صِنَاعَةُ المُصلِحِينَ مِن فِتيَانِ الجِيلِ الصَّاعِدِ: خطبةُ جُمُعَةٍ تَربَوِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ عَن بِناءِ الفَتَى المُصلِحِ وَأَركَانِ الإِصلَاحِ فِي ضَوءِ القُرآنِ وَالسِّيرَةِ
الحَمدُ للهِ العَلِيِّ الكَبِير، الحَكِيمِ الخَبِير، الَّذِي شَرَّفَ فِتيَةَ الإِيمَانِ فِي مُحكَمِ التَّنزِيل، وَجَعَلَ وُجُودَ المُصلِحِينَ فِي الأُمَمِ أَمَانًا مِنَ الهَلَاكِ وَالتَّبدِيل، وَوَعَدَ كُلَّ مَن سَعَى فِي إِصلَاحِ نَفسِهِ وَأُمَّتِهِ بِالأَجرِ العَظِيمِ وَالثَّوَابِ الجَزِيل، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةً تَبعَثُ فِي قُلُوبِ النَّاشِئَةِ عِزَّةَ التَّوحِيد، وَتُوقِظُ فِي أَروَاحِهِم هِمَّةَ البِنَاءِ وَالتَّجدِيد، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، إِمَامُ المُصلِحِينَ، وَمُرَبِّي الفِتيَانِ الصَّادِقِينَ، الَّذِي صَنَعَ مِن شَبَابِ الصَّحَابَةِ قَادَةً فَتَحُوا القُلُوبَ بِالهُدَى قَبلَ أَن يَفتَحُوا البُلْدَان، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ الشُّجعَان، وَمَن سَارَ عَلَى دَربِهِم إِلَى آخِرِ الزَّمَان.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَأُوصِي فِتيَانَنَا الأَبرَارَ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ أَسَاسُ كُلِّ صَلَاحٍ وَفَلَاح، وَمُنطَلَقُ كُلِّ هُدًى وَإِصلَاح، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].
يَا فِتيَانَ الإِسلَام، وَيَا أَبطَالَ الجِيلِ الصَّاعِد، وَيَا قُرَّةَ عُيُونِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَأَمَلَ الأُمَّةِ المُرتَقَب:
إِنَّ خِطَابِي اليَومَ مُوَجَّهٌ إِلَى قُلُوبِكُمُ النَّقِيَّة، وَعُقُولِكُمُ الذَّكِيَّة، وَهِمَمِكُمُ الفَتِيَّة! لَقَد جَرَت سُنَّةُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كَونِهِ وَشَرعِهِ أَنَّ التَّغيِيرَ العَظِيمَ وَالنُّهُوضَ الكَبِيرَ فِي تَارِيخِ الأُمَمِ إِنَّمَا يَقُومُ عَلَى سَوَاعِدِ الفِتيَانِ الَّذِينَ عَرَفُوا رَبَّهُم فِي مَقتَبَلِ العُمُر، وَتَرَفَّعُوا عَن سَفَاسِفِ الأُمُورِ لِيَحمِلُوا أَشرَفَ رِسَالَةٍ عَلَى وَجهِ الأَرض؛ وَهِيَ رِسَالَةُ «الإِصلَاحِ»!
تَأَمَّلُوا يَا أَبنَائِي وَأَحبَابِي هَذَا الفَرقَ الدَّقِيقَ وَالعَظِيمَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ بَينَ كَلِمَتَين: بَينَ «الصَّالِحِ» وَ«المُصلِحِ»!
فَالصَّالِحُ هُوَ الَّذِي اكتَفَى بِصَلَاحِ نَفسِهِ؛ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ، وَهَذَا خَيرٌ حَسَنٌ، وَلَكِنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى صَاحِبِه. أَمَّا «المُصلِحُ» فَهُوَ الَّذِي جَمَعَ بَينَ صَلَاحِ نَفسِهِ وَالسَّعيِ الحَثِيثِ فِي إِصلَاحِ غَيرِه! هُوَ كَالشَّمسِ المُضِيئَةِ فِي ذَاتِهَا المُشرِقَةِ عَلَى مَا حَولَهَا، وَكَالغَيثِ المُبَارَكِ أَينَمَا وَقَعَ نَفَع! وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى بَقَاءَ الأُمَمِ وَنَجَاتَهَا مَرهُونًا بِوُجُودِ «المُصلِحِينَ» لَا مُجَرَّدِ الصَّالِحِينَ السَّلبِيِّين؛ حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ هُود: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
وَافتَحُوا مَعِي صَفَحَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ العَطِرَة؛ لِتَرَوا كَيفَ كَانَ أَبطَالُ الإِصلَاحِ فِتيَانًا فِي مِثلِ أَعمَارِكُم!
مَنِ الَّذِي حَطَّمَ أَصنَامَ الشِّركِ وَأَبطَلَ حُجَّةَ الطَّاغُوتِ بِعَقلِهِ وَإِيمَانِهِ؟ إِنَّهُ فَتًى وَاحِدٌ حَكَى اللهُ قَولَ قَومِهِ فِيه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠].
وَمَنِ الَّذِي آتَاهُ اللهُ الحِكمَةَ وَالعِلمَ وَالجِدَّ فِي طَاعَةِ اللهِ وَهُوَ صَبِيٌّ غُلَام؟ إِنَّهُ نَبِيُّ اللهِ يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيه: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢].
وَمَنِ الَّذِينَ وَقَفُوا فِي وَجهِ مَوجَةِ الكُفرِ وَالفَسَادِ فَخَلَّدَ اللهُ ذِكرَهُم فِي سُورَةٍ نَقرَؤُهَا كُلَّ يَومِ جُمُعَة؟ إِنَّهُم فِتيَةُ الكَهفِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَنهُم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣].
وَمَنِ الَّذِي هَدَى اللهُ بِثَبَاتِهِ وَصَبرِهِ أُمَّةً كَامِلَةً فِي قِصَّةِ أَصحَابِ الأُخدُودِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِه؟ إِنَّهُ «غُلَامٌ» فَتًى صَغِيرٌ عَرَفَ الحَقَّ فَبَذَلَ رُوحَهُ فِي سَبِيلِ إِصلَاحِ قَومِهِ حَتَّى هَتَفَ النَّاسُ جَمِيعًا: «آمَنَّا بِرَبِّ الغُلَامِ!»!
وَانظُرُوا فِي مَدرَسَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: كَم كَانَ عُمرُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، وَطَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، وَسَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالأَرقَمِ بنِ أَبِي الأَرقَمِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم حِينَ حَمَلُوا رَايَةَ الإِسلَامِ وَالإِصلَاح؟ كَانُوا فِتيَانًا مَا بَينَ العَاشِرَةِ وَالسَّابِعَةَ عَشرَةَ مِن أَعمَارِهِم! وَمَنِ الَّذِي أَرسَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مُعَلِّمًا وَدَاعِيًا وَمُصلِحًا فَفَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيهِ بُيُوتَ الأَنصَارِ بِالقُرآنِ الكَرِيم؟ إِنَّهُ الفَتَى الشَّابُّ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنه! وَمَنِ الَّذِي كَلَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِتَعَلُّمِ لُغَةِ اليَهُودِ فَأَتقَنَهَا فِي نِصفِ شَهرٍ، ثُمَّ اؤتُمِنَ عَلَى جَمعِ القُرآنِ الكَرِيمِ لِلأُمَّةِ كُلِّهَا؟ إِنَّهُ الفَتَى العَبقَرِيُّ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنه!
فَكَيفَ تُصنَعُونَ اليَومَ يَا فِتيَانَ الجِيلِ الصَّاعِدِ لِتَكُونُوا مِثلَ أُولَئِكَ المُصلِحِينَ الأَفذَاذ؟ وَمَا هِيَ الأَركَانُ الخَمسَةُ الَّتِي تَقُومُ عَلَيهَا «صِنَاعَةُ المُصلِحِينَ»؟
الرُّكنُ الأَوَّلُ: إِصلَاحُ القَلبِ بِالتَّوحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَالعِفَّة!
فَلَا يُمكِنُ أَن يَكُونَ الفَتَى مُصلِحًا لِغَيرِهِ وَهُوَ مُضيِّعٌ لِصَلَاتِهِ، أَو عَاقٌّ لِوَالِدَيهِ، أَو أَسِيرٌ لِشهوَةٍ خَفِيَّةٍ وَرَاءَ الشَّاشَات! إِنَّ أَوَّلَ مِسمَارٍ يُدَقُّ فِي صَرحِ الإِصلَاحِ هُوَ أَن تَنتَصِرَ عَلَى نَفسِكَ، وَتُحَافِظَ عَلَى صَلَوَاتِكَ الخَمسِ فِي المَسجِدِ، وَتَصُونَ بَصَرَكَ وَلِسَانَكَ؛ لِتَفُوزَ بِأَعظَمِ شَرَفٍ يَومَ القِيَامَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه: «وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ!».
