🕌 أيامُ التَّشريق... أعيادُ الأبدانِ وقُوتُ الأرواح
#خطبة_جمعة #أيام_التشريق #عيد_الأضحى #ذكر_الله #مواسم_الطاعات #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ للمؤمنينَ أعيادًا تَفرحُ فيها الأبدان وتُشرقُ فيها الأرواح، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ ذِكرَهُ حياةً للقلوبِ في كُلِّ حالٍ ومَقام، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الشَّاكرينَ وسيِّدُ الذاكرين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أيُّها المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا: لماذا نَفرح؟ ولماذا تَرتَبطُ أعيادُنا في الإسلام دائمًا بانتهاءِ عبادةٍ عظيمة؟ الصيامُ الطويلُ يَتبعهُ عيدُ الفطر، والحجُّ الأعظمُ وموسمُ العشرِ يَتبعهُ عيدُ الأضحى وأيامٌ مَعدوداتٌ سمَّاها الله في كتابه. نحنُ الآن نَعيشُ في ظِلالِ أيَّامٍ جليلة، أيَّامٍ قالَ عنها خَيرُ البَرِيَّة إنَّها من أعظمِ الأيَّام عند الله. إنَّنا في أيَّامِ التَّشريق.
واسمعوا معي لهذه الآية المحورية التي تضبط إيقاع هذه الأيام، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: 203]. الأيام المعدودات هنا، باتفاق المفسرين، هي أيام التشريق؛ الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. آيةٌ قصيرة، لكنها تحمل منهجَ حياة. لم يقل الله "افرحوا"، ولم يقل "استريحوا"، بل بدأ بالأمر الأعظم: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾. لماذا الذكر تحديداً في أيام العيد واللحم والفرح؟
يُجيبنا الصادق المصدوق ﷺ بحديثٍ يجمع بين متطلبات الجسد وأشواق الروح، حيث يقول: «أيامُ التَّشريقِ أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرٍ لله» (رواه مسلم).
تأملوا... هل رأيتم ديناً يجمع بين هذين النقيضين في الظاهر؟ الأكل والشرب نصيب البدن وحظ النفس، وذكر الله نصيب الروح وحظ القلب. لقد دمج الإسلام بينهما دمجاً عجيباً، ليخبرك أن متعتك في الدنيا لا تنفصل عن صلتك بخالقك. أنت تأكل لتتقوى، وتشرب لتشكر، وتفرح لتعترف بفضل المنعم.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في لطائف المعارف يستنبط من هذا الحديث سراً بديعاً: "إنما نُهي عن صيام أيام التشريق لأنها أعياد المسلمين... وهي أيام يستعان فيها بالأكل والشرب على ذكر الله وطاعته، وهذا من تمام شكر النعمة أن يُستعان بها على الطاعات".
أيها الإخوة الأحبة، عودوا معي بالزمان قليلاً، إلى مشعر منى في حجة الوداع. الحجاج متعبون من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة وطواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة. قد يظن الظان أن الوقت قد حان للراحة التامة والنوم العميق. لكن النبي ﷺ يرسل المنادين في فجاج منى، ينادون بأعلى أصواتهم: «لا يصومن أحد هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب» (رواه أحمد).
يا لرحمة هذا الدين! يأمرك أن تأكل، ويحرم عليك الصيام، لكنه في الوقت ذاته ينقلك إلى مستوى أعلى من الوعي. أنت ضيف الله في منى، وأنت ضيف الله في بيتك، تأكل من رزقه، وتذبح من بهيمته، فكيف تغفل عنه؟
ولكن، انظروا إلى حالنا اليوم. من منا لم يمر بهذا الموقف: نذبح الأضاحي، ونملأ الثلاجات باللحوم، وتجتمع العائلات على الموائد الممتدة، وتمر الساعات تلو الساعات... نأكل، ونشرب، ونضحك، ونقلب في هواتفنا، ونتسامر. لكن أين الشق الثالث من حديث النبي ﷺ؟ أين «وذكر لله»؟
لقد حول الكثير منا أيام التشريق إلى أيام "أكل وشرب" وفقط! سقط الذكر من المعادلة. نسينا التكبير بعد الصلوات، وغفلنا عن حمد الله بعد الشبع، وصارت أعيادنا كأعياد أهل الغفلة، تفريغ للشهوات دون استحضار للمنعم. وهذا والله من الخسران المبين.
