَةُ الرَّحمَةِ ودَخَلَ الجَنَّة! شِبْرٌ واحِدٌ مِنَ الصِّدقِ غَفَرَ بهِ اللهُ مِائَةَ جَريمَةِ قَتل! فيا عِبادَ الله، مَن مِنَّا قَتَلَ مِائَةَ نَفْس؟! مَن مِنَّا بَلَغَت خَطاياه كَمِثلِ هذا الرَّجُل؟! إذا كانَ اللهُ قد قَبِلَ تَوْبَةَ سَفَّاكِ الدِّماءِ حينَ صَدَقَ في الإقلاعِ وهَجَرَ بيئَةَ المَعصيَة، أفَيَرُدُّكَ أنتَ يا صاحِبَ الذَّنبِ إذا أقْبَلتَ عليهِ باكيّاً مُستَغفِراً؟! واسمَعوا إلى صِدقِ الصَّحابَةِ رضي اللهُ عنهم حينَ زَلَّت بهِمُ القَدَم؛ هذا مَاعِزُ بنُ مالكٍ، وهذهِ الغامِدِيَّةُ رضي اللهُ عنهما، وَقَعا في كَبيرةِ الزِّنا، ولم يَطَّلِعْ عليهِما حَاكِمٌ ولا قَاضٍ ولا شُرطِيّ، وكانَ بإمكانِهِما السِّترُ والاستغفار؛ ولكنَّ نَارَ الخَوفِ مِنَ اللهِ أحرَقَت قُلوبَهُما، فلم يُطِيقا الحَياةَ معَ الذَّنب! جاءَ ماعِزٌ يَمشي على أقدامِهِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ويَقول: "يا رسولَ الله، طَهِّرْني، إنِّي زَنَيت!" ويَصْرِفُهُ النبيُّ ﷺ مَرَّةً بَعدَ مَرَّة، رَحمةً بهِ وتَلقيناً لهُ لِيَستَتِر، ولكِنَّهُ يُلِحُّ حتَّى أُقِيمَ عليهِ الحَدّ. وجاءَتِ الغامِدِيَّةُ حَامِلاً مِنَ الزِّنا فتَقول: "يا رسولَ الله، طَهِّرني!" فرَدَّها حتَّى وَضَعَت حَمْلَها، ثمَّ جاءَت بالصَّبيِّ في يَدِهِ كِسرَةُ خُبزٍ لِيُقامَ عليها الحَدّ! فلمَّا رُجِمَت، قالَ النبيُّ ﷺ كَلِمَةً كَتَبَها التَّاريخُ بنُور: «لقد تَابَتْ تَوبَةً لو قُسِمَت بينَ سَبعينَ مِن أهلِ المَدينَةِ لَوَسِعَتْهُم! وهَل وَجَدتَ تَوبَةً أفضَلَ مِن أن جادَت بنَفسِها للهِ تَعالى؟!». هذا هوَ الصِّدقُ الذي يَقلِبُ صَفحَةَ المَعصيَةِ إلى نُورٍ ساطِعٍ في مَوازينِ القيامة. وانظُروا معاشِرَ الأحبَّةِ إلى واقعِنا اليوم؛ كم مِن شَابٍّ تَرَى فيهِ الخيرَ والصَّلاح، ولكِنَّهُ يَعيشُ في شَرَكِ "التَّسويفِ القاتِل"! يَقولُ في نَفسِه: "سأتُوبُ حينَ أَتَزَوَّج... سأتُوبُ بعدَ رَمَضان... سأتُوبُ إذا بَلَغتُ الأربَعين... سأتُوبُ بعدَ أن أَنْتَهي مِن هذهِ الصَّفقَةِ أو هذهِ الرِّحلَة"! ويَنسى المَسكينُ أنَّ المَوتَ لا يَستَأذِنُ شابّاً لصِباه، ولا يَنتَظِرُ غافِلاً حتَّى يَصْحُو! كم مِن صَحيحٍ ماتَ بغيرِ عِلَّة، وكم مِن عَريسٍ زُفَّ في الصَّباحِ وقُبِرَ في المَساء! المَوتُ الفَجائيُّ اليومَ يَخطَفُ النَّاسَ على مَقاعِدِ السَّيَّارات، وأمامَ شَاشاتِ الهَواتِف، وفي صَالاتِ الألعاب؛ فأيُّ ضَمانٍ مَعكَ يا مَن تُؤَجِّلُ التَّوبَة؟! هل مَعكَ عَهْدٌ مِن مَلَكِ المَوتِ أن يُمهِلَكَ حتَّى تَقول: "أستَغفِرُ الله"؟! إنَّ التَّسويفَ جُندٌ مِن جُنودِ إبليس، يَسرِقُ بهِ أعمَارَ الغافِلينَ حتَّى