من مكتبة مِداد الخطيب

الثبات على الدين في زمن الفتن

مشاركة
🕌 الثباتُ على الدِّينِ في زَمَنِ الفِتَن #خطبة_جمعة #الثبات_على_الدين #الفتن #الشبهات #الشهوات #عقيدة الحمدُ للهِ مُقَلِّبِ القُلوبِ والأبصار، مُثَبِّتِ المُؤمنينَ على طاعَتِه في جَوفِ اللَّيلِ والنَّهار، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يَبتَلي عِبادَهُ لِيَرفَعَ دَرَجاتِهم ويُمَحِّصَ إيمانَهم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الثَّابِتين، وقُدوَةُ المُتَوَكِّلين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن سارَ على دَربِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ: عبادَ الله، نُمسي مُؤمنينَ ونُصبحُ على غَيرِ ذلك، نَرى التَّحَوُّلاتِ تَعصِفُ بمن حَولَنا، والقابضُ على دِينِهِ كالقابضِ على الجَمر. في وَسَطِ هذه الأمواجِ المُتلاطِمة، هُناكَ حَقيقةٌ واحِدةٌ كان النَّبيُّ ﷺ يَخافُها على نَفسِهِ، وهُناكَ فِعلٌ واحِدٌ كان يُداوِمُ عليه لِيَنجوَ منها. فما هو هذا الفِعل؟ وكَيفَ نَنجو نَحنُ وأبناؤنا مِن طوفانِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ الذي اقتَحَمَ بُيوتَنا؟ في الدَّقائقِ القادِمة، سَنَقِفُ على طَوقِ النَّجاة. أيُّها الإخوةُ الأكارِم، هل سَألتُم أنفُسَكم يَومًا: لِماذا نَعيشُ اليومَ حَالَةً مِنَ القَلَقِ الإيمانيِّ لَم تَعرِفها الأجيالُ السَّابقة؟ في الماضي، كانت الفِتنةُ تَحتاجُ أن تُسافِرَ إليها، أو أن تَأتِيَكَ بجيشٍ وجُند. أمَّا اليوم، فالفِتنةُ تَسكُنُ في جُيوبِنا. شاشَةٌ صَغيرةٌ لا تَتَجاوَزُ كَفَّ اليَد، أصبَحَت نافِذةً تُطِلُّ بِنا على كُلِّ شُبهَةٍ تَنقُضُ العَقيدة، وكُلِّ شَهوَةٍ تُفسِدُ القَلب. بِضغطةِ زِرٍّ واحِدة، يَتَعَرَّضُ الشَّابُّ لِسَيلٍ مِن الإلحادِ والفَلسَفاتِ العَبَثيَّة. وبِضغطةٍ أُخرى، تَنهَمِرُ عليهِ صُوَرُ الشَّهَواتِ وحَياةِ المُترَفِين، فَيَزدَري نِعمَةَ اللهِ عليه، ويَلهَثُ خَلفَ شُهرَةٍ زائِفةٍ أو مالٍ مَوهوم. يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه، واصِفًا سُنَّةَ الابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. تَأمَّلوا هَذِه الآيَة! اللهُ لا يَقبَلُ دَعوى الإيمانِ باللِّسانِ فَقَط. لا بُدَّ مِنَ الاختِبار. والفِتنَةُ هي مِيزانُ الذَّهَب، تُخرِجُ الزَّيَفَ، وتُبقِي المَعدِنَ الأصيل. واسمَعوا إلى هَذا الحَديثِ الَّذي يَصِفُ زَمانَنا وَصفًا دَقيقًا كأنَّهُ يُبثُّ اليوم. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (رواهُ مُسلِم). سُبحانَ الله! كَم نَرى اليومَ مَن يَبيعُ دِينَهُ بـ "عَرَضٍ مِن الدُّنيا"؟ مَن يَتَنازَلُ عَن مَبادِئِهِ لِيَحصُلَ على إعجاباتٍ (لايكات) في مَواقِعِ التَّواصُل؟ مَن تَتَخَلَّى عَن حِجابِها وعِفَّتِها لِتُجارِيَ مَوجَةَ المَشاهير؟ مَن يَخوضُ في دِماءِ المُسلمينَ وأعراضِهم لِيُرضِيَ تَيَّارًا سِياسِيًّا أو حِزبًا؟ كُلُّ هَذا يَدخُلُ في بَيعِ الدِّينِ بِعَرَضٍ زائِل. مَعاشِرَ المُصلِّين، لَعَلَّ أحَدَنا يَقولُ في نَفسِه: "أنا بِخَير، أنا أُصَلِّي وأعرِفُ دِيني، ولَن أَتَغَيَّر". ومَن ضَمِنَ لَكَ القَلْب؟ إنَّهُ يُسَمَّى "قَلبًا" لِكَثرَةِ تَقَلُّبِه. دَعوني أَنقُلُكُم إلى بَيتِ النُّبُوَّة، لِنَرى كَيفَ كانَ أثبَتُ النَّاسِ يَتَعامَلُ مَعَ قَلبِه. تَقولُ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها: كانَ أكثَرُ دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». فَقالَت لَه: يا رَسولَ اللهِ، ما أكثَرَ دُعاءَكَ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلبي على دِينِك! فَقالَ لَها الكَلِمَةَ الَّتي يَجِبُ أن نَحفَظَها جَميعًا: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ» (رواهُ التِّرمِذيُّ وحَسَّنَه). رسولُ الله! المَعصوم، الَّذي يَنزِلُ عَليهِ الوَحيُ صَباحَ مَساء، يَخافُ على قَلبِهِ مِنَ الزَّيغِ، ويَتَضَرَّعُ إلى اللهِ بالثَّبات! فَماذا نَقولُ نَحنُ الضُّعَفاءُ في زَمَنِ الشَّهَواتِ المَفتوحَة؟ يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "والقَلْبُ كَرِيشَةٍ بأَرضِ فَلاةٍ، تُقَلِّبُها الرِّياحُ ظَهرًا لِبَطن". فإذا لَم يُثَبِّتْهُ رَبُّ العالَمين، طارَ مَعَ أوَّلِ ريحِ شُبهَةٍ أو شَهوَة. إخوَتي في الله، أمامَ هَذا الزَّحفِ المُخيفِ لِلفِتَن، حَيثُ الأفكارُ تَتَغَيَّرُ كُلَّ يَوم، وحَيثُ بَعضُ مَن كُنَّا نَظُنُّهُم دُعاةً ومُفَكِّرينَ قَد تَساقَطوا في وَحلِ التَّمَيُّعِ أو التَّطَرُّف.. ما هو المَخرَج؟ وكَيفَ نَثبُت؟ هُناكَ حُصونٌ خَمسَة، مَن لَزِمَها عَصَمَهُ الله: الحِصنُ الأوَّل: القُرآنُ العَظيم. لَم يَنزِل القُرآنُ على النَّبيِّ ﷺ جُملَةً واحِدَة، بَل نَزَلَ مُفَرَّقًا على مَدارِ ثلاثٍ وعِشرينَ سَنَة. لِماذا؟ اللهُ يُجيبُنا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]. لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَك! القُرآنُ لَيسَ مُجَرَّدَ كِتابِ حَسَنات، القُرآنُ "مُثَبِّت". إذا مَرَّ عَلَيكَ يَومٌ ولَم تَقرَأ فيهِ وِردَكَ، فَاعلَم أنَّكَ خَرَجتَ إلى مَيدانِ الفِتَنِ بِلا دِرع. الحِصنُ الثَّاني: العَمَلُ الصَّالِحُ والخَبيئَة. الَّذي يَحفَظُكَ أوقاتَ الشِّدَّة، هو رَصيدُكَ أوقاتَ الرَّخاء. يَقولُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66]. أشَدَّ تَثبيتًا! رَكعَتانِ في جَوفِ اللَّيلِ لا يَعلَمُ بِهِما أحَد، صَدَقَةٌ في السِّرّ، دَمعَةٌ مِن خَشيَةِ اللهِ في خَلوَة. هَذِه الأعمالُ الصَّغيرَةُ هي الأوتادُ الَّتي تَحفَظُ خَيمَةَ الإيمانِ عِندَ هُبوبِ العَواصِف. الحِصنُ الثَّالِث: الصُّحبَةُ الصَّالِحَة. يا شَبابَ الإسلام، أخبِرني مَن تُصاحِب، أُخبِركَ أينَ سَتَنتهي. قالَ اللهُ لِنَبيِّه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28]. مَن يُصاحِبُ التَّافِهين، سَيُصبِحُ الثَّباتُ على الدِّينِ عِندَهُ تَخَلُّفًا. ومَن يُصاحِبُ الصَّالِحين، سَيَستَحي أن يَعصِيَ اللهَ وبَينَهُ وبَينَهُم عُهودُ طاعَة. الصَّاحِبُ ساحِب، إمَّا إلى الجَنَّة، وإمَّا إلى غَيرِها. الحِصنُ الرَّابِع: عَدَمُ الجَريِ خَلفَ كُلِّ مَوجَة. نَحنُ في زَمَنِ "التِّريند" والمَوجاتِ الفِكريَّة. كُلَّ يَومٍ تَظهَرُ فِكرَةٌ جَديدَة: يَومًا النِّسوِيَّة، ويَومًا الطَّاقَةُ والجَذب، ويَومًا الإلحادُ العِلمَويّ، ويَومًا الشُّذوذُ والشُّبُهات. المُؤمِنُ القَويُّ جَبَلٌ لا تُحَرِّكُهُ الهَواء. لا يَسمَحُ لِعَقلِهِ أن يَكونَ مِكَبًّا لِكُلِّ شُبهَةٍ تُرمى في الإنترنت. يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "لا