وَالرُّكنُ الثَّانِي: التَّمَسُّكُ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ وَالتَّفَوُّقُ فِي العِلمِ وَالمَعرِفَة!
انظُرُوا إِلَى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]؛ جَعَلَ اللهُ عِمَادَ المُصلِحِينَ «التَّمَسُّكَ بِالكِتَابِ» وَ«إِقَامَةَ الصَّلَاةِ»! فَالفَتَى المُصلِحُ لَهُ وِردٌ يَومِيٌّ مِنَ القُرآنِ حِفظًا وَتِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا، وَهُوَ فِي الوَقتِ نَفسِهِ مُتَفَوِّقٌ فِي دِرَاسَتِهِ، شَغُوفٌ بِالقِرَاءَةِ وَالعِلمِ النَّافِعِ؛ لِأَنَّ الجَاهِلَ الكَسُولَ لَا يَقُودُ أُمَّةً وَلَا يُصلِحُ مُجتَمَعًا!
وَالرُّكنُ الثَّالِثُ: عُلُوُّ الهِمَّةِ وَالتَّرَفُّعُ عَنِ التَّفَاهَةِ وَالفَرَاغ!
فِي زَمَنٍ يُرَادُ فِيهِ لِلنَّاشِئَةِ أَن يَغرَقُوا فِي الأَلعَابِ الإِلِكترُونِيَّةِ المُهلِكَةِ لِلوَقتِ، وَمُتَابَعَةِ التَّافِهِينَ، وَتَقلِيدِ المَائِعِين؛ يَتَمَيَّزُ الفَتَى المُصلِحُ بِأَنَّهُ صَاحِبُ هِمَّةٍ تُعَانِقُ السَّحَاب! فَفِي المُعجَمِ الكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشرَافَهَا، وَيَكرَهُ سَفْسَافَهَا!»؛ أَي رَدِيئَهَا وَحَقِيرَهَا. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «المُؤمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ، احرِصْ عَلَى مَا يَنفَعُكَ، وَاستَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعجَزْ!».
وَالرُّكنُ الرَّابِعُ: حَملُ هَمِّ النَّفعِ لِلآخَرِينَ وَالأَمرِ بِالمَعرُوفِ بِالحِكمَةِ وَالأَدَب!
اسْمَعُوا إِلَى وَصِيَّةِ لُقمَانَ الحَكِيمِ لِابنِهِ الفَتَى الصَّغِيرِ فِي سُورَةِ لُقمَان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. لَم يَقُلْ لَهُ: «أَنتَ مَا زِلتَ صَغِيرًا فَلَا شَأنَ لَكَ بِإِصلَاحِ النَّاسِ»، بَل عَلَّمَهُ أَنَّ الفَتَى المُؤمِنَ مَسؤُولٌ عَن نَشرِ الخَيرِ بَينَ أَقرَانِهِ وَأَصدِقَائِهِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالابتِسَامَةِ الصَّادِقَةِ وَالأَدَبِ الرَّفِيع!
وَالرُّكنُ الخَامِسُ: الصَّبرُ وَالثَّبَاتُ وَعَدَمُ الاغتِرَارِ بِكَثرَةِ الهَالِكِين!
قَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ: «الزَمْ طَرِيقَ الهُدَى وَلَا يَضُرَّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ وَلَا تَغتَرَّ بِكَثرَةِ الهَالِكِينَ!».
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا فِتيَانَ الجِيلِ الصَّاعِد، وَيَا شَبَابَ الإِسلَام:
لَعَلَّ أَحَدَكُم يَسأَلُ بِحَمَاسٍ وَصِدق: «أَنَا فَتًى فِي المَدرَسَةِ أَوِ المَعهَدِ، فَكَيفَ أَكُونُ مُصلِحًا مِنَ اليَوم؟ وَمِن أَينَ أَبدَأُ مَشرُوعِي الإِصلَاحِيَّ؟».
إِليكَ يَا بُنَيَّ أَربَعَةَ مَيَادِينَ عَمَلِيَّةٍ تَبدَأُ بِهَا فَورَ خُرُوجِكَ مِن مَسجِدِكَ هَذَا:
المَيدَانُ الأَوَّلُ: كُنْ مُصلِحًا فِي بَيتِك!
ابدَأْ بِبِرِّ وَالِدَيكَ، وَإِدخَالِ السُّرُورِ عَلَى قَلبَي أَبِيكَ وَأُمِّك، وَكُنْ عَونًا لِإِخوَتِكَ الصِّغَارِ؛ تُعَلِّمُهُم آيَةً، وَتُصَلِّي بِهِم، وَتُصلِحُ بَينَهُم إِذَا اختَلَفُوا، فَيَكُونُ وُجُودُكَ فِي البَيتِ بَرَكَةً وَنُورًا.
