🕌 صَيحةُ العذاب... قِصَّةُ أُمَّةٍ اغتَرَّت بقُوَّتِها
#خطبة_جمعة #قصص_الأنبياء #قوم_صالح #ثمود #الاعتبار #عقيدة
الحمدُ للهِ الذي قَصَّ علينا أحسَنَ القَصَصِ لِنَعتَبِر، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ في مَصارعِ الغابرينَ عِظَةً لِمَن تَدَبَّر، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، حَذَّرَ أُمَّتَهُ من سُبُل الهالكين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أُمَّةٌ نَحَتَتِ الجِبالَ، وشَيَّدَت القُصورَ، وظَنَّت أنَّها مَلَكَت أسبابَ البَقاءِ والخُلود. ثمَّ في لَحظةٍ واحدة... صَيحةٌ واحدةٌ من السَّماءِ جَعَلَتهُم كأن لم يَغنَوا فيها. ما الذي جَرَّ عليهم هذا الهَلاك؟ وكيفَ تَحَوَّلَت حَضارَتُهُم إلى أثَرٍ بَعدَ عَين؟ القصَّةُ ليست للتَّسليَةِ؛ بل لِنَرى فيها صُورَةً مُصَغَّرَةً لِما قَد يَحدُثُ لأيِّ إنسانٍ يَغتَرُّ بقُوَّتِه وينسى خالِقَه.
أيُّها المسلمون، في طريقِ النَّبيِّ ﷺ إلى تَبوك، مَرَّ الجَيشُ الإسلاميُّ مَعَهُ على وادٍ مُوحِشٍ، فيهِ جِبالٌ مَنحوتَةٌ، وبُيوتٌ فارِغَةٌ تَسكُنُها الرِّياح. إنَّها "الحِجر" — ديارُ ثَمود. هُنا، وقَفَ النَّبيُّ ﷺ مَوقِفاً عَجيباً. لم يَقِف لِيَتَأمَّلَ جَمالَ العِمارَة، ولم يَسمَح لِلصَّحابَةِ بِالتَّجَوُّلِ لِلتَّفَرُّج! بل قَنَّعَ رَأسَهُ، وأسرَعَ راحِلَتَهُ، وقالَ كَلِمَةً تَهُزُّ القُلوب: «لا تَدخُلوا مساكِنَ الذينَ ظَلَموا أنفُسَهُم إلَّا أن تَكونوا باكينَ، أن يُصيبَكُم ما أصابَهُم».
تَأمَّلوا! مَكانٌ نَزَلَ فيهِ الغَضَبُ قَبلَ آلافِ السِّنين، لا يَزالُ النَّبيُّ ﷺ يَخافُ أثَرَهُ المُهلِكَ بَعدَ تِلكَ القُرون. فما هي قِصَّةُ هؤلاءِ القَوم؟ ولِماذا استَحَقُّوا هذا الدَّمارَ المُخيف؟
إخوَتي، نَحنُ أمامَ قِصَّةِ أُمَّةٍ ابتَلاها اللهُ بِالنِّعمَةِ قَبلَ النِّقمَة. أُمَّةُ ثَمود، قَومٌ آتاهُم اللهُ قُوَّةً في الأجسادِ، وبَراعَةً في العُمرانِ. يَقولُ اللهُ تَعالى واصِفاً حالَهُم: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: 82]. تَخَيَّلوا القُوَّة! لم يَبنوا بُيوتَهُم من طينٍ قَد يَنهار، ولا مِن خَشَبٍ قَد يَحتَرِق؛ بل نَحَتوا الجِبالَ الصَّخرِيَّةَ الصَّمَّاء. وكانوا يَشعُرونَ بِـ"الأمانِ" المُطلَق. مَن ذا الذي يُسقِطُ جَبَلاً؟ مَن ذا الذي يُدَمِّرُ صَخراً؟
وهُنا المَوقِفُ الأوَّلُ لِلاعتبار: فِتنَةُ القُوَّةِ والاغتِرارِ بِالأسباب. حينَ يَظُنُّ الإنسانُ أنَّ مالَهُ، أو مَنصِبَهُ، أو ذَكاءَهُ، أو حَصانَتَهُ تَحميهِ مِن قَدَرِ الله. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "مَنِ اعتَمَدَ على قُوَّتِهِ خَذَلَهُ الله، ومَنِ اعتَمَدَ على عِلمِهِ ضَلَّ، ومَن يَرى أنَّهُ في حِصنٍ مَنيعٍ مِن أسبابِ الدُّنيا، أتاهُ الهَلاكُ مِن مَأمَنِه". وهذا ما حَدَثَ لِثَمود؛ جَعَلوا الجِبالَ حُصوناً، فأتاهُمُ العَذابُ مِنَ السَّماءِ الَّتي لا يَحجُبُها صَخر!
