من مكتبة مِداد الخطيب

صِلَةُ الرَّحِمِ مَعَ بَقَاءِ الخِلَافِ: فِقهُ مَنعِ القَطِيعَةِ عِندَ اختِلَافِ الطِّبَاعِ وَتَعَارُضِ المَصَالِحِ

مشاركة
صِلَةُ الرَّحِمِ مَعَ بَقَاءِ الخِلَافِ: فِقهُ مَنعِ القَطِيعَةِ عِندَ اختِلَافِ الطِّبَاعِ وَتَعَارُضِ المَصَالِحِ الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ النَّاسَ مِن نَفسٍ وَاحِدَةٍ، وَشَقَّ لِلرَّحِمِ اسمًا مِنِ اسمِهِ العَظِيمِ، فَوَعَدَ مَن وَصَلَهَا بِالوَصلِ وَالإِكرَامِ، وَتَوَعَّدَ مَن قَطَعَهَا بِالقَطعِ وَالحِرمَانِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ الأَرحَامَ مَيدَانًا لِلِابتِلَاءِ بِالصَّبرِ وَالحِلمِ وَالإِحسَانِ، وَجَعَلَ الفَضلَ الأَعلَى لِمَن يَصِلُ مَن قَطَعَهُ وَيَعفُو عَمَّن ظَلَمَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن يَعلَمُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ عِبَادَةٌ تَتعَبَّدُ بِهَا القُلُوبُ لِرَبِّهَا قَبلَ أَن تَكُونَ مُجَامَلَةً اجتِمَاعِيَّةً تُعطَى عِندَ الرِّضَا وَتُمنَعُ عِندَ الغَضَبِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَوصَلُ النَّاسِ لِرَحِمِهِ، وَأَصبَرُهُم عَلَى جَفَاءِ القَرِيبِ وَالبَعِيدِ، مَا زَادَهُ جَهلُ الجَاهِلِينَ إِلَّا حِلمًا، وَلَا قَطِيعَةُ القَاطِعِينَ إِلَّا بِرًّا وَوَفَاءً، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ قَدَّمُوا أَمرَ اللهِ فِي أَرحَامِهِم عَلَى حُظُوظِ نُفُوسِهِم وَجِرَاحِ صُدُورِهِم، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالحَذَرِ الشَّدِيدِ مِن قَطِيعَةِ الأَرحَامِ مَهمَا عَظُمَتِ الخِلَافَاتُ أَو تَبَايَنَتِ الطِّبَاعُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَرَنَ تَقوَاهُ بِتَقوَى الأَرحَامِ فِي مَطلَعِ سُورَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو كَانَت صِلَةُ الرَّحِمِ لَا تَجِبُ إِلَّا حِينَ يَكُونُ جَمِيعُ الأَقَارِبِ عَلَى طَبعٍ وَاحِدٍ، وَرَأيٍ وَاحِدٍ، وَمَصلَحَةٍ مُتَّفِقَةٍ لَا شَائِبَةَ فِيهَا مِن خِلَافٍ أَو هَفوَةٍ، لَمَا كَانَ لِصِلَةِ الرَّحِمِ كَبِيرُ كُلفَةٍ وَلَا عَظِيمُ امتحَانٍ! فَإِنَّ الفِطرَةَ البَشَرِيَّةَ تَمِيلُ بِطَبعِهَا إِلَى مَن يُوَافِقُهَا وَيُحسِنُ إِلَيهَا؛ وَلَكِنَّ الِابتِلَاءَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي يَظهَرُ فِيهِ صِدقُ الإِيمَانِ وَتَقوَى القُلُوبِ إِنَّمَا يَكُونُ حِينَ تَختَلِفُ الطِّبَاعُ بَينَ الإِخوَةِ وَالأَعمَامِ وَالأَخوَالِ، أَو تَتَشَابَكُ المَصَالِحُ فِي مِيرَاثٍ أَو تِجَارَةٍ أَو جِوَارٍ، أَو تَصدُرُ مِن بَعضِ الأَقَارِبِ كَلِمَةٌ جَارِحَةٌ أَو تَصرُّفٌ غَيرُ لَائِقٍ! هُنَا يَا عِبَادَ اللهِ يَدخُلُ الشَّيطَانُ بِكُلِّ جُنُودِهِ لِيُحَوِّلَ «الخِلَافَ الطَّبِيعِيَّ» فِي الرَّأيِ أَوِ المَصلَحَةِ إِلَى «قَطِيعَةٍ شَامِلَةٍ» لِلرَّحِمِ؛ فَتَرَى الأَخَ يَهجُرُ أَخَاهُ سَنَوَاتٍ طِوَالًا لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَلَا يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَلَا يَشهَدُ فَرَحَهُ وَلَا عَزَاءَهُ، وَتَرَى الأُختَ تُقَاطِعُ أُختَهَا أَو خَالَتَهَا بِسَبَبِ وشَايَةٍ أَو سُوءِ تَفَاهُمٍ فِي مَجلِسٍ عَائِلِيٍّ، وَبَدَلًا مِن أَن يَبقَى الخِلَافُ مَحصُورًا فِي مَوضِعِهِ يُعَالَجُ بِالعَدلِ وَالحِكمَةِ، تُحكَمُ الأَقفَالُ عَلَى الأبُوَابِ، وَتُحظَرُ الأَرقَامُ فِي الهَوَاتِفِ، وَيُوَرَّثُ العِدَاءُ لِلأَبنَاءِ وَالأَحفَادِ! أَنسِيَ هَؤُلَاءِ المُتَقَاطِعُونَ مَقَامَ الرَّحِمِ عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ؟! استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِن خَلقِهِ قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَم، أَمَا تَرضَينَ أَن أَصِلَ مَن وَصَلَكِ وَأَقطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قَالَت: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقرَؤُوا إِن شِئتُم قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾». وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»؛ يَعنِي قَاطِعَ رَحِمٍ! مَعَاشِرَ المُؤمِنِينَ: إِنَّ أَوَّلَ قَاعِدَةٍ يَجِبُ أَن نُصحِّحَ بِهَا مَفَاهِيمَنَا فِي هَذَا البَابِ هِيَ: أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ فِي الإِسلَامِ لَيسَت «مُعَامَلَةً بِالمِثلِ»، بَل هِيَ «عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى»؛ فَالتَّاجِرُ فِي السُّوقِ يُعَامِلُ النَّاسَ بِالمُكَافَأَةِ: مَن أَعطَاهُ أَعطَاهُ، وَمَن مَنَعَهُ مَنَعَهُ؛ أَمَّا المُؤمِنُ مَعَ رَحِمِهِ فَلَا يَقُولُ: «هُم لَا يَزُورُونَنِي فَلَن أَزُورَهُم، وَهُم لَا يَتَّصِلُونَ بِي فَلَن أَتَّصِلَ بِهِم»! استَمِعُوا إِلَى هَذَا المِيزَانِ النَّبَوِيِّ الحَاسِمِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَت رَحِمُهُ وَصَلَهَا»! تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ: مَن يَصِلُ قَرِيبَهُ الَّذِي يَصِلُهُ فَهُوَ «مُكَافِئٌ» يَرُدُّ الجَمِيلَ بِمِثلِهِ، وَأَمَّا «الوَاصِلُ» الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَنَالُ الدَّرَجَةَ العَالِيَةَ عِندَ اللهِ فَهُوَ الَّذِي تَقطَعُهُ رَحِمُهُ، أَو تَجفُوهُ، أَو تُخَالِفُهُ، فَيَأبَى إِلَّا أَن يَصِلَهَا طَاعَةً لِرَبِّهِ! وَانظُرُوا إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ — كَمَا رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ — يَشكُو حَالًا تَتَكَرَّرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ العَائِلَاتِ اليَومَ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُم وَيَقطَعُونِي، وَأُحسِنُ إِلَيهِم وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحلُمُ عَنهُم وَيَجهَلُونَ عَلَيَّ!»، فَمَاذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ؟ هَل قَالَ لَهُ: قَاطِعهُم كَمَا قَاطَعُوكَ؟ كَلَّا! بَل قَالَ لَهُ: «لَئِن كُنتَ كَمَا قُلتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيهِم مَا دُمتَ عَلَى ذَلِكَ»! وَالمَلُّ يَا عِبَادَ اللهِ — كَمَا فَسَّرَهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالقُرطُبِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ — هُوَ الرَّمَادُ الحَارُّ؛ أَي أَنَّ إِحسَانَكَ إِلَيهِم مَعَ إِسَاءَتِهِم إِلَيكَ لَا يَضِيعُ عِندَ اللهِ، بَل هُوَ إِثمٌ وَحَسرَةٌ عَلَيهِم إِن أَصَرُّوا عَلَى قَطِيعَتِكَ، وَالأَعظَمُ مِن ذَلِكَ هُوَ البِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ: «وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيهِم مَا دُمتَ عَلَى ذَلِكَ»؛ أَي مُعِينٌ وَنَاصِرٌ وَحَافِظٌ يَدفَعُ عَنكَ أَذَاهُم وَيَربِطُ عَلَى قَلبِكَ مَا دُمتَ ثَابِتًا عَلَى الصِّلَةِ وَالحِلمِ! وَلَئِن كَانَ أَعلَى النَّاسِ قَدرًا بَعدَ الأَنبِيَاءِ هُوَ الصِّدِّيقَ الأَكبَرَ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد ضَرَبَ لِلأُمَّةِ كُلِّهَا أَعظَمَ مَثَلٍ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ مَعَ وُجُودِ أَشَدِّ الجِرَاحِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ مِسطَحَ بنَ أُثَاثَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ قَرِيبًا لِأَبِي بَكرٍ وَكَانَ فَقِيرًا يُنفِقُ عَلَيهِ أَبُو بَكرٍ، فَلَمَّا وَقَعَت حَادِثَةُ الإِفكِ خَاضَ مِسطَحٌ مَعَ الخَائِضِينَ فِي عِرضِ الصِّدِّيقَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا! وَأَيُّ جُرحٍ أَشَدُّ عَلَى قَلبِ الأَبِ مِن أَن يُطعَنَ فِي عِرضِ ابنَتِهِ الطَّاهِرَةِ مِن قَرِيبٍ يُحسِنُ إِلَيهِ؟! فَحَلَفَ أَبُو بَكرٍ أَلَّا يُنفِقَ عَلَى مِسطَحٍ شَيئًا أَبَدًا؛ فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ قَولَهُ الكَرِيمَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فَمَا كَانَ مِنَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ سَمِعَ هَذَا النِّدَاءَ الإِلَهِيَّ إِلَّا أَن قَالَ فَوْرًا: «بَلَى وَاللهِ يَا رَبَّنَا، إِنَّا لَنُحِبُّ أَن تَغفِرَ لَنَا!»