🕌 عدساتُ الهواتفِ ومِحنةُ الإخلاص.. هل نَعيشُ لله أم لِلنَّاس؟
#خطبة_جمعة #الإخلاص #الرياء #حفظ_العمل #العبادة #تزكية_النفس #آفات_العصر
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإخلاصَ رُوحَ الأعمال، وسِرَّ القَبول، ومِفتاحَ الفلاحِ في الحَال والمآل. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُور، ويُبصِرُ حَرَكاتِ القلوبِ في الظُّلُماتِ والنُّور. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه، إمامُ المُخلِصين، وقُدوَةُ المُتَّقين الأَخْفِيَاء، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصَحبِه، ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، مشهدٌ بات يتكرَّرُ في مَساجدِنا وبُيوتِنا وأسفارِنا، جِهازٌ صَغيرٌ في جُيوبِنا ابتلعَ خُشوعَنا، وسَرَقَ لَذَّةَ أوقاتِنا. نَرفعُ أيديَنا بالدُّعاء أمامَ الكعبة، وعُيونُنا لا تَنظُرُ إلى السَّماء، بل تَنظُرُ إلى الشَّاشَةِ وعَدَدِ المُتابِعين. فهل تَحَوَّلت عِباداتُنا ومَشاعرُنا إلى لَقطاتٍ مَعروضةٍ لِلنَّاس؟ وما الذي يَتَسَرَّبُ من قُلوبِنا مَعَ كُلِّ صورةٍ نَلتَقِطُها؟ مِيزانُ النَّوايا الدَّقيق، والخَيطُ الرَّفيعُ بينَ العِبادةِ والعادَة، هو ما سَنَقِفُ مَعَهُ في دَقائِقِنا هذه.
أيُّها الإخوةُ الأحبَّة، تَخَيَّلوا معي مَشهَدًا نَعيشُهُ اليَومَ في كُلِّ مَكان: قَلبٌ يَنكَسِر، أو دَمعةٌ تَنزِل، أو صَدَقَةٌ تُبذَل، أو خُطوةٌ تُخْطَى في حَرَمِ الله.. وفي اللَّحظةِ التي يَجِبُ أن يَكونَ فيها العَبدُ غارِقًا في مُناجاةِ رَبِّه، يَمُدُّ يَدَهُ إلى هاتفِه، يَفتَحُ الكاميرا، ويَلتَقِطُ الصُّورة، ثُمَّ يُشارِكُها مَعَ آلافِ البَشَر.
هل سَأَلنا أنفُسَنا يَومًا: لِمَن نَعيش؟ لِمَن نَبكي؟ لِمَن نَتَصَدَّق؟ لِمَن نَأكُلُ ونَشرَبُ ونُسافِر؟ هل نَحنُ نَعيشُ حَياتَنا لِنَذوقَها، أم نَعيشُها لِنُثْبِتَ لِلنَّاسِ أنَّنا أحياء؟
لقد ابْتُلِينَا في هذا الزَّمانِ بِـ "هَوَسِ التَّوثيق". مَرَضٌ خَفيٌّ تَسَلَّلَ إلى عُقولِنا حتَّى أصبَحَ الواحِدُ مِنَّا لا يَستَمْتِعُ بِطَعامِهِ حتَّى يُصَوِّرَه، ولا يَفْرَحُ بِلِقاءِ أبنائِهِ حتَّى يُوثِّقَه، والأخطَرُ والأشَدُّ ألَمًا.. أنَّهُ باتَ لا يَشعُرُ بِلَذَّةِ العِبادَةِ حتَّى يَنشُرَها ويَنتَظِرَ إعجابَ البَشَرِ وتَعلِيقاتِهِم!
عبادَ الله، يَقولُ رَبُّنا تبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ التَّنزيل، بآيةٍ تَهُزُّ القُلوبَ الحَيَّة: ﴿قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 29]. اللهُ يَعلَمُ! اللهُ مُطَّلِعٌ! فلماذا الإلحاحُ على إعلامِ الخَلق؟ لماذا هذا الجوعُ المُخيفُ لِنَظَراتِ النَّاسِ وتَصفيقِهِم المَوهوم؟
إنَّ الخَطَرَ الأكبَرَ لِعَدَساتِ التَّصويرِ التي تُلاحِقُنا ليسَ في ضَياعِ الوَقتِ فَحَسْب، بل في تَدميرِ أغلَى وأعظَمِ شَيءٍ يَملِكُهُ المُسلِم.. إنَّهُ "الإخلاص". ذلك السِّرُّ العَظيمُ بَينَ العَبدِ ورَبِّه، ذلك الحِصنُ الذي يَحمي أعمَالَنا من الاحتِراق.