ولَمَّا طَغَوا، أرسَلَ اللهُ إلَيهِم نَبِيَّهُ صالِحاً عَلَيهِ السَّلام. دَعاهُم بِالحُسنَى، ذَكَّرَهُم بِنِعَمِ الله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 74].
لكنَّهُم طَلَبوا مُعجِزَةً ماديَّة. طَلَبوا أن تُخرِجَ لَهُم صَخرَةٌ صَمَّاءُ ناقَةً عُشَراءَ بِصِفاتٍ مُحَدَّدَة. واستَجابَ اللهُ — سُبحانَهُ — لِطَلَبِهِم، لِيُقيمَ الحُجَّة. خَرَجَتِ النَّاقَةُ! مُعجِزَةٌ تَمشي على الأرض. ﴿هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 73].
عبادَ الله، لِنَقِف هُنا قَليلاً. لماذا جَعَلَ اللهُ النَّاقَةَ اختِباراً؟
النَّاقَةُ لم تَكُن مُجَرَّدَ مُعجِزَة؛ بل كانَت "حَدّاً". قَسَمَ صالِحٌ مِياهَ القَريَةِ بَينَهُم وبَينَ النَّاقَة: ﴿قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155]. يَومٌ يَشرَبونَ هُم، ويَومٌ تَشرَبُ النَّاقَة. كانَ هَذا تَرويضاً لِنُفوسِهِمُ المُستَكبِرَة! الأُمَّةُ الَّتي تَنحِتُ الجِبالَ وتَمتَلِكُ كُلَّ شَيء، تُؤمَرُ الآنَ أن تَتَنازَلَ عَن مائِها يَوماً كامِلاً لِناقَة.
ألَيسَ هَذا حُكمَ اللهِ مَعَنا في كُلِّ زَمان؟ يَرزُقُكَ اللهُ المالَ، ثُمَّ يَقولُ لَكَ: هَذا الجُزءُ (الزَّكاة) لَيسَ لَك! يُعطيكَ العُمرَ، ثُمَّ يَقولُ لَكَ: هَذِهِ الدَّقائِقُ لِلصَّلاةِ لَيسَت لِعَمَلِك! يُعطيكَ البَصَرَ، ثُمَّ يَقولُ لَكَ: غُضَّهُ عَن هَذِهِ المُحَرَّمات! إنَّها اختِبارُ التَّسليم. هَل أنتَ عَبدٌ لِله، أم عَبدٌ لِهَواكَ ومُلكِك؟
وماذا فَعَلَت ثَمود؟ استَكبَروا. لَم يَحتَمِلوا أن يُقَيِّدَ دِينُ اللهِ حُرِّيَّتَهُم المُطلَقَة في الأرض. فَاجتَمَعوا على شَرٍّ عَظيم. ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48]. تِسعَةُ رِجالٍ مِن سادَةِ القَوم، اتَّفَقوا على قَتلِ النَّاقَة!
واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ العَظيم، يَقُولُ النَّبيُّ ﷺ في وَصفِ الرَّجُلِ الَّذي باشَرَ قَتلَ النَّاقَة: «انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ، مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيه]. رَجُلٌ ذو نُفوذٍ وقُوَّة، اسمُهُ قِدارُ بنُ سالِف، هُوَ الَّذي تَوَلَّى الكِبر، فَضَرَبَ النَّاقَةَ وعَقَرَها. ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65].
هُنا وقفةٌ أُخرى مُخيفَة. الَّذي عَقَرَ النَّاقَةَ رَجُلٌ واحِد! لَكِنَّ اللهَ تَعالى يَقول: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ (بِصيغَةِ الجَمع). لِماذا؟ قالَ ابنُ كَثيرٍ رَحِمَهُ الله: "لِأنَّهُم رَضُوا كُلُّهُم بِصَنيعِهِ، فكانوا شُرَكاءَ في الإثم". يا لَها مِن مُصيبَة! الأُمَّةُ كُلُّها استَحَقَّتِ العَذاب، لَيسَ لِأنَّهُم كُلُّهُم حَمَلوا السَّيف؛ بَل لِأنَّهُم رَضُوا وسَكَتوا وشَجَّعوا. المُشارَكَةُ بِالرِّضا والمُمالَأَةِ جَريمَةٌ تُهلِكُ المُجتَمَعات. كم من مُنكَرٍ يُفعَلُ اليَوم، فيُصَفِّقُ لَهُ النَّاسُ في مَجالِسِهِم وهَواتِفِهِم، ولا يَعلَمونَ أنَّهُم يُشارِكونَ الفاعِلَ إثمَهُ وهُم جالِسُونَ في بُيوتِهِم!
