سَلَامَةُ الصَّدرِ بَعدَ الخُصُومَاتِ: عِلَاجُ الضَّغِينَةِ دُونَ إِضَاعَةِ الحُقُوقِ وَمِيزَانُ العَفوِ وَالإِنصَافِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ سَلَامَةَ الصُّدُورِ نَعِيمًا لِأَهلِ الإِيمَانِ فِي الدُّنيَا وَفِي دَارِ القَرَارِ، وَشَرَعَ العَدلَ وَالإِصلَاحَ وَالعَفوَ لِتَطهيرِ القُلُوبِ مِنَ الضَّغَائِنِ وَالأَوضَارِ، وَحَرَّمَ البَغيَ وَالفُجُورَ فِي الخُصُومَةِ وَقَطِيعَةَ الأَرحَامِ وَالأَخيَارِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَنَارَ بِهُدَاهُ، وَنَشكُرُهُ شُكرَ مَن طَهُرَ قَلبُهُ فَزَكَّاهُ مَولَاهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَكَمُ العَدلُ، الجَوَادُ ذُو الفَضلِ، نَصَبَ مَوَازِينَ القِسطِ لِحِفظِ الحُقُوقِ، وَنَدَبَ إِلَى الصَّفحِ الجَمِيلِ لِتَطيِيبِ القُلُوبِ وَرَأبِ الشُّقُوقِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، مَا انتَقَمَ لِنَفسِهِ قَطُّ، وَلَا حَمَلَ صَدرُهُ الشَّرِيفُ عَلَى مُسلِمٍ غِلًّا وَلَا حِقدًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ، وَمَن سَارَ عَلَى هَديِهِم مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم — أَيُّهَا النَّاسُ — وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم، وَطَهِّرُوا صُدُورَكُم مِنَ الغِلِّ وَالشَّحنَاءِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مَحَلَّ نَظَرِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ القُلُوبُ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: مَا دَامَ النَّاسُ يَتَعَامَلُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا؛ يَتَجَاوَرُونَ فِي المَسَاكِنِ، وَيَشتَرِكُونَ فِي التِّجَارَاتِ، وَيَتَقَاسَمُونَ المَوَارِيثَ، وَيَحتَكُّونَ فِي مَيَادِينِ العَمَلِ؛ فَإِنَّ وُقُوعَ الاختِلَافِ وَالتَّنَازُعِ بَينَهُم أَمرٌ قَدَرِيٌّ لَا تَخلُو مِنهُ دَارُ الابْتِلَاءِ! وَلَكِنَّ المِحنَةَ الكُبرَى الَّتِي تَفتِكُ بِالأُسَرِ وَالمُجتَمَعَاتِ لَيسَت فِي وُقُوعِ الخِلَافِ ابتِدَاءً، بَل فِي «مَا بَعدَ الخُصُومَةِ»!
كَم مِن نِزَاعٍ مَالِيٍّ أَو خِلَافٍ عَائِلِيٍّ قَدِ انتَهَت قَضِيَّتُهُ، وَفُصِلَ فِي حُكمِهِ، وَأَخَذَ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَو تَمَّ فِيهِ الصُّلحُ ظَاهِرًا أَمَامَ النَّاسِ، وَلَكِنَّ القُلُوبَ بَقِيَت مَشحُونَةً بِالجَمرِ، وَالصُّدُورَ بَقِيَت مَملُوءَةً بِالغِلِّ وَالضَّغِينَةِ! يَلتَقِي القَرِيبُ بِقَرِيبِهِ أَوِ الجَارُ بِجَارِهِ أَوِ الزَّمِيلُ بِزَمِيلِهِ، فَيَنقَبِضُ الوَجهُ، وَيَثقُلُ السَّلَامُ، وَتَتَحَرَّكُ فِي النَّفسِ ذِكرَيَاتُ الخُصُومَةِ القَدِيمَةِ، وَيَظُنُّ الإِنسَانُ أَنَّ بَقَاءَ الضَّغِينَةِ فِي قَلبِهِ ضَمانٌ لِحَقِّهِ وَعِزَّةٌ لِنَفسِهِ؛ وَمَا عَلِمَ أَنَّ الضَّغِينَةَ سُمٌّ يَجرَعُهُ صَاحِبُهُ بِيَدِهِ، وَحِجَابٌ يَمنَعُ عَنهُ مَغفِرَةَ رَبِّهِ!
