من مكتبة مِداد الخطيب

تَاجُ الوَقَارِ وَشَرَفُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ: كَلِمَةٌ يَسِيرَةٌ فِي مَدحِ وَتَكرِيمِ مَن أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى حِفظِ القُرآنِ الكَرِيمِ

مشاركة
تَاجُ الوَقَارِ وَشَرَفُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ: كَلِمَةٌ يَسِيرَةٌ فِي مَدحِ وَتَكرِيمِ مَن أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى حِفظِ القُرآنِ الكَرِيمِ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجًا، وَيَسَّرَ القُرآنَ لِلذِّكرِ فَجَعَلَهُ لِلقُلُوبِ نُورًا وَشِفَاءً وَلِلسَّالِكِينَ مَنهَجًا وَمَخرَجًا، وَاصطَفَى مِن عِبَادِهِ آبَاءً صَالِحِينَ وَأُمَّهَاتٍ قَانِتَاتٍ، غَرَسُوا فِي صُدُورِ أَبنَائِهِم وَبَنَاتِهِم آيَاتِ الوَحيِ المُبِينِ، فَأَثمَرَ غَرسُهُم عِزًّا فِي الدُّنيَا وَتِيجَانًا مِنَ النُّورِ يَومَ الدِّينِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَشكُرُهُ شُكرَ الذَّاكِرِينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَرِيمُ الوَهَّابُ، الَّذِي لَا يُضِيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، القَائِلُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ حَمَلَةِ القُرآنِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا مَعَاشِرَ الآبَاءِ الكِرَامِ وَالأُمَّهَاتِ الفَاضِلَاتِ، يَا مَن أَعَنتُم أَولَادَكُم عَلَى حِفظِ كِتَابِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: هَنِيئًا لَكُم ثُمَّ هَنِيئًا لَكُم! إِنَّ الكَلِمَاتِ لَتَتَقَاصَرُ، وَإِنَّ العِبَارَاتِ لَتَعجِزُ عَن وَصفِ الشَّرَفِ البَاذِخِ وَالمَقامِ الرَّفِيعِ الَّذِي بَلَغتُمُوهُ بِتَوفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَفِي زَمَنٍ تَنَافَسَ فِيهِ النَّاسُ فِي جَمعِ الحُطَامِ الزَّائِلِ، وَانشَغَلَ فِيهِ كَثِيرُونَ بِتَأمينِ مَظَاهِرِ الدُّنيَا الفَانِيَةِ لِأَولَادِهِم وَغَفَلُوا عَن أَروَاحِهِم وَآخِرَتِهِم، اختَرتُم أَنتُم التِّجَارَةَ الَّتِي لَن تَبُورَ، وَاستَثمَرتُم أَعمَارَكُم وَأَموَالَكُم وَأَوقَاتَكُم فِي أَعظَمِ مَشرُوعٍ يَبقَى أَثَرُهُ فِي الدُّنيَا وَالقَبرِ وَيَومِ الحَشرِ: مَشرُوعِ صِنَاعَةِ «حَافِظٍ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»! لَقَد عَلِمَ اللهُ صِدقَ نِيَّاتِكُم؛ فَكَم مِن فَجْرٍ استَيقَظتُم فِيهِ لِتُوقِظُوا وَلَدَكُم إِلَى حَلَقَةِ القُرآنِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ! وَكَم مِن خُطوَةٍ مَشَيتُمُوهَا مَعَهُ فِي الحَرِّ وَالبَردِ إِلَى بَيتِ اللهِ! وَكَم مِن سَاعَةٍ جَلَستِ فِيهَا أَيَّتُهَا الأُمُّ الصَّالِحَةُ، وَجَلَستَ فِيهَا أَيُّهَا الأَبُ المُشفِقُ، تُرَدِّدُونَ مَعَ وَلَدِكُمُ الآيَاتِ، وَتُصَحِّحُونَ لَهُ الحُرُوفَ، وَتُشَجِّعُونَهُ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالابتِسَامَةِ الحَانِيَةِ وَالهَدِيَّةِ المُفرِحَةِ، وَتَرفَعُونَ الأَكُفَّ فِي جَوفِ اللَّيلِ أَن يَشرَحَ اللهُ صَدرَهُ لِلقُرآنِ؛ حَتَّى أَورَقَ الغَرسُ، وَأَينَعَ الثَّمَرُ، وَأَصبَحَ صَدرُ وَلَدِكُم وِعَاءً لِكَلَامِ رَبِّ العَالَمِينَ! أَتَدرُونَ -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- مَا الَّذِي ادَّخَرتُمُوهُ لِأَنفُسِكُم بِهَذَا الجُهدِ المُبَارَكِ؟ لَقَد فَتَحتُم لِأَنفُسِكُم بَابًا مِن أَبوَابِ «الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ» الَّتِي لَا يَنقَطِعُ مَدَدُهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَدَّادُ حَسَنَاتِهَا حَتَّى بَعدَ الرَّحِيلِ عَنِ الدُّنيَا! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَنهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ»، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «مَن دَلَّ عَلَى خَيرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ»! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن قَرَأَ حَرفًا مِن كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرفٌ، وَلَكِن أَلِفٌ حَرفٌ، وَلَامٌ حَرفٌ، وَمِيمٌ حَرفٌ»! تَصَوَّر أَيُّهَا الوَالِدُ الكَرِيمُ، وَتَصَوَّرِي أَيَّتُهَا الأُمُّ المُبَارَكَةُ: كُلُّ آيَةٍ وَكُلُّ حَرفٍ يَتلُوهُ وَلَدُكُمَا فِي صَلَاتِهِ، وَفِي قِيَامِهِ، وَفِي شَبَابِهِ، وَفِي مَشِيبِهِ، وَكُلُّ حَرفٍ يُعَلِّمُهُ لِأَبنَائِهِ وَطُلَّابِهِ مِن بَعدِهِ، يُكتَبُ لَكُمَا مِثلُ أَجرِهِ كَامِلًا فِي صَحَائِفِكُمَا؛ لِأَنَّكُمَا السَّبَبُ الأَوَّلُ بَعدَ اللهِ فِي تَحفِيظِهِ وَإِعَانَتِهِ! بَل إِنَّكُمَا قَد أَدخَلتُمَا بَيتَكُمَا فِي شَرَفِ «أَهلِ اللهِ وَخَاصَّتِهِ»؛ فَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ للهِ أَهلِينَ مِنَ النَّاسِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَن هُم؟ قَالَ: «هُم أَهلُ القُرآنِ، أَهلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ»! وَأَمَّا يَومَ القِيَامَةِ -يَومَ الفَزَعِ الأَكبَرِ، يَومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ- فَهُنَالِكَ يَنتَظِرُكُمَا التَّكرِيمُ الإِلَهِيُّ الأَعظَمُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ وَالأَشهَادِ؛ حَيثُ لَا يُكَرَّمُ الحَافِظُ وَحدَهُ، بَل يُنَادَى عَلَى وَالِدَيهِ لِيُلبَسَا تَاجَ الوَقَارِ وَحُلَّتَيِ الكَرَامَةِ! استَمِعُوا بِقُلُوبِكُم إِلَى هَذِهِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَالدَّارِمِيُّ وَالحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن بُرَيدَةَ بنِ الحُصَيبِ الأَسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَرَأَ القُرآنَ وَتَعَلَّمَهُ وَعَمِلَ بِهِ، أُلبِسَ وَالِدَاهُ يَومَ القِيَامَةِ تَاجًا مِن نُورٍ، ضَوؤُهُ مِثلُ ضَوءِ الشَّمسِ، وَيُكسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَينِ لَا يَقُومُ لَهُمَا أَهلُ الدُّنيَا، فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِأَخذِ وَلَدِكُمَا القُرآنَ»! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ عَن مُعَاذِ بنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَرَأَ القُرآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَومَ القِيَامَةِ، ضَوؤُهُ أَحسَنُ مِن ضَوءِ الشَّمسِ فِي بُيُوتِ الدُّنيَا لَو كَانَت فِيكُم، فَمَا ظَنُّكُم بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا عَظَمَةَ هَذَا الجَزَاءِ: تَاجٌ مِن نُورٍ عَلَى رَأسِ الأَبِ وَالأُمِّ، ضَوؤُهُ أَحسَنُ مِن ضَوءِ الشَّمسِ، وَحُلَّتَانِ مِن حُلَلِ الجَنَّةِ لَا تَعدِلُهُمَا الدُّنيَا بِمُلُوكِهَا وَكُنُوزِهَا وَقُصُورِهَا! حَتَّى يَتَعَجَّبَ الوَالِدَانِ مِن عَظَمَةِ هَذَا الشَّرَفِ الَّذِي لَم يَبلُغَاهُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِمَا، فَيَسأَلَانِ: «بِمَ كُسِينَا هَذَا؟»، فَيَأتِيهِمَا الندَاءُ المُبهِجُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ: «بِأَخذِ وَلَدِكُمَا القُرآنَ»، وَبِتَعاهُدِكُمَا لَهُ وَصَبرِكُمَا عَلَى تَحفِيظِهِ وَتَربِيَتِهِ عَلَى العَمَلِ بِهِ! فَيَا مَن أَعَنتَ وَلَدَكَ عَلَى حِفظِ كِتَابِ اللهِ: طِبتَ وَطَابَ مَمشَاكَ، وَبُورِكَ غَرسُكَ وَمَسعَاكَ! أَتمِم نِعمَةَ اللهِ عَلَى وَلَدِكَ بِأَن تُعِينَهُ عَلَى مُعَاهَدَةِ القُرآنِ وَمُرَاجَعَتِهِ حَتَّى لَا يَتَفَلَّتَ مِن صَدرِهِ، وَأَن تُرَبِّيَهُ عَلَى التَّخَلُّقِ بِأَخلَاقِ القُرآنِ وَالعَمَلِ بِأَحكَامِهِ؛ فَإِنَّ التَّاجَ وَالحُلَّتَينِ إِنَّمَا جُعِلَا لِوَالِدَي مَن «قَرَأَ القُرآنَ وَتَعَلَّمَهُ وَعَمِلَ بِهِ»! وَيَا أَيُّهَا الابنُ الحَافِظُ لِكِتَابِ اللهِ: قَبِّل يَدَ وَالِدِكَ وَرَأسَ أُمِّكَ اللَّذَينِ سَهِرَا لِتَحفَظَ، وَتَعِبَا لِتَرتَقِيَ، وَكُن لَهُمَا أَبَرَّ النَّاسِ فِي الحَيَاةِ وَبَعدَ المَمَاتِ؛ فَإِنَّ مِن إِجلَالِ اللهِ إِكرَامَ حَامِلِ القُرآنِ وَإِكرَامَ وَالِدَيهِ! اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، اجزِ كُلَّ وَالِدٍ وَوَالِدَةٍ أَعَانَا وَلَدَهُمَا عَلَى حِفظِ كِتَابِكَ خَيرَ مَا جَزَيتَ وَالِدًا عَن وَلَدِهِ، اللَّهُمَّ أَلبِسهُمَا تَاجَ الوَقَارِ وَحُلَّتَيِ النُّورِ وَالكَرَامَةِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَقرَّ أَعيُنَهُمَا بِصَلَاحِ أَبنَائِهِم وَبَنَاتِهِم، وَاجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحزَانِنَا، وَشَفِيعًا لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَأَولَادِنَا يَومَ لِقَائِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.