اسمعوا لِهذا القاعِدةِ النَّبَويَّةِ التي هِيَ ثُلُثُ الإسلام، يَقولُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [مُتَّفَقٌ عليه]. عِندَما تَرفَعُ هَاتِفَكَ لِتُصَوِّرَ صَدَقَتَك، أو دَمعَتَكَ في التَّراويح، أو مَوقِفَكَ في عَرَفة.. ماذا نَوَيت؟ هل نَوَيتَ أن يَطَّلِعَ اللهُ عَليكَ فَحَسْب؟ أم دَخَلَت نِيَّةٌ خَفيَّةٌ صَغيرَةٌ تَقول: "لِيَرى النَّاسُ خُشوعي، لِيَرى النَّاسُ كَرَمي، لِيَرى النَّاسُ طاعَتي"؟
إذا دَخَلَت هذه النِّيَّة، فقد وَقَعَت المُصيبَة. اسمعوا ماذا سَمَّى النَّبيُّ ﷺ هذا الفِعل، لم يُسَمِّهِ مُجَرَّدَ خَطأ، بل سَمَّاهُ بِاسمٍ يُزَلزِلُ الكِيان! يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ». قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً!» [رواه أحمد بإسناد صحيح].
يا لَها مِن حَسرَة! تَتْعَب، وتُنْفِق، وتَبكي، وتُسافِر.. وفي النِّهايَة، تَأتي يَومَ القِيامَةِ لِتَبْحَثَ عَن أجرِكَ عِندَ الله، فَيُقالُ لك: اذهَب إلى مُتابِعيكَ على السُّوشيال ميديا! اذهَب إلى مَن أعطَوكَ (الإعجاب)، هل يَملِكونَ لكَ اليَومَ حَسَنَةً واحِدةً تُنْجيكَ من النَّار؟!
وتأمَّلوا معي أيُّها المُؤمِنون قولَهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264]. الرياءُ مُبْطِلٌ لِلعَمَل، مُحْرِقٌ لِلحَسَنات. وكَم نَرى اليَومَ مَن يُصَوِّرُ نَفسَهُ وهُوَ يُعطي الفَقيرَ طَعامًا، ويَحرِصُ على إظهارِ وَجهِ المِسكينِ المَكسورِ لِيَحصُدَ هو المَشاهدات! أيُّ إخلاصٍ هُنا؟ وأيُّ كَرامةٍ حُفِظَت لِهذا الفَقير؟ لقد جَعَلْنا من أوجاعِ الفُقَراءِ مَوادَّ لِتِجارَةِ الإعجابات الوَهميَّة.
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "العَمَلُ بِغَيرِ إخلاصٍ ولا اقتِداءٍ، كالمُسافِرِ يَملَأُ جِرابَهُ رَمْلًا، يُثْقِلُهُ ولا يَنفَعُه!". وأيُّ ثِقَلٍ أعظَمُ مِن جِبالٍ من الأعمَالِ تَتَحَوَّلُ يَومَ القِيامَةِ إلى هَباءٍ مَنثور، لأنَّ العَدَسَةَ هي التي سَيَّرَتها، لا الإخلاصُ لله! يَقولُ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
أينَ نَحنُ مِن سِرِّ السَّلَفِ الصَّالِح، وأينَ أخلاقُ المُخلِصينَ الذين كانُوا يَفِرُّونَ من عُيونِ النَّاسِ كما نَفِرُّ نَحنُ من الأسَد؟
دَعوني أحكي لَكُم قِصَّةَ رَجُلٍ لم يَعرِف "هَوَسَ التَّصوير"، ولم يَكُن يَملِكُ مَنصَّةً لِيَنشُرَ عليها أفعالَه. رَجُلٌ عاشَ في المَدينَةِ المُنَوَّرَة، اسمُهُ عَلِيُّ بنُ الحُسَين (زَينُ العابِدين).
كانَ هذا الرَّجُلُ العَظيمُ يَحمِلُ جُرُبَ الخُبزِ والدَّقيقِ على ظَهرِهِ في اللَّيلِ المُظلِم، يَدورُ على بُيوتِ الفُقَراءِ والأرامِلِ في المَدينَة، يَترُكُ الطَّعامَ عِندَ أبوابِهِم ويَنصَرِفُ بِصَمت. لم يَرَهُ أحَد، ولم يُصَوِّرْهُ أحَد. الفُقَراءُ أنفُسُهُم كانوا لا يَعرِفونَ مَن الذي يُطعِمُهُم!