فَكَيفَ نَجمَعُ — يَا عِبَادَ اللهِ — بَينَ «سَلَامَةِ الصَّدرِ» الَّتِي يَرضَاهَا اللهُ، وَبَينَ «حِفظِ الحُقُوقِ وَعَدَمِ إِضَاعَتِهَا»؟ وَكَيفَ نَضبِطُ مِيزَانَ العَفوِ وَالإِنصَافِ وَالتَّغَافُلِ وَالإِصلَاحِ بَعدَ الخُصُومَاتِ؟
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدرِ مِنَ الغِلِّ وَالحِقدِ وَالشَّحنَاءِ هِيَ التَّاجُ الَّذِي يَلقَى بِهِ المُؤمِنُ رَبَّهُ يَومَ القِيَامَةِ، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وَأَخبَرَنَا سُبحَانَهُ أَنَّ أَهلَ الجَنَّةِ لَا يَتمُّ نَعِيمُهُم حَتَّى تُنزَعَ مِن صُدُورِهِم بَقَايَا خُصُومَاتِ الدُّنيَا فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
وَإِذَا أَرَدتَ أَن تَعلَمَ خُطُورَةَ الشَّحنَاءِ وَالضَّغِينَةِ الَّتِي تَبقَى فِي الصَّدرِ بَعدَ المُنَازَعَاتِ، فَاسمَعْ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الرَّهِيبِ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تُفتَحُ أَبوَابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثنَينِ وَيَومَ الخَمِيسِ، فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَت بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا، أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا، أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا»!
يَا للهِ! مَوسِمَانِ عَظِيمَانِ مِن مَوَاسِمِ المَغفِرَةِ الإِلَهِيَّةِ يَتَكَرَّرَانِ فِي كُلِّ أُسبُوعٍ، تُفتَحُ فِيهِمَا أَبوَابُ الجَنَّةِ، وَتُعرَضُ الأَعمَالُ عَلَى المَلِكِ الغَفَّارِ، فَتَنزِلُ المَغفِرَةُ عَلَى المُوَحِّدِينَ جَمِيعًا، إِلَّا مَن عَقَدَ قَلبَهُ عَلَى الشَّحنَاءِ وَالضَّغِينَةِ وَالهَجرِ؛ فَيُوقَفُ عَملُهُ وَتُؤَخَّرُ مَغفِرَتُهُ حَتَّى يَصطَلِحَ مَعَ أَخِيهِ وَيُطَهِّرَ صَدرَهُ!
