من مكتبة مِداد الخطيب

نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا... مَوْعِظَةُ الصَّيْفِ وَحِفْظُ البَصَرِ

مشاركة
🕌 نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا... مَوْعِظَةُ الصَّيْفِ وَحِفْظُ البَصَرِ #خطبة_جمعة #حر_الصيف #غض_البصر #الفتن #جهنم #أوروبا #رقائق الحمدُ للهِ الذي يُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ عِبرةً لأُولي الأبصار، والحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في تَعاقُبِ الفُصولِ تَذكرةً لِمن أرادَ أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكورًا. يَبتَلي عبادَهُ بالحَرِّ والقُرِّ ليَرفَعَ للمُتَّقينَ دَرَجاتِهم، ويُذَكِّرَ الغافلينَ بِمآلِهم. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، القائلُ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 81]. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أزكى مَن غَضَّ بَصَرَهُ، وأطهَرُ مَن حَفِظَ قَلبَهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيرًا. أمَّا بعدُ: أيها الإخوةُ في الله، في هذه الأيَّامِ التي تَلفَحُنا فيها شَمسُ الصَّيف، وتَشتَدُّ فيها الحَرارةُ في هذه البلادِ التي نَعيشُ فيها، نَبحَثُ جميعًا عن الظِّلِّ الوارف، ونَفرُّ من لَهيبِ الشَّمسِ إلى بَرادِ الماءِ والمُكَيِّفَات. نَتَأذَّى من دَرَجاتِ حَرارةٍ لا تَتَجاوَزُ الأربعينَ، وتَتَصَبَّبُ أجسادُنا عَرَقًا، وتَضيقُ صُدورُنا من شِدَّةِ القَيظ. ولكن، هل سَألتَ نَفسَكَ وأنتَ تَمسَحُ العَرَقَ عن جَبينِك: مِن أينَ يَأتي هذا الفَيحُ الشَّديد؟ وما هو المَصدَرُ الحقيقيُّ لهذا الحَرّ؟ اسمعوا لِهذا الحديثِ العظيمِ الذي يَكشِفُ لنا حَقيقةَ ما نَعيشُه، يقولُ الصَّادقُ المَصدوق ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» (متفق عليه). يا الله! هذا الحَرُّ الخانقُ الذي نَشتَكي منه في شَوارعِنا وبُيوتِنا، ما هو إلَّا "نَفَسٌ" واحِدٌ من أنفاسِ جَهنَّم، وزَفرَةٌ من زَفَراتِها تَنَفَّسَتها لِتُخَفِّفَ عن نَفسِها، فوَصَلَ إلينا أثَرُها! فكَيفَ — بربِّكم — بِدارٍ هَذا نَفَسُها؟! وكيفَ نَصبرُ غدًا على لَهيبِها إن نَحنُ عَصَينا خَالِقَنا؟ عبادَ الله، إنَّ العاقلَ مَن يَربِطُ واقِعَهُ بآخرتِه. فالمؤمنُ لا يَمُرُّ عليه الصَّيفُ كما يَمُرُّ على الغافل. الغافلُ يَتَأفَّفُ ويَضيق، والمؤمنُ يَتَذَكَّرُ ويَستَعيذ. ومَعَ شِدَّةِ هذا الحَرِّ في دُولِ أوروبا، يَنفَتِحُ على المسلمِ بابٌ من أبوابِ الفِتَنِ العَظيمة، بابٌ يَحتاجُ إلى قَلبٍ حَيٍّ وعَزيمَةٍ من حَديد. ففي هذا الصَّيف، يَكثُرُ خُروجُ الناسِ إلى الأسواقِ، والمُنتَزَهاتِ، والبُحيراتِ، والشَّواطئِ طَلَبًا للبُرودة. ومَعَهُ، يَكثُرُ التَّكَشُّفُ والعُريُ الذي لا يَخفى على أحَدٍ منكم في هذه البلاد. وهنا يَقِفُ المسلمُ أمامَ امتِحانٍ عَظيم: امتِحانِ البَصَر. يقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى نادِيًا إيَّاكُم: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]. إخوتي الكِرام، إنَّ إطلاقَ البَصَرِ في الحَرامِ هو بَوَّابةُ الفِتَن، وسَهمٌ من سِهامِ إبليس. قال الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمهُ الله: "النَّظَرُ رائدُ الشَّهوَةِ ورَسولُها، وحِفظُهُ أصلُ حِفظِ الفَرج". مَن أطلَقَ بَصَرَهُ في الأسواقِ وأماكِنِ التَّنَزُّهِ اليوم، أورَثَ قَلبَهُ حَسراتٍ لا تَنقَطِع. وقد نَظَمَ الشَّاعرُ هذا المَعنى في أبياتٍ بَليغَةٍ تَصِفُ حالَ مَن أطلَقَ بَصَرَه، فقال: كُلُّ الحَوادِثِ مَبداها من النَّظَرِ ومُعظَمُ النَّارِ مِن مُستَصغَرِ الشَّرَرِ كَم نَظرَةٍ فَعَلَت في قَلبِ صاحِبِها فِعلَ السِّهامِ بِلا قَوسٍ ولا وَتَرِ يَسُرُّ مُقلَتَهُ ما ضَرَّ مُهجَتَهُ لا مَرحَبًا بِسُرورٍ عادَ بِالضَّرَرِ! يا عبدَ الله، مَثَلُ الذي يَخرُجُ إلى الشَّوارعِ والأسواقِ في هذه الأيَّامِ الحارَّةِ ولا يَغُضُّ بَصَرَه، كَمَثَلِ رَجُلٍ يَمشي في أرضٍ مَليئةٍ بالشَّوكِ المَسموم، كُلَّما مَرَّ بِشَوكَةٍ غَرَزَها في جَسَدِه! هل يَسلَم؟ كَلَّا والله. أمَّا المُؤمنُ الذي يَغُضُّ بَصَرَه، فَهُوَ كَالذي يَجمَعُ ثيابَهُ، ويَمشي بِحَذَر، فَيَسلَمُ قَلبُهُ، ويَنجو دينُه. واسمَعوا لِهَذِه القِصَّةِ العَجيبَةِ عن سَلَفِنا الصَّالح. خَرَجَ حَسَّانُ بنُ أبي سِنانٍ رحمه الله — وكان شابًّا صالِحًا — في يومِ عيدٍ مُزدَحِمٍ بالناسِ والنِّساء. فَلَمَّا رَجَعَ إلى بَيتِه، قالَت لهُ زَوجَتُه تَختَبِرُه: يا أبا عبدِ الله، كَم من النِّساءِ الحِسانِ رَأيتَ اليوم؟ فماذا ظَنَنتم أنَّهُ قال؟ هل وَصَفَ؟ هل عَدَّد؟
قال لها — وهو الصَّادقُ المُرَاقِبُ لِرَبِّه —: "واللَّهِ مَا نَظَرْتُ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا فِي إِبْهَامِي مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكِ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْكِ!". أيها الإخوة، هذا هو الصَّبر! صَبرٌ على غَضِّ البَصَرِ في الدُّنيا، لِيَأمَنَ العَبدُ من حَرِّ جَهنَّمَ في الآخِرَة. فوالله، لَحَرُّ الصَّيفِ، ولَهيبُ الشَّمسِ، ومُجاهَدَةُ النَّفسِ عن النَّظَرِ الحَرامِ في بُحَيراتِ أوروبا وشَوارعِها، أهوَنُ بكَثيرٍ مِن حَرِّ السَّعير. ألم تَسمَعوا جَوابَ المُنافِقينَ عِندما دُعوا للجهادِ في حَرِّ الصَّيف؟ ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾. فَبِماذا أمَرَ اللهُ نَبيَّهُ أن يَرُدَّ عليهم؟ جَملَةٌ واحِدَةٌ قاطِعَة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾! فإذا دَعَتكَ نَفسُكَ للنَّظَرِ الحَرام، أو دَعاكَ أصحابُكَ للذَّهابِ إلى أماكِنِ العُري الفاضِحِ في المُنتَزَهاتِ والبُحَيرات، فَقُل لِنَفسِك: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾! بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحكيم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عن حَرِّ الصَّيفِ وكيفَ أنَّهُ زَفرَةٌ من زَفَراتِ جَهنَّم، ووَقَفنا مع خَطَرِ إطلاقِ البَصَرِ في هذه البلادِ التي تَكثُرُ فيها الفِتَن، وكيفَ أنَّ المُؤمنَ يَجعَلُ من حَرِّ الدُّنيا وِقايَةً لهُ من حَرِّ الآخِرَة. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في أيَّامِنا هذه؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكُم: الأولى (قَلبيَّة): استَحضِر نيَّةً صادِقَةً في قَلبِك. كُلَّما خَرَجتَ من بَيتِكَ ولَفَحَكَ الحَرُّ، قُل في نَفسِك: "اللهمَّ إنِّي أصبِرُ على هذا، وعلى غَضِّ بَصَري عن الحَرام، فأَعتِق رَقَبَتي من النَّار". الثانية (لِسانيَّة): إذا رأيتَ ما يَفتِنُكَ فجأةً في الطَّريق، فاصرِف بَصَرَكَ فورًا، وقُل بِلِسانِك: "أعوذُ باللهِ من النَّار". تَعويذَةٌ صَغيرَةٌ تَحرُسُ قَلبَك. الثالثة (عَمَليَّة): إذا أردتَ التَّنَزُّهَ أنتَ وعائلتُك، فاختَر الأماكِنَ المُحتَشِمَةَ أو الأوقاتَ الهادِئَة. ابتَعِد عن البُحَيراتِ الشَّهيرَةِ والمُزدَحِمَةِ بالعُريِ الذي لا يُحتَمَل، فَمَن حامَ حَولَ الحِمى يُوشِكُ أن يَقَعَ فيه. الأرضُ واسِعَة، وغاباتُ هذه البلادِ ومُنتَزَهاتُها البَعيدَةُ فيها غُنيَةٌ عن مواطِنِ الشُّبُهات. الرابعة (اجتماعيَّة): احفَظوا أبناءَكم وبَناتِكم أيها الآباء. الشَّبابُ المُراهِقُ في هذه البيئةِ يَتَعَرَّضُ لِضَغطٍ شَديد. صَاحِبوهم، اشغَلوهم بالبَرامِجِ النَّافِعَة، والمُخَيَّماتِ الإِسلاميَّة، ولا تَترُكوهم فَريسَةً لِشَوارعِ ومُنتَزَهاتِ الصَّيفِ بِلا رَقيب. الخامسة (موضوعيَّة): تَذَكَّر دائمًا أنَّ المُتعَةَ المُحَرَّمَةَ بالنَّظَرِ تَذهَبُ لَذَّتُها، وتَبقى حَسرَتُها وسَيِّئَتُها. أمَّا غَضُّ البَصَر، فَيُورِثُكَ حَلاوَةً في القَلبِ تَجِدُ طَعمَها مُباشَرَة. قال ﷺ: «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ، مَنْ تَرَكَهَا مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ». فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي الحارس الأمين في زمن الفتن، وهي المنجية يوم لا ينفع مال ولا بنون. ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم أجرنا من النار. اللهم أجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم طَهِّر قلوبنا، وحَصِّن فروجنا، واغفِر ذنوبنا، واغضُض أبصارنا عن الحرام يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أعنا على العيش في هذه البلاد على طاعتك، واحفظنا واحفظ أبناءنا وبناتنا وذرياتنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعلنا ممن إذا ذُكروا تذكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا رأوا محارمك غضوا أبصارهم حياءً منك وخوفاً من عقابك. اللهم برّد على قلوبنا بعفوك ورضاك، وأظلنا في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.