سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَطَلُ الْمُشَاةِ وَصَاحِبُ الْبَيْعَاتِ الثَّلَاثِ الَّذِي هَزَمَ جَيْشًا بِمُفْرَدِهِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي اصطَفَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَصحَابًا كَالنُّجُومِ الزُّهرِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ، وَكَمَصَابِيحِ الدُّجَى فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ، جَمَعُوا بَينَ خُشُوعِ العُبَّادِ فِي المَحَارِيبِ، وَبَأسِ الآسَادِ فِي سَاحَاتِ الفِدَاءِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، شَهِدَ لِأَهلِ بَيعَةِ الرِّضوَانِ بِصِدقِ القُلُوبِ، وَأَنزَلَ عَلَيهِمُ السَّكِينَةَ وَأَثَابَهُم فَتحًا قَرِيبًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن يَعلَمُ أَنَّ القُوَّةَ للهِ جَمِيعًا، وَأَنَّ مَنِ اعتَزَّ بِاللهِ أَعَزَّهُ وَكَفَاهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي عَرَفَ لِأَصحَابِهِ أَقدَارَهُم، وَخلَّدَ فِي سُنَّتِهِ مآثِرَهُم وَأَخبَارَهُم، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّهَا مَعقِدُ العِزِّ وَمَدرَجَةُ الفَلَاحِ، وَبِهَا سَادَ الأَوَّلُونَ وَتَخَلَّدَ ذِكرُهُم فِي الصَّالِحِينَ، وَقَد أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِالتَّقوَى وَالصِّدقِ فِي كِتَابِهِ المَبِينِ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ فِي تَرَاجِمِ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ شَخصِيَّاتٍ فَذَّةً، إِذَا قَرَأتَ سِيرَتَهَا الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةَ فِي البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ خُيِّلَ إِلَيكَ أَنَّكَ أَمَامَ مُعجِزَةٍ بَشَرِيَّةٍ خَارِقَةٍ لِلعَادَةِ! رِجَالٌ صَنَعَهُمُ الوَحيُ، وَصَقَلَتْهُم تَربِيَةُ النُّبُوَّةِ، فَكَانَ الوَاحِدُ مِنهُم يَقُومُ مَقَامَ كَتِيبَةٍ كَامِلَةٍ بَل مَقَامَ جَيشٍ بِأَسرِهِ!
وَمِن هَؤُلَاءِ الأَبطَالِ الأَفذَاذِ الَّذِينَ يَنبَغِي أَن يَحفَظَ أَبنَاؤُنَا وَشَبَابُنَا اسْمَهُ وَسِيرَتَهُ كَمَا يَحفَظُونَ أَسمَاءَهُم: فَارِسُ المَشَّائِينَ، وَعَدَّاءُ الإِسلَامِ الأَوَّلُ، وَصَاحِبُ البَيعَاتِ الثَّلَاثِ عَلى المَوتِ تَحتَ الشَّجَرَةِ، الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ الشُّجَاعُ البَطَلُ: «سَلَمَةُ بنُ عَمرِو بنِ الأَكوَعِ الأَسلَمِيُّ» أَبُو إِيَاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ!
مَن هُوَ سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؟
إِنَّهُ مِن قَبِيلَةِ «أَسلَمَ» الَّتِي دَعَا لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ فَقَالَ: «أَسلَمُ سَالَمَهَا اللهُ»! أَسلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَبعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجَ فِي السَّرَايَا، وَكَانَ آيَةً مِن آيَاتِ اللهِ فِي خِصالٍ ثَلَاثٍ قَلَّ أَن تَجتَمِعَ فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ:
الأُولَى: سُرعَةُ العَدوِ عَلَى القَدَمَينِ حَتَّى كَانَ يَسبِقُ الخَيلَ المضمَرَةَ السَّرِيعَةَ فَلَا يُدرَكُ إِذَا طُلِبَ، وَلَا يَفُوتُهُ أَحَدٌ إِذَا طَلَبَهُ!