وَإِنَّ مِن أَقبَحِ مَا يُورِثُ الضَّغِينَةَ الدَّائِمَةَ: «اللَّدَدُ وَالفُجُورُ فِي الخُصُومَةِ»؛ أَن يَختَلِفَ الرَّجُلُ مَعَ أَخِيهِ أَو شَرِيكِهِ أَو زَوجِهِ فِي مَسأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَبَدَلًا مِن أَن يَحصُرَ الخِلَافَ فِي مَوضِعِهِ، يَفجُرُ فِي خُصُومَتِهِ، وَيَنسِفُ كُلَّ مَعرُوفٍ سَابِقٍ، وَيَفتَحُ أَبوَابَ الشَّتمِ وَالبُهتَانِ وَالإِضرَارِ! وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ»! وَالأَلَدُّ الخَصِمُ هُوَ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، المَائِلُ عَنِ الإِنصَافِ، الَّذِي إِذَا نَازَعَ أَحَدًا لَجَّ فِي عِنَادِهِ وَلَم يَقبَلْ صُلحًا وَلَا حَقًّا!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَلَكِن قَد يَسأَلُ سَائِلٌ فَيَقُولُ: يَا خَطِيبَ الجُمُعَةِ، كَيفَ يَسلَمُ صَدرِي بَعدَ الخُصُومَةِ وَفُلَانٌ قَد أَكَلَ مَالِي، أَو جَحَدَ حَقِّي فِي المِيرَاثِ، أَو ظَلَمَنِي فِي الشَّرِكَةِ؟ هَل مَعنَى سَلَامَةِ الصَّدرِ أَن أُضَيِّعَ حَقِّي وَأَترُكَ مَالِي لِلظَّالِمِ وَأَكُونَ ضَعِيفًا مُستَبَاحًا؟
وَالجَوَابُ — يَا عِبَادَ اللهِ — أَنَّ هَذَا الفَهمَ غَلَطٌ عَظِيمٌ! فَإِنَّ شَرِيعَةَ الإِسلَامِ شَرِيعَةُ العَدلِ وَالحِكمَةِ؛ لَم تَأمُرْكَ بِإِضَاعَةِ حَقِّكَ، وَلَم تَجعَلْ سَلَامَةَ الصَّدرِ مَطيَّةً لِلعَجزِ أَوِ التَّفرِيطِ فِي الحُقُوقِ!
لَقَد جَمَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَرَاتِبَ التَّعَامُلِ عِندَ التَّنَازُعِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِن سُورَةِ الشُّورَى فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾!
تَأَمَّلُوا هَذَا التَّفصِيلَ الرَّبَّانِيَّ العَجِيبَ:
المَرتَبَةُ الأُولَى: مَرتَبَةُ «العَدلِ وَالإِنصَافِ»؛ أَن تُطَالِبَ بِحَقِّكَ كَامِلًا بِالبَيِّنَةِ وَالوَثِيقَةِ وَالتَّقَاضِي المَشرُوعِ دُونَ أَن تَعتَدِيَ أَو تَظلِمَ أَو تَفجُرَ فِي الخُصُومَةِ! وَمُطَالَبَتُكَ بِحَقِّكَ المَشرُوعِ بِأَدَبٍ وَعَدلٍ لَا تُنَافِي سَلَامَةَ صَدرِكَ؛ لِأَنَّكَ تَطلُبُ حَقًّا أَذِنَ اللهُ لَكَ فِي طَلَبِهِ مِن غَيرِ حِقدٍ وَلَا بَغيٍ وَلَا تَشَفٍّ!
وَالمَرتَبَةُ الثَّانِيَةُ: مَرتَبَةُ «العَفوِ المُقَيَّدِ بِالإِصلَاحِ»؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾! فَلَم يَذكُرِ العَفوَ وَحدَهُ، بَل قَرَنَهُ بِالإِصلَاحِ؛ فَإِذَا كَانَ الخَصمُ نَادِمًا مُقِرًّا، أَو كَانَ قَرِيبًا وَرَحِمًا يَصلُحُ بِالعَفوِ حَالُهُ وَتَجتَمِعُ بِهِ كَلِمَةُ الأُسرَةِ، فَالعَفوُ أَفضَلُ وَأَعظَمُ أَجرًا؛ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الخَصمُ مُتَمَادِيًا فِي ظُلمِهِ يَزدَادُ بِالتَّنَازُلِ طُغيَانًا وَإِفسَادًا، فَإِنَّ استِيفَاءَ الحَقِّ مِنهُ بِالعَدلِ وَالنِّظَامِ هُوَ عَينُ الإِصلَاحِ!
وَحَتَّى فِي حَالِ المُطَالَبَةِ بِالحَقِّ وَقِيَامِ الخِلَافِ، أَمَرَنَا اللهُ أَن نَضبِطَ قُلُوبَنَا وَأَلسِنَتَنَا بِمِيزَانَينِ عَظِيمَينِ:
المِيزَانُ الأَوَّلُ: العَدلُ مَعَ الخَصمِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؛ فَلَا يَحمِلَنَّكَ بُغضُ خَصمِكَ أَو خِلَافُكَ مَعَهُ عَلَى أَن تَجحَدَ حَقَّهُ أَو تَكذِبَ عَلَيهِ!
وَالمِيزَانُ الثَّانِي: حِفظُ الفَضلِ السَّابِقِ؛ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾! فَكَم مِن شَرِيكَينِ أَو قَرِيبَينِ أَو زَوجَينِ عَاشَا فِي المَعروفِ عِشرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا اختَلَفَا فِي مَسأَلَةٍ وَاحِدَةٍ هَدَمَا تَارِيخًا مِنَ الإِحسَانِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ!
إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَإِذَا انتَهَتِ الخُصُومَةُ وَفُصِلَ فِي النِّزَاعِ، فَكَيفَ نَغسِلُ القُلُوبَ مِن رَوَاسِبِ الضَّغِينَةِ؟ إِنَّ الدَّوَاءَ الشَّافِيَ يَكمُنُ فِي ثَلَاثَةِ أَخلَاقٍ نَبَوِيَّةٍ رَفِيعَةٍ: «العَفوِ، وَالصَّفحِ، وَالتَّغَافُلِ»!
انظُرُوا إِلَى المَوقِفِ الخَالِدِ لِصِدِّيقِ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: كَانَ أَبُو بَكرٍ يُنفِقُ عَلَى قَرِيبِهِ مِسطَحِ بنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ وَفَقرِهِ، فَلَمَّا وَقَعَت فِتنَةُ الإِفكِ، خَاضَ مِسطَحٌ فِيمَا خَاضَ فِيهِ النَّاسُ فِي عِرضِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا! وَأَيُّ جُرحٍ أَعظَمُ عَلَى قَلبِ أَبٍ مِن أَن يَطعَنَ قَرِيبُهُ الَّذِي يُحسِنُ إِلَيهِ فِي شَرَفِ ابنَتِهِ البَرِيئَةِ الطَّاهِرَةِ؟! فَلَمَّا أَنزَلَ اللهُ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ، قَالَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَاللهِ لَا أُنفِقُ عَلَى مِسطَحٍ شَيئًا أَبَدًا بَعدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ!»؛ وَكَانَ مَنعُ النَّفَقَةِ التَّطَوُّعِيَّةِ حَقًّا مَشرُوعًا لِأَبِي بَكرٍ لَا إِثمَ عَلَيهِ فِيهِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَادَ لِقَلبِ الصِّدِّيقِ مَقَامَ الصَّفحِ الأَعلَى وَسَلَامَةِ الصَّدرِ الكَامِلَةِ، فَأَنزَلَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾!
فَمَا إِن سَمِعَ الصِّدِّيقُ هَذَا النِّدَاءَ الإِلَهِيَّ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، حَتَّى فَرَّت مِن صَدرِهِ كُلُّ مَرَارَةِ الخُصُومَةِ، وَقَالَ: «بَلَى وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَن يَغفِرَ اللهُ لِي!»؛ فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنفِقُ عَلَيهِ، وَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَنزِعُهَا مِنهُ أَبَدًا»!
تَأَمَّلُوا جَمِيعًا كَيفَ جَمَعَ اللهُ فِي الآيَةِ بَينَ «العَفوِ» وَ«الصَّفحِ»: فَالعَفوُ أَن تَترُكَ مُؤَاخَذَةَ مَن أَسَاءَ إِلَيكَ، وَالصَّفحُ أَن تَطوِيَ صَفحَةَ الخِلَافِ مِن قَلبِكَ وَذاكِرَتِكَ، فَلَا تُعَيِّرَهُ بِذَنبِهِ، وَلَا تَذكُرَهُ لَهُ فِي كُلِّ مَجلِسٍ! وَأَمَّا «التَّغَافُلُ» بَعدَ الصُّلحِ فَهُوَ تَاجُ المُرُوءَةِ؛ كَمَا رَوَى البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ عَن عُثمَانَ بنِ زَائِدَةَ أَنَّهُ قَالَ: «العَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجزَاءٍ، تِسعَةٌ مِنهَا فِي التَّغَافُلِ! قَالَ: فَحَدَّثتُ بِهِ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ فَقَالَ: العَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجزَاءٍ كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ»!
فَيَا مَنِ انتَهَت بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ أَو جَارِهِ أَو شَرِيكِهِ خُصُومَةٌ: لَا تَجعَلْ قَلبَكَ مَقبَرَةً لِلأَحقَادِ القَدِيمَةِ! استَوفِ حَقَّكَ بِالعَدلِ، أَو تَفَضَّلْ بِالعَفوِ وَالإِصلَاحِ، ثُمَّ اغسِلْ صَدرَكَ بِمَاءِ الصَّفحِ وَالتَّغَافُلِ، وَابْدَأْ بِالسَّلَامِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلتَقِيَانِ فَيُعرِضُ هَذَا وَيُعرِضُ هَذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ».
إِذَا انقَضَتْ نَوبَةُ الخِصَامِ فَلَا تَعُدْ ... لِنَبشِ جِرَاحٍ قَد طَوَاهَا التَّصَافُحُ
وَخُذْ حَقَّكَ المَشرُوعَ بِالعَدلِ وَالهُدَى ... وَخَيرُ ذَوِي الأَلبَابِ عَافٍ وَصَافِحُ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَمَرَ بِالإِصلَاحِ بَينَ المُؤمِنِينَ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ الصَّابِرِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلَهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ — عِبَادَ اللهِ — وَاعلَمُوا أَنَّ سَلَامَةَ الصَّدرِ بَعدَ الخُصُومَاتِ قُوَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ تَجمَعُ بَينَ صِيَانَةِ الحُقُوقِ بِالعَدلِ، وَصِيَانَةِ القُلُوبِ مِنَ الضَّغِينَةِ وَالهَجرِ.
وَحَتَّى يَكُونَ هَذَا التَّوَازُنُ الشَّرعِيُّ وَاقِعًا مَلمُوسًا فِي حَيَاتِنَا وَعَلَاقَاتِنَا، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
الأُولَى: التَّفرِيقُ العَمَلِيُّ بَينَ «مُطَالَبَةِ الحَقِّ» وَ«فُجُورِ الخُصُومَةِ»: إِذَا وَقَعَ بَينَكَ وَبَينَ أَحَدٍ خِلَافٌ فِي مَالٍ أَو مِيرَاثٍ أَو عَمَلٍ، فَاطلُبْ حَقَّكَ بِالطَّرِيقِ المَشرُوعِ وَالحُجَّةِ الهَادِئَةِ، وَاحذَرْ أَن تَخلِطَ المُطَالَبَةَ بِالحَقِّ بِالشَّتمِ أَوِ الغِيبَةِ أَوِ التَّشفِّي أَو إِنكَارِ المَعرُوفِ السَّابِقِ؛ فَحِفظُ الحَقِّ عَدلٌ، وَالفُجُورُ فِي الخُصُومَةِ نِفَاقٌ وَظُلمٌ.
الثَّانِيَةُ: حَصرُ الخِلَافِ فِي مَوضِعِهِ وَمَنعُ تَورِيثِهِ لِلأُسرَةِ: لَا تَجعَلِ الخِلَافَ مَعَ شَخصٍ وَاحِدٍ سَبَبًا لِقَطِيعَةِ أُسرَتِهِ كُلِّهَا، وَإِيَّاكَ أَن تَورِّثَ خُصُومَتَكَ لِأَبنَائِكَ فَتَملَأَ صُدُورَهُم عَلَى أَعمَامِهِم أَو أَخوَالِهِم أَو جِيرَانِهِم؛ بَلِ احصُرِ المَسأَلَةَ فِي حُدُودِهَا، وَأَبقِ جُسُورَ المَوَدَّةِ وَالسَّلَامِ قَائِمَةً.