يقول ربنا جل وعلا محذراً من هذا الصنف الذي يقف عند حدود متعته الدنيوية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [سورة البقرة: 200].
فأين نحن من تكبير الصحابة؟ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد، فيُكبرون، ويُكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً! كانوا يعلمون أن هذه الأيام هي القمة. يقول النبي ﷺ في تعظيم شأن هذه الأيام التي نستهين بها: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» (رواه أبو داود). ويوم القر هو اليوم الحادي عشر، أول أيام التشريق، سمي بذلك لأن الحجاج يقرون ويستقرون فيه بمنى.
وإذا كانت أيام التشريق أيام ذبح الأضاحي للذين لم يذبحوا في يوم النحر، فإن وراء هذا الدم المسفوح واللحم الموزع سراً عظيماً. يقول الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج: 32].
وليس المقصد من إراقة الدماء مجرد إطعام البطون الجائعة، بل المقصد الأسمى ما صرحت به الآية الأخرى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [سورة الحج: 37].
تأملوا... اللحم يذهب إلى بطون الفقراء والأقارب، والدم يغور في الأرض، فما الذي يصعد إلى السماء؟ الذي يصعد هو التقوى. هو ذلك الشعور بالانكسار والتسليم حين تُمرر السكين على رقبة الأضحية قائلاً: "بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك". هذا التوحيد الصافي هو ما يناله الله منك.
قرر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم "الوابل الصيب" قاعدة ذهبية حين قال: "إن روح الأعمال كلها هو ذكر الله، فإذا خلا العمل من الذكر كان كالجسد الميت الذي لا روح فيه".
فالصلاة التي لا خشوع فيها ولا ذكر لله حقيقي، ميتة. والأضحية التي لا يُذكر اسم الله عليها ميتة، بل محرمة. والعيد الذي يخلو من التكبير والتهليل والتحميد، عيد ميت! ولذلك قال الصادق المصدوق ﷺ: «مَثَلُ الذي يَذكُرُ ربَّه والذي لا يَذكُرُه، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّت» (رواه البخاري).
فيا من أحييت جسدك بلحوم الأضاحي وموائد العيد، ألا تحيي روحك بذكر الله؟
كيف نذكر الله في هذه الأيام؟ الذكر هنا ليس كلمة تقال باللسان والقلب ساهٍ، بل هو وعي كامل بفضل الله.
أول أشكاله: التكبير المقيد أدبار الصلوات المكتوبات، والتكبير المطلق في البيوت والطرقات والأسواق.
وثاني أشكاله: التسمية عند الأكل، والحمد بعده. واسمعوا إلى هذا العطاء الرباني المجاني المذهل! قال النبي ﷺ: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (رواه مسلم).
تأكل وتشبع وتتلذذ، ثم تقول من قلبك: "الحمد لله"، فيرضى عنك خالق السماوات والأرض! أي كرم هذا؟ وأي دين هذا الذي يجعل طريقك إلى رضوان الله يمر عبر مائدة طعامك إن كنت من الشاكرين؟
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول كلمة تكتب بماء الذهب: "إن من علامة قبول الحسنة، الحسنة بعدها". فإن كنت قد اجتهدت في عشر ذي الحجة، وصمت يوم عرفة، وذُقت حلاوة المناجاة، فلا تقطع الحبل في أيام التشريق. لا تجعل الشيطان يسرق منك ثمرة اجتهادك بمجرد انقضاء يوم النحر.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [سورة التوبة: 105].