وَالثَّانِيَةُ: الإِتقَانُ المَذهِلُ فِي الرَّميِ بِالنَّبلِ وَالحِجَارَةِ مَعَ شَجَاعَةِ قَلبٍ لَا تَعرِفُ الخَوفَ!
وَالثَّالِثَةُ: التَّقوَى وَالزُّهدُ وَالسَّخَاءُ وَالوَرَعُ الَّذِي حَجَزَهُ عَنِ الدُّنيَا وَفِتَنِهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ تَعَالَى!
تَعَالَوا بِنَا — يَا عِبَادَ اللهِ — نَقِفُ مَعَ أَربَعِ لَوحَاتٍ مَشرِقَةٍ مِن حَيَاةِ سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا ثَبَتَت فِي أَصَحِّ الكُتُبِ بَعدَ كِتَابِ اللهِ؛ لِنَرَى كَيفَ يَكُونُ الرِّجَالُ حِينَ يَمتَلِئُ القَلبُ بِالإِيمَانِ وَحُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
أَمَّا اللَّوحَةُ الأُولَى: فَهِيَ لَوحَةُ «البَيعَاتِ الثَّلَاثِ عَلى المَوتِ يَومَ الحُدَيبِيَةِ»!
فِي عَامِ الحُدَيبِيَةِ، حِينَ أَشَاعَ المُشرِكُونَ مَقتَلَ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَحتَ الشَّجَرَةِ يَدعُو الصَّحَابَةَ إِلَى بَيعَةِ الرِّضوَانِ عَلى المَوتِ أَو عَلى عَدَمِ الفِرَارِ، تِلكَ البَيعَةُ الَّتِي أَنزَلَ اللهُ فِيهَا قُرآنًا يُتلَى إِلَى يَومِ القِيَامَةِ فِي سُورَةِ الفَتحِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
كُلُّ الصَّحَابَةِ يَومَئِذٍ بَايَعُوا مَرَّةً وَاحِدَةً، أَمَّا سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَد خُصَّ بِمَنقَبَةٍ فَرِيدَةٍ: بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَحتَ الشَّجَرَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي يَومٍ وَاحِدٍ!
اسْمَعُوا إِلَى سَلَمَةَ نَفسِهِ وَهُوَ يَروِي لَنَا هَذَا المَشهَدَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَصَحِيحِ مُسلِمٍ؛ قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِلبَيعَةِ فِي أَصلِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: «فَبَايَعتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ عَلى المَوتِ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ نَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بَايِعْ يَا سَلَمَةُ! قُلتُ: قَد بَايَعتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ! قَالَ: وَأَيضًا! وَرَآنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَزِلًا لَا سِلَاحَ مَعِي، فَأَعطَانِي حَجَفَةً أَو دَرَقَةً — أَي تُرسًا مِن جِلدٍ —، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ لِي: أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ؟ قُلتُ: قَد بَايَعتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ وَفِي أَوسَطِ النَّاسِ! قَالَ: وَأَيضًا! فَبَايَعتُهُ الثَّالِثَةَ»!
سُبحَانَ اللهِ! يَسأَلُهُ التَّابِعِيُّ يَزِيدُ بنُ أَبِي عُبَيدٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «عَلَى أَيِّ شَيءٍ بَايَعتُم رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومَ الحُدَيبِيَةِ يَا أَبَا مُسلِمٍ؟» فَيُجِيبُ سَلَمَةُ بِكَلِمَتَينِ تَختَصِرَانِ حَيَاتَهُ كُلَّهَا: «عَلَى المَوتِ»!
لَم يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد نَسِيَ أَنَّ سَلَمَةَ بَايَعَهُ فِي الأُولَى وَالثَّانِيَةِ — وَحَاشَاهُ —، وَلَكِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَن يُضَاعِفَ لِسَلَمَةَ شَرَفَ البَيعَةِ وَالرِّضوَانِ لِمَا يَعلَمُ مِن صِدقِهِ وَثَبَاتِهِ وَفِدَائِهِ!
