من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

التوحيد في قراراتنا اليومية: لمن يتعلق القلب عند الخوف؟

مشاركة
🕌 التوحيد في قراراتنا اليومية: لمن يتعلق القلب عند الخوف؟ #خطبة_جمعة #التوحيد #الخوف_من_الله #اليقين #التوكل #عقيدة #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي بيدهِ ملكوتُ كلِّ شيءٍ وهو يُجيرُ ولا يُجارُ عليه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، المُعزُّ المُذلُّ، النَّافعُ الضَّارُّ، الذي لا يقعُ في كونِهِ إلا ما أراد، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، أصدقُ الناسِ توكلاً، وأعظمُهم يقيناً، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: يا عباد الله، نُردِّد جميعاً "لا إله إلا الله" في صلواتنا وأذكارنا، ونظنُّ أننا أتممنا التوحيد وبلغنا غايته. لكنَّ المعيار الحقيقي ليس في حركة المسبحة ولا في النطق باللسان، بل في تلك اللحظة الخاطفة التي يداهمك فيها الخوف على رزقك، أو صحتك، أو مستقبلك. في تلك اللحظة بالضبط، أين يلتفت قلبك أولاً؟ الجواب عن هذا السؤال لا يحدد فقط مدى طمأنينتك في هذه الدنيا المتلاطمة، بل يحدد حقيقة إيمانك الذي ستلقى به الله، وفيه نجاةٌ لا يعرفها إلا من أدرك سرَّ التعلق بالخالق دون المخلوق. أيها الإخوة الأحبة، تخيلوا معي مشهداً يتكرر في حياتنا كل يوم: إنسان تصيبه أزمة مفاجئة، مرض طارئ لا يُعرف علاجه، أو مدير يهدده بقطع رزقه في عمله، أو ظروف اقتصادية قاهرة تعصف بمدخراته. انظروا إلى عينيه في تلك اللحظة... انظروا إلى ارتباك يديه... إلى أين يتجه؟ بمن يتصل أولاً؟ من الذي يرجوه ويخافه في قرارة نفسه؟ في أوقات الرخاء، كلنا ندّعي التوكل. كلنا نقول بألسنتنا: "الأمر لله". ولكن حين تتلاطم الأمواج، وتشتد العواصف، وتتقطع الأسباب الأرضية... هنا يسقط الادعاء، ويظهر التوحيد الحقيقي. التوحيد ليس درساً نظرياً نحفظه لنمتحن فيه في المدارس، التوحيد هو النبض الذي يحرك قراراتنا اليومية، هو البوصلة التي توجه القلب حين يرتجف الجسد. يقول الله عز وجل في محكم التنزيل، في آية تقطع كل الحبال التي يتعلق بها الناس، لتبقي حبلاً واحداً لا ينقطع: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107]. تأملوا هذه الآية العظيمة! الله جل جلاله لم يقل "إن ينزل بك ضر"، بل قال: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ﴾، ومجرد المسّ هو أقل القليل من الضر. فإذا مسّك الله بضر، لو اجتمعت طواقم الأرض الطبية، ولو اجتمعت حكوماتها، ولو تداعت لك جيوشها وخبراؤها، فلن يكشفوه عنك إلا بإذنه! فكيف يتعلق القلب بعد هذا بغير من بيده مفاتيح الفرج؟ ولعلكم تسألون: لماذا نرتجف من المستقبل؟ لماذا تسيطر علينا الهواجس والمخاوف من الغد؟ لأننا في كثير من الأحيان نرى الأسباب، وننسى "مُسبِّب الأسباب". ننظر إلى يد المدير، وننسى يد الله التي تقلب قلب هذا المدير. ننظر إلى قوة العدو، وننسى قوة الجبار الذي يهيمن على هذا العدو. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلمةً تُكتب بماء الذهب: "فكل من خاف شيئاً غير الله، فذلك لنقص معرفته بالله". نعم، الجهل بالله هو الذي يولد الخوف من خلقه. لو عرفت أن الله هو "القهار"، هل ستخاف من مقهور؟ لو عرفت أن الله هو "الرزاق"، هل سترتجف أمام من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟ واسمعوا لهذه الكلمات التي أسس بها النبي ﷺ عقيدة التوحيد في قلب شاب يافع، ليكون جبلاً لا تهزه الرياح. التفت النبي ﷺ إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقال له: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح). هل بعد هذا البيان بيان؟ الأمة كلها... بجيوشها وأموالها وقوتها وتكنولوجياتها... لو اجتمعت لتضرك، لن تتجاوز نقطة حبرها الله في صحيفتك. فلماذا الخوف من البشر؟ ولماذا النفاق والتنازل عن المبادئ لإرضاء طين سيعود إلى طين؟ دعونا ننتقل الآن آلاف السنين إلى الوراء، إلى مشهد درامي محفور في ذاكرة الزمان، لنرى كيف يعمل التوحيد في لحظة الخوف القصوى. البحر الهائج أمواجاً من أمامهم... وفرعون بجيشه المدجج بالسلاح والحقد من خلفهم... بنو إسرائيل ينظرون يمنة ويسرة فلا يرون إلا الموت المحدق. الحسابات المادية الدنيوية تقول: انتهى الأمر. لذلك صرخوا كما يصرخ أي إنسان غاب التوحيد عن قلبه: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]. في تلك اللحظة التي تبلغ فيها القلوب الحناجر... ماذا قال موسى عليه السلام؟ هل انهار؟ هل استسلم؟ هل بدأ يبرر؟ ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]. "كلا"! كلمة واحدة نسفت كل حسابات الأرض، لأنها ارتبطت بخالق الأرض. القلب هنا لم يتعلق بالبحر لينشق، ولا بالسيف ليقاتل، القلب تعلق بـ "رب البحر" و"رب السيف". فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. غيّر الله قوانين الفيزياء كلها، وجمّد الماء السائل ليجعله كالجبل، من أجل قلبٍ توحّد خوفه ورجاؤه في الله وحده. أيها المسلمون، إن المخاوف في دنيانا المعاصرة تتشكل في صور شتى، ولعل أعظمها اليوم هو "الخوف على الرزق". كم من موظف اليوم يسكت عن باطل، أو يشارك في حرام، أو يظلم إنساناً، فقط لأنه يخاف على منصبه أو راتبه؟ كم من تاجر يغش في سلعته خوفاً من الكساد؟ لقد حذرنا الله من هذا الخوف الوهمي الذي يبثه الشيطان في القلوب، فقال جل وعلا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268]. كيف يعقل أن نصدق وعيد الشيطان ونكذب وعد الرحمن؟ كيف نصدق تقلبات الأسواق وتوقعات البشر، ونشك في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22-23]؟ أقسم الله بنفسه! أقسم بربوبيته للسماء والأرض أن رزقك حق كما أن نطقك حق. واسمعوا لهذا الحديث الذي يسكب الطمأنينة في قلب كل خائف على مستقبله. يقول الصادق المصدوق ﷺ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي، أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَها، وتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللهَ، وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ يَطْلُبَهُ بمَعْصِيَةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلَّا بِطاعَتِهِ» (رواه أبو نعيم وصححه الألباني). لن تموت حتى تأكل آخر حبة أرز كُتبت لك، وتشرب آخر قطرة ماء قُدرت لك. فلماذا نبيع ديننا، ونهين كرامتنا، ونذل أنفسنا لمن لا يملك رزق نفسه فضلاً عن رزقنا؟ وهنا نصل إلى الأمر الأخطر... الخوف من طغيان البشر وتسلطهم. كثير من الناس يصابون بالرعب إذا هددهم متنفذ، أو تسلط عليهم ظالم. يرتجفون وربما يتنازلون عن دينهم ودنياهم خوفاً من الأذى. ولكن المتوكل الذي امتلأ قلبه بالتوحيد يقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: 36]. تأملوا... ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾. كل من سوى الله هو "من دونه". فلماذا تخاف ممن هو دون الله، وأنت تعبد الله؟ لقد جسّد سلفنا الصالح هذا المعنى العظيم في مواقف تزلزل الجبال. هذا سعيد بن جبير رحمه الله، العالم الجليل، يقف مقيداً أمام الحجاج بن يوسف الثقفي، الطاغية الذي سفك دماء الآلاف وأرعب قلوب الرجال. يقف سعيد والجلاد خلفه، والسيف مسلط على رقبته. فيقول له الحجاج متوعداً: "لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى!". ماذا كانت إجابة التوحيد الخالص من قلب سعيد بن جبير؟ هل ارتجف؟ هل بكى؟ هل ترجاه؟ قال بكل هدوء وثبات: "لو علمتُ أن ذلك بيدك لاتخذتُك إلهاً!". يا لعظمة هذا اليقين! "لو علمت أن جنة الآخرة ونارها بيدك لعبدتك، لكنني أعلم أنك عبد مقهور لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً، فكيف أخافك؟". هكذا يصنع التوحيد بالقلوب. يحرر الإنسان من العبودية للمخلوق، ليكون حراً لا ينحني إلا للخالق. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "لو يئستَ من الخلق حتى لا تريد منهم شيئاً، لأعطاك مولاك كل ما تريد". وعندما نراقب اليوم أحوال الأمة، وما تعانيه من تسلط الأعداء والمنافقين، نرى كيف يبثون الخوف في قلوب المؤمنين عبر الإعلام والتهديدات. لكن الموحد الحق يتلو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]. الخوف الوهمي يزيد المنافقين رعباً، ولكنه يزيد المؤمنين إيماناً! لأنهم يعلمون أن قوى الأرض كلها تخضع لقول الله: "كن فيكون". ولعلكم تسألون: ماذا عن الخوف من المرض والموت؟ كم من إنسان تنهار أعصابه ويتحطم نفسياً عند سماعه لتشخيص طبي بمرض خطير. قلبه يتعلق بالطبيب، وبالدواء، وبالمستشفى، وينسى من خلق الطبيب وأودع السر في الدواء. الله سبحانه وتعالى يعلمنا بلسان إبراهيم عليه السلام أدب التوحيد في المرض: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. ويقول نبينا ﷺ: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء» (رواه البخاري). الموحد يأخذ بالأسباب، ويذهب للطبيب، ويشرب الدواء، لكن قلبه لا يلتفت إلى هذه الأسباب قيد أنملة! قلبه معلق بمُسبب الأسباب. يعلم أن الدواء لا يشفي بذاته، بل بإذن ربه. ويعلم أن المرض رسالة حب وتطهير، كما قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "والمؤمن يرى أن المنع من الله عطاء، وأن الابتلاء منه عافية". كل ما يأتيك من الحبيب حبيب. فإذا آمنت أن الله أرحم بك من أمك التي ولدتك، فكيف تخاف مما يقدره عليك؟ عباد الله، إننا نعيش في عصر تُباع فيه المخاوف. الإعلام يبيعك الخوف من الأزمات الاقتصادية. الشركات تبيعك الخوف من المرض لتشتري منتجاتها. الأعداء يبيعونك الخوف من الحرب لتستسلم. ولا عاصم اليوم من طوفان الخوف إلا سفينة التوحيد. أن تفر من الخوف من المخلوقين، إلى الخوف من الخالق وحده. قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 50]. الفرار إلى الله هو الملجأ الوحيد. من خاف من الله أخاف منه كل شيء، ومن خاف من كل شيء لم يخف من الله. فراجع قلبك اليوم، واسأل نفسك بصدق: لمن ألتفت عند الفزع الأول؟ هل قلبي معلق بالراتب أم برب الراتب؟ بالطبيب أم برب الطبيب؟ بالبشر أم برب البشر؟ [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمّا بعد: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن حقيقة التوحيد عند الأزمات، وكيف أن الخوف يكشف أين يتعلق القلب حقاً. ووقفنا مع يقين موسى عليه السلام، وثبات سلفنا الصالح، وكيف أن من عرف الله حق المعرفة لم يخف سواه أبداً، وأدرك أن الأسباب كلها بيد مسببها. والآن، بقي السؤال الأهم: كيف نترجم هذا التوحيد إلى واقع نعيشه يومياً؟ كيف ندرب قلوبنا على هذا اليقين العظيم؟ أوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري، خذوها عهداً في حياتكم: الأولى (قلبية): جدِّد ثقتك بالله عند الصدمة الأولى. إذا تلقيت خبراً سيئاً، أو خسرت مالاً، أو أُصبت بمرض... قبل أن تتصل بالبشر وقبل أن تشتكي للناس، ارفع بصرك إلى السماء وقل بقلبك: "أنا راضٍ يا رب، فاكفني شرها". فقد قال النبي ﷺ: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». التوحيد الحقيقي يظهر في الثواني الأولى من الأزمة، فاجعل أول رد فعل لك هو اللجوء إلى الله. الثانية (لسانية): أكثر من قول "حسبنا الله ونعم الوكيل" بيقين وفهم لمعناها. هذه ليست مجرد كلمة تقال باللسان، بل هي تفويض مطلق لرب الأكوان. تذكروا ما حدث للصحابة حين قالوها في أحلك الظروف؟ ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174]. اجعلها سلاحك اليومي ضد كل هم وخوف. الثالثة (عملية): إذا دهمك الخوف والهم، افزع إلى الصلاة فوراً. لا تبقَ جالساً تفكر وتغتم. قم فتوضأ وصلِّ ركعتين. هكذا كان يفعل نبيكم ﷺ، فقد كان «إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزَعَ إلى الصلاة». السجود لله هو أعظم تفريغ لشحنات الخوف، لأنك تضع أثقل ما في رأسك على الأرض، وتهمس في أذن الأرض فيسمعك رب السماء. الرابعة (اجتماعية): لا تعلق قلبك برضا الناس ولا تخف من سخطهم إن كنت على الحق. عامل الناس بالإحسان، ولكن لا تجعلهم آلهة تُعبد من دون الله خوفاً وطمعاً. تذكر قول النبي ﷺ: «من التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (رواه الترمذي). الخامسة (موضوعية): قاطعوا مصادر الخوف الوهمي والإرجاف. في زماننا هذا، وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار لا تبث إلا الرعب والقلق والمقارنات التي تكسر القلوب وتضعف اليقين. حصّن قلبك بالقرآن بدلاً من تصفح أخبار المصائب في كل دقيقة. من ملأ قلبه بكلام الله، لم يجد الشيطان مكاناً ليزرع فيه الخوف. فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم إليه راجعون، وأن كل ما تخافون منه في دنياتكم زائل، ولا يبقى إلا وجه ربكم ذو الجلال والإكرام. ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، فقد قال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم إنا نسألك إيماناً يباشر قلوبنا، ويقيناً صادقاً حتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت لنا، ورضا بما قسمت لنا. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. اللهم حرر قلوبنا من الخوف إلا منك، ومن الرجاء إلا فيك، ومن التوكل إلا عليك. اللهم اجعلنا ممن إذا خاف لجأ إليك، وإذا حزن شكى إليك، وإذا ضاقت به السبل لم يطرق باباً غير بابك. اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وانصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان، يا رب العالمين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.