ثَلاثَةُ أيَّامٍ! انقَضَت مُهلَةُ الثَّلاثَةِ أيَّام. كانَ قَومُ صالِحٍ يَهزَؤون. يَنتَظِرونَ، وفي داخِلِهِم يَسخَرون: هَل سَيَأتي العَذاب؟
وفي صَباحِ اليَومِ الرَّابِع... لم تَأتِ جُيوشٌ مَليئَةٌ بِالسِّلاح، ولَم تُرسَل صَواعِقُ نارِيَّة. شَيءٌ لَم يَتَوَقَّعوه... صَوت! مُجَرَّد صَوت! ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: 31]. صَيحَةٌ واحِدَةٌ مِن جِبريلَ عَلَيهِ السَّلام، تَقَطَّعَت لَها نِياطُ قُلوبِهِم، وتَمَزَّقَت أجسادُهُم وهُم في بُيوتِهِم المَنحوتَةِ الآمِنَة.
تَخَيَّلوا المَشهَد! الجِبالُ الَّتي نَحَتوها بَقِيَت كَما هي، القُصورُ بَقِيَت، لَكِنَّ الأجسادَ الَّتي اغتَرَّت بِقُوَّتِها تَمَزَّقَت في لَحظَة. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ • كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ [هود: 67-68]. ماتوا كُلُّهُم. جُثَثٌ هامِدَة. أينَ القُوَّة؟ أينَ الغُرور؟ أينَ التَّحَدِّي؟ سَقَطَ كُلُّ شَيءٍ أمامَ قُوَّةِ المَلِكِ الجَبَّار.
أيُّها المسلمون، هَذِهِ القِصَّةُ لَيسَت مِن أساطيرِ الأوَّلين. هَذِهِ سُنَّةٌ جاريَة. المُشكِلَةُ أنَّنا نَقرَأُ قِصَّةَ ثَمود فَنَتَعَجَّبُ مِن غَبائِهِم! كَيفَ رَأوا النَّاقَةَ تَخرُجُ مِنَ الصَّخرِ ثُمَّ كَفَروا؟ لَكِن... هَل سَأَلنا أنفُسَنا مَرَّةً: كَم مِن آيَةٍ نَراها اليَومَ فَنَغفُلُ عَنها؟
نَرى المَوتَ يَختَطِفُ الشَّبابَ أمامَ أعيُنِنا فَنَبقى على غَفلَتِنا. نَرى الزَّلازِلَ تَدُكُّ مُدُناً كامِلَةً في ثَوانٍ فَنَتَحَدَّثُ عَنها كَظاهِرَةٍ جِيولوجِيَّةٍ بَحْتَة، ونَنسى أنَّها رِسالَةٌ مِن قادِر! نَرى الأمراضَ الخَفِيَّةَ الَّتي لا تُرى بِالعَينِ تُعجِزُ أكبَرَ أطِبَّاءِ الأرضِ، فَنَزدادُ رُكوناً إلى الطِّبِّ ونَنسى الشَّافي!
نَحنُ — في هَذا العَصر — نَملِكُ مِن التِّكنُولوجيا ما يَجعَلُ بَعضَ النَّاسِ يَشعُرونَ بِالاستِغناء، تَماماً كَما شَعَرَت ثَمودُ حِينَ نَحَتَتِ الجِبال. لَكِنَّ الحَقيقَةَ الَّتي يَجِبُ أن نَعيَها، كَما ذَكَرَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "إنَّ قَوماً ألهَتهُم أماني المَغفِرَةِ حَتَّى خَرَجوا مِنَ الدُّنيا ولا حَسَنَةَ لَهُم، يَقولُ أحَدُهُم: إنِّي أُحسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي! وكَذَبَ، لَو أحسَنَ الظَّنَّ لَأَحسَنَ العَمَل".
فيا أخي الكَريم، هَل عَقَرتَ "ناقَةَ" التَّقوى في قَلبِك؟ هَل تَجاوَزتَ حُدودَ اللهِ وأنتَ تَأمَنُ عُقوبَتَه؟ تَذَكَّر الصَّيحَة! تَذَكَّر أنَّ العَذابَ قَد يَأتي مِن حَيثُ تَظُنُّ الأمان. لا تَغتَرَّ بِحِلمِ اللهِ عَنك، فَإنَّ اللهَ يُمهِلُ ولا يُهمِل.