وَانتَقِلُوا مَعِي — يَا رَعَاكُمُ اللهُ — إِلَى اللَّوحَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ المَلحَمَةُ الكُبرَى الَّتِي خَلَّدَهَا التَّارِيخُ العَسكَرِيُّ الإِسلَامِيُّ، وَرَوَاهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِطُولِهَا وَالبُخَارِيُّ بِاختِصَارٍ: مَلحَمَةُ «غَزوَةِ ذِي قَرَدٍ» أَو غَزوَةِ الغَابَةِ!
تَخَيَّلُوا المَشهَدَ يَا عِبَادَ اللهِ: خَرَجَ سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ المَدِينَةِ مَاشِيًا عَلى قَدَمَيهِ قَبلَ أَن يُؤَذَّنَ بِالفَجرِ يَقصِدُ الغَابَةَ، وَكَانَت لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ — أَي إِبِلُهُ الحَلُوبُ الَّتِي يَشرَبُ مِن لَبَنِهَا أَهلُهُ وَفُقَرَاءُ المُسلِمِينَ — تَرعَى بِمَوضِعٍ يُقَالُ لَهُ «ذُو قَرَدٍ». وَفِي الطَّرِيقِ لَقِيَهُ غُلَامٌ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَذعُورًا يَصِيحُ: «أُخِذَت لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!» قَالَ سَلَمَةُ: مَن أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ بقيادَةِ عَبْدِ الرَّحمَنِ بنِ عُيَينَةَ بنِ حِصنٍ، أَغَارُوا فِي فُرسَانٍ كَثِيرِينَ فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاستَاقُوا الإِبِلَ كُلَّهَا!
مَاذَا يَفعَلُ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَاشٍ عَلَى قَدَمَيهِ، لَا فَرَسَ مَعَهُ وَلَا جَيشَ، أَمَامَ كَتِيبَةٍ كَامِلَةٍ مِنَ الفُرسَانِ المُسَلَّحِينَ بِالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ؟! لَو كَانَ رَجُلًا عَادِيًّا لَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ يَستَغِيثُ وَيَنتَظِرُ حَتَّى يَجتَمِعَ الجَيشُ فَيَكُونَ العَدُوُّ قَدِ اختَفَى فِي الصَّحرَاءِ! أَمَّا سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ فَقَد صَنَعَ مَا لَا يُصَدِّقُهُ العَقلُ:
أَمَرَ الغُلَامَ أَن يَنطَلِقَ مُسرِعًا ليُخبِرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَعِدَ سَلَمَةُ عَلَى تَلٍّ مُرتَفِعٍ وَاستَقبَلَ المَدِينَةَ وَصَرَخَ بِأَعلَى صَوتِهِ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: «يَا صَبَاحَاهُ! يَا صَبَاحَاهُ!» أَسمَعَ بِهَا مَا بَينَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ!
ثُمَّ شَدَّ عَلَى سَيفِهِ وَقَوسِهِ وَنَبلِهِ، وَانطَلَقَ وَحدَهُ يَعدُو عَلَى قَدَمَيهِ كَالسَّهمِ المَارِقِ أَوِ الأَسَدِ الضَّارِي فِي أَثَرِ الفُرسَانِ المُغِيرِينَ! فَلَحِقَهُم وَقَد أَخَذُوا يَستَقُونَ مِنَ المَاءِ، فَكَمَنَ لَهُم فِي الشَّجَرِ وَجَعَلَ يَمطُرُهُم بِالنَّبلِ لَا يَرمِي سَهمًا إِلَّا أَصَابَ فَارِسًا أَو عَقَرَ فَرَسًا وَهُوَ يَرتَجِزُ بِصَوتٍ يُلقِي الرُّعبَ فِي قُلُوبِهِم:
خُذْهَا وَأَنَا ابنُ الأَكوَعِ ... وَاليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ
أَيِ اليَومُ يَومُ يَظهَرُ فِيهِ مَن أَرضَعَتهُ أُمُّهُ الكَرِيمَةُ الشَّجَاعَةَ وَالإِقدَامَ وَيَهلِكُ فِيهِ اللِّئَامُ!