تَجعَل قَلبَكَ لِلشُّبُهاتِ مِثلَ السِّفنْجَة، يَتَشَرَّبُ كُلَّ شَيء، بَل اجعَلهُ كَالزُّجاجَةِ المُصمَتَة، تَرى الشُّبُهاتِ مِن وَرائِها ولا تَدخُلُ فيها". الحِصنُ الخامِس: الثَّباتُ المَوزون.. لا غُلوَّ ولا ذَوَبان. تَأمَّلوا مَعي هَذِه الآيَةَ الفاصِلَة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112]. الاستِقامَةُ حَقٌّ، لَكِنْ "كَما أُمِرتَ"، لَيسَ كَما يَهوى النَّاس، ولَيسَ كَما تَهوى التَّيَّاراتُ المُتَطَرِّفَة. بَعضُ النَّاسِ إذا أرادَ أن يَثبُت، مالَ إلى الغُلوِّ والتَّشَدُّدِ وتَكفيرِ النَّاسِ وتَبديعِ المُجتَمَع. وهَذا "طُغيان" حَذَّرَت مِنهُ الآيَة ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾. وبَعضُهُم الآخَر يَميلُ إلى الذَّوَبان، فَيُمَيِّعُ أحكامَ الدِّينِ لِيُرضِيَ المُجتَمَعَ الغَربيَّ أو العَصرانِيِّين، فَيُحَلِّلُ الحَرامَ ويُطَوِّعُ القُرآنَ لِيُوافِقَ الفَلاسِفَة. أمَّا المُسلِمُ الحَقّ، فَهُوَ ثابِتٌ بِلا قَسوَه، مُستَقيمٌ بِلا غُلوّ، رَحيمٌ بِلا تَمَيُّع. ولْيَكُن لَنا في إمامِ أهلِ السُّنَّة، الإمامِ أحمَدَ بنِ حَنبَل، قُدوَةٌ وأيُّ قُدوة. في فِتنَةِ خَلقِ القُرآن، حينَ سُلَّت السُّيوف، وسُجِنَ العُلَماء، وتَراجَعَ الكَثيرونَ ضَعفًا أو تَأوُّلًا.. بَقيَ الإمامُ أحمَدُ وَحدَهُ كَالطَّودِ الأَشَمّ. يُجلَدُ حَتَّى يُغمى عَلَيه، فَيُفيقُ ويَقول: "أَعطوني دَليلًا مِن كِتابِ اللهِ أو سُنَّةِ رَسولِهِ حَتَّى أقولَ بِقَولِكُم". لَم يَشتِم حُكَّامَ زَمانِه، ولَم يَدعُ لِفِتنَةٍ ودِماء، ولَم يَتَنازَل عَن حَرفٍ واحِدٍ مِنَ الحَقّ. ثَبَتَ بِعِلم، وصَبَرَ بِحِلم. حَتَّى حَفِظَ اللهُ بِهِ السُّنَّة. ... تَوقَّفوا لَحظَةً هُنا. كُلُّ واحِدٍ مِنَّا سَيَأتي عَلَيهِ يَومٌ يُوضَعُ فيهِ في قَبرِهِ وَحيدًا. لا إنترنِت، لا شاشات، لا أصدِقاء، ولا "مُتابِعين". في تِلكَ اللَّحظَة، لَن يَنفَعَكَ كم مَوجَةٍ فِكريَّةٍ رَكِبت، ولا كَم شَهوَةٍ اقتَرَفت. سَيَنفَعُكَ شَيءٌ واحِد: هَل عِشتَ عَبدًا لله، ومُتَّ عَبدًا لله؟ القابِضُ على دِينِهِ اليَومَ لا يَحتاجُ إلى عَضَلاتٍ أو مَناصِب. القابِضُ على دِينِهِ اليَومَ يَحتاجُ إلى دَمعَةٍ في خَلوَة، وسَجدَةٍ في ظُلمَة، وقَلبٍ يَقولُ كُلَّ يَوم: يا رَبّ، لا تَترُكني لِنَفسي. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» (رواهُ مُسلِم). وكانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله يَقول: "السُّنَّةُ — والَّذي لا إلهَ إلَّا هو — بَينَ الغالي والجافي، فاصبِروا عَلَيها رَحِمَكُم الله، فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ كانوا أقَلَّ النَّاسِ فيما مَضى، وهُم أقَلُّ النَّاسِ فيما بَقي...". فَاصبِروا رَحِمَكُم الله، واعتَصِموا بِحَبلِهِ المَتين. أقولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فَاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ أمواجِ الفِتَنِ الَّتي تَضرِبُ شَواطِئَ قُلوبِنا كُلَّ يَوم، وتَأمَّلنا خَوفَ النَّبيِّ ﷺ على قَلبِه، وكَيفَ أنَّ القُرآنَ والعَمَلَ الصَّالِحَ هُما حَبلا النَّجاة، وكَيفَ يَثبُتُ المُؤمِنُ بِلا غُلوٍّ ولا تَمَيُّع. والآن، كَيفَ نُحَوِّلُ هَذا الكَلامَ إلى دِرعٍ عَمَليٍّ نَلبَسُهُ حينَ نَخرُجُ مِن أبوابِ هَذا المَسجِد؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأُولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا وِلايَتَكُم للهِ كُلَّ صَباح. استَحضِر في قَلبِكَ الخَوفَ مِنَ النِّفاقِ وتَقَلُّبِ الحال، فَالَّذي يَخافُ الزَّيغَ يَحفَظُهُ الله — ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8]. الثَّانيَة (لِسانيَّة): لا يَفتُر لِسانُكَ عَن دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ: "يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلبي على دِينِك". قُلها في سُجودِك، بَينَ الأذانِ والإقامَة، وفي أوقاتِ إجابَتِك. فإنَّ الدُّعاءَ سِلاحُ المُؤمِن. الثَّالِثَة (عَمَليَّة): حافِظوا على صَلاةِ الفَجرِ في جَماعَة، واجعَلوا لَكُم "خَبيئَةً" مِن عَمَلٍ صالِح. صَدَقَةٌ سِريَّة، أو رَكعَتانِ في اللَّيل. هَذِه الخَبيئَةُ هي الرَّصيدُ الَّذي سَيَنتَشِلُكَ يَومَ تَكثُرُ عَلَيكَ الشُّبُهات. الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): راجِعوا صُحبَتَكُم. اختَر اللَّيلَةَ صَديقًا تَدعوهُ إلى خَير، وتَقطَعُ العَلاقَةَ مَعَ صُحبَةٍ تَسحَبُكَ إلى القاع. ولا تَنسَوا أبناءَكُم؛ كُونوا لَهُم أصدِقاءَ قَبلَ أن يَتَخَطَّفَهُم ذِئابُ الإنترنِت. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): صوموا عَنُ مَصادِرِ الفِتَن. إذا رَأيتَ حِسابًا في مَواقِعِ التَّواصُلِ يَنشُرُ شُبُهاتٍ في الدِّينِ أو عُريًا وشَهَوات، فاحذِفهُ فَورًا ولا تُجادِله. لا تُعَرِّض قَلبَكَ لِلسُّمِّ ثُمَّ تَطلُب الشِّفاء! فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ الثَّباتَ مِحنَةٌ تَنتَهي بِمِنحَة، وأنَّ الطَّريقَ وإن كانَ شاقًّا فَإنَّ آخِرَهُ جَنَّةٌ عَرضُها السَّماواتُ والأرض. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على نَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قُلوبَنا على دِينِك. اللَّهُمَّ يا مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّف قُلوبَنا على طاعَتِك. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِنَ الفِتَن، ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن. اللَّهُمَّ اعصِمنا بِالإسلامِ قاعِدِين، واعصِمنا بِالإسلامِ قائِمين، ولا تُشمِت بِنا عَدُوًّا ولا حاسِدًا. اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَنا مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات، ونَوِّر بَصائِرَهُم، ورُدَّهُم إلَيكَ رَدًّا جَميلًا. اللَّهُمَّ احفَظ نِساءَنا وبَناتِنا، وارزُقهُنَّ العِفَّةَ والحَياءَ والهُدى والتُّقى. اللَّهُمَّ مَن أرادَ بِنا وبِدينِنا وشَبابِنا سُوءًا فأشغِلهُ في نَفسِه، واجعَل كَيدَهُ في نَحرِه. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ الثَّباتَ في الأمر، والعَزيمَةَ على الرُّشد، ونَسألُكَ موجِباتِ رَحمَتِك، وعَزائِمَ مَغفِرَتِك. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ الغُرَباءِ الصَّالِحينَ المُصلِحين، الَّذي يَستَمسِكونَ بِالسُّنَّةِ عِندَ فَسادِ النَّاس. اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَلِيُّها ومَولاها. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.