الثَّالِثَةُ: طَيُّ صَفحَةِ المَاضِي بَعدَ الصُّلحِ بِالصَّفحِ وَالتَّغَافُلِ: مَتَى انتَهَى النِّزَاعُ بِقَضَاءٍ عَادِلٍ أَو بِصُلحٍ وَتَرَاضٍ، فَأَغلِقْ مِلَفَّ الخُصُومَةِ إِغلَاقًا تَامًّا؛ لَا تُعِدْ تَردِيدَ العِتَابِ فِي المَجَالِسِ، وَلَا تَتَتَبَّعِ الهَفَوَاتِ الصَّغِيرَةَ، بَلِ استَعمِلْ خُلُقَ التَّغَافُلِ الكَرِيمِ لِيَستَقِرَّ الصُّلحُ وَتَبرَأَ الجِرَاحُ.
الرَّابِعَةُ: الجَمعُ بَينَ الحَذَرِ المَالِيِّ وَسَلَامَةِ الصَّدرِ: إِذَا ابتُلِيتَ بِمَن فَرَّطَ فِي حَقِّكَ المَالِيِّ أَو مَاطَلَكَ، ثُمَّ استَوفَيتَ حَقَّكَ أَو عَفَوتَ عَنهُ، فَلَا يَلزَمُكَ أَن تُعِيدَ مُشَارَكَتَهُ فِي المَالِ إِن خَشِيتَ الضَّرَرَ؛ فَالمُؤمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ يَحفَظُ مَالَهُ بِالتَّوثِيقِ وَالحَذَرِ، مَعَ بَقَاءِ صَدرِهِ سَلِيمًا مِنَ الحِقدِ، وَقِيَامِهِ بِحَقِّ السَّلَامِ وَالإِسلَامِ.
الخَامِسَةُ: مُحَاسَبَةُ القَلبِ لَيلًا وَالاستِعَانَةُ بِالدُّعَاءِ لِمَن خَاصَمَكَ: فَتِّشْ فِي قَلبِكَ قَبلَ مَنَامِكَ، وَتَذَكَّرْ عَرضَ الأَعمَالِ يَومَ الاثنَينِ وَالخَمِيسِ؛ فَإِن وَجَدتَ فِي صَدرِكَ شَحنَاءَ عَلَى مُسلِمٍ فَادفَعْهَا بِالدُّعَاءِ لَهُ بِالهِدَايَةِ وَالمَغفِرَةِ، وَقُلْ كَمَا عَلَّمَنَا رَبُّنَا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — عَلَى السِّرَاجِ المُنِيرِ وَالبَشِيرِ النَّذِيرِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ العَلِيُّ الكَبِيرُ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِرَحمَتِكَ وَمَنِّكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالحِقدِ وَالشَّحنَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الفُجُورِ وَالبَذَاءِ، وَاجعَلنَا مِمَّن يَلقَاكَ يَومَ القِيَامَةِ بِقَلبٍ سَلِيمٍ. اللَّهُمَّ أَصلِحْ ذَاتَ بَينِنَا، وَأَلِّفْ بَينَ قُلُوبِنَا، وَاهدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَعِنَّا عَلَى إِقَامَةِ العَدلِ وَالفَضلِ وَالصَّفحِ الجَمِيلِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقهُم لِمَا فِيهِ صَلَاحُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
سَلَامَةُ الصَّدرِ بَعدَ الخُصُومَاتِ: عِلَاجُ الضَّغِينَةِ دُونَ إِضَاعَةِ الحُقُوقِ وَمِيزَانُ العَفوِ وَالإِنصَافِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.