قَالَ سَلَمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: فَإِذَا رَجَعَت إِلَيَّ الفُرسَانُ هَرَبتُ مِنهُم فَأَسبِقُهُم فَلَا يُدرِكُونِي، ثُمَّ أَعتَلِي الجَبَلَ أَو أَعطِفُ عَلَيهِم مِن خَلفِ الشَّجَرِ فَأَرمِيهِم بِالنَّبلِ وَالحِجَارَةِ! قَالَ: «فَمَا زِلتُ أَرمِيهِم وَأَعقِرُ بِهِم، حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ شَيئًا مِن ظَهرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ — أَي مِن إِبِلِهِ كُلِّهَا — إِلَّا خَلَّفتُهُ وَرَاءَ ظَهرِي وَاستَنقَذتُهُ مِن أَيدِيهِم»!
هَلِ اكتَفَى سَلَمَةُ بَعدَ أَنِ استَرَدَّ جَمِيعَ إِبِلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِمُفرَدِهِ؟ كَلَّا وَاللهِ! بَل وَاصَلَ مُطَارَدَةَ الجَيشِ المُنهَزِمِ وَهُوَ وَحِيدٌ يَرمِيهِم بِالنَّبلِ، حَتَّى أَلقَوا مِن شِدَّةِ الرُّعبِ وَطَلَبِ النَّجَاةِ أَكثَرَ مِن ثَلَاثِينَ بُردَةً وَثَلَاثِينَ رُمحًا يَستَخِفُّونَ بِإِلقَائِهَا لِيُسرِعُوا فِي الهَرَبِ! وَكُلَّمَا طَرَحُوا رُمحًا أَو بُردَةً وَضَعَ سَلَمَةُ عَلَيهَا عَلَامَةً مِنَ الحِجَارَةِ لِيَعرِفَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابُهُ!
وَظَلَّ سَلَمَةُ يُحَاصِرُهُم فِي شِعبٍ ضَيِّقٍ وَيَمنَعُهُم مِن شُربِ المَاءِ مِن قَبلِ الفَجرِ إِلَى الضُّحَى، حَتَّى لَحِقَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَفُرسَانُ الصَّحَابَةِ كَأَبِي قَتَادَةَ وَالمِقدَادِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم! وَحَتَّى بَعدَ وُصُولِ الجَيشِ وَالتَّعَبِ الشَّدِيدِ، جَاءَ سَلَمَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «يَا رَسُولَ اللهِ، خَلِّنِي فَأَنتَخِبُ مِنَ القَومِ مِائَةَ رَجُلٍ، فَأَتَّبِعُ القَومَ فَلَا يَبقَى مِنهُم مُخبِرٌ إِلَّا قَتَلتُهُ!» فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ فِي ضَوءِ النَّارِ، وَقَالَ لَهُ بِلُطفِهِ وَرَحمَتِهِ: «يَا سَلَمَةُ، أَتُرَاكَ كُنتَ فَاعِلًا؟ مَلَكتَ فَأَسجِحْ»؛ أَي قَدَرتَ وَظَفِرتَ فَأَحسِن وَارفُق!
ثُمَّ أَعلَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الجَيشِ كُلِّهِ ذَلِكَ الوِسَامَ النَّبَوِيَّ الخَالِدَ الَّذِي يَبقَى تَاجًا عَلَى رَأسِ سَلَمَةَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «خَيرُ فُرسَانِنَا اليَومَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيرُ رَجَّالَتِنَا — أَي مَشَّاتِنَا — سَلَمَةُ»! وَأَعطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَهمَينِ مِنَ الغَنِيمَةِ: سَهمَ الفَارِسِ وَسَهمَ الرَّاجِلِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ قَامَ وَهُوَ رَاجِلٌ بِمَا عَجَزَت عَنهُ الفُرسَانُ! ثُمَّ أَردَفَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ عَلَى نَاقَتِهِ «العَضبَاءِ» رَاجِعَينِ إِلَى المَدِينَةِ!
يَا لَلَّهِ! أَيُّ شَرَفٍ أَعظَمُ مِن أَن يَركَبَ سَلَمَةُ خَلفَ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَد شَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ خَيرُ الرَّجَّالَةِ؟!
