صُوَرُ الأَبنَاءِ وَأَسرَارُهُم أَمَانَةٌ: حِفظُ خُصُوصِيَّةِ الطِّفلِ وَآدَابُ السَّترِ وَالاستِئذَانِ فِي التَّربِيَةِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ البُيُوتَ لِعبَادِهِ سَكَنًا وَحِرزًا، وَكَسَا أَهلَهَا مِن جَمِيلِ سَترِهِ شَرَفًا وَعِزًّا، وَأَودَعَ فِيهَا الأَبنَاءَ وَالبَنَاتِ أَمَانَةً تُصَانُ وَلَا تُبتَذَلُ، وَوَدِيعَةً تُرعَى بِالرَّحمَةِ وَالعَدلِ فَلَا تُستَغَلُّ وَلَا تُختَزَلُ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ المُنيبِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، السِّتِّيرُ الحَلِيمُ، العَلِيمُ الحَكِيمُ، سَمِعَ خَفِيَّ النَّجوَى، وَعَلِمَ مَا تَطوِي عَلَيهِ الصُّدُورُ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَأَمَرَ بِحِفظِ العُهُودِ وَالأَمَانَاتِ فِي كُلِّ زَمَنٍ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَرحَمُ الخَلقِ بِالصِّغَارِ، وَأَحفَظُهُم لِلكَرَامَةِ وَالأَسرَارِ، كَانَ يَستَأذِنُ الغُلَامَ فِي حَقِّهِ، وَيَأتَمِنُ الصَّبِيَّ عَلَى سِرِّهِ، وَيَستُرُ العَثرَةَ بِجَمِيلِ رِفقِهِ وَحِلمِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَخيَارِ، وَمَن سَارَ عَلَى هَديِهِم القَوِيمِ إِلَى يَومِ القَرَارِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم — أَيُّهَا النَّاسُ — وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الحِصنُ الوَاقِي لِلبُيُوتِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالانهِيَارِ، وَهِيَ المِيزَانُ العَادِلُ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ حُقُوقُ الصِّغَارِ وَالكِبَارِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: تَأَمَّلُوا مَعِي هَذَا المَشهَدَ الَّذِي صَارَ يَتَكَرَّرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ البُيُوتِ حَتَّى أَلِفَتهُ الأَبصَارُ وَقَسَت عِندَهُ القُلُوبُ: طِفلٌ صَغِيرٌ يَتَعَثَّرُ فِي مَشيَتِهِ، أَو يُخطِئُ فِي نُطقِ كَلِمَةٍ بِبَرَاءَةِ طُفُولَتِهِ، أَو يَبكِي خَوفًا مِن شَيءٍ فَاجَأَهُ بِهِ أَبُوهُ أَو أُمُّهُ، أَو يَجلِسُ مُنكَسِرًا بَعدَ إِخفَاقٍ فِي دِرَاسَتِهِ، فَبَدَلًا مِن أَن تَمتَدَّ إِلَيهِ يَدٌ حَانِيَةٌ تَمسَحُ دَمعَتَهُ، وَتَضُمُّ رَوعَتَهُ، وَتَستُرُ ضَعفَهُ، تَرتَفِعُ فِي وَجهِهِ عَدَسَةُ الهَاتِفِ الذَّكِيِّ! يُصَوَّرُ الطِّفلُ فِي لَحظَةِ انكِسَارِهِ وَفَزَعِهِ، وَيُلتَقَطُ مَشهَدُ خَجَلِهِ وَارتِبَاكِهِ، ثُمَّ بِضَغطَةِ زِرٍّ وَاحِدَةٍ يُدفَعُ بِهَذَا المَقطَعِ إِلَى مَجمُوعَاتِ العَائِلَةِ، أَو إِلَى فُضُولِ الغُرَبَاءِ فِي مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ المَفتُوحَةِ؛ لِيَضحَكَ النَّاسُ عَلَى بُكَاءِ الصَّغِيرِ، أَو لِيَجمَعَ الوَالِدَانِ بِمَشهَدِ ضَعفِهِ إِعجَابَاتٍ عَابِرَةً وَمُشَاهَدَاتٍ زَائِفَةً!