حتَّى جاءَ اليَومُ الذي ماتَ فيه زَينُ العابِدين.. وفي تِلكَ اللَّيلة، جاعَت مِائَةُ بَيتٍ في المَدينة! انقَطَعَ عنهُم الطَّعام، فَعَرَفُوا حينَها أنَّ المُنْفِقَ الخَفيَّ قد مات. ولَمَّا جاؤوا لِيُغَسِّلُوه، وَجَدوا في ظَهرِهِ آثارًا سَوداءَ كَالنَّدَبات، فسَألوا عَنها، فَقيل: هذه آثارُ حَمْلِهِ لِأكياسِ الدَّقيقِ في اللَّيلِ لِلأرامِلِ والمَساكين!
هكذا كَانوا يَصنَعونَ تاريخَهُم مَعَ الله! كانَت أعمَالُهُم مَخفيَّةً في سَوادِ اللَّيل، فَأظهَرَها اللهُ وأعلَى ذِكرَها بَعدَ مَوتِهِم. ونَحنُ اليَوم؟ نُصَوِّرُ أعْمَالَنا في رابِعَةِ النَّهار، نَنشُرُها لِلمَلايين، فَتَموتُ بِمُجَرَّدِ أن نَضغَطَ على زِرِّ الإرسال، لأنَّها بُنِيَت على التَّفاخُرِ لا على السِّتْر!
وقد صَحَّ في الحَديثِ أنَّ من السَّبعَةِ الذينَ يُظِلُّهُم اللهُ في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» [مُتَّفَقٌ عليه]. أينَ هذا الإخفاءُ مِمَّن يُصَوِّرُ يَمينَهُ وهي تُنفِق، ثُمَّ يَنشُرُها لِيَراها أهلُ المَشرِقِ والمَغرِب؟!
قال الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "لقد كانَ الرَّجُلُ يَكونُ جالِسًا مَعَ القَوم، فَتَجيئُهُ العَبْرَةُ (أي يَرِقُّ قَلبُهُ ويَبكي)، فَيَرُدُّهَا، فإذا خَشِيَ أن تَسبِقَهُ، قامَ من المَجلِسِ لِئَلَّا يَرَوهُ يَبكي!". وكان أيُّوبُ السَّخْتِيَانيُّ رَحِمَهُ الله إذا رَقَّ قَلبُهُ في مَجلِسِ العِلمِ وغَلَبَهُ البُكاء، يَأخُذُ مِنديلَهُ ويَمْسَحُ أنفَهُ ويَقول: "ما أشَدَّ الزُّكامَ اليَوم!"، يُوهِمُ النَّاسَ أنَّهُ مُصابٌ بِالزُّكامِ حتَّى لا يَعرِفوا أنَّهُ يَبكي خَشيَةً لله.
قارِنوا هذا السِّتْرَ العَظيم، بِحَالِ مَن يَضَعُ الكاميرا أمامَ وَجهِهِ في قِيامِ اللَّيلِ أو في العُمرَة، لِيُوَثِّقَ دُموعَهُ وخُشوعَه! هل تَطلُبُ من النَّاسِ أن يَشهَدوا لكَ بالصَّلاح؟ يَقولُ النَّبيُّ ﷺ، في كَلِماتٍ تَحفَرُ في القُلوبِ حَفْرًا: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» [مُتَّفَقٌ عليه]. أي: مَن راءى بِعَمَلِهِ النَّاس، فَضَحَهُ اللهُ، وأظهَرَ سَريرَتَهُ الخَبيثَة، وأبْطَلَ أجرَه.
أخوَتي في الله، هُناكَ زاويَةٌ أُخرى مُؤلِمَةٌ لِهَوَسِ التَّصوير، وهي "فِقدانُ لَذَّةِ اللَّحظَةِ والحُضورِ مَعَ الله".
العِبادَةُ سُكونٌ، وتَفَرُّغٌ، واستِحضارٌ لِعَظَمَةِ المَعبود. عِندَما تَطوفُ حَولَ الكَعبَةِ، أنتَ في ضِيافَةِ مَلِكِ المُلوك.. كيفَ يَليقُ بِضَيفٍ في بَيتِ المَلِكِ أن يَكونَ مَشغولًا بِعَدَسَةِ هاتِفِهِ، يُرَتِّبُ الزَّوايَا، ويَضْبِطُ الإضاءة، لِيُخرِجَ صورَةً جَميلَةً يَنشُرُها؟ هل تَمُرُّ تِلكَ اللَّحَظاتُ بِقَلبِك؟ كلا والله، لقد كانَ جَسَدُكَ يَدورُ حَولَ الكَعبَة، أمَّا قَلبُكَ فكانَ يَدورُ حَولَ (الإعجابات) ومُراقَبَةِ مَن شَاهَدَ المَنشور!
يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 1-2]. والتَّكاثُرُ في عَصْرِنا لم يَعُد في الأموالِ والأولادِ فَحَسْب، بل أصبَحَ تَكاثُرًا في صُوَرِنا المَنشورَة، وفي أعدادِ المُتابِعين، وفي نَظَرَاتِ الإعجاب. ألهانا هذا التَّكاثُرُ الوَهميُّ عَن غايَةِ وُجودِنا، وعَن صَفاءِ عِباداتِنا، حتَّى سُرِقَت أعمَارُنا ونَحنُ مُنشَغِلونَ بِتَجميلِ واجِهاتِنا أمَامَ الخَلْق، وتارِكُونَ بَواطِنَنا خَرِبَةً أمامَ الخالِق!
عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكُم يَومًا: ماذا سَيَحدُثُ يَومَ القِيامَة؟ يَومَ تُغْلَقُ الشَّاشات، وتَنطَفِئُ الهَواتِف، ويَخْتَفي كُلُّ المُتابِعين؟
يَومَ تَقِفُ وَحدَك.. عُريانًا.. أمامَ العَليمِ الخَبير.
﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47]. سَيَبحَثُ المُرائي عَن عُمرَةٍ صَوَّرَها فَلا يَجِدُها! وسَيَبحَثُ عَن دُموعٍ وثَّقَها فَلا يَرى لها أثَرًا! وسَيَبحَثُ عَن صَدَقَةٍ نَشَرَها فَيَجِدُها سَرابًا!
يَقولُ سُبحانَه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. والقَلبُ السَّليمُ هو القَلبُ الخالِصُ، الذي لم يَتَطَلَّع إلى ثَناءِ مَخلوق، ولم يَلتَفِت لِنَظَرِ بَشَر.
ما أعظَمَ أن تَكونَ إنسانًا خَفيًّا، لا يَعرِفُكَ النَّاس، ولَكِنَّكَ مَعروفٌ في السَّماء! قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ» [رواه مسلم]. الخَفيّ.. الذي يَعمَلُ بِصَمْت، ويَعبُدُ بِصَمْت، ويَبكي بِصَمْت. وقال صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّم: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ» [رواه مسلم]. ليس لَهُ وُجودٌ في عَدَساتِ المَشاهير، ولَيسَ لَهُ أتباع، لكنَّهُ لَو أقسَمَ على رَبِّ السَّماواتِ والأرضِ لَأجابَه!
ألا فلْنُرَاجِع قُلوبَنا، ولْنُنقِذ أعمَالَنا من مِقْصَلَةِ الرِّياء. إنَّ العَمَلَ الذي تُخفيهِ في الظَّلامِ، سَيَجعَلُهُ اللهُ نُورًا يَشِعُّ في وَجهِكَ يَومَ يُبعَثُ المَوتى، والعَمَلَ الذي تَصنَعُهُ لِعُيونِ النَّاسِ، سَيَكونُ حَسرَةً ونَدامَةً يَومَ الحِساب. ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ وخطيئة، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَقبَلُ خَالِصَ الأعمَال، ويَطَّلِعُ على السِّرِّ وما يَخفَى، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصَحبِه أجمَعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن جِراحِ الإخلاصِ في عَصرِ الشَّاشات، وكيفَ أنَّ هَوَسَ التَّوثيقِ قد سَرَقَ مِنَّا خُشوعَنا، وأحالَ أعمَالَنا إلى مَعارِضَ لِلرِّياء، ووَقَفنا على مَنهَجِ الصَّالِحينَ الأوَّلينَ في إخفاءِ حَسَناتِهِم كما يُخفي أهْلُ الدُّنيا سَيِّئاتِهِم. والآن، ونحنُ نَعيشُ في واقِعٍ تُحيطُ بِنا الهَواتِفُ من كُلِّ جانِب.. كيفَ نُعالِجُ هذا الدَّاء؟ وكيفَ نَرحَمُ أعمَالَنا ونَحفَظُها؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم، خَمسٍ تَحمي بِها قَلبَك، وتُنقِذُ بِها إخلاصَك:
الأولى (قَلبيَّة): قَبلَ أن تُخرِجَ هاتِفَكَ لِتُصَوِّرَ أيَّ عَمَلٍ صالِح، قِف لَحظَةً واسأل قَلبَك: "لِماذا أُصَوِّرُ هذا؟" هل هو لله؟ أم لِيَقولَ النَّاسُ عَنِّي كَذا وكَذا؟ إذا دَخَلَ الشَّكُّ في قَلبِك، فاكْسِر نِيَّةَ السُّوء، وأعدِ الهاتِفَ إلى جَيبِك، وادَّخِر هذا العَمَلَ خالصاً لِيَومِ الفَقرِ الأكبَر.