عِبَادَ اللهِ: وَفِي هَذِهِ الغَزوَةِ نَفسِهَا عِندَ الرُّجُوعِ، ظَهَرَ أَدَبُ سَلَمَةَ وَسُرعَتُهُ الخَارِقَةُ؛ فَقَد أَرَادَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ كَانَ لَا يُسبَقُ شَدًّا عَلَى الأَقدَامِ أَن يُسَابِقَ النَّاسَ إِلَى المَدِينَةِ فَجَعَلَ يُنَادِي: «أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى المَدِينَةِ؟» فَلَم يَقُم لَهُ سَلَمَةُ تَأَدُّبًا وَهُوَ رَدِيفُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى تَكَرَّرَ النِّدَاءُ، فَقَالَ سَلَمَةُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي، ذَرنِي فَلأُسَابِقَ الرَّجُلَ!» قَالَ: «إِن شِئتَ!» قَالَ سَلَمَةُ: فَنَزَلتُ، وَربَطتُ شَرفًا أَو شَرَفَينِ — أَي تَرَكتُهُ يَسبِقُنِي مَسَافَةَ تَلَّينِ استِبقَاءً لِنَفَسِي —، ثُمَّ عَدَوتُ فِي أَثَرِهِ فَلَحِقتُهُ وَضَرَبتُ بِيَدِي بَينَ كَتِفَيهِ وَقُلتُ: «قَد سُبِقتَ وَاللهِ!» فَضَحِكَ الرَّجُلُ وَقَالَ: «أَظُنُّ!» فَسَبَقَهُ سَلَمَةُ إِلَى المَدِينَةِ!
وَانظُرُوا إِلَى اللَّوحَةِ الثَّالِثَةِ مِن حَيَاةِ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لَوحَةِ «الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ وَالصَّبرِ مَعَ أَخِيهِ الشَّهِيدِ عَامِرِ بنِ الأَكوَعِ يَومَ خَيبَرَ»!
فِي طَرِيقِ المَسِيرِ إِلَى خَيبَرَ بِاللَّيلِ، كَانَ عَامِرُ بنُ الأَكوَعِ — أَخُو سَلَمَةَ — يَحدُو بِالجَيشِ وَيَرتَجِزُ بِأَبيَاتِهِ الشَّهِيرَةِ الَّتِي رَوَاهَا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ:
اللَّهُمَّ لَولَا أَنتَ مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا
فَاغفِر فِدَاءً لَكَ مَا اتَّقَينَا ... وَثَبِّتِ الأَقدَامَ إِن لَاقَينَا
وَأَلقِيَن سَكِينَةً عَلَينَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَينَا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن هَذَا السَّائِقُ؟» قَالُوا: عَامِرُ بنُ الأَكوَعِ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَرحَمُهُ اللهُ»! فَعَلِمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ قَد وَجَبَت لِعَامِرٍ! فَلَمَّا التَقَى الصَّفَّانِ فِي خَيبَرَ، بَارَزَ عَامِرٌ بَطَلَ اليَهُودِ، وَكَانَ سَيفُ عَامِرٍ قَصِيرًا، فَلَمَّا ضَرَبَ بِهِ اليَهُودِيَّ رَجَعَ ذُبَابُ السَّيفِ فَأَصَابَ عَينَ رُكبَةِ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنهَا! فَقَالَ بَعضُ النَّاسِ ظَنًّا مِنهُم أَنَّهُ قَتَلَ نَفسَهُ خطَأً فَحَبِطَ عَمَلُهُ: «حَبِطَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفسَهُ!»
فَجَاءَ سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبكِي حُزنًا وَشَفَقَةً عَلَى آخِرَةِ أَخِيهِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحبَطَ عَمَلُ عَامِرٍ؟! قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن قَالَ ذَلِكَ؟» قَالَ: نَاسٌ مِن أَصحَابِكَ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَلِمَتَهُ الفَاصِلَةَ الَّتِي مَسَحَت دُمُوعَ سَلَمَةَ: «كَذَبَ مَن قَالَ ذَلِكَ — أَي أَخطَأَ —، بَل لَهُ أَجرُهُ مَرَّتَينِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثلَهُ»! وَجَمَعَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ إِصبَعَيهِ بَشَارَةً بِمُضَاعَفَةِ الأَجرِ!