فَأَيُّ غَفلةٍ هَذِهِ الَّتِي حَوَّلَت بَعضَ البُيُوتِ مِن مَلاذٍ آمِنٍ وَحِرزٍ مَصُونٍ إِلَى مَسَارِحَ مَكشُوفَةٍ وَنَوَافِذَ مَشرَعَةٍ؟! وَبِأَيِّ حَقٍّ تُستَبَاحُ كَرَامَةُ الطِّفلِ، وَتُنشَرُ صُوَرُهُ وَأَسرَارُهُ وَمَوَاقِفُ ضَعفِهِ لِلاشتِهَارِ أَوِ المُزَاحِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَملِكُ دَفعًا عَن نَفسِهِ، وَلَا يَعرِفُ عَوَاقِبَ مَا يُنشَرُ عَنهُ فِي فَضَاءٍ رَقمِيٍّ لَا يَنسَى وَلَا يَرحَمُ؟!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ القَاعِدَةَ العُظمَى الَّتِي يَجِبُ أَن تَستَقِرَّ فِي ضَمِيرِ كُلِّ أَبٍ وَأُمٍّ هِيَ أَنَّ الأَبنَاءَ أَمَانَةٌ استَرعَانَا اللهُ حِفظَهَا وَصِيَانَتَهَا، وَلَيسُوا مِلكِيَّةً مُستَبَاحَةً نَتَصَرَّفُ فِي كَرَامَتِهَا كَيفَ نَشَاءُ، وَلَا دُمًى نَعرِضُهَا لِتَسلِيَةِ الآخَرِينَ! لَقَد كَرَّمَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ الإِنسَانَ مُنذُ لَحظَةِ خَلقِهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾؛ فَالطِّفلُ الصَّغِيرُ دَاخِلٌ فِي هَذَا التَّكرِيمِ الإِلَهِيِّ بِذَاتِهِ وَصُورَتِهِ وَمَشَاعِرِهِ وَسِرِّهِ، وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأمُرُ المُؤمِنِينَ بِصِيَانَةِ الأَمَانَاتِ وَيُحَذِّرُهُم مِن خِيَانَتِهَا فَيَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وَتَأَمَّلُوا كَيفَ أَعقَبَ اللهُ هَذَا النَّهيَ مُبَاشَرَةً بِذِكرِ الأَولَادِ فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَقَالَ عَزَّ مِن قَائِلٍ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ لِيَعلَمَ الوَالِدَانِ أَنَّ الأَولَادَ مِن أَعظَمِ الأَمَانَاتِ الَّتِي يُبتَلَى العَبدُ بِكَيفِيَّةِ رِعَايَتِهَا وَصَونِهَا.
وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهلِهِ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيتِ زَوجِهَا وَمَسؤُولَةٌ عَن رَعِيَّتِهَا». وَمَعنَى الرِّعَايَةِ فِي لِسَانِ العَرَبِ وَفِي مِيزَانِ الشَّرعِ: حِفظُ الشَّيءِ، وَحِيَاطَتُهُ، وَالذَّبُّ عَنهُ، وَمَنعُ الأَذَى مِنَ الوُصُولِ إِلَيهِ. قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الرَّاعِي: هُوَ الحَافِظُ المُؤتَمَنُ المُلتَزِمُ صَلَاحَ مَا قَامَ عَلَيهِ وَمَا هُوَ تَحتَ نَظَرِهِ! فَهَل مِنَ الحِفظِ وَالأَمَانَةِ أَن يَكُونَ الوَالِدُ أَوِ الوَالِدَةُ هُوَ الَّذِي يَكشِفُ سِترَ طِفلِهِ، وَيَعرِضُ مَشهَدَ ضَعفِهِ وَعَورَةَ بَيتِهِ عَلَى أَعيُنِ الخَلقِ؟!
أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ: لَقَد ابتُلِيَ النَّاسُ فِي عَصرِنَا بِدَاءٍ خَطِيرٍ يُمكِنُ أَن نُسَمِّيَهُ «استِغلَالَ الطُّفُولَةِ لِلمُزَاحِ وَالاشتِهَارِ». تَرَى أَبًا أَو أُمًّا يَصنَعُ بِطِفلِهِ مَقلَبًا مُفزِعًا، أَو يُوهِمُهُ بِمُصِيبَةٍ كَاذِبَةٍ، أَو يُعطِيهِ طَعَامًا لَاذِعًا، أَو يُطفِئُ عَلَيهِ النُّورَ فَجأَةً؛ لِيُصَوِّرَ مَشهَدَ رُعبِهِ وَصُرَاخِهِ وَارتِجَافِ أَوصَالِهِ، ثُمَّ يَنشُرُ ذَلِكَ مَصحُوبًا بِالضَّحِكَاتِ وَالتَّعلِيقَاتِ السَّاخِرَةِ! وَاللهِ إِنَّ القَلبَ لَيَرتَجِفُ حِينَ يَسمَعُ وَعِيدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مِثلِ هَذَا الصَّنِيعِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي لَيلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُم كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنهُم، فَانطَلَقَ بَعضُهُم إِلَى حَبلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يُرَوِّعَ مُسلِمًا»! إِذَا كَانَ تَروِيعُ الرَّجُلِ البَالِغِ القَوِيِّ فِي مَزحَةٍ عَابِرَةٍ لَا يَحِلُّ فِي شَرِيعَةِ اللهِ، فَكَيفَ بِتَروِيعِ طِفلٍ صَغِيرٍ ضَعِيفِ القَلبِ، ثُمَّ تَوثِيقِ فَزَعِهِ بِالصَّوتِ وَالصُّورَةِ وَنَشرِهِ بَينَ العَالَمِينَ؟!
بَلِ اسمَعُوا إِلَى قَولِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَن يَطلُبُ إِضحَاكَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ مِن حَدِيثِ بَهزِ بنِ حَكِيمٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «وَيلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكذِبُ لِيُضحِكَ بِهِ القَومَ، وَيلٌ لَهُ، وَيلٌ لَهُ»! فَإِذَا كَانَ هَذَا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَن يَختَلِقُ كَلِمَةً لِيُضحِكَ بِهَا مَجلِسًا، فَكَيفَ بِمَن يَتَّخِذُ مِن دَمعَةِ وَلَدِهِ، أَو تَلَعثُمِ لِسَانِهِ، أَو سَقطَتِهِ، أَو بَرَاءَةِ جَهلِهِ مَادَّةً لِلسُّخرِيَةِ وَإِضحَاكِ المُتَابِعِينَ؟! وَقَد نَهَى اللهُ جَلَّ وَعَلَا عَنِ السُّخرِيَةِ نَهيًا قَاطِعًا فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، وَقَالَ عَزَّ شَأنُهُ: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
أَتَدرُونَ — يَا عِبَادَ اللهِ — مَا الَّذِي يَترُكُهُ هَذَا التَّصوِيرُ السَّاخِرُ فِي نَفسِ الطِّفلِ حِينَ يَكبُرُ؟ إِنَّ الصُّورَةَ أَوِ المَقطَعَ الَّذِي يَظُنُّهُ الأَبُ مَزحَةً تَنتَهِي فِي يَومِهَا، يَبقَى مَحفُورًا فِي ذَاكِرَةِ الشَّبَكَةِ الرَّقمِيَّةِ سِنِينَ طَوِيلَةً، يَكبُرُ الطِّفلُ وَيَدخُلُ مَدرَسَتَهُ وَجَامِعَتَهُ فَيَجِدُ أَقرَانَهُ يَتَدَاوَلُونَ مَشهَدَ بُكَائِهِ أَو خَطَئِهِ أَو إِحرَاجِهِ الَّذِي نَشَرَهُ وَالِدَاهُ بِأَيدِيهِمَا! وَالأَخطَرُ مِن ذَلِكَ أَنَّ الطِّفلَ يَفقِدُ الثِّقَةَ فِي أَقرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ؛ لِأَنَّ الفِطرَةَ تَقتَضِي أَن يَفِرَّ الطِّفلُ إِذَا خَافَ أَو أَخطَأَ إِلَى حِضنِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَحِينَ يَرَى أَنَّ هَذَا الحِضنَ قَد تَحَوَّلَ إِلَى عَدَسَةٍ تَرصُدُ عَثرَتَهُ وَتَفضَحُ ضَعفَهُ، إِلَى مَن يَلجَأُ بَعدَ ذَلِكَ؟!
إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَإِذَا كَانَت صُورَةُ الطِّفلِ فِي ضَعفِهِ أَمَانَةً، فَإِنَّ سِرَّهُ وَعَثرَتَهُ وَخَبرَهُ الخَاصَّ أَمَانَةٌ أَعظَمُ وَأَدَقُّ! كَم مِن صَبِيٍّ أَو فَتَاةٍ يَأوِي إِلَى أُمِّهِ أَو أَبِيهِ فِي سَاعَةِ صَفَاءٍ، فَيَبُثُّهُمَا هَمًّا فِي صَدرِهِ، أَو يَعتَرِفُ بِخَطَأٍ وَقَعَ فِيهِ، أَو يَبكِي مِن مَوقِفٍ آلمَهُ فِي مَدرَسَتِهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ صَدرَ وَالِدَيهِ صُندُوقٌ مُغلَقٌ لَا يُفتَحُ! ثُمَّ مَا إِن يَجتَمِعَ الأَهلُ فِي سَمرَةِ الأُسبُوعِ أَو يَتَّصِلَ الأَقَارِبُ بِالهَاتِفِ، حَتَّى يَسمَعَ الوَلَدُ أُمَّهُ أَو أَبَاهُ يَروِي قِصَّتَهُ وَيَفشِي سِرَّهُ أَمَامَ الأَعمَامِ وَالأَخوَالِ وَالجِيرَانِ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّفَكُّهِ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الشَّكوَى وَالتَّشَفِّي! فَيَذرِفُ الصَّبِيُّ دَمعَةً صَامِتَةً فِي دَاخِلِهِ، وَيُقسِمُ فِي نَفسِهِ أَلَّا يُخبِرَ وَالِدَيهِ بِسِرٍّ بَعدَ ذَلِكَ اليَومِ أَبَدًا!
وَانظُرُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — إِلَى مَدرَسَةِ النُّبُوَّةِ كَيفَ رَبَّتِ الصِّغَارَ وَالكِبَارَ عَلَى مَهَابَةِ السِّرِّ وَصِيَانَةِ الخُصُوصِيَّةِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَصَحِيحِ مُسلِمٍ — وَاللَّفظُ لِمُسلِمٍ — يَحكِي خَادِمُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَوقِفًا عَجِيبًا وَقَعَ لَهُ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ فَيَقُولُ: «أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَلعَبُ مَعَ الغِلمَانِ، فَسَلَّمَ عَلَينَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبطَأتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئتُ قَالَت: مَا حَبَسَكَ؟ قُلتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَةٍ، قَالَت: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلتُ: إِنَّهَا سِرٌّ! قَالَت: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًا! قَالَ أَنَسٌ: وَاللهِ لَو حَدَّثتُ بِهَا أَحَدًا لَحَدَّثتُكَ يَا ثَابِتُ!».
اللهَ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! قِفُوا طَوِيلًا عِندَ هَذَا الأَدَبِ النَّبَوِيِّ وَالبيتِيِّ الرَّفِيعِ: رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ بِغِلمَانٍ يَلعَبُونَ، فَيُسَلِّمُ عَلَيهِم تَكرِيمًا لِشَخصِيَّاتِهِم، ثُمَّ يَأتَمِنُ غُلَامًا صَغِيرًا عَلَى سِرٍّ؛ لِيَغرِسَ فِي قَلبِهِ مَعنَى الأَمَانَةِ وَالرُّجُولَةِ! ثُمَّ يَرجِعُ الغُلَامُ إِلَى أُمِّهِ الفَقِيهَةِ العَاقِلَةِ أُمِّ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، فَتَسأَلُهُ عَن سَبَبِ تَأَخُّرِهِ رِعَايَةً لَهُ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا الصَّبِيُّ: «إِنَّهَا سِرٌّ!»، لَم تَغضَبِ الأُمُّ، وَلَم تَقُل لَهُ: أَتَكتُمُ عَن أُمِّكَ وَأَنتَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ؟ وَلَم تُلحَّ عَلَيهِ لِتَنتَزِعَ مِنهُ السِّرَّ بِسُلطَةِ الأُمُومَةِ، بَلِ احتَرَمَت خُصُوصِيَّتَهُ وَشَجَّعَت أَمَانَتَهُ وَقَالَت لَهُ: «لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًا»! هَكَذَا تُبنَى النُّفُوسُ العَظِيمَةُ؛ حِينَ يَشعُرُ الصَّغِيرُ أَنَّ لِسِرِّهِ حُرمَةً، وَأَنَّ وَالِدَيهِ هُمَا أَوَّلُ مَن يَصُونُ هَذِهِ الحُرمَةَ وَيَحفَظُ هَذَا العَهدَ.
وَقَد قَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَاعِدَةً عَامَّةً فِي حِفظِ المَجَالِسِ وَالأَسرَارِ، كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الحَدِيثَ ثُمَّ التَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ». فَمَا بَالُكُم بِطِفلٍ أَو شَابٍّ يَغلِقُ عَلَيهِ بَابَ الغُرفَةِ مَعَ أَبِيهِ أَو أُمِّهِ، وَيَلتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا خَشيَةَ أَن يَسمَعَهُ إِخوَتُهُ، ثُمَّ يَفتَحُ قَلبَهُ وَيَشكُو ضَعفَهُ أَو ذَنبَهُ؟ أَلَيسَ حَدِيثُهُ هَذَا أَعظَمَ الأَمَانَاتِ؟! وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ وَلَا يُسلِمُهُ، وَمَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِن كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ». فَإِذَا كَانَ سَترُ المُسلِمِ البَعِيدِ يُوجِبُ سَترَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ، فَأَولَى النَّاسِ بِسَترِكَ هُم أَبنَاؤُكَ وَبَنَاتُكَ!