الثانية (عَمَليَّة فِعليَّة): اجْعَلْ لكَ "خَبيئَةً مِن عَمَلٍ صالِح". خَبيئَةٌ لا يَعلَمُ بها أحَدٌ على وَجهِ الأرض. لا صَديقَك، ولا حتَّى زَوجَتَك. رَكَعاتٌ في عُمقِ اللَّيل، أو دَمعَةٌ في خَلوة، أو مَبلَغٌ تَتَكْفَلُ بِهِ لِيَتيمٍ في السِّرّ. الخَبيئَةُ الصَّالِحَةُ هي رَصيدُكَ الحَقيقيُّ، وهي التي تُثَبِّتُ القَلبَ عِندَ الفِتَنِ وعِندَ المَمات.
الثالثة (موضوعيَّة): اجْعَلوا مَناطِقَ العِبادَةِ خالِيَةً من التَّصوير. إذا دَخَلتُم المَسجِد، أو ذَهَبتُم إلى العُمرَة، أو وَقَفتُم في عَرَفات.. أغْلِقوا الكاميرات. هذه الأماكِنُ مَواطِنُ لِلعَبَرَات لا لِلعَدَسات. دَعوا المَلائِكَةَ تُوَثِّقُ أعمَالَكُم، فَتَوثيقُ السَّماءِ أبقى وأكرَمُ من تَوثيقِ الأرض.
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تُصَوِّروا الفُقَراءَ والمُحتاجين أثنَاءَ مُساعَدَتِهِم. حافِظوا على كَرامَةِ المَكسورين. الصَّدَقةُ التي تَفضَحُ حُزنَ الفَقيرِ هي جُرحٌ لِكَرامَتِه، واللهُ غَنِيٌّ عَن صَدَقَةٍ يَتبَعُها مَنٌّ وأذى. كُنْ بَلسَمًا يُعالِجُ في الخَفاء، لا شاشَةً تَفْضَحُ البُؤَساء.
الخامسة (لِسانيَّة ذِهنيَّة): حَرِّرُوا عُقولَكُم من (عُبوديَّةِ المُتابِعين). قِيمَتُكَ أيُّها المُسلِمُ لا تُقاسُ بِعَدَدِ "الإعجابات" التي تَحصُدُها، ولا بِمُتابَعَةِ النَّاسِ لِيَومِيَّاتِك. قِيمَتُكَ الحَقيقيَّةُ هي مَكانَتُكَ عِندَ الله، مَدى طَهارَةِ قَلبِك، وصَفاءِ نِيَّتِك. فاستَغفِروا الله، وجَدِّدوا النِّيَّاتِ دائمًا.
فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي حارسةُ الأعمال، وهي التي تحملكم على إخفاءِ الصَّالِحاتِ خَشيَةَ ذَهابِ أُجورِها.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، فقد قال جل من قائل عليما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عَبدِكَ ورَسُولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، وصَحابَتِهِ أجمَعين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمَالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا من الكَذِب، وأعيُنَنا من الخِيانَة، فإنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفِي الصُّدُور.
اللَّهُمَّ اجعَل سَرائِرَنا خَيرًا من عَلانِيَتِنا، واجعَل عَلانِيَتَنا صالِحَة.
اللَّهُمَّ ارزُقنا لَذَّةَ الخَلوَةِ بِك، وأذِقنا حَلاوَةَ الإخلاصِ في طاعَتِك.
اللَّهُمَّ لا تَجعَل لِأحَدٍ في أعمَالِنا نَصيبًا غَيرَك، يا رَبَّ العالَمين.
اللَّهُمَّ احفَظ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج كَربَ المَكروبين، وانصُر عِبادَكَ المُستَضعَفين.
عبادَ الله، إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.