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن قِصَّةِ أُمَّةٍ نَحَتَتِ الصَّخرَ واغتَرَّت، وكيفَ اختَبَرَها اللهُ بِناقَةٍ فَعَقَروها، فكانَت نِهايَتُهُم بَصَيحَةٍ واحِدَةٍ مَحَتهُم مِن وُجودِ الحَياة. ورَأَينا كيفَ أنَّ المُشارَكَةَ بِالرِّضا والسُّكوتِ أوقَعَتِ العَذابَ على الجَميع. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَم: كيفَ نَأخُذُ مِن قِصَّتِهِم حِصناً يَحمينا في حَياتِنا اليَوم؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا في قُلوبِكُم مَعنى "الخَوفِ مِن مَكرِ الله". المَكرُ هُنا يَعني الاستِدراجَ بِالنِّعَم. إن رَأيتَ نَفسَكَ عاصِياً واللهُ يُتابِعُ عَلَيكَ النِّعَمَ — في صِحَّتِكَ ورِزقِك — فَاحذَر! فَهَذا هُوَ الاستِدراج. قالَ تَعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. راجِع نَفسَكَ اللَّيلَة، ولا تَطْمَئِنَّ لِمَعصِيَةٍ سَتَرَها اللهُ عَلَيك.
الثانية (لِسانيَّة): اجعَلوا الاستِغفارَ وِرداً لا يَنقَطِعُ عَن ألسِنَتِكُم. الاستِغفارُ هو صَمَّامُ الأمانِ الأكبَرِ مِن العَذاب المباغت. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما: "كانَ فيكُم أمانان: نَبِيُّكُم والاستِغفار، فَمَضى النَّبيُّ ﷺ وبَقِيَ الاستِغفار". لا تَترُكِ اليَومَ يَمضي إلَّا وقَد لَهِجَ لِسانُكَ بِمِئَةِ استِغفارَةٍ صادِقَة؛ فَهي تَرفَعُ البَلاءَ قَبلَ أن يَقَع.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): احذَروا مِن تَعَدِّي الحُدود. كَما جَعَلَ اللهُ لِثَمودَ "ناقَةً" كَحدٍّ فاصِل، جَعَلَ لَنا حُدوداً في حَياتِنا: الصَّلاةُ في وَقتِها، حِفظُ الأبصار، أكلُ الحَلال. خُذ خُطوَةً عَمَلِيَّةً اليَوم: تَفَقَّد المَكانَ الَّذي تَتَجاوَزُ فيهِ حُدودَ الله (في هاتِفِك، في بَيعِكَ وشِرائِك، في نَظَرِك)، وقُل: "هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لي"، وتَوَقَّف عَن التَّجاوُزِ طاعَةً لِله.
الرابعة (اجتماعيَّة): إيَّاكُم والرِّضا عَنِ الفَسادِ، ومُصاحَبَةَ المُفسِدين. التِّسعَةُ الَّذينَ أفسَدوا في مَدينَةِ صالِح، أهلَكوا القَومَ بِسُكوتِ الآخَرين. إذا جَلَستَ في مَجلِسٍ يُغتابُ فيهِ مُسلِم، أو يُنتَهَكُ فيهِ حَقٌّ، أو يُستَهزَأُ فيهِ بِدينِ الله... فَلا تَسكُت، وإن لَم تَستَطِع فَغادِر! سُكوتُكَ مُشارَكَة، ومُغادَرَتُكَ نَجاة.
الخامسة (موضوعيَّة): إذا مَرَرتُم بِمَقابِرَ، أو قُرىً قَديمَةٍ، أو أطلالٍ... فَلا تَمُرُّوا مُرورَ الغافِلين. تَأَمَّلوا. قولوا في أنفُسِكُم: "هُنا كانَت أحلامٌ، وهُنا كانَت صِراعاتٌ، وهُنا كانَت جَبابِرَة... ثُمَّ فَنِيَ الكُلُّ وبَقِيَ الله". هَذِهِ النَّظرَةُ تُصَغِّرُ الدُّنيا في عَينِكَ، وتُكَبِّرُ الآخِرَةَ في قَلبِك.
فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى تحملكم على الاعتبار بمن سبق، والعمل لما يلحق.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. اللهم اجعلنا ممن إذا ذُكّروا بآياتك لم يخروا عليها صماً وعمياناً.
اللهم لا تمكر بنا، ولا تستدرجنا بالنعم، واجعلنا ممن يعتبر بمصارع الغابرين.
اللهم ارزقنا لغة الاستغفار الصادق، وقلباً خاشعاً، وعيناً تدمع من خشيتك.
اللهم لا تهلكنا بذنوبنا، ولا بما فعله السفهاء منا، واشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء.
اللهم احفظ الإسلام والمسلمين، وارفع الظلم عن إخواننا المظلومين والمستضعفين في كل مكان، وانصرهم بنصرك الذي لا يُرد، واربط على قلوبهم، وأنزل سكينتك عليهم.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
صَيحةُ العذاب... قِصَّةُ أُمَّةٍ اغتَرَّت بقُوَّتِها
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.