يُفاجِئَهُم هادِمُ اللَّذَّاتِ وهُم على غَيِّهم سادِرون! فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وبادِروا بالتَّوبَةِ الصَّادِقَةِ قبلَ فَواتِ الأوان، وقبلَ أن تَقولَ نَفْسٌ: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: 56]. اطرَحوا خَطاياكُم على عَتَبَةِ مَولاكُم، واغسِلوا صُدورَكُم بدُموعِ النَّدَم، فإنَّ رَبَّكُم حَيِيٌّ كَريمٌ يَستَحي أن يَرُدَّ مَن أتاهُ تائِباً مُستَغفِراً. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ وتُوبُوا إليه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى معَ سَيِّدِ القُرُباتِ وبابِ النَّجاة: «أدَبِ الاستغفارِ والتَّوبَةِ الصَّادِقَة»؛ ورَأينا كَيفَ نادَى اللهُ أهلَ الإيمانِ جَميعاً بالتَّوبَةِ النَّصوح، وكَيفَ فَرِحَ سُبحانَهُ برجوعِ التَّائبين، وتَدَبَّرنا قِصَّةَ قاتِلِ المِائَةِ نَفْسٍ الذي غَفَرَ اللهُ لهُ بشِبْرٍ مِنَ الصِّدقِ وهِجرَةِ بيئَةِ السُّوء، ووَقَفنا على شُؤمِ التَّسويفِ الذي أهْلَكَ الأُمَمَ السَّالِفَة. والآنَ يَبقى السُّؤالُ العَمَليُّ المَطروحُ على كُلِّ قَلب: كيفَ نَجعَلُ تَوبَتَنا صادِقَةً نَصوحاً تَثبُتُ أمامَ عواصِفِ الفِتَن؟ أُوصيكُم مَعاشِرَ الأحبَّةِ بخَمسِ وَصايا جامِعَة، خُذوها بقُوَّةٍ وعَزم: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): تَجريدُ النَّدَمِ الصَّادِقِ وإسقاطُ الإصرار؛ فالنَّدَمُ هُوَ رُوحُ التَّوبَة، كما قالَ النبيُّ ﷺ: «النَّدَمُ تَوبَة». أشعِر قَلبَكَ بالحَسْرَةِ على ما فاتَكَ مِن طاعَةِ رَبِّك، واعزِم عَزماً جازِماً لا تَرَدُّدَ فيهِ على ألَّا تَعودَ إلى ذلكَ الذَّنبِ ما حَيِيت، واطرَح عنكَ حُجَجَ النَّفسِ الأَمَّارَةِ التي تُسَوِّغُ لَكَ المَعصيَة. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): لُزومُ «سَيِّدِ الاستغفار» كُلَّ صَباحٍ ومَساء، والمُداوَمَةُ على الاستغفارِ في كُلِّ وَقت؛ اجعَل لِسانَكَ رَطباً بقَول: "أستَغفِرُ اللهَ وأتُوبُ إليه"؛ في سَيَّارَتِك، وفي مَكتَبِك، وفي مَمشاك، وفي فِراشِك قبلَ النَّوم. قالَ لُقمانُ لابنِه: "يا بُنَيَّ، عَوِّد لِسانَكَ: اللَّهُمَّ اغفِر لي، فإنَّ للهِ سَاعاتٍ لا يَرُدُّ فيها سائِلاً". الثالثة (وَصيَّةٌ عَمَليَّةٌ فِعليَّة): رَدُّ المَظالِمِ والحُقوقِ إلى أهلِها فوراً؛ فإن كانَ الذَّنبُ بَينَكَ وبَينَ الله، فاللهُ أكرَمُ الأكرَمينَ وأعظَمُ الغافِرين. أمَّا إن كانَ الذَّنبُ مُتَعَلِّقاً بحُقوقِ العِباد — مالاً سَرَقْتَه، أو حَقّاً جَحَدتَه، أو مِيراثاً مَنَعتَه، أو غِيبَةً نَهَشتَ بها عِرْضَ أخيك — فلا تَصِحُّ تَوبَتُكَ حتَّى تَرُدَّ الحَقَّ إلى صاحِبِهِ أو