العمل مستمر، والطاعة لا تنقضي. والمؤمن يتقلب في مواسم الطاعات كمن ينتقل من روضة إلى روضة، يجمع الأزهار والثمار، ويزداد قرباً من مولاه جل وعلا.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [سورة طه: 130].
اجعلوا هذه الأيام شاهدة لكم لا عليكم، وعمروها بالباقيات الصالحات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أمّا بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن منزلة أيام التشريق العظيمة، وكيف جمع الله لنا فيها بين نعيم البدن بالأكل والشرب ونعيم الروح بالذكر، وكيف كانت هذه الأيام ميداناً لتعظيم الشعائر وتقوى القلوب، وحذرنا من الغفلة فيها وتحويلها إلى أعياد جسدية خالية من الروح. والآن، نحن أمام السؤال الأهم: ماذا نصنع بما بقي من هذه الأيام المباركة؟ كيف نترجم هذا الفهم إلى واقع نمشيه على الأرض؟
أوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري، خذوها معكم إلى بيوتكم:
الأولى (قلبية): انوِ بأكلك وشربك وفرحك وراحتك في هذه الأيام التقوِّي على طاعة الله. لا تأكل لمجرد الشبع، بل انوِ أن تتقوى بهذا اللحم وهذا الطعام على الصلاة والعبادة والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: 7]. الشكر ليس باللسان فقط، بل بصرف النعمة في مرضاة المنعم.
الثانية (لسانية): لا يمرنَّ عليك اليوم ولا الغد إلا ولسانك يلهج بالتكبير. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. كبّر دبر كل صلاة مكتوبة (التكبير المقيد)، وكبر في بيتك وسيارتك ومجلسك. أحْيوا هذه السنة التي أماتها الكثيرون، فإن الملائكة تصلي على الذاكرين.
الثالثة (عملية فعلية): إياك أن تستخدم نِعم الله في أيام العيد لمعصيته. الغفلة وسماع المحرمات وتضييع الصلوات المكتوبات بحجة "السهر والإجازة" هو نقضٌ للغزل. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر: 99]. قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (متفق عليه).
الرابعة (اجتماعية): أيام التشريق أيام صلة وإطعام. تفقد جيرانك، صِل رحمك، وابدأ بمن قاطعك. خذ من لحم أضحيتك أو من طعام بيتك وأطعم مسكيناً لا يسأل الناس إلحافاً. قال ﷺ: «تهادوا تحابوا» (رواه البخاري في الأدب المفرد). وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [سورة النساء: 1]. لا تقطع من أمرك الله بصلته.
الخامسة (موضوعية مرتبطة بالختام): استودعوا هذه الأيام العظيمة بالتوبة والاستغفار. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من كان آخر عمله الاستغفار، طُبع عليه طابع القبول". اختموا أعمالكم الصالحة ومواسمكم الفاضلة بأن تستغفروا الله من التقصير فيها، فلا يدري أحدنا هل يعود عليه هذا الموسم أم يكون قد أودع الثرى!
فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي زادكم الذي لا يبلى، وهي لباسكم الذي لا يتمزق، وهي النور الذي تعبرون به الصراط يوم تزل الأقدام.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقول ربكم جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا في هذه الأيام المعدودات من الذاكرين لك كثيراً والذاكرات. اللهم لا تجعلنا من الغافلين الذين يأكلون ويشربون ولا يشكرون.
اللهم تقبل من الحجاج حجهم، ومن المضحين أضاحيهم، واجعلها خالصة لوجهك الكريم، وتقبل منا صالح أعمالنا.
اللهم أطعم جائع المسلمين، واكسُ عاريهم، وآمن خائفهم، واربط على قلوب المستضعفين والمظلومين والمكروبين من إخواننا في كل مكان.
اللهم اجعل لحوم أضاحينا وطعامنا قوةً لنا على طاعتك، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
اللهم اختم لنا مواسم الطاعات بالمغفرة والعتق من النيران، واجعلنا ممن شكرت سعيهم، وغفرت ذنبهم، ورفعت درجتهم.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.