وَأَمَّا اللَّوحَةُ الرَّابِعَةِ مِن حَيَاةِ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: فَهِيَ لَوحَةُ «الجُودِ وَالوَرَعِ وَاعتِزَالِ الفِتَنِ»!
لَم يَكُن سَلَمَةُ بَطَلًا فِي الحَربِ فَحَسبُ، بَل كَانَ مِن أَسخَى النَّاسِ كَفًّا وَأَعظَمِهِم تَعظِيمًا لِاسمِ اللهِ تَعَالَى؛ فَقَد ذَكَرَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ وَابنُ سَعدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ سَلَمَةَ بنَ الأَكوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ إِذَا سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ: «أَسأَلُكَ بِوَجهِ اللهِ» أَعطَاهُ مَا سَأَلَ وَلَا يَرُدُّهُ أَبَدًا؛ حَتَّى إِنَّ جَارِيَةً مَملُوكَةً لَهُ فَقِهَت هَذَا الخُلُقَ مِنهُ، فَقَالَت لَهُ يَومًا: «يَا سَلَمَةُ، أَسأَلُكَ بِوَجهِ اللهِ إِلَّا أَعتَقتَنِي!» فَقَالَ: «أَنتِ حُرَّةٌ لِوَجهِ اللهِ»!
وَلَمَّا قُتِلَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَاضطَرَبَتِ الفِتَنُ، خَافَ سَلَمَةُ عَلَى دِينِهِ وَسَيفِهِ الَّذِي جَاهَدَ بِهِ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُشَارِكَ فِي فِتنَةٍ يُرَاقُ فِيهَا دَمٌ حَرَامٌ، فَخَرَجَ إِلَى «الرَّبَذَةِ» قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ، فَعَاشَ فِيهَا زَاهِدًا عَابِدًا مُحَدِّثًا بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا كَانَ قَبلَ وَفَاتِهِ بِلَيَالٍ عَادَ إِلَى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ لِيَمُوتَ فِي جِوَارِ حَبِيبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَيُدفَنَ فِي البَقِيعِ سَنَةَ أَربَعٍ وَسَبعِينَ مِنَ الهِجرَةِ، بَعدَ أَن خَتَمَ اللهُ لَهُ بِالصِّدقِ وَالوَفَاءِ؛ مِصدَاقًا لِقَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَبِسِيرَةِ النَّبِيِّ الكَرِيمِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّنَا لَا نَروِي سِيرَةَ سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِمُجَرَّدِ الإِعجَابِ التَّارِيخِيِّ، بَل لِنَستَخرِجَ مِنهَا أَربَعَةَ دُرُوسٍ عَمَلِيَّةٍ تَنهَضُ بِهَا حَيَاتُنَا وَحَيَاةُ أَبنَائِنَا اليَومَ:
الدَّرسُ الأَوَّلُ: رُوحُ المُبَادَرَةِ وَإِدرَاكُ قِيمَةِ الفَردِ الوَاحِدِ إِذَا صَدَقَ مَعَ اللهِ.
لم يَقُلْ سَلَمَةُ يَومَ ذِي قَرَدٍ: «أَنَا شَخصٌ وَاحِدٌ مَاذَا أَستَطِيعُ أَن أَفعَلَ وَحدِي؟» بَلِ انطَلَقَ بِمَا يَملِكُ مِن قُدرَةٍ، فَحَقَّقَ اللهُ عَلَى يَدَيهِ مَا تَعجَزُ عَنهُ الجُيُوشُ! وَهَكَذَا يَنبَغِي لِلمُسلِمِ فِي مُجتَمَعِهِ أَلَّا يَحتَقِرَ جُهدَهُ الفَردِيَّ فِي الدَّعوَةِ أَوِ الإِصلَاحِ أَو إِغَاثَةِ المَلهُوفِ أَو نُصرَةِ الحَقِّ؛ فَربَّ رَجُلٍ وَاحِدٍ صَادِقٍ يُحيِي اللهُ بِهِ بَلدَةً أَو يَهدِي بِهِ جِيلًا!