وَالمَيدَانُ الثَّانِي: كُنْ مُصلِحًا فِي مَدرَسَتِكَ وَبَينَ أَصدِقَائِك!
كُنْ أَنتَ الفَتَى الَّذِي إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ ذَكَّرَ زُمَلَاءَهُ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا سَمِعَ كَلِمَةً بَذِيئَةً أَو غِيبَةً غَيَّرَ المَجلِسَ بِأَدَبٍ وَلُطفٍ، وَإِذَا رَأَى زَمِيلًا ضَعِيفًا أَو مَظلُومًا نَصَرَهُ وَأَعَانَه، وَإِذَا رَأَى خِصَامًا بَينَ صَدِيقَينِ بَادَرَ إِلَى الإِصلَاحِ بَينَهُمَا طَاعَةً لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
وَالمَيدَانُ الثَّالِثُ: كُنْ مُصلِحًا فِي بِيئَتِكَ وَمَسجِدِكَ وَحَيِّك!
فَالفَتَى المُصلِحُ يَحفَظُ النِّعمَةَ فَلَا يُسرِفُ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَيَحتَرِمُ الكَبِيرَ، وَيَرحَمُ الصَّغِيرَ، وَيَعمُرُ مَسجِدَ حَيِّهِ وَحِلَقَ القُرآنِ فِيه.
وَالمَيدَانُ الرَّابِعُ: ابنِ نَفسَكَ لِتَكُونَ رَائِدًا فِي مُستَقبَلِ أُمَّتِك!
ضَعْ لِنَفسِكَ هَدَفًا كَبِيرًا؛ أَن تَكُونَ عَالِمًا رَبَّانِيًّا، أَو طَبِيبًا مَاهِرًا أَمِينًا، أَو مُهَندِسًا مُبدِعًا، أَو مُعَلِّمًا وَمُرَبِّيًا قُدوَةً يَنصُرُ دِينَهُ وَيَرفَعُ رَايَةَ أُمَّتِه. وَاحفَظُوا يَا فِتيَانَ الإِسلَامِ هَذِهِ الأَبيَاتَ الَّتِي تَستَنهِضُ العَزَائِم:
يَا فِتيَةَ الإِسلَامِ أَنتُم فَجْرُنَا ... وَبِكُم يَعُودُ لِأُمَّتِي مِجْدَافُهَا
فَابنُوا النُّفُوسَ عَلَى الكِتَابِ وَسُنَّةٍ ... يَسمُو بِهَا بَينَ الوَرَى أَعرَافُهَا
لَا تَرضَوُا الدُّنيَا الدَّنِيَّةَ مَقعَدًا ... فَالهِمَّةُ العَليَاءُ طَابَ قِطَافُهَا
مَن أَصلَحَ النَّفسَ الزَّكِيَّةَ وَاهتَدَى ... قَادَ الشُّعُوبَ فَأَشرَقَت أَطرَافُهَا
فَاللهَ اللهَ يَا فِتيَانَ الجِيلِ الصَّاعِد! عَاهِدُوا رَبَّكُم مِن هَذِهِ السَّاعَةِ أَن تَكُونُوا لَبِنَاتٍ صَالِحَةً وَمُصلِحَةً فِي صَرحِ هَذَا الدِّينِ العَظِيم.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ أَصلِحْ فِتيَانَ المُسلِمِينَ وَشَبَابَهُم، وَاجعَلهُم هُدَاةً مُهتَدِين، صَالِحِينَ مُصلِحِين، لَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيهِمُ الإِيمَانَ وَزَيِّنهُ فِي قُلُوبِهِم، وَكَرِّهْ إِلَيهِمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ وَاجعَلهُم مِنَ الرَّاشِدِين. اللَّهُمَّ ارزُقهُم قُوَّةَ الإِيمَانِ، وَنُورَ القُرآنِ، وَعُلُوَّ الهِمَّةِ، وَطَهَارَةَ القَلبِ وَالجَوَارِحِ، وَاستَعمِلهُم فِي نُصرَةِ دِينِكَ وَإِعلَاءِ كَلِمَتِك. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
صِنَاعَةُ المُصلِحِينَ مِن فِتيَانِ الجِيلِ الصَّاعِدِ: خطبةُ جُمُعَةٍ تَربَوِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ عَن بِناءِ الفَتَى المُصلِحِ وَأَركَانِ الإِصلَاحِ فِي ضَوءِ القُرآنِ وَالسِّيرَةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.