وَإِنَّ مِن أَفدَحِ الأَخطَاءِ التَّربَوِيَّةِ أَن يُعَاقَبَ الوَلَدُ أَو يُوَبَّخَ عَلَى خَطَئِهِ بِفَضحِهِ أَمَامَ إِخوَتِهِ أَو أَقرَانِهِ أَو أَقَارِبِهِ؛ فَإِنَّ الفَضِيحَةَ لَا تُصلِحُ مُخطِئًا، بَل تَكسِرُ حَيَاءَهُ، وَتَدفَعُهُ إِلَى العِنَادِ وَالمُجَاهَرَةِ؛ لِأَنَّ مَن سَقَطَ قِنَاعُ السَّترِ عَن وَجهِهِ هَانَ عَلَيهِ نَظَرُ النَّاسِ! وَلِلَّهِ دَرُّ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ جَمَعَ أَدَبَ النَّصِيحَةِ وَالسَّترِ فِي قَولِهِ السَّائِرِ:
تَعَمَّدنِي بِنُصحِكَ فِي انفِرَادِي ... وَجَنِّبنِي النَّصِيحَةَ فِي الجَمَاعَهْ
فَإِنَّ النُّصحَ بَينَ النَّاسِ نَوعٌ ... مِنَ التَّوبِيخِ لَا أَرضَى استِمَاعَهْ
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: وَمِن أَعظَمِ مَعَالِمِ التَّربِيَةِ الرَّحِيمَةِ الَّتِي تَصُونُ خُصُوصِيَّةَ الأَبنَاءِ: تَربِيَتُهُم بِالقُدوَةِ عَلَى أَدَبِ الاستِئذَانِ، وَاحتِرَامِ حُقُوقِهِم وَاختِيَارَاتِهِمِ المَشرُوعَةِ. لَقَد شَرَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ نِظَامًا دَقِيقًا لِلاستِئذَانِ دَاخِلَ البَيتِ الوَاحِدِ، فَأَمَرَ بِتَدرِيبِ الصِّغَارِ الَّذِينَ لَم يَبلُغُوا الحُلُمَ عَلَى الاستِئذَانِ فِي أَوقَاتِ الخَلوَةِ وَوَضعِ الثِّيَابِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، ثُمَّ أَوجَبَ عَلَيهِمُ الاستِئذَانَ فِي كُلِّ وَقتٍ إِذَا بَلَغُوا مَبلَغَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
وَهَذَا التَّشرِيعُ الرَّبَّانِيُّ لَا يَحفَظُ عَورَاتِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ فَحَسبُ، بَل يَغرِسُ فِي وَعيِ النَّاشِئِ أَنَّ لِلإِنسَانِ حُرمَةً وَخَلوَةً وَخُصُوصِيَّةً لَا يَجُوزُ اقتِحَامُهَا بَغتَةً! وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللهُ يَحرِصُونَ عَلَى الاستِئذَانِ وَالتَّنبِيهِ حَتَّى مَعَ أَقَارِبِهِم وَأَهلِ بُيُوتِهِم صِيَانَةً لِلأَبصَارِ وَحِفظًا لِلكَرَامَةِ. وَكَمَا نُعَلِّمُ أَبنَاءَنَا أَن يَستَأذِنُوا عَلَينَا، فَإِنَّ مِنَ التَّربِيَةِ النَّبَوِيَّةِ أَن نَستَأذِنَهُم نَحنُ فِي شُؤُونِهِم وَحُقُوقِهِم، وَلَا نَستَهِينَ بِإِذنِهِم لِصِغَرِ أَعمَارِهِم!