، فَأَعَادَ إِلَى مِسطَحٍ نَفَقَتَهُ وَصِلَتَهُ وَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَنزِعُهَا مِنهُ أَبَدًا»! أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ: وَلَكِنَّ فِقهَ الشَّرِيعَةِ الوَاقِعِيَّ الرَّحِيمَ لَا يَطلُبُ مِنَ الإِنسَانِ المُستَحِيلَ، وَلَا يَأمُرُهُ بِتَضيِيعِ حُقُوقِهِ أَو تَعرِيضِ نَفسِهِ وَأُسرَتِهِ لِلضَّرَرِ تَحتَ شِعَارِ صِلَةِ الرَّحِمِ؛ بَل يُقَدِّمُ لَنَا «فِقهَ إِدَارَةِ العَلَاقَةِ مَعَ بَقَاءِ الخِلَافِ» عَلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ عَمَلِيَّةٍ حَكِيمَةٍ: الأَصلُ الأَوَّلُ: «الفَصلُ بَينَ الخِلَافِ المَالِيِّ أَوِ الرَّأيِيِّ وَبَينَ أَصلِ الرَّحِمِ»؛ فَقَد تَختَلِفُ مَعَ أَخِيكَ أَوِ ابنِ عَمِّكَ فِي قِسمَةِ تَرِكَةٍ، أَو تَصفِيَةِ شَرِكَةٍ، أَو حُدُودِ أَرضٍ، وَقَد تَلجَآَنِ إِلَى أَهلِ الخِبرَةِ أَوِ التَّحكِيمِ الشَّرعِيِّ أَوِ القَضَاءِ لِفَصلِ النِّزَاعِ المَالِيِّ وَإِعطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ لَكِنَّ هَذَا التَّقَاضِيَ فِي المَالِ لَا يَجُوزُ أَن يُبطِلَ حَقَّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَتَهنِئَةِ الفَرِحِ، وَمُوَاسَاةِ المَحزُونِ! فَالخِلَافُ المَالِيُّ يَبقَى فِي دَائِرَةِ المَالِ يُحكَمُ فِيهِ بِالعَدلِ، وَأَمَّا الرَّحِمُ فَتَبقَى مَوصُولَةً بِالأَدَبِ وَالإِحسَانِ! وَالأَصلُ الثَّانِي: أَنَّ «لِصِلَةِ الرَّحِمِ دَرَجَاتٍ وَمَرَاتِبَ تَتَفَاوَتُ بِاختِلَافِ الأَحوَالِ»؛ كَمَا قَرَّرَ القَاضِي عِيَاضٌ وَالإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ وَالحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي فَتحِ البَارِي أَنَّ الصِّلَةَ تَكُونُ بِالمَالِ، وَتَكُونُ بِالخِدمَةِ، وَتَكُونُ بِالزِّيَارَةِ، وَتَكُونُ بِالمُكَاتَبَةِ وَالمُهَاتَفَةِ، وَتَكُونُ بِالسَّلَامِ وَالدُّعَاءِ؛ فَإِذَا كَانَ اختِلَاطُكَ الكَثِيرُ أَوِ اليَومِيُّ بِبَعضِ الأَقَارِبِ يُثِيرُ الفِتَنَ وَالمُشَاحَنَاتِ بِسَبَبِ حِدَّةِ الطِّبَاعِ أَو كَثرَةِ التَّدَخُّلِ فِي شُؤُونِ بَيتِكَ، فَلَيسَ مِنَ القَطِيعَةِ أَن تُقَلِّلَ مِنَ الخُلطَةِ المُبَاشِرَةِ الَّتِي تَجلِبُ الشَّرَّ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى الصِّلَةِ فِي المُنَاسَبَاتِ، وَالسُّؤَالِ الهَاتِفِيِّ، وَإِفشَاءِ السَّلَامِ، وَإِرسَالِ الهَدِيَّةِ، وَالنُّصرَةِ عِندَ الحَاجَةِ! وَالأَصلُ الثَّالِثُ: «دَفعُ الضَّرَرِ المَشرُوعِ بِلَا عُدوَانٍ وَلَا قَطِيعَةٍ»؛ فَإِذَا كَانَ قَرِيبُكَ لَا يَفِي بِالعُقُودِ المَالِيَّةِ، فَلَا تَدخُلْ مَعَهُ فِي تِجَارَةٍ أَو شَرَاكَةٍ تُفسِدُ مَا بَينَكُمَا مِنَ الوُدِّ، وَاعتَذِرْ إِلَيهِ بِلُطفٍ وَأَدَبٍ؛ حِفَاظًا عَلَى رَحِمِهِ لَا قَطعًا لَهَا! وَقَد أَرشَدَنَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَدنَى دَرَجَاتِ الصِّلَةِ الَّتِي تَمنَعُ اسمَ القَطِيعَةِ عِندَ تَعَذُّرِ مَا فَوقَهَا، كَمَا رَوَى البَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بُلُّوا أَرحَامَكُم وَلَو بِالسَّلَامِ»! شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ القَطِيعَةَ بِالحَرَارَةِ وَاليُبُوسَةِ الَّتِي تُحرِقُ حَبلَ القَرَابَةِ، وَشَبَّهَ الصِّلَةَ وَلَو بِكَلِمَةِ السَّلَامِ وَالسُّؤَالِ بِالمَاءِ البَارِدِ الَّذِي يَبُلُّ ذَلِكَ الحَبلَ فَيَحمِيهِ مِنَ الِاحتِرَاقِ وَالانقِطَاعِ! وَلِلَّهِ دَرُّ المَقنَعِ الكِندِيِّ حِينَ صَوَّرَ خُلُقَ الكَرِيمِ الوَاصِلِ لِقَومِهِ عَلَى مَا فِيهِم مِن خِلَافٍ فَقَالَ: وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ نَازِلًا ... وَمَا شِيمَةٌ لِي غَيْرَهَا تُشْبِهُ العَبْدَا إِلَى أَن قَالَ فِي بَيتِهِ السَّائِرِ فِي الآفَاقِ: وَلَا أَحْمِلُ الحِقْدَ القَدِيمَ عَلَيْهِمُ ... وَلَيْسَ رَئِيسُ القَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الحِقْدَا فَكونُوا يَا عِبَادَ اللهِ هُمُ الكِبَارَ العُقَلَاءَ فِي أُسَرِكُم وَعَشَائِرِكُم، الَّذِينَ يَئِدُونَ الفِتنَةَ، وَيَصِلُونَ الحَبلَ، وَيَجمَعُونَ بَينَ حِفظِ الحُقُوقِ وَصِيَانَةِ الأَرحَامِ. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ الشَّيطَانَ يَفرَحُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ أَكثَرَ مِن فَرَحِهِ بِكَثِيرٍ مِنَ المَعَاصِي؛ لِأَنَّهَا تَهدِمُ البُنيَانَ العَائِلِيَّ وَتَحرِمُ الأُسرَةَ مِن بَرَكَةِ الرِّزقِ وَالعُمرِ، وَهَاكُم خَمسَ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ لِصِيَانَةِ الرَّحِمِ مَعَ وُجُودِ الخِلَافِ: الأُولَى: عَزلُ مَوضُوعِ الخِلَافِ عَن أَصلِ العَلَاقَةِ الرَّحِمِيَّةِ؛ إِذَا وَقَعَ بَينَكَ وَبَينَ قَرِيبِكَ خِلَافٌ فِي مِيرَاثٍ أَو عَقَارٍ أَو تِجَارَةٍ، فَاحصُرِ الخِلَافَ فِي إِطَارِهِ المَالِيِّ وَالقَانُونِيِّ الهَادِئِ، وَإِيَّاكَ أَن تَسحَبَهُ إِلَى قَطعِ السَّلَامِ أَوِ التَّحَرِيضِ العَائِلِيِّ أَوِ الغِيَابِ عَنِ الوَاجِبَاتِ الكُبرَى كَعيَادَةِ المَرِيضِ وَتَشيِيعِ الجَنَازَةِ وَتَعزِيَةِ المُصَابِ. الثَّانِيَةُ: تَوثِيقُ المُعَامَلَاتِ المَالِيَّةِ بَينَ الأَقَارِبِ مَنعًا لِلنِّزَاعِ؛ لَا تَدخُلْ مَعَ قَرِيبٍ فِي شَرَاكَةٍ أَو دَينٍ أَو بَيعٍ عَلَى الخَجَلِ وَالكَلَامِ العَائِمِ الَّذِي يُورِثُ الخُصُومَةَ لَاحِقًا، بَلِ اكتُبُوا الحُقُوقَ وَالشُّرُوطَ بِوُضُوحٍ تَامٍّ كَمَا أَمَرَ اللهُ فِي آيَةِ الدَّينِ، وَإِن عَلِمتَ أَنَّ الشَّرَاكَةَ المَالِيَّةَ مَعَ قَرِيبٍ تُفسِدُ الوُدَّ بَينَكُمَا فَاجتَنِبِ الشَّرَاكَةَ وَأَبقِ المَوَدَّةَ. الثَّالِثَةُ: اختِيَارُ «مَرتَبَةِ الصِّلَةِ المُنَاسِبَةِ» عِندَ اختِلَافِ الطِّبَاعِ؛ إِذَا كَانَ بَعضُ الأَقَارِبِ حَادَّ الطَّبعِ أَو كَثِيرَ المِرَاءِ وَالأَذَى فِي المَجَالِسِ الطَّوِيلَةِ، فَلَا تَقطَعْهُ قَطِيعَةً تَامَّةً، بَلِ انتَقِلْ إِلَى الصِّلَةِ الخَفِيفَةِ المُنضَبِطَةِ: زِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ فِي الأَعيَادِ وَالمُنَاسَبَاتِ، أَوِ اتِّصَالٍ هَاتِفِيٍّ لِلسُّؤَالِ عَنِ الحَالِ، أَو هَدِيَّةٍ تُرسَلُ إِلَيهِ، فَتَجمَعَ بِذَلِكَ بَينَ أَدَاءِ وَاجِبِ الصِّلَةِ وَسَلَامَةِ الصَّدرِ مِنَ الأَذَى. الرَّابِعَةُ: تَحيِيدُ الأَبنَاءِ وَالأَزوَاجِ عَن نَارِ الخِلَافَاتِ؛ إِيَّاكَ أَن تَجعَلَ زَوجَتَكَ وَأَولَادَكَ وَقُودًا لِخِلَافٍ شَخصِيٍّ بَينَكَ وَبَينَ أَخِيكَ أَو أُختِكَ، فَتَمنَعَ أَولَادَكَ مِنَ السَّلَامِ عَلَى عَمِّهِم أَو عَمَّتِهِم؛ بَلْ مُرهُم بِأَدَبِ الصِّلَةِ وَالتَّوقِيرِ، لِئَلَّا تَحمِلَ وِزرَ قَطِيعَتِكَ وَوِزرَ قَطِيعَةِ ذُرِّيَّتِكَ مِن بَعدِكَ. الخَامِسَةُ: المُبَادَرَةُ بِكَسرِ جَلِيدِ الهَجرِ اليَومَ طَلَبًا لِمَغفِرَةِ اللهِ؛ تَذكَّرْ قَرِيبًا بَينَكَ وَبَينَهُ جَفوَةٌ أَو قَطِيعَةٌ، فَبَادِرْ أَنتَ اليَومَ قَبلَ غُرُوبِ شَمسِ هَذِهِ الجُمُعَةِ بِاتِّصَالٍ أَو رِسَالَةٍ طَيِّبَةٍ أَو زِيَارَةٍ، وَتَذكَّرْ قَولَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ»؛ فَكُنْ أَنتَ الخَيرَ عِندَ اللهِ، وَاحتَسِبْ خُطوَتَكَ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِكَ. اللَّهُمَّ يَا مُؤَلِّفَ القُلُوبِ أَلِّف بَينَ قُلُوبِنَا وَقُلُوبِ أَرحَامِنَا وَأَقَارِبِنَا، اللَّهُمَّ أَصلِح ذَاتَ بَينِنَا، وَاهدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَاصرِف عَن بُيُوتِنَا وَعَائِلَاتِنَا نَزَغَاتِ الشَّيطَانِ، وَفِتَنَ المَالِ، وَقَسوَةَ القَطِيعَةِ وَالهِجرَانِ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى صِلَةِ مَن قَطَعَنَا، وَالعَفوِ عَمَّن ظَلَمَنَا، وَالإِحسَانِ إِلَى مَن أَسَاءَ إِلَينَا، وَاجعَل مَعَنَا مِن لَدُنكَ ظَهِيرًا وَنَصِيرًا. اللَّهُمَّ ابسُط لَنَا فِي أَرزَاقِنَا، وَبَارِك لَنَا فِي أَعمَارِنَا وَأَهلِينَا وَذُرِّيَّاتِنَا بِبَرَكَةِ صِلَةِ الأَرحَامِ، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِأَرحَامِنَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.