تَستَحِلَّهُ مِنهُ اليومَ قبلَ ألَّا يَكونَ دِينارٌ ولا دِرهَم، إنَّما هيَ الحَسَناتُ والسَّيِّئات! الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّة): سَتْرُ التَّائبينَ وإعَانَتُهُم على الثَّبات؛ إذا عَلِمتَ مِن أخيكَ زَلَّةً ثمَّ رَأيتَهُ قد تابَ واستَقام، فإيَّاكَ أن تُعَيِّرَهُ بذَنبِهِ القَديم، أو تُذَكِّرَهُ بماضيهِ الأليم! كُن لهُ عَوْناً على الشَّيطان، ولا تَكُن عَوناً للشَّيطانِ عليه. سَتَرَهُ اللهُ فاستُرْه، وقَبِلَهُ اللهُ فاحْتَضِنْه، وادعُ لهُ بالثَّبات. الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): مُفارَقَةُ قُرَناءِ السُّوءِ والبيئَةِ المُعينَةِ على المَعصيَة؛ كما قالَ العالِمُ لقاتِلِ المِائَة: "ولا تَرجِعْ إلى أرضِكَ فإنَّها أرضُ سُوء"! احذِف أرقامَ الحَرامِ مِن هَاتِفِك، وأغلِقِ الحِساباتِ التي تَجُرُّكَ إلى الفاحِشَة، وغَيِّر رِفقَتَكَ التي لا تُعِينُكَ على طاعَةِ الله؛ فمَن بَقِيَ في بيئَةِ المَعصيَةِ مَفتوحَ الأبوابِ للشَّهَوات، كانَ كَمَن يَمشي على حافَةِ الهُوَّةِ ويَرجو ألَّا يَسقُط! فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هيَ المِيزان: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، ورَسولِ التَّوبَةِ والمَلحَمَة، فقد أمَرَكُمُ اللهُ بذلكَ فقالَ سُبحانَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا ونبيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلِّم تَسليماً كَثيراً. اللَّهُمَّ يا رَحمنُ يا رَحيم، يا غافِرَ الذَّنبِ وقابِلَ التَّوبِ يا أكرَمَ الأكرَمين؛ إنَّا ظَلَمنا أنفُسَنا ظُلماً كَثيراً كَبيراً، وإن لم تَغفِر لنا وتَرحَمنا لَنَكونَنَّ مِنَ الخاسِرين. اللَّهُمَّ إنَّا نَتوبُ إليكَ مِن كُلِّ ذَنبٍ أذنَبناه، ومِن كُلِّ خَطيئَةٍ اقترَفناها، في سِرِّنا وعَلَنِنا، في صِغَرِنا وكِبَرِنا. اللَّهُمَّ اغفِر لنا ما قَدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلَنَّا، وما أنتَ أعلَمُ بهِ مِنَّا، أنتَ المُقَدِّمُ وأنتَ المُؤَخِّرُ لا إلهَ إلا أنت. اللَّهُمَّ ارزُقنا تَوبَةً نَصوحاً قبلَ المَوت، وشَهادَةً عِندَ المَوت، ورَحمَةً ومَغفِرَةً بعدَ المَوت. اللَّهُمَّ ثَبِّت قُلوبَنا على دِينك، واصرِف قُلوبَنا إلى طاعَتِك. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج هُمومَ المَهمومين، واقضِ الدَّينَ عنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلمين. اللَّهُمَّ انصُر إخوانَنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ومِن كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجاً. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.