تَأَمَّلُوا مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنهُ، وَعَن يَمِينِهِ غُلَامٌ — وَهُوَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ — وَعَن يَسَارِهِ الأَشيَاخُ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: أَتَأذَنُ لِي أَن أُعطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنكَ أَحَدًا! قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ»، أَي وَضَعَ الإِنَاءَ فِي يَدِ الغُلَامِ! يَا للهِ مَا أَعظَمَ هَذَا الخُلُقَ النَّبَوِيَّ! سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﷺ، وَعَن يَسَارِهِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ وَأَشيَاخُهُم، وَعَن يَمِينِهِ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَلَم يَتَجَاوَزِ النَّبِيُّ ﷺ حَقَّ الغُلَامِ فِي الشُّربِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَلَم يَأخُذِ الإِنَاءَ فَيُعطِيَهُ الكِبَارَ مُجَامَلَةً لَهُم عَلَى حِسَابِ الصَّغِيرِ، بَلِ التَفَتَ إِلَى الغُلَامِ بِأَدَبٍ نَبَوِيٍّ يَأخُذُ بِمَجَامِعِ القُلُوبِ وَقَالَ لَهُ: «أَتَأذَنُ لِي؟» فَلَمَّا تَمَسَّكَ الغُلَامُ بِحَقِّهِ حَفِظَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَقَّهُ وَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ!
فَاسأَل نَفسَكَ أَيُّهَا الوَالِدُ الكَرِيمُ، وَاسأَلِي نَفسَكِ أَيَّتُهَا الأُمُّ الفَاضِلَةُ: إِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَستَأذِنُ غُلَامًا فِي شَربَةِ لَبَنٍ هِيَ مِن حَقِّهِ، أَفَلَا يَستَحِقُّ ابنُكَ اليَافِعُ أَوِ ابنتُكِ النَّاشِئَةُ أَن تَستَأذِنَهُمَا قَبلَ أَن تَنشُرَ صُورَتَهُمَا أَو تَذكُرَ خَبَرًا يَخُصُّهُمَا؟! أَيُعَلِّمُ الأَبُ ابنَهُ عِزَّةَ النَّفسِ وَحِفظَ الخُصُوصِيَّةِ وَهُوَ يَقتَحِمُ عَلَيهِ غُرفَتَهُ دُونَ استِئذَانٍ، وَيُفَتِّشُ فِي أَغرَاضِهِ عَلَى مَرأًى مِن إِخوَتِهِ، وَيَنشُرُ صُوَرَهُ فِي كُلِّ مَحفَلٍ دُونَ اكتِرَاثٍ بِرَغبتِهِ أَو حَيَائِهِ؟!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ هُنَاكَ جَانِبًا آخَرَ مِن جَوَانِبِ هَذِهِ الأَمَانَةِ يَغفُلُ عَنهُ كَثِيرٌ مِنَ الطَّيِّبِينَ؛ فَبَعضُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ لَا يَنشُرُونَ مَوَاقِفَ ضَعفِ أَبنَائِهِم، وَلَكِنَّهُم يَقَعُونَ فِي الإِفرَاطِ فِي التَّبَاهِي العَلَنِيِّ بِصُوَرِ أَطفَالِهِم فِي كَامِلِ زِينَتِهِم، وَاستِعرَاضِ جَمَالِهِم، وَتَفَوُّقِهِم، وَمَوَاهِبِهِم، وَمَائِدَةِ طَعَامِهِم، وَهُدُوءِ بُيُوتِهِم أَمَامَ الأُلوفِ مِنَ النَّاظِرِينَ الَّذِينَ فِيهِمُ المَحرُومُ، وَفِيهِمُ الحَاسِدُ، وَفِيهِم عَابِثُو الفَضَاءِ الرَّقمِيِّ الَّذِينَ يَسرِقُونَ صُوَرَ الصِّغَارِ وَيَستَخدِمُونَهَا فِيمَا لَا يَحِلُّ!
لَقَد عَلَّمَنَا القُرآنُ الكَرِيمُ فِقهَ الحِيطَةِ وَالحَذَرِ عَلَى الأَبنَاءِ فِي قِصَّةِ نَبِيِّ اللهِ يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ؛ فَحِينَ رَأَى ابنُهُ الصَّغِيرُ يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلَامُ تِلكَ الرُّؤيَا العَظِيمَةَ، كَانَ أَوَّلُ تَوجِيهٍ وَالِدِيٍّ لَهُ حِفظَ السِّرِّ اتِّقَاءً لِلحَسَدِ وَالكَيدِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾! وَحِينَ تَوَجَّهَ بَنُوهُ أَهلُ الجَمَالِ وَالبَهَاءِ إِلَى مِصرَ، خَافَ عَلَيهِم أَبُوهُمُ الشَّفِيقُ أَن تَقَعَ عَلَيهِمُ الأَعيُنُ إِذَا دَخَلُوا جَمِيعًا مِن مَدخَلٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُم كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُ: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «العَينُ حَقٌّ، وَلَو كَانَ شَيءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتهُ العَينُ». فَمَا بَالُ أَقوَامٍ يَجمَعُونَ أَبنَاءَهُم وَبَنَاتِهِم فِي أَبهَى حُلَّةٍ، ثُمَّ يُدخِلُونَهُم مِن بَابٍ رَقمِيٍّ وَاحِدٍ عَلَى عُيُونِ الخَلقِ فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ، ثُمَّ يَشتَكُونَ بَعدَ ذَلِكَ مِن تَغَيُّرِ أَحوَالِ أَطفَالِهِم، وَاعتِلَالِ أَبدَانِهِم، وَانقِلابِ سَكِينَةِ بُيُوتِهِم؟!