الدَّرسُ الثَّانِي: تَوظِيفُ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ وَالمَهَارَاتِ الشَّخصِيَّةِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَخِدمَةِ الدِّينِ.
كَانَ سَلَمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَملِكُ لِيَاقَةً بَدَنِيَّةً عَالِيَةً فِي العَدوِ وَمَهَارَةً فَرِيدَةً فِي الرِّمَايَةِ، فَلَم يَصرِفْهَا فِي الخُيَلَاءِ وَلَا فِي اللَّهوِ البَاطِلِ، بَل جَعَلَهَا وَقفًا لِنُصرَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَمَا أَحوَجَ شَبَابَنَا الرِّيَاضِيِّينَ وَأَصحَابَ المَوَاهِبِ وَالقُدُرَاتِ اليَومَ إِلَى أَن يَقتَدُوا بِسَلَمَةَ، فَيَجمَعُوا بَينَ قُوَّةِ البَدَنِ وَطَهَارَةِ القَلبِ وَالمحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالعِفَّةِ وَنَفعِ المُسلِمِينَ؛ تَحقِيقًا لِقَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنفَالِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.
الدَّرسُ الثَّالِثُ: تَعظِيمُ اسمِ اللهِ تَعَالَى وَالعَفوُ عِندَ المَقدِرَةِ.
فَكَمَا رَأَينَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ سَلَمَةَ قَاعِدَةَ النُّبَلَاءِ: «مَلَكتَ فَأَسجِحْ»، رَأَينَا سَلَمَةَ يَعتِقُ مَالَهُ وَرَقِيقَهُ إِذَا سُئِلَ بِوَجهِ اللهِ؛ فَالمُؤمِنُ القَوِيُّ الحَقُّ هُوَ الَّذِي يَجمَعُ بَينَ الشَّجَاعَةِ عِندَ البَأسِ، وَالرَّحمَةِ وَالكَرَمِ وَالحِلمِ مَعَ العِبَادِ؛ كَمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى الصَّحَابَةَ فِي آخِرِ سُورَةِ الفَتحِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
الدَّرسُ الرَّابِعُ: الفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الفِتَنِ وَصِيَانَةُ اللِّسَانِ وَاليَدِ عَن دِمَاءِ المُسلِمِينَ وَأَعرَاضِهِم.
كَمَا اعتَزَلَ سَلَمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الفِتنَةَ فِي الرَّبَذَةِ لِيَلقَى اللهَ خَفِيفَ الظَّهرِ نَقِيَّ الكَفِّ؛ فَاحفَظُوا أَلسِنَتَكُم وَأَيدِيَكُم مِن كُلِّ فِتنَةٍ أَو شِقَاقٍ، وَاملَؤُوا قُلُوبَكُم وَبُيُوتَكُم بِمَحَبَّةِ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالتَّرَضِّي عَنهُم وَالاقتِدَاءِ بِهِم.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ، فَقَالَ عَزَّ مِن قَائِلٍ عَلِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن بَطَلِ الإِسلَامِ سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ، وَأَخِيهِ الشَّهِيدِ عَامِرِ بنِ الأَكوَعِ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَاحشُرنَا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ ارزُقنَا صِدقَ الإِيمَانِ، وَثَبَاتَ الجَنَانِ، وَقُوَّةَ العَزِيمَةِ فِي طَاعَتِكَ وَنُصرَةِ دِينِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَجَنِّبنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاحفَظ بِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَمَكرُوهٍ، وَفَرِّج كَربَ المَكرُوبِينَ، وَاقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِينَ، وَاشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ، وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَطَلُ الْمُشَاةِ وَصَاحِبُ الْبَيْعَاتِ الثَّلَاثِ الَّذِي هَزَمَ جَيْشًا بِمُفْرَدِهِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.