من مكتبة مِداد الخطيب

تَدَبُّرُ سُورَةِ الفَاتِحَةِ وَأَسرَارِهَا الإِيمَانِيَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَعَانِي أَعظَمِ سُورَةٍ فِي القُرآنِ مَعَ بَيَانِ حُكمِ التَّأَخُّرِ المُتَكَرِّرِ عَن خُطبَةِ الجُمُعَةِ

مشاركة
تَدَبُّرُ سُورَةِ الفَاتِحَةِ وَأَسرَارِهَا الإِيمَانِيَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَعَانِي أَعظَمِ سُورَةٍ فِي القُرآنِ مَعَ بَيَانِ حُكمِ التَّأَخُّرِ المُتَكَرِّرِ عَن خُطبَةِ الجُمُعَةِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، الرَّحمَنِ الرَّحِيم، مَالِكِ يَومِ الدِّين، الَّذِي افتَتَحَ بِحَمدِهِ وَثَنَائِهِ وَمَجدِهِ كِتَابَهُ المُبِين، وَمَنَّ عَلَى نَبِيِّهِ وَأُمَّتِهِ بِالسَّبعِ المَثَانِي وَالقُرآنِ العَظِيم، وَجَعَلَ سُورَةَ الفَاتِحَةِ مِفتَاحًا لِلصَّلَاةِ وَمُنَاجَاةً يَومِيَّةً بَينَهُ وَبَينَ عِبَادِهِ المُؤمِنِين، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، إِيَّاهُ نَعبُدُ مُخلِصِين، وَبِهِ وَحدَهُ نَستَعِينُ مُتَوَكِّلِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، إِمَامُ الخَاشِعِينَ المُتَدَبِّرِين، وَقُدوَةُ المُبَكِّرِينَ إِلَى الجُمَعِ وَالجَمَاعَاتِ فِي كُلِّ حِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ نُورُ البَصَائِرِ عِندَ تَدَبُّرِ الآيَات، وَحَادِي الهِمَمِ إِلَى المُسَارَعَةِ فِي الخَيرَات، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: هُنَاكَ سُورَةٌ عَظِيمَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، لَا تَصِحُّ صَلَاةُ عَبدٍ فَرِيضَةً كَانَت أَو نَافِلَةً إِلَّا بِقِرَاءَتِهَا، يُرَدِّدُهَا المُسلِمُ فِي فَرَائِضِهِ وَحدَهَا سَبعَ عَشرَةَ مَرَّةً فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَة؛ إِنَّهَا أُمُّ القُرآنِ، وَأُمُّ الكِتَابِ، وَالسَّبعُ المَثَانِي، وَالشَّافِيَةُ، وَالكَافِيَةُ، وَالرُّقيَةُ؛ إِنَّهَا «سُورَةُ الفَاتِحَةِ»! أَتَدرُونَ يَا عِبَادَ اللهِ مَا مَنزِلَةُ هَذِهِ السُّورَةِ عِندَ اللهِ تَعَالَى؟ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي سَعِيدِ بنِ المُعَلَّى رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعظَمُ السُّوَرِ فِي القُرآنِ قَبلَ أَن تَخرُجَ مِنَ المَسجِدِ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَخرُجَ قَالَ لَهُ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هِيَ السَّبعُ المَثَانِي، وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ!». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «بَينَمَا جِبرِيلُ قَاعِدٌ عِندَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوقِهِ -أَي صَوتَ فَتحِ بَابٍ عَظِيمٍ- فَرَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَومَ لَم يُفتَحْ قَطُّ إِلَّا اليَومَ، فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرضِ لَم يَنزِلْ قَطُّ إِلَّا اليَومَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبشِرْ بِنُورَينِ أُوتِيتَهُمَا لَم يُؤتَهُمَا نَبِيٌّ قَبلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَن تَقرَأَ بِحَرفٍ مِنهُمَا إِلَّا أُعطِيتَهُ!». وَلَكِنْ يَا عِبَادَ اللهِ، كَم مِن مُصَلٍّ يَقرَأُ الفَاتِحَةَ بِلِسَانِهِ هَذًّا سَرِيعًا، وَقَلبُهُ غَافِلٌ عَن أَسرَارِهَا، ذَاهِلٌ عَن أَنَّ رَبَّ العَالَمِينَ جَلَّ جَلَالُهُ يُجِيبُهُ مِن فَوقِ عَرشِهِ عَن كُلِّ آيَةٍ يَقرَؤُهَا جُملَةً بَعدَ جُملَة! استَحضِرُوا بِقُلُوبِكُم ذَلِكَ الحَدِيثَ القُدسِيَّ الجَلِيلَ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمتُ الصَّلَاةَ بَينِي وَبَينَ عَبدِي نِصفَينِ، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ؛ فَإِذَا قَالَ العَبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثنَى عَلَيَّ عَبدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: هَذَا بَينِي وَبَينَ عَبدِي، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦-٧]، قَالَ: هَذَا لِعَبدِي وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ!». اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ الله! أَيُّ حِوَارٍ مَهِيبٍ يَدُورُ فِي كُلِّ رَكعَةٍ بَينَكَ وَبَينَ مَلِكِ المُلُوكِ سُبحَانَه! فَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَقِفُونَ عِندَ كُلِّ آيَةٍ مِن آيَاتِ الفَاتِحَةِ كَأَنَّهُم يَسمَعُونَ جَوَابَ اللهِ تَعَالَى لَهُم فَتَذرِفُ عُيُونُهُم وَتَخشَعُ قُلُوبُهُم! تَعَالَوا بِنَا نَتَدَبَّرْ أَسرَارَ هَذِهِ الآيَاتِ السَّبعِ العِظَامِ كَمَا جَلَّاهَا أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ وَعَلَى رَأسِهِمُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ»: حِينَ تَفتَتِحُ السُّورَةَ بِقَولِكَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢-٤]، فَإِنَّكَ تُقِيمُ فِي قَلبِكَ أَركَانَ العِبَادَةِ الثَّلَاثَةَ الَّتِي يَطِيرُ بِهَا القَلبُ إِلَى الله: فَقَولُكَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَملَأُ قَلبَكَ بِـ«المَحَبَّةِ للهِ»؛ لِأَنَّهُ رَبُّكَ الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَرَبَّاكَ بِالنِّعَمِ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة، وَالنُّفُوسُ مَجبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَن أَحسَنَ إِلَيهَا! وَقَولُكَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَملَأُ قَلبَكَ بِـ«الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ فِي فَضلِ اللهِ»؛ فَإِنَّهُ ذُو الرَّحمَةِ الوَاسِعَةِ الَّتِي شَمِلَت كُلَّ شَيءٍ، فَلَا يَقنَطُ مُذنِبٌ مِن مَغفِرَتِه! وَقَولُكَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَملَأُ قَلبَكَ بِـ«الخَوفِ وَالوَجَلِ وَالهَيبَةِ»؛ لِأَنَّهُ المَلِكُ المُتَفَرِّدُ بِالحُكمِ وَالجَزَاءِ يَومَ القِيَامَةِ، يَومَ لَا تَملِكُ نَفسٌ لِنَفسٍ شَيئًا وَالأَمرُ يَومَئِذٍ للهِ! فَبِالمَحَبَّةِ وَالرَّجَاءِ وَالخَوفِ يَعتَدِلُ سَيرُ المُؤمِنِ إِلَى رَبِّه. فَإِذَا امتلَأَ القَلبُ بِثَنَاءِ اللهِ وَتَمجِيدِهِ، نَطَقَ اللِّسَانُ بِقُطبِ رَحَى الفَاتِحَةِ وَسِرِّ القُرآنِ كُلِّهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]! تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ تَقدِيمَ المَعمُولِ «إِيَّاكَ» مَرَّتَينِ؛ إِنَّهُ يَعنِي الحَصرَ وَالِاختِصَاصَ؛ أَي: لَا نَعبُدُ أَحَدًا سِوَاكَ يَا رَبَّنَا، وَلَا نَستَعِينُ عَلَى عِبَادَتِكَ وَأُمُورِنَا بِأَحَدٍ سِوَاك! فَفِي قَولِكَ: «إِيَّاكَ نَعبُدُ» بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّركِ وَالرِّيَاءِ، وَفِي قَولِكَ: «وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ» بَرَاءَةٌ مِنَ الكِبرِ وَالعُجبِ وَالِاعتِمَادِ عَلَى النَّفس؛ فَلَا قُدرَةَ لَنَا عَلَى رَكعَةٍ وَلَا سَجدَةٍ وَلَا طَاعَةٍ إِلَّا إِذَا أَعَنتَنَا عَلَيهَا يَا رَبَّ العَالَمِين! ثُمَّ يَأتِي أَعظَمُ دُعَاءٍ يَسأَلُهُ العَبدُ رَبَّهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. لِمَاذَا نَسأَلُ اللهَ الهِدَايَةَ فِي كُلِّ رَكعَةٍ وَنَحنُ مُسلِمُونَ مُهتَدُونَ؟ لِأَنَّ حَاجَتَنَا إِلَى الهِدَايَةِ أَعظَمُ مِن حَاجَتِنَا إِلَى النَّفَسِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَاب! فَنَحنُ نَحتَاجُ فِي كُلِّ لَحظَةٍ إِلَى هِدَايَةِ العِلمِ بِالحَقِّ فِيمَا نَجهَلُهُ، وَهِدَايَةِ التَّوفِيقِ لِلعَمَلِ بِمَا عَلِمنَاهُ، وَهِدَايَةِ الثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ حَتَّى المَمَات! وَمَن هُم أَهلُ هَذَا الصِّرَاطِ؟ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ «العِلمِ النَّافِعِ» وَ«العَمَلِ الصَّالِحِ»؛ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]؛ فَالمَغضُوبُ عَلَيهِم هُم كُلُّ مَن عَلِمَ الحَقَّ فَتَرَكَ العَمَلَ بِهِ عِنَادًا وَهُوًى كَاليَهُودِ وَمَن شَابَهَهُم مِن عُلَمَاءِ السُّوءِ وَالمُفَرِّطِينَ فِي الفَرَائِضِ عَن عِلمٍ، وَالضَّالُّونَ هُم كُلُّ مَن عَبَدَ اللهَ عَلَى جَهلٍ وَبِدعَةٍ بِلَا عِلمٍ كَالنَّصَارَى وَمَن شَابَهَهُم! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن صِدقِ تَدَبُّرِنَا لِقَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفَاتِحَة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ۝ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٥-٦]، أَن نُعَظِّمَ شَعَائِرَ اللهِ، وَأَن نَحرِصَ أَشَدَّ الحِرصِ عَلَى أَعظَمِ مَجمَعٍ أُسبُوعِيٍّ لِلمُسلِمِينَ؛ وَهُوَ «صَلَاةُ الجُمُعَةِ وَخُطبَتُهَا»! وَهُنَا يَا عِبَادَ اللهِ، لَا بُدَّ مِن وَقفَةِ نُصحٍ صَرِيحَةٍ، وَبَيَانٍ شَرعِيٍّ وَاضِحٍ، حَولَ ظَاهِرَةٍ مُؤلِمَةٍ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ أُسبُوعٍ؛ وَهِيَ حَالُ «مَن يَتَكَرَّرُ تَأَخُّرُهُ عَن حُضُورِ خُطبَةِ الجُمُعَةِ كُلَّ جُمُعَةٍ»؛ فَلَا يَأتِي إِلَّا وَالخَطِيبُ فِي آخرِ الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ، أَو لَا يَدخُلُ المَسجِدَ إِلَّا عِندَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، أَو وَالإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ! فَمَا حُكمُ هَذَا التَّأَخُّرِ المُتَكَرِّرِ فِي مِيزَانِ الشَّرعِ الحَكِيم؟ أَوَّلًا: إِنَّ حُضُورَ خُطبَةِ الجُمُعَةِ وَالِاستِمَاعَ إِلَيهَا «وَاجِبٌ شَرعِيٌّ» وَلَيسَ نَافِلَةً يُتَخَيَّرُ فِيهَا المَرءُ! قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. قَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ وَجُمهُورُ المَفَسِّرِينَ وَالفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ: «ذِكرُ اللهِ المَأمُورُ بِالسَّعيِ إِلَيهِ فِي الآيَةِ هُوَ خُطبَةُ الإِمَامِ وَالصَّلَاةُ مَعًا!». وَمِن هُنَا قَرَّرَ عُلَمَاءُ الإِسلَامِ أَنَّ مَن تَعَمَّدَ التَّأَخُّرَ عَنِ السَّعيِ إِلَى الجُمُعَةِ بَعدَ النِّدَاءِ الثَّانِي -أَي عِندَ دُخُولِ الخَطِيبِ- مِن غَيرِ عُذرٍ شَرعِيٍّ، فَهُوَ «آثِمٌ عَاصٍ للهِ تَعَالَى»، وَتَزدَادُ مَعصِيَتُهُ وَإِثمُهُ إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ عَادَةً مُستَمِرَّةً لَهُ فِي كُلِّ جُمُعَة! ثَانِيًا: إِنَّ المُتَأَخِّرَ بَعدَ صُعُودِ الخَطِيبِ المِنبَرَ مَحرُومٌ مِن تَسجِيلِ اسْمِهِ فِي صَحَائِفِ المَلَائِكَة! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسجِدِ يَكتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ -أَيِ المُبَكِّرِ- كَمَثَلِ الَّذِي يُهدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوا صُحُفَهُم وَيَستَمِعُونَ الذِّكرَ!». فَيَا حَسرَةَ مَن تَمضِي عَلَيهِ الجُمَعُ وَالشُّهُورُ وَالأَعوَامُ، وَتُرفَعُ صُحُفُ المَلَائِكَةِ إِلَى اللهِ كُلَّ أُسبُوعٍ وَلَيسَ لِاسْمِهِ فِيهَا ذِكرٌ لِأَنَّهُ لَا يَأتِي إِلَّا بَعدَ طَيِّ الصُّحُف! ثَالِثًا: إِنَّ التَّعَوُّدَ عَلَى التَّأَخُّرِ عَنِ الجُمَعِ وَالصُّفُوفِ الأُوَلِ يُعَرِّضُ صَاحِبَهُ لِعُقُوبَةِ «التَّأخِيرِ الإِلَهِيِّ»! اسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى هَذَا الوَعِيدِ النَّبَوِيِّ المُخِيفِ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَزَالُ قَومٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ!». وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ قَومٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ فِي النَّارِ!». يَتَأَخَّرُ العَبدُ عَن مَرضَاةِ اللهِ وَتَعظِيمِ شَعَائِرِهِ، فَيُعَاقِبُهُ اللهُ بِتَأخِيرِ قَلبِهِ عَنِ الخَيرِ، وَتَأخِيرِهِ عَنِ الفَضْلِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَة! رَابِعًا: لِيَعلَمِ المُتَأَخِّرُ الحُكمَ الفِقهِيَّ الفَاصِلَ فِي إِدرَاكِ صَلَاةِ الجُمُعَة: مَن جَاءَ مُتَأَخِّرًا فَأَدرَكَ مَعَ الإِمَامِ رَكعَةً كَامِلَةً -بِأَن أَدرَكَ الرُّكُوعَ مِنَ الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الإِمَامِ- فَقَد أَدرَكَ صَلَاةَ الجُمُعَةِ فَيُضِيفُ إِلَيهَا رَكعَةً أُخرَى بَعدَ سَلَامِ الإِمَامِ، لِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ: «مَن أَدرَكَ رَكعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَد أَدرَكَ الصَّلَاةَ»، وَلكِنَّهُ مَعَ صِحَّةِ جُمُعَتِهِ يَبُوءُ بِإِثمِ تَفوِيتِ الخُطبَةِ الوَاجِبَةِ إِن لَم يَكُنْ لَهُ عُذر! أَمَّا مَن تَأَخَّرَ حَتَّى رَفَعَ الإِمَامُ رَأسَهُ مِن رُكُوعِ الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَد «فَاتَتهُ صَلَاةُ الجُمُعَةِ بِالكُلِّيَّةِ» بَاتِّفَاقِ المَذَاهِبِ الأَربَعَة، فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يُتِمَّهَا ظُهرًا أَربَعَ رَكَعَاتٍ، وَإِن تَكَرَّرَ مِنهُ تَفوِيتُ الجُمُعَةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلًا دَخَلَ تَحتَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيح: «مَن تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلبِهِ!». وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ جَمَعَ بَينَ نُورِ الفَاتِحَةِ وَشَرَفِ التَّبكِيرِ إِلَى الجُمُعَة: بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ يَطِيبُ قَلبِي ... وَفِي آيَاتِهَا أُنسُ المُنَاجِي فَبَكِّرْ لِلصَّلَاةِ بِيَومِ عِيدٍ ... تَنَلْ أَجرَ المُهَجِّرِ ذِي الرَّوَاجِ وَحَاذِرْ أَن تَجِيءَ وَقَد طَوَوا مَا ... بِهِ الصُّحُفُ الكِرَامُ مِنَ ابتِهَاجِ فَبَادِرُوا عِبَادَ اللهِ إِلَى التَّبكِيرِ لِبُيُوتِ اللهِ يَومَ الجُمُعَةِ، وَاستَمِعُوا الخُطبَةَ بِقُلُوبٍ حَاضِرَةٍ، وَاقرَؤُوا الفَاتِحَةَ فِي صَلَوَاتِكُم قِرَاءَةَ المُتَدَبِّرِ المُوقِنِ أَنَّ اللهَ يُجِيبُه. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ ارزُقنَا تِلَاوَةَ كِتَابِكَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ عَنَّا، وَافْتَحْ لَنَا فِي فَهمِ القُرآنِ وَتَدَبُّرِ الفَاتِحَةِ فُتُوحَ العَارِفِين. اللَّهُمَّ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين، غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلَا الضَّالِّين. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى تَعظِيمِ شَعَائِرِكَ، وَالتَّبكِيرِ إِلَى الجُمَعِ وَالجَمَاعَاتِ، وَأَعِذنَا مِنَ الكَسَلِ وَالغَفلَةِ وَالحِرمَان. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.