فَاللهَ اللهَ فِي أَمانَةِ أَبنَائِكُم يَا عِبَادَ اللهِ! صُونُوا وُجُوهَهُم النَّضِرَةَ عَنِ الابتِذَالِ، وَاحفَظُوا أَسرَارَهُم الصَّغِيرَةَ عَنِ القِيلِ وَالقَالِ، وَاجعَلُوا بُيُوتَكُم لَهُم مَأمنًا يَستُرُ العَثرَةَ، وَيُقِيلُ الكَبوَةَ، وَيَربِّي بِالرَّحمَةِ وَالكَرَامَةِ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ — عِبَادَ اللهِ — حَقَّ التَّقوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ حِفظَ خُصُوصِيَّةِ الأَبنَاءِ وَسَترَ ضَعفِهِم وَصِيَانَةَ أَسرَارِهِم لَيسَ تَرَفًا تَربَوِيًّا، بَل هُوَ وَاجِبٌ شَرعِيٌّ وَسِيَاجٌ أَخلَاقِيٌّ يَحمِي شَخصِيَّةَ الطِّفلِ مِنَ الهَشَاشَةِ وَالمَهَانَةِ، وَيَبنِي فِيهِ الحَيَاءَ وَالعِزَّةَ وَالثِّقَةَ بِوَالِدَيهِ.
وَحَتَّى تَنتَقِلَ هَذِهِ المَعَانِي الإِيمَانِيَّةُ مِن مَنَابِرِ الجُمُعَةِ إِلَى وَاقِعِ بُيُوتِنَا اليَومِيِّ، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ يَستَطِيعُ كُلُّ أَبٍ وَأُمٍّ أَن يَبدَأَ بِهَا مِن هَذَا اليَومِ:
الأُولَى: مِيثَاقُ حِفظِ الصُّورَةِ وَمُرَاجَعَةُ المَنشُورِ السَّابِقِ: لِيَتَّفِقِ الزَّوجَانِ عَلَى التَّوَقُّفِ الفَورِيِّ عَن نَشرِ صُوَرِ الأَبنَاءِ وَيَومِيَّاتِهِمُ الخَاصَّةِ فِي الحِسَابَاتِ العَامَّةِ وَحَالَاتِ الهَوَاتِفِ المَفتُوحَةِ، وَلِيُبَادِرَا اليَومَ إِلَى فَحْصِ حِسَابَاتِهِمَا وَحَذفِ كُلِّ صُورَةٍ أَو مَقطَعٍ سَابِقٍ ظَهَرَ فِيهِ طِفلُهُمَا فِي حَالِ بُكَاءٍ أَو خَوفٍ أَو خَطَأٍ أَو إِحرَاجٍ، وَحَصرِ الذِّكرَيَاتِ العَائِلِيَّةِ فِي حِرزٍ خَاصٍّ آمِنٍ دَاخِلَ البَيتِ.
الثَّانِيَةُ: تَحرِيمُ مَقَالِبِ التَّروِيعِ وَالتَّصوِيرِ السَّاخِرِ دَاخِلَ الأُسرَةِ: اجعَلُوا بُيُوتَكُم مِنطَقَةً آمِنَةً مِن كَامِيرَا السُّخرِيَةِ؛ فَلَا يُصَوَّرُ طِفلٌ عِندَ غَضَبِهِ أَو تَعَثُّرِهِ أَو نَومِهِ أَو مَرَضِهِ، وَلَا يُتَّخَذُ ضَعفُ الصَّغِيرِ أَو بَرَاءَتُهُ مَادَّةً لِلتَّندُّرِ وَالفُكَاهَةِ فِي مَجَالِسِ العَائِلَةِ أَو مَجمُوعَاتِ التَّوَاصُلِ.
الثَّالِثَةُ: عَهدُ السِّرِّ الأَمِينِ وَالنَّصِيحَةِ السَّاتِرَةِ: أَعلِنُوا لِأَبنَائِكُم وَبَنَاتِكُم بِوُضُوحٍ أَنَّ كُلَّ سِرٍّ أَو شَكوَى أَوِ اعتِرَافٍ بِخَطَأٍ يُفضُونَ بِهِ إِلَى أَبِيهِم أَو أُمِّهِم هُوَ أَمَانَةٌ مَصُونَةٌ لَن تَخرُجَ إِلَى الأَعمَامِ وَلَا إِلَى الأَخوَالِ وَلَا حَتَّى إِلَى بَقِيَّةِ الإِخوَةِ، وَإِذَا أَخطَأَ أَحَدُ الأَبنَاءِ فَلْيَكُنِ التَّوجِيهُ وَالعِتَابُ بَينَكُم وَبَينَهُ عَلَى انفِرَادٍ بِرِفقٍ وَحَزمٍ يَحفَظُ مَاءَ وَجهِهِ وَيُعِينُهُ عَلَى التَّوبَةِ وَالإِصلَاحِ.
الرَّابِعَةُ: إِحيَاءُ سُنَّةِ الاستِئذَانِ المُتَبَادَلِ بِالقُدوَةِ العَمَلِيَّةِ: كَمَا تُعَوِّدُونَ أَبنَاءَكُم عَلَى الاستِئذَانِ قَبلَ الدُّخُولِ عَلَيكُم، عَوِّدُوا أَنفُسَكُم عَلَى قَرعِ بَابِ غُرفَةِ الابنِ أَوِ البِنتِ قَبلَ الدُّخُولِ، وَاستِئذَانِ مَن بَلَغَ سِنَّ التَّميِيزِ وَالفُتُوَّةِ قَبلَ التَّصَرُّفِ فِي أَشيَائِهِ الخَاصَّةِ أَو ذِكرِ شَأنٍ يَخُصُّهُ عِندَ الآخَرِينَ؛ لِيَرَى الاستِئذَانَ وَاحتِرَامَ الخُصُوصِيَّةِ خُلُقًا حَيًّا يَقتَدِي بِهِ.
الخَامِسَةُ: التَّحصِينُ بِالأَذكَارِ وَبِنَاءُ وَعيِ الصَّغِيرِ بِحُرمَةِ خُصُوصِيَّتِهِ: حَصِّنُوا أَبنَاءَكُم صَبَاحًا وَمَسَاءً بِالأَذكَارِ وَالتَّعَوُّذَاتِ النَّبَوِيَّةِ الثَّابِتَةِ، وَعَلِّمُوهُم بِالحِوَارِ الهَادِئِ أَنَّ صُوَرَهُم وَأَجسَادَهُم وَأَسرَارَ بُيُوتِهِم حُرمَةٌ غَالِيَةٌ؛ حَتَّى يَنشَؤُوا عَلَى اليَقَظَةِ وَالعِفَّةِ، فَلَا يَستَجِيبُوا فِي مَدَارِسِهِم أَو عَبرَ الشَّاشَاتِ لِمَن يَستَدرِجُهُم لِتَصوِيرِ أَنفُسِهِم أَو كَشفِ خَبَايَا بُيُوتِهِم.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — عَلَى النَّبِيِّ المُصطَفَى وَالرَّسُولِ المُجتَبَى، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفوِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَفِيظُ يَا سِتِّيرُ، استُر بُيُوتَنَا بِسَترِكَ الجَمِيلِ، وَاحفَظ أَبنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا بِحِفظِكَ المَتِينِ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى أَدَاءِ أَمَانَتِهِم، وَارزُقنَا الرِّفقَ وَالحِكمَةَ وَالعَدلَ فِي تَربِيَتِهِم، وَأَعِذهُم مِن شُرُورِ الفِتَنِ، وَمِن عَينِ الحَاسِدِينَ، وَمِن كَيدِ الكَائِدِينَ، وَمِن عَبَثِ العَابِثِينَ. اللَّهُمَّ هَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ، وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا. اللَّهُمَّ أَصلِح أَحوَالَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَآمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَوَفِّق وُلَاةَ أُمُورِ المُسلِمِينَ لِلحُكمِ بِشَرعِكَ وَالعَمَلِ بِكِتَابِكَ وَالرِّفقِ بِعِبَادِكَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
صُوَرُ الأَبنَاءِ وَأَسرَارُهُم أَمَانَةٌ: حِفظُ خُصُوصِيَّةِ الطِّفلِ وَآدَابُ السَّترِ وَالاستِئذَانِ